يرسم الكاتب الروائي السوري سومر شحادة عالماً لا سبيل فيه للخلاص الفردي. يبرز هذا على نحو لافت في روايته «منازل الأمس» الصادرة حديثاً عن دار «الكرمة» بالقاهرة، وهي امتداد لانشغال أعماله بمحاولة فهم وتفكيك ماضي المكان، وانعكاسات الحرب والاقتلاع على الأجيال اللاحقة.
حازت روايته الأولى «حقول الذرة» على جائزة الطيب صالح عام 2016، كما فازت روايته «الهجران» بجائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2021... هنا حوار معه حول روايته الجديدة وهموم الكتابة.
* طرحت في روايتك من خلال أبطالك الرئيسيين (سليم - نسرين - كارم) 3 مستويات للعلاقة بالوطن السوري. حدثنا عن هذا ومدى التراوح فيما بينهم.
- البطل الأول «كارم» نشأ في السعودية، ودرس مرحلته الجامعية فقط في اللاذقية. إنه يحمل هوية سورية، لكنه لا يشعر بالانتماء حيال الآخرين. فيما نشأت «نسرين» بفقد غامر، فقد تركتها أمها بعد ولادتها، وتكفّل بتربيتها «سليم». وعندما سافرت نسرين خارج سوريا لسنوات وعادت إليها، لم تعُد إلى سوريا بالمعنى الذي نُطلقه على بلد، بل عادت إلى مكان طفولتها. وكان موت «سليم» دافعها للعودة لبلدها. أما «سليم» فهو مقاربة أخرى قياساً بهما، لأنه ينتمي إلى جيل آخر؛ الوطن اعتدى عليه، الوطن عطبه، الوطن أساء إليه. وقد حطّمه إلى درجة لم يقدر على مفارقته. إنَّه إنسان مهزوم، هزمه المكان، وهزمه الحب.

* ثيمة «العائلة» تبدو في أدبِك عالماً مُستقلاً ومجازياً في الوقت نفسه. ماذا تمنح لبنائِك ورؤيتك السردية؟
- استخدمت العائلة في «الهجران» وفي «منازل الأمس»، كي أعرض عبرها اختلال العلاقات بسبب الحرب؛ ما يظهر تفكيكاً لعُرى العائلة نفسها. فالعائلة تظهر ناقصة الأركان بصورة دائمة، دلالة على حدث ما وقع خارجها، وهو حدث سياسي في «الهجران»، وحدث من طبيعة الزمن الذي يفتت الحب في «منازل الأمس».
* تبدو الرواية منذ استهلالها بتصدير جبران خليل جبران أنها تنحاز لمُستقبل بديل، إلا أن السرد يبدو وكأنه منح انتصاراً للأمس والعودة للجذور الأولى.
- هذا ما رميتُ إليه بتصدير الرواية بمقولة جبران. أما السرد فلم يكن سوى دليل على التصدير. أقصد أنني فكّكت الماضي برمّته، ماضي العائلة والمكان، وهذه دعوة للمغادرة، إذ بدا مع الرواية أن الماضي قد انتهى. أغلق على ذاته. وقد استنزفته الشخصيات حتى النهاية. نسرين عادت إلى سوريا، لكنها عادت كي تغادر من جديد. لا أظن أنها ستبقى. فعودتها حدث غير معقول، وفي أحيان كثيرة العودة تعني الموت.
* في الرواية رؤية للمرض والموت باعتبارهما يحملان معهما إشارات لتغيّرات تأتي بها الحياة، كما ارتبطت رحلة البطلة الذاتية بمرض الأب.
- في غياب الحب، الموت أو المرض يحركان الحياة. في «الهجران»، موت الأم أطلق الابن إلى تجربة الحبّ. وفي «منازل الأمس» موت الأب أطلق البنت إلى تجربة الحرية. إذاً، الموت في الهجران أثار معهُ الحب، وفي «منازل الأمس» أثار معه الحرية. وإخالُ أنَّ الحياة تحرّكها موضوعات من هذا القبيل؛ أن يموت أحباؤنا، أن نشعر بضعفهم، أن نحب أحدهم، أن نكون موضع حب من أحدهم، أن نسعى إلى الآخر، أن نضيق به. كل هذه الموضوعات تتفاعل سوياً في حياة كلٍّ منا.
* قدمت صورة غير نمطية للأب في «منازل الأمس» من خلال شخصية «سليم». فعادة ما تُنسب التضحيات للأم، والصمت كذلك حِيال الهجر. حدثنا عن تلك الحالة.
- ربما سليم ليس الأب. لم أحسم أمر أبوته لنسرين. أفكر به كعاشق، وقد استمر إلى جانب نسرين، لأنها ابنة وداد. لا لأنها ابنته. فهذا أمرٌ لم تحسمه الرواية. سليم بن حنيفة استمر إلى جانب نسرين بنت وداد كلّ حياته، لأنَّها ابنة المرأة التي أحبها.
* في روايتك «الهجران» تموت أم البطل في بداية الرواية، وفي «منازل الأمس» تعيش البطلة دون أم حتى تصير هي نفسها أماً. حدثنا عن مركزية «الأم» وأثر غيابها في كتابتك.
- في «الهجران» يبدأ الحدث الذي يحرّك السرد مع موت الأم. لكن الرواية كلها مؤسسة على موتٍ سابق، وقد كتبته في الصفحات الأولى قبل أن تبدأ الرواية؛ وهو موت الأب في السجن. إذن موت توفيق موتٌ سياسي، يمكن أن يضعه القارئ بلا عناء، مقابل شخصية عادل الانتهازي الذي احتلَّ المشهد بغياب أشخاص مثل توفيق. حتى العلاقة الشائكة التي تنامت بين زياد وعزيزة، حدثت بفعل غياب الأب الذي اختطفه وطنه، ومات مقتولاً في السجن. ما هو مركزي، ليس الأم؛ بل غيابها. وكذلك، ليس الأب؛ بل غيابه. الأمر الذي دفع الشخصيات بصورة دائمة إلى أن ترمّم نقصها؛ يوجد أشخاص تبدأ حيواتهم ناقصة. وتوجد خسارات، لا يستطيع المرء أن يفعل حيالها شيئاً.

* تبدو الأجيال لديك واجهة للتحوّلات التي يشهدها الوطن، دون أن تتورط كتابتك في نقد وآراء آيديولوجية صريحة. هل ترى في ذلك وسيلة لتحرير أدبك من قيود الأحكام السياسية؟
- لا أنشغل بالأحكام السياسة؛ لأنَّ رؤية الروايات التي أكتبها واضحة، وموقفها محسوم لصالح قيم الحرية والعدالة والبحث عن آفاق التغيير، وهي غير متاحة في سوريا، لا أتورط في آراء واضحة لأسباب فنية بحتة، وهذا أحد الدروس التي تعلمتها من روايتي الأولى «حقول الذرة»؛ حيث تحضر الأحكام السياسية بصورة أراها اليوم قد شوّشت على أصوات الشخصيات. السياسة ترسم حياتنا، ترسم مصائرنا ومعظم قراراتنا. لكنها لا تظهر. إنَّها متوارية وراء الحدث الروائي، تصنعه وتشكله. وهي تظهر في الروايات كخلفية للحدث الاجتماعي. أيضاً ما يشغلني ليس السياسة، بل الحياة نفسها، الحياة العادية التي تنطوي على اختلال دائم في العلاقات وسعي رتيب إلى موازنتها. السياسة بمعناها المباشر خربت عيشنا، ولا أرى مبرراً أن نتيح لها أن تخرب الفن الذي نكتبه. فقط، يجب أن يعي الكاتب دور السياسة في تشكيل العلاقات، ويجب أن يعي الدور العام للأدب الذي يعيد مساءلة الرواية الرسمية للتاريخ.
*الحرب والثورة من الثيمات البارزة في الرواية السورية في السنوات الأخيرة، كيف اخترت تناولهما في نتاجك الأدبي؟
- جاء في تقديم لجنة جائزة الطيب صالح للرواية أنَّ «حقول الذرة» تقرأ واقع الربيع العربي بكل تعقيداته. وقد كتبتها في سنوات مبكرة؛ كتبتها وعمري أقل من 24 عاماً. لكني أنظر إلى التجربة تلك بعد 10 سنوات نظرة يداخلها الشك. صحيح أنَّ الحدث السياسي العام في سوريا لم يشذّ عن الرواية حتى الآن، وقد كتبتها عام 2013. إلا أنَّه بمرور تلك السنوات الصعبة، أتذكر أنني كتبتها وأنا متأكد من أمر موتي. لذلك هي رواية عنيفة، غاضبة، تقول بوضوح ومباشرة كلّ ما كان مسكوتاً عنه في حينها، إنّها رواية ضد الجميع بالتساوي. غير أني أنظر إلى تلك المساواة بنوع من الألم. إخالُ أنَّ الزمن يضفي على أشد اللحظات عنفاً وراديكالية في حياتنا ثوباً من الشفقة، وطيفاً من السماح. في النهاية، العالم مختلف خارج رؤوسنا. تصوّراتنا عن الآخرين تعني تصوّراتنا عن البلدان، تعني تصوّراتنا عن تجارب كالثورة، أيضاً هي مسائل تعنينا. وفي «منازل الأمس» في الحيز الشخصي، تصوراتنا عن الحبّ، تعنينا، لا الآخر الذي نتوهَّم حبه. إذاً السياق الذي تجري فيه الحياة هو سياق أكثر سعة من الكتابة.
رؤية الروايات التي أكتبها واضحة، وموقفها محسوم لصالح قيم الحرية والعدالة والبحث عن آفاق التغيير، وهي غير متاحة في سوريا
* كيف تتأمل تلك المسافة بين «اللاذقية» كمسرح روائي ومسقط رأسك؟
- تقريباً هما الأمر نفسه، مع فارق أنَّ اللاذقية كمسرح روائي مدينة أعود بها إلى الوراء، إلى سنوات سبقت مجيئي. أعرف تاريخ شوارعها من أشخاص أكبر مني في العمر. لكن إذا نظرتُ إليها كمسقط رأس، فأنا أعرف أني سأغادرها في لحظة مقبلة. أحدس بالمغادرة، من غير أن أفكر فيها كثيراً. لكن في هذا الشقاق، أفكر بكتبي. وكأنما مكتوب لنا ألا نكبر في المدن التي أحببناها. حتى لو كبرتُ في اللاذقية من غير أن أغادرها. فأنا أقرأ تغيراتها كلّ يوم. ولا مناص من الاعتراف بأنَّ سنوات الحرب طحنت الناس، أدمت وعيهم، وقتلت فيهم شيئاً من نداءات الغد.
* كنت ممن فازوا بجوائز أدبية منذ بواكير مشروعك الأدبي. هل ترى أن ذلك التقدير مُفيد أم مُربك لكتاباتِك الجديدة؟
- كان مفيداً بالنسبة إليَّ، لأنَّ اسمي صار يسبقني إلى الناشرين، أحياناً تكون الجوائز حاجة لسوق النشر أكثر ممَّا هي حاجة للكاتب نفسه. والجائزة تساعد الكاتب، شرط أن يتعلّم تجاوزها سريعاً، ألا يركن للنجاح ويصدّقها. الكتابة باتِّساعها أقرب للصمت، والجائزة ضجيج؛ مهما علا يبقى مجرَّد إيقاع مضطرب وسريع داخل الصمت الأعم. لم تربكني الجوائز، ووضعتني أمام مسؤولية أن تكتب في بلد ينهار، وهي مسؤولية خطرة وحساسة. فنحن شهود على زمن ينقضي، هذه حقيقة.

