سومر شحادة: الحرب طحنتنا وأصبح علينا الحياة خارج مدننا التي أحببناها

الروائي السوري يقول إنه لا يتورط في آراء واضحة لأسباب فنية بحتة

سومر شحادة
سومر شحادة
TT

سومر شحادة: الحرب طحنتنا وأصبح علينا الحياة خارج مدننا التي أحببناها

سومر شحادة
سومر شحادة

يرسم الكاتب الروائي السوري سومر شحادة عالماً لا سبيل فيه للخلاص الفردي. يبرز هذا على نحو لافت في روايته «منازل الأمس» الصادرة حديثاً عن دار «الكرمة» بالقاهرة، وهي امتداد لانشغال أعماله بمحاولة فهم وتفكيك ماضي المكان، وانعكاسات الحرب والاقتلاع على الأجيال اللاحقة.

حازت روايته الأولى «حقول الذرة» على جائزة الطيب صالح عام 2016، كما فازت روايته «الهجران» بجائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2021... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الكتابة.

* طرحت في روايتك من خلال أبطالك الرئيسيين (سليم - نسرين - كارم) 3 مستويات للعلاقة بالوطن السوري. حدثنا عن هذا ومدى التراوح فيما بينهم.

- البطل الأول «كارم» نشأ في السعودية، ودرس مرحلته الجامعية فقط في اللاذقية. إنه يحمل هوية سورية، لكنه لا يشعر بالانتماء حيال الآخرين. فيما نشأت «نسرين» بفقد غامر، فقد تركتها أمها بعد ولادتها، وتكفّل بتربيتها «سليم». وعندما سافرت نسرين خارج سوريا لسنوات وعادت إليها، لم تعُد إلى سوريا بالمعنى الذي نُطلقه على بلد، بل عادت إلى مكان طفولتها. وكان موت «سليم» دافعها للعودة لبلدها. أما «سليم» فهو مقاربة أخرى قياساً بهما، لأنه ينتمي إلى جيل آخر؛ الوطن اعتدى عليه، الوطن عطبه، الوطن أساء إليه. وقد حطّمه إلى درجة لم يقدر على مفارقته. إنَّه إنسان مهزوم، هزمه المكان، وهزمه الحب.

* ثيمة «العائلة» تبدو في أدبِك عالماً مُستقلاً ومجازياً في الوقت نفسه. ماذا تمنح لبنائِك ورؤيتك السردية؟

- استخدمت العائلة في «الهجران» وفي «منازل الأمس»، كي أعرض عبرها اختلال العلاقات بسبب الحرب؛ ما يظهر تفكيكاً لعُرى العائلة نفسها. فالعائلة تظهر ناقصة الأركان بصورة دائمة، دلالة على حدث ما وقع خارجها، وهو حدث سياسي في «الهجران»، وحدث من طبيعة الزمن الذي يفتت الحب في «منازل الأمس».

* تبدو الرواية منذ استهلالها بتصدير جبران خليل جبران أنها تنحاز لمُستقبل بديل، إلا أن السرد يبدو وكأنه منح انتصاراً للأمس والعودة للجذور الأولى.

- هذا ما رميتُ إليه بتصدير الرواية بمقولة جبران. أما السرد فلم يكن سوى دليل على التصدير. أقصد أنني فكّكت الماضي برمّته، ماضي العائلة والمكان، وهذه دعوة للمغادرة، إذ بدا مع الرواية أن الماضي قد انتهى. أغلق على ذاته. وقد استنزفته الشخصيات حتى النهاية. نسرين عادت إلى سوريا، لكنها عادت كي تغادر من جديد. لا أظن أنها ستبقى. فعودتها حدث غير معقول، وفي أحيان كثيرة العودة تعني الموت.

* في الرواية رؤية للمرض والموت باعتبارهما يحملان معهما إشارات لتغيّرات تأتي بها الحياة، كما ارتبطت رحلة البطلة الذاتية بمرض الأب.

- في غياب الحب، الموت أو المرض يحركان الحياة. في «الهجران»، موت الأم أطلق الابن إلى تجربة الحبّ. وفي «منازل الأمس» موت الأب أطلق البنت إلى تجربة الحرية. إذاً، الموت في الهجران أثار معهُ الحب، وفي «منازل الأمس» أثار معه الحرية. وإخالُ أنَّ الحياة تحرّكها موضوعات من هذا القبيل؛ أن يموت أحباؤنا، أن نشعر بضعفهم، أن نحب أحدهم، أن نكون موضع حب من أحدهم، أن نسعى إلى الآخر، أن نضيق به. كل هذه الموضوعات تتفاعل سوياً في حياة كلٍّ منا.

* قدمت صورة غير نمطية للأب في «منازل الأمس» من خلال شخصية «سليم». فعادة ما تُنسب التضحيات للأم، والصمت كذلك حِيال الهجر. حدثنا عن تلك الحالة.

- ربما سليم ليس الأب. لم أحسم أمر أبوته لنسرين. أفكر به كعاشق، وقد استمر إلى جانب نسرين، لأنها ابنة وداد. لا لأنها ابنته. فهذا أمرٌ لم تحسمه الرواية. سليم بن حنيفة استمر إلى جانب نسرين بنت وداد كلّ حياته، لأنَّها ابنة المرأة التي أحبها.

* في روايتك «الهجران» تموت أم البطل في بداية الرواية، وفي «منازل الأمس» تعيش البطلة دون أم حتى تصير هي نفسها أماً. حدثنا عن مركزية «الأم» وأثر غيابها في كتابتك.

- في «الهجران» يبدأ الحدث الذي يحرّك السرد مع موت الأم. لكن الرواية كلها مؤسسة على موتٍ سابق، وقد كتبته في الصفحات الأولى قبل أن تبدأ الرواية؛ وهو موت الأب في السجن. إذن موت توفيق موتٌ سياسي، يمكن أن يضعه القارئ بلا عناء، مقابل شخصية عادل الانتهازي الذي احتلَّ المشهد بغياب أشخاص مثل توفيق. حتى العلاقة الشائكة التي تنامت بين زياد وعزيزة، حدثت بفعل غياب الأب الذي اختطفه وطنه، ومات مقتولاً في السجن. ما هو مركزي، ليس الأم؛ بل غيابها. وكذلك، ليس الأب؛ بل غيابه. الأمر الذي دفع الشخصيات بصورة دائمة إلى أن ترمّم نقصها؛ يوجد أشخاص تبدأ حيواتهم ناقصة. وتوجد خسارات، لا يستطيع المرء أن يفعل حيالها شيئاً.

* تبدو الأجيال لديك واجهة للتحوّلات التي يشهدها الوطن، دون أن تتورط كتابتك في نقد وآراء آيديولوجية صريحة. هل ترى في ذلك وسيلة لتحرير أدبك من قيود الأحكام السياسية؟

- لا أنشغل بالأحكام السياسة؛ لأنَّ رؤية الروايات التي أكتبها واضحة، وموقفها محسوم لصالح قيم الحرية والعدالة والبحث عن آفاق التغيير، وهي غير متاحة في سوريا، لا أتورط في آراء واضحة لأسباب فنية بحتة، وهذا أحد الدروس التي تعلمتها من روايتي الأولى «حقول الذرة»؛ حيث تحضر الأحكام السياسية بصورة أراها اليوم قد شوّشت على أصوات الشخصيات. السياسة ترسم حياتنا، ترسم مصائرنا ومعظم قراراتنا. لكنها لا تظهر. إنَّها متوارية وراء الحدث الروائي، تصنعه وتشكله. وهي تظهر في الروايات كخلفية للحدث الاجتماعي. أيضاً ما يشغلني ليس السياسة، بل الحياة نفسها، الحياة العادية التي تنطوي على اختلال دائم في العلاقات وسعي رتيب إلى موازنتها. السياسة بمعناها المباشر خربت عيشنا، ولا أرى مبرراً أن نتيح لها أن تخرب الفن الذي نكتبه. فقط، يجب أن يعي الكاتب دور السياسة في تشكيل العلاقات، ويجب أن يعي الدور العام للأدب الذي يعيد مساءلة الرواية الرسمية للتاريخ.

*الحرب والثورة من الثيمات البارزة في الرواية السورية في السنوات الأخيرة، كيف اخترت تناولهما في نتاجك الأدبي؟

- جاء في تقديم لجنة جائزة الطيب صالح للرواية أنَّ «حقول الذرة» تقرأ واقع الربيع العربي بكل تعقيداته. وقد كتبتها في سنوات مبكرة؛ كتبتها وعمري أقل من 24 عاماً. لكني أنظر إلى التجربة تلك بعد 10 سنوات نظرة يداخلها الشك. صحيح أنَّ الحدث السياسي العام في سوريا لم يشذّ عن الرواية حتى الآن، وقد كتبتها عام 2013. إلا أنَّه بمرور تلك السنوات الصعبة، أتذكر أنني كتبتها وأنا متأكد من أمر موتي. لذلك هي رواية عنيفة، غاضبة، تقول بوضوح ومباشرة كلّ ما كان مسكوتاً عنه في حينها، إنّها رواية ضد الجميع بالتساوي. غير أني أنظر إلى تلك المساواة بنوع من الألم. إخالُ أنَّ الزمن يضفي على أشد اللحظات عنفاً وراديكالية في حياتنا ثوباً من الشفقة، وطيفاً من السماح. في النهاية، العالم مختلف خارج رؤوسنا. تصوّراتنا عن الآخرين تعني تصوّراتنا عن البلدان، تعني تصوّراتنا عن تجارب كالثورة، أيضاً هي مسائل تعنينا. وفي «منازل الأمس» في الحيز الشخصي، تصوراتنا عن الحبّ، تعنينا، لا الآخر الذي نتوهَّم حبه. إذاً السياق الذي تجري فيه الحياة هو سياق أكثر سعة من الكتابة.

رؤية الروايات التي أكتبها واضحة، وموقفها محسوم لصالح قيم الحرية والعدالة والبحث عن آفاق التغيير، وهي غير متاحة في سوريا

* كيف تتأمل تلك المسافة بين «اللاذقية» كمسرح روائي ومسقط رأسك؟

- تقريباً هما الأمر نفسه، مع فارق أنَّ اللاذقية كمسرح روائي مدينة أعود بها إلى الوراء، إلى سنوات سبقت مجيئي. أعرف تاريخ شوارعها من أشخاص أكبر مني في العمر. لكن إذا نظرتُ إليها كمسقط رأس، فأنا أعرف أني سأغادرها في لحظة مقبلة. أحدس بالمغادرة، من غير أن أفكر فيها كثيراً. لكن في هذا الشقاق، أفكر بكتبي. وكأنما مكتوب لنا ألا نكبر في المدن التي أحببناها. حتى لو كبرتُ في اللاذقية من غير أن أغادرها. فأنا أقرأ تغيراتها كلّ يوم. ولا مناص من الاعتراف بأنَّ سنوات الحرب طحنت الناس، أدمت وعيهم، وقتلت فيهم شيئاً من نداءات الغد.

* كنت ممن فازوا بجوائز أدبية منذ بواكير مشروعك الأدبي. هل ترى أن ذلك التقدير مُفيد أم مُربك لكتاباتِك الجديدة؟

- كان مفيداً بالنسبة إليَّ، لأنَّ اسمي صار يسبقني إلى الناشرين، أحياناً تكون الجوائز حاجة لسوق النشر أكثر ممَّا هي حاجة للكاتب نفسه. والجائزة تساعد الكاتب، شرط أن يتعلّم تجاوزها سريعاً، ألا يركن للنجاح ويصدّقها. الكتابة باتِّساعها أقرب للصمت، والجائزة ضجيج؛ مهما علا يبقى مجرَّد إيقاع مضطرب وسريع داخل الصمت الأعم. لم تربكني الجوائز، ووضعتني أمام مسؤولية أن تكتب في بلد ينهار، وهي مسؤولية خطرة وحساسة. فنحن شهود على زمن ينقضي، هذه حقيقة.


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.