العائدون إلى الوحشة... نصوص حول الإياب

قليلون هم الذين وجدوا في العودة ما يؤنس، ناهيك عما يثري

غازي القصيبي
غازي القصيبي
TT

العائدون إلى الوحشة... نصوص حول الإياب

غازي القصيبي
غازي القصيبي

استوحيت عنوان هذه المقالة من كتاب للناقد والشاعر السعودي عبد الله السفر، يضم مقالات كتبها على مدى سنوات حول الشعر استرعت انتباهي، من بينها مقالتان إحداهما حول مجموعة للشاعر العماني سيف الرحبي والأخرى حول قصيدة للشاعر السعودي محمد الحرز. مجموعة الرحبي تثير مسائل «الإياب إلى ما لا يستعاد، وذبل، وطحنته رحى الزمن القاسية»، في حين تتلفت قصيدة الحرز إلى ما يصفه السفر بـ«الوجود المعلق البرزخي، التوتر الدرامي بين الوراء والأمام، حيث الفجوة التي تثغر الشعور بانتظار تثقل وطأته وتتفاقم». هذا الشعور بالانتظار، يقول السفر، «يبقى الكاتب يشاغله بوجود آخر هو الوجود الشعري العصي على التبدد». في كتاب «دليل العائدين إلى الوحشة» (2012) لعبد الله السفر دليل للرؤية الشعرية أيضاً تنبهت إليه وأنا أتأمل حالات وقصائد تشاغلني بقضايا الإياب والالتفات نتيجة لما يثقلها من توقعات تنتهي مرة إلى البهجة ومرات إلى الخيبة.

عبد الله السفر

أما الحالات فعشت بعضها شخصياً حين وجدت نفسي غير مرة في مواطن تنامت فيها الطفولة أو الصبا ولم يتنام أمامي حين عدت إليها سوى الخيبة والانكسار. ولم تكن تلك أطلالاً لأحبة بقدر ما كانت أطلالاً للنفس، للذات التي تظن أن في العودة إلى الأماكن القديمة، بتعبير غازي القصيبي، عودة إلى ما اختزنته الأماكن ويتجدد به العمر. صدر ديوان القصيبي «العودة إلى الأماكن القديمة» عام 1985 وضمنه مجموعته الكاملة التي صدرت عام 1987. نسختي تعود إلى العام التالي فوجدت أن في عودتي إلى النسخة عودة أخرى إلى مكان قديم، ديوان شعر هذه المرة أكتشف فيه ما يؤكد ما ذهب إليه عبد الله السفر في قراءته للحرز، أي أن الإياب إلى ما لا يستعاد لا ينسحب على الشعر نفسه: يستطيع الشاعر أن يشاغل الغياب بوجود الشعر، وهو ما يفعله القارئ/ الناقد أيضاً.

سيف الرحبي

عدت إلى كتاب السفر وقصيدة القصيبي وفي ذهني نصوص من بيئات بعيدة تماماً عن الأحساء، حيث السفر والحرز والبحرين حيث كان القصيبي في صباه. كانت العودة ذاتها حافزي لاستعادة تلك النصوص وتأمل ما يجمعها. من تلك النصوص قصيدة للإنجليزي وليم وردزورث ومذكرات للفرنسي ألبير كامو وقصيدة للكندية/الترينيدادية دايون براند. نصوص شعرية ونثرية موجوعة أو منتشية بالعودة إلى الأماكن القديمة. لكن الوجع والانتشاء ليسا أهم المحصول هنا، وإنما هي الرؤى التي تتحول إلى قصائد تتجاوز الآني إلى المتصل والراحل إلى المقيم. ليس سوى الكلمة المبدعة وسيلة لمناهضة الوحشة ومجالدة الزمن.

«تنترن آبي» اسم مكان وعنوان قصيدة لوردزورث نشرها في أواخر القرن الثامن عشر ليتأمل فيما تركته في نفسه زيارة سابقة للمكان ذاته. هي واحدة من عيون الشعر الإنجليزي وليس شعر الرومانسي وردزورث فحسب. وهي أيضاً من القصائد القليلة بل الاستثنائية لكونها ليست موجوعة بالغياب عن المكان أو مصدومة بتغيره. هي عودة من يرى ما تحقق له رغم الغياب. الوحشة هنا ليست ما يعود إليه ولا ما ينتظره، بل هي غائبة تماماً. المكان كنيسة «تنترن آبي» التي تعود إلى العصور الوسطى والواقعة على الحدود بين إنجلترا ومقاطعة ويلز، حيث الطبيعة الباذخة في الصيف بصفة خاصة، الطبيعة التي تمركز حولها الشعر الرومانسي واستمد منها رؤاه ولغته. يقول وردزورث يقيس أثر المكان عليه بعد أن عاد إليه:

كل هذه الأشكال الجميلة،

طيلة ذلك الغياب الطويل، لم تغب عن بصيرتي

كما يغيب مرأى الطبيعة عن عين الكفيف:

وحيثما كنت وحيداً في حجرتي، أو وسط ضوضاء المدن الصاخبة،

وفي ساعات الملل والقنوط،

كانت تمنحني أحاسيس عذبة،

تسري في دمائي وفي قلبي،

بل وتصل إلى عقلي الصافي ذاته،

لتعيد لي الهدوء والسكينة... (ترجمة عبد الوهاب المسيري ومحمد علي زايد)

قليلون هم الذين وجدوا في العودة ما يؤنس، ناهيك عما يثري. من أولئك الفرنسي ألبير كامو الذي يوصف أحياناً بأنه جزائري أيضاً، وذلك في نص بديع بعنوان «العودة إلى تيبازا»، حيث المدينة الجزائرية مراتع للصبى وبواعث للحنين والذاكرة، لكني أؤثر أن أؤجل الكلام عن ذلك النص الثري والمركب إلى وقفة أخرى. هنا أود المضي إلى النصوص المقابلة تماماً لنص وردزورث، تلك التي لا ترى في العودة أكثر من الألم، إما ألم التغير والمحو وهو الغالب، أو ألم الاستمرار وهو الاستثناء في ظني.

قصيدة الكندية ديون براند تنهض على المفارقة المتمثلة في أن العودة لم تعن التغيير وإنما الثبات. هذه القصيدة سبق لي أن تناولتها في مقالة قديمة نسبياً ونشرت قراءتي في كتاب بعنوان «لغات الشعر» (2011). هنا أريد فقط أن أذكر باختصار ما تتمحور حوله القصيدة. فمن عنوانها يتضح أنها «عودة» إلى مكان قديم، والمكان هو البلاد التي تركتها حين هاجرت إلى كندا، أي ترينيداد، الجزيرة الكاريبية التي تعود إليها لتكتشف أنها لم تتغير وليتبين أن عدم التغير لا يبعث على البهجة وإنما على المفارقة المأسوية. يتضح ذلك لأن التغير المقصود، كما يتضح ضمناً، هو التحسن أو الرقي، أي الحداثة والتحضر، لكن ترينيداد لا تزال على فقرها وبؤس سكانها وكآبة منظرها:

إذاَ ما يزال الشارع هناك، ما يزال يذوب تحت الشمس

ما تزال أمواج الحرارة المشعة عند الواحدة

الرموش المحترقة، تنظر ...

ما تزال دماء الجزار تلطخ جدران السوق...

إلى آخر ما هنالك من مشاهد الثبات البائس. إنها العودة الخائبة، إلى وضع يجعل العودة غير مغرية البتة، بل مدعاة للأسى. وهذه العودة الداعية إلى الأسى هي ما يكتشفه غازي القصيبي حين يعود إلى مرابع صباه في البحرين، القصيبي الذي ولد وعاش كل حياته في السعودية ما عدا فترة طفولة وصبا قضاها في البحرين. تلك الفترة المبكرة تظل حاسمة وثمينة في حياة الإنسان، وهي ما يتأمله الشاعر في زيارة للبحرين أواسط الثمانينات من القرن الماضي وما دونه في قصيدة هي أيضاً عنوان مجموعة شعرية ضمت تلك القصيدة: «العودة إلى الأماكن القديمة».

ما يسترعي الانتباه في قصيدة القصيبي هو الانتقال من طللية رومانسية تتمثل في استدعاء الذاكرة الحميم للأماكن، إلى واقعية اقتضتها صدمة التغيير وتواري الأماكن مما يهدد بانمحاء الذاكرة نفسها. الصدمة، بتعبير آخر، ليست ناجمة، كما عند الشاعرة الكندية، عن الثبات وإنما عن التغير، وبالطبع ليس في هذا جديد على القصيدة العربية التي طالما عرفت البكاء على الأطلال. لكن بداية القصيدة تأتي مثقلة بنذر تلك الصدمة، أي بمشاعر الشيخوخة المتنامية، فالشاعر الآن كهل «تجره الأربعون» ويعلو ثوبه «غبار الصحارى»، في إشارة واضحة إلى انتقاله إلى وسط الجزيرة العربية. يأتي الشاعر باحثاً عن أطلال الطفولة:

كان يغفو في أذرع البحر بيتي

حوله الماء رقصة ولحون

ليصطدم بالتغيير:

ذهب البحر! من ترى اغتال بحري

فهو صخر صلد .. وقار مهين

عندما تقتل الحضارة بحراً

يعول الصمت.. والفراغ الحزين

هذا النعي لما فعلته الحضارة والتنمية سيبدو غريباً وهو يصدر عن شاعر صار وزيراً وارتبط اسمه بمتغيرات الحضارة والتنمية، رجل آمن بالتطوير ودعا إليه ونفذ ما أمكنه تنفيذه منه، لا سيما حين صار وزيراً للصناعة والكهرباء. لكنه الانقسام المألوف بين ذات الشاعر وذات المسؤول. في قصيدته يبدو القصيبي وكأنه يتمنى الثبات الذي اصطدمت به دايون عندما عادت هي أيضاً إلى جزيرة طفولتها. لكن حقيقة الأمر هي أن ما يتمناه القصيبي هو ثباته هو، أي استعادة طفولته لأن الأماكن ليست سوى مرايا تعلن التغيير. حين يتحول الشاعر إلى قيادي ومسؤول وتنفيذي سيكون أحد عوامل ذلك التغيير، ربما لوعيه باستحالة العودة إلى الأماكن القديمة لأنها ببساطة لم تعد هناك ولم يتبق سوى الحاضر والمستقبل. الإنجليزي وردزورث شغل بالحاضر والمستقبل أيضاً لكنه رآهما امتداداً غنياً للماضي وبالماضي. لقد عاش الشاعر الإنجليزي بدايات الثورة الصناعية وعبر عن رفضه لها مثلما فعل غير من الرومانسيين لكنه تمسك بالطبيعة ملاذاً، الطبيعة التي لم تكن بعد قد بدأت تدفع ثمن التنمية أو الحضارة التي شهد القصيبي تعمق أثرها في بلاده، سواء كانت البحرين أو السعودية.


مقالات ذات صلة

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.