كونديرا لم يكتب رواية مهمة بعد سقوط جدار برلين

رحل عن عالم لم يعد يحتمل

كونديرا لم يكتب رواية مهمة بعد سقوط جدار برلين
TT

كونديرا لم يكتب رواية مهمة بعد سقوط جدار برلين

كونديرا لم يكتب رواية مهمة بعد سقوط جدار برلين

في الحادي عشر من يوليو (تموز) 2023، توفي الروائي الكبير ميلان كونديرا عن سن تناهز 94 عاماً. وأخال أنه رحل غير آسف عن هذا العالم الغارق في الأزمات والحروب، وفي فضوى عارمة تهدد الحضارة الغربية، وأسسها ومبادئها وأنوراها التي عكستها جل رواياته، ومقالاته النقدية والفكرية التي تعكس ثقافته الفلسفية العميقة.

خلال السنوات الأخيرة كف ميلان كونديرا بعد أن شَغَلَ أحباء الرواية في جميع أنحاء العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، عن الكلام وعن الكتابة. لذلك لم نعد نسمع عنه شيئاً تقريباً. ولعلّ الشيخوخة فَعَلتْ فعْلها، أو لعله فضّل أن يخلد إلى الصمت مثلما يفعل الحكماء عند اقتراب أجلهم.

وعلى أي حال، يمكن أن نقول إن ميلان كونديرا لم يصدر أي رواية مُهمّة بعد سقوط جدار برلين وانهيار الكتلة الاشتراكية بزعامة ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي. وقد يعود ذلك إلى أنه ركز كل مواضيع جلّ رواياته على فضح وإدانة الحقبة الشيوعية، ورموزها. فلما انتفت تلك الحقبة، لم يعد يملك ما يثير الاهتمام. وحتى الروايات التي كتبها بلغة موليير لم تتخلص من تبعات الحقبة الستالينية. كما أن كبار النقاد الفرنسيين لم يعيروها اهتماماً كبيراً. بل إن الكاتب بيار أسولين كتب يقول بأن هذه الروايات تقدم الدليل على أن كونديرا أصبح «يكتب ويفكر سيّئًا».

لكن علينا أن نقرّ بأن كونديرا أنجز خلال العقود الثلاثة الأخيرة دراسات رائعة عن فن الرواية أصدرها في ثلاث كتب هي: «فن الرواية»، و«الوصايا المغدورة»، و«الستار». وهذه الكتب النظرية التي خصصها كونديرا لإبراز خفايا فن الرواية الأوروبية منذ الفرنسي رابليه والأسباني سارفانتس وحتى بروست وجميس جويس وموزيل وغومبروفيتش وفرانز كافكا، وهرمان بروخ، لم تؤكد فقط معرفته العميقة بأعمال هؤلاء، بل أظهرت اطلاعه الواسع على الموسيقى، وعلى الفلسفة، وعلى التاريخ الأوروبي في مراحله المختلفة. وفي هذه الكتب النظرية، حدد ميلان كونديرا مفهومه للرواية قائلاً: «الرواية تعلمنا أن نفهم حقائق الآخرين، والطبيعة المحدودة لحقيقتنا. وهي تعلمنا أن نفهم العالم كما لو أنه سؤال مُتعدد الأوجه. لهذا السبب كانت الرواية ولا تزال، معادية للآيديولوجيا، إذ إن الآيديولوجيا تقدم إلينا العالم من خلال وجهة نظر حقيقة واحدة. وهي تمثله لنا كما لو أنه تجسيد لهذه الحقيقة».

ويواصل كونديرا حديثه عن الرواية قائلاً: «إذا ما رفضت الرواية التقيّد بالآيديولوجيا السياسية في عصرنا، والمساهمة في التبسيطات الآيديولوجية التي باتت مبتذلة وثقيلة، فإن هذا لا يعني موقفاً حيادياً من جانبها، وإنما هو تحد إذ إن الرواية تُسْقط نظام القيم المتعارف عليه، والأسس الجاهزة، وتقوّضُ الأفكار السائدة».

وعلينا أن نشير إلى أن نجم ميلان كونديرا في مجال الرواية بدأ يسطع على المستوى العالمي بعد أن أصدر ثلاث روايات يدين فيها حياة أبناء وطنه في ظل الاستبداد والطغيان الشيوعي. وهذه الروايات هي «المزحة»، و«غراميات مضحكة»، و«الحياة في مكان آخر» التي أحرزت على جائزة «ميديسيس» الفرنسية المرموقة وذلك عام 1973. وعن هذه الرواية كتب يقول: «لقد اخترت العنوان من بيت لرامبو. (والحياة في مكان آخر) كان طلبة ثورة ربيع 68 قد كتبوها على حيطان باريس كواحد من الشعارات التي رفعوها في تلك الفترة. و(الحياة في مكان آخر) هي وهم من الأوهام الأبدية للشبيبة، ولأولئك الذين لم يتمكنوا من تجاوز الحدود الفاصلة بين سن الشباب وسن الكهولة. وهي تعبير عن الرغبة الجامحة في الدخول إلى مملكة الحياة الحقيقية. ومثل هذه الرغبة تتطلب أفعالاً من قبل الشبان الثوريين، ومن قبل الشعراء الشبان». ويواصل كونديرا حديثه عن روايته المذكورة قائلاً: «قبل أن أكتب هذه الرواية، قرأت الكثير من سير الشعراء. وجميعها كانت تكشف بشكل جلي عن غياب الأب القوي. لذا يمكن القول إن الشاعر يخرج من بيوت النساء. وهناك أمهات يُفرطن في حماية شاعرهن الشاب مثل والدة ألكسندر بلوك، أو ريلكه، أو أوسكار وايلد، أو والدة الشاعر التشيكي الثوري فولكر الذي كانت سيرته عوناً مهماً لي أثناء كتابة روايتي. وهناك أمهات باردات لكنهن ليس أقل حرصاً على حماية أبنائهن الشعراء من الأمهات اللاتي ذكرت. عندئذ ابتكرت هذا التعريف للشاعر: إنه شاب تقوده أمه. وهو يعرض نفسه على العالم الذي لا يعرف كيف يدخله».

وفي منفاه الفرنسي أصدر ميلان كونديرا روايتين حققتا له شهرة عالمية واسعة وهما: «كتاب الضحك والنسيان»، و«الكائن الذي لا تحتمل خفته». وتقوم أغلب الروايات المذكورة على كلمات أساسية مثل الجهل، والنسيان، والضحك، والخلود، والدوار... كما تقوم على الجمع بين الأحداث والأفكار والتأملات الميتافيزيقية والفلسفية العميقة. ويعني ذلك أن كونديرا تمرد على الأشكال المتعارف عليها، والسائدة في الرواية الأوروبية ليبتكر شكلاً جديداً مستوحى من روائيين سبقوه أمثال ديدرو، وفلوبير، وكافكا، وموزيل، وهرمان بروخ، وغومبروفيتش.

وفي الروايات التي كتبها في منفاه الفرنسي، يحضر المنفى بكل تجلياته ومعانيه الفلسفية العميقة. ففي «كائن لا تحتمل خفته»، هو يكتب: «الذي يعيش خارج بلده، يمشي في فضاء فارغ فوق الأرض تحت شبكة الحماية التي تمدها إلى كل كائن بشري، البلاد التي هي بلاده، حيث عائلته، وزملاؤه، وأصدقاؤه، وحيث يمكن أن يُفْهَمَ من دون أيّ مشقة في لغاته التي يعرفها منذ طفولته». وعندما يصل إلى البلد المُضيف، يشعر المهاجر بحنين جارف إلى وطنه لأنه خرج من حضن اللغة الأم ليجد نفسه في عالم غريب شبيه بالفراغ، بل بالعدم. وهذا الحنين حسب كونديرا «لا يوقظ ذكريات، بل هو يكتفي بنفسه، وبالمشاعر والأحاسيس التي يثيرها، غارقاً في آلامه وأوجاعه». وفي روايات المنفى، تجسد الشخصيات التي ابتكرها كونديرا خصوصيّات أولئك الذين فروا من الأنظمة الشمولية، وليس أوضاع المهاجرين الذين أجبرتهم ظروف اقتصادية أو تاريخية على ترك بلدانهم للعيش في بلدان آمن وغنية.

وفي خريف عام 2008، نشرت جريدة تشيكية واسعة الانتشار، مقالاً أشارت فيه إلا أنه تم العثور على وثيقة في أرشيف البوليس السياسي في الفترة الشيوعية تثبت أن ميلان كان مُخبراً سرياً. ففي عام 1950، وشى بصديق له كان قد فر من الجيش التشيكوسلوفاكي ليهاجر إلى الغرب. وقد حكم على ذلك الجندي بـ22 سنة سجناً أمضى منها 14 في ظروف شاقة للغاية. غير أن ميلان كونديرا نفى التهمة المذكورة نفياً قاطعاً متلقياً مساندة مطلقة من العديد من الشخصيات السياسية والأدبية من أمثال الرئيس التشيكي فاتيسلاف هافيل، وغابريال غارسيا ماركيز، وكارلوس فيونتاس، وخوان غويتوسولو، وأورهان باموق، وكوتزي، ونادين غوردماير، وسلمان رشدي وآخرين.

ويمكن القول إن كونديرا المتأثر بديدرو إلى درجة أنه يعد هذا الأخير معلماً له، لم يكتف برواية قصص حب رائعة، أو برسم صورة مرعبة عن الأنظمة الشيوعية الشمولية، بل هو تعدى كل ذلك ليساهم بشكل كبير في إحداث «ثورة» في مجال الكتابة الروائية. ورواياته ليست فقط قصصاً، وإنما هي أيضاً تحليل نقدي عميق للتاريخ والمجتمعات، وللنفس البشرية. لذلك وصفت بـ«الروايات الفكرية» تماماً مثلما هو الحال بالنسبة لروايات توماس مان، وهرمان بروخ، وروبرت موزيل. ويقول الكاتب الأمريكي ربشارد باور إنه بعد أن قرأ «كتاب الضحك والنسيان، و«كائن لا تحتمل خفته»، اتخذت الرواية لديه «وجهاً جديداً ومنعرجاً غير مسبوق». ويعود ذلك بحسب رأيه إلى أن كونديرا يحرص في كل أعماله على أن تكون القصص التي يرويها مشفوعة بتأملات فكرية وفلسفية عميقة. وأما الكاتب جوليان ريوس فيرى أن كونديرا يتحاور من خلال رواياته ودراساته النقدية مع سابقيه من الكلاسيكيين والمحدثين على حد السواء. وهو يخرجهم من أماكنهم المعتادة، ومن مخابئهم الأكاديمية لتحديد رؤيتنا للرواية الغربية. لذلك كان كونديرا على حق في استعمال عبارة «الرواية التي تفكر».

في الروايات التي كتبها في منفاه الفرنسي، يحضر المنفى بكل تجلياته ومعانيه الفلسفية العميقة


مقالات ذات صلة

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)
ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended