نظمت في مدينة البصرة، جنوب العراق، وعلى مدار ثلاثة أيام، أعمال المشغل السرديّ الثالث بتنظيم اتحاد الأدباء والكتّاب في المدينة، وتحت عنوان مركزيّ «النقد القصصيّ وتطبيقاته»، بمشاركة نقادٍ وكتّاب عراقيين من مدن مختلفة.
وشارك في مشغل هذا العام أكثر من 44 قاصاً وقاصّة (من أصل 60 مشاركة تقدّمت إلى اللجنة التحضيرية)، توزّعت قراءاتهم على ثماني جلسات صباحيّة ومسائيّة، رافقتها ثمانية عروض نقديّة سلطت الضوء على آخر نتاجات القصة العراقيّة القصيرة، مع عرض لبعض الأفكار والخلاصات والتوصيات، وقد استضاف مبنى اتحاد الأدباء جلسات المشغل بعد افتتاحه مؤخراً عقب انتهاء أعمال التأهيل التي أجرتها منظمة اليونسكو على البناية التاريخية.
وفي كلمة افتتح بها المشغل أعماله، قال القاص الرائد محمد خضير، إن المشغل «فضاءٌ تجرببيٌّ يبتكر الواقعةَ السّرديةَ، الجغرافية النادرة والمبذولة، التاريخية المتجذِّرة والتصادفيّة، بحضور أشتاتٍ من المنتسبين المحترفِين والهواة؛ حيث لا تقتصر مناسبتُه على جهود السُّرّاد المكتبيّين، بل تتعدّاها إلى أعمال أصناف عدّة من الحُكاة الشفاهيّين والرحّالة والصحافيّين والمنقِّبين الآثاريّين وغيرهم من أهل الصنائع المتصلة بصنعة السّرد».
وأضاف خضير: «قد ينشأ المشغل بين حاضنات أكاديميّة، شأنه شأن مراكز الفكر الفلسفي والبحوث العلمية، لكي يكتسب استقرارَ المفهوم ومنهجيّة الاشتغال، لكنّه ينفصل لاحقاً، إجرائيّاً وعمليّاتياً، عمّا يماثله من مواقع البحث العلمي والأكاديمي - وهذه المرحلة أهم وأجدر بالبقاء والاستمرار من سابقتها الأكاديمية. أمّا إذا اتخذ المشغلُ صورةَ مشاغل فردية بإشراف كتّاب مُجرَّبين (مشغل ماركيز لكتابة السيناريو السينمائي في كوبا مثلاً) فهذا لأنّ المشتغلين فيه ينتسبون إلى جنس تقليديّ راسخ في العمل الأدبي أو السينمائي، له امتداداته الخيالية في الفكر والأدب؛ فقد يكون مشغل ماركيز ذاك واحداً من مسارح المدن القديمة، ومحفلاً من محافلها الحكائية. وقد تحتاج المشاغل الجماعية، الدورية، استلهامَ روح الابتكار والافتراع من مشاغل الخيال المستقبلية».
من جانبه، يرى فرات صالح، رئيس اتحاد الأدباء والكتّاب في البصرة، أن المشغل السرديّ «حدثٌ يفعّل المشهد الثقافيّ في البلاد على أسس مهنيّة رصينة في وقت كادت تسود فيه المجانيّة في التعامل مع النصوص الإبداعية في ظل طغيان المجاملات والأحكام السريعة في مواقع التواصل الاجتماعي». وأضاف صالح: «يأتي انعقاد المشغل، هذا العام، بعد نجاح دورتين سابقتين خصصتا للأدب النسوي القصصيّ والقصة القصيرة جداً. استقبلنا في دورة هذا العام عدداً كبيراً من المشاركات القصصيّة من مختلف مدن البلاد. وبعد تصفيتها وتمحيصها كلفنا عدداً من الأساتذة المتخصصين في النقد القصصيّ لدراستها وبيان رأيهم النقدي فيها، وهو ما يميّز هذه الدورة، وأعني التأكيد على مركزيّة النقد في إضاءة النصوص وبيان مواضع التميز والخلل، وبالتالي تأكيد ضرورة اعتياد المبدع على الركون إلى ملاحظات النقد بما يخدم تطوير نصوصه وقدراته».
وفي مداخلته، أشار الدكتور سلمان كاصد، عضو اللجنة التحضيريّة للمشغل، إلى أن الجديد في دورة هذا العام «اقتصارها على (النقد التطبيقي)، فمن المتعارف عليه أن هذا النقد لا يعيد نفسه كما هو حال (النقد النظريّ) لأنه نقد يذهب بعيداً إلى (التأويل) والبحث عن (البنية العميقة للنص) قصصياً كان أو غير ذلك. ويمتاز هذا المشغل بتجاور فنيّ بين متمرسين في فن القص ومجربين في صياغات جديدة، أي باختصار بين كتّاب برعوا فيه وشباب يزرعون ثمراتٍ جديدةً».
وشدد كاصد على أن «المفهومات وزوايا النظر، والغرابة، والأسلوب، واللغة، اقتناص الحكاية، والصياغات الشعرية للنص القصصي، حسبت بدقة في اختياراتنا للمشاركين، ولكن تبقى ذائقة الناقد البارع هي من تكشف العلاقات البنيوية لأجزاء وعناصر النص القصصيّ».
ويعتقد القاص صلاح عيال، أن البصرة «لم تكن بعيدة عن المشاغل السردية والتجمعات الشعرية والقصصية. منذ جماعة الـ(12 قصة) التي أفرزت أسماءً تصدرت المشهد القصصي العراقي مثل القاص الكبير محمد خضير وعبد الودود عبد الحميد وعبد الحسين العامر وآخرين، وقد أنجزوا كتابهم الثاني متضمناً 13 قصة، وبعد سنوات برقت جماعة البصرة أواخر القرن العشرين».
وأشار عيال إلى أن هذه الدورة يفترض أن تكون الخامسة وليس الثالثة، فقد سبق دورات المشغل الثلاث مشغلان سرديان مهمان خارج بناية الاتحاد هما: «ذاكرة المقهى» و«بقعة زيت»، برعاية القاص الرائد الراحل محمود عبد الوهاب والقاص محمد خضير، وقد اشترك بالمشغلين: علي عباس خفيف وجابر خليفة جابر ومحمد عبد حسن ونبيل جميل وباسم القطراني وغيرهم.
وحمل البيان الختامي للمشغل السرديّ الثالث جملةً من التوصيات، أهمها: «إن المشغل كان محركاً وراصداً للقصة القصيرة وليس منتجاً لها، وإن النقاد الذي رصدوا القصص؛ قوتها وضعفها، سماتها ونوعها، كانوا بموضع المراقبة والمتابعة والمسؤولية التي بلغت حد الاختلاف توافقاً مع مفهوم نقد النقد»، وأن هدف المشغل «تحريك المياه الراكدة بمحاولات جادّة لإعادة صياغة المشهد السرديّ الذي يطمح أن يكون بحدود تتلاءم مع تطورات العصر... تتناول موضوعات مغايرة متعلقة بمشكلات العالم من حروب تنذر بنهاية العالم وكوارث طبيعية وفيضانات ومجاعات».
ودورة هذا العام من المشغل السرديّ هي الثالثة، وقد سبقتها دورتان؛ الأولى عام 2020 بعنوان «التجربة النسويّة في القصة»، والثانية عام 2022 بعنوان «القصة القصيرة جداً»، حيث توقّفت أعماله عام 2021 بسبب جائحة «كورونا».
