«غربلة» خراب البصرة في رواية «غرابيل»

علي نكيل يكتب عن أكثر فترات العراق حلكة

«غربلة» خراب البصرة في رواية «غرابيل»
TT

«غربلة» خراب البصرة في رواية «غرابيل»

«غربلة» خراب البصرة في رواية «غرابيل»

تبدو رواية «غرابيل» للأديب البصري علي نكيل «أبو عراق»، في بنائها الدرامي مثل مسرحية كلاسيكية تتفاعل فيها الأحداث، وتتصارع فيها الشخصيات، بشكل لولبيّ متصاعد، وصولاً إلى ذروة العمل.

إذ تبدأ رحلة أبو عراق الروائية باستدعائه إلى دائرة الأمن المُرعبة في البصرة، بسبب تحول مكتبته الصغيرة في العشار إلى ملتقى للمثقفين «المارقين» على طغيان النظام، ثم تتسارع الأحداث بعد ذلك على وقْع قرع طبول احتلال الكويت، ومن ثَمّ تحريرها من الاحتلال العراقي، وانتفاضة الجوع والغضب الشعبية التي أعقبت هزيمة الجيش الأعزل والمنهار نفسياً أمام عاصفة الصحراء.

ليس غريباً أن يسمِّي البصريون مبنى دائرة الأمن الكبيرة، المطلية بالأبيض، بـ«الليث الأبيض»؛ لأن دخول هذا العرين المُخيف لا يجري بالسهولة التي يُتصور بها دخوله. يخرج أبو عراق من عرين الليث سليماً، بعد أن يتضح أن الاستدعاء كان مجرد تحذير من تحول مكتبته الصغيرة إلى وكر للشيوعيين التائبين، والمثقفين الناقمين. وهذا في زمنٍ تجري فيه أحداث القصة، في الفترة القصيرة الفاصلة بين نهاية الحرب العراقية الإيرانية، ونهاية غزوة الكويت المجنونة، وحينما تحولت البصرة بأكملها إلى عرين ليث أبيض.

يتضح لنا في الحال أن «أبو عراق» ليس بطل هذه الرواية المأساوية التي تُغَربل أكثر فترات العراق حلكة، وشهدت الخراب الجديد الذي يحلّ بالبصرة، مثل متوالية هندسية تتكرر فيها الزوايا. ليس الراوية في «غرابيل»، وأقصد علي نكيل، غير شاهد على ما حلَّ من دمار في أبنية المدينة، وأرواح أبنائها الحالمة بالخلاص من الدكتاتورية والحروب. يؤدي علي هنا دور الراوية في مسرحية دراماتيكية، لا ينسب لنفسه فيها أية بطولة، ولا يتدخل في أحداثها على الطريقة البريختية، لكنه يصورها لنا بكل واقعية.

أبطال هذه الرواية، سواء أكانوا سلبيين أم إيجابيين، هم أبناء البصرة؛ من مثقفين يحافظون على أفكارهم، مقابل مثقفين نزعوا جلودهم وانقلبوا «غرابيل» (بمعنى نمّامين ووُشاة هنا)، وعامة الناس بين من ثار ضد الظلم والجوع منهم، وبين من تحوّلوا إلى نهّابين تعاملوا مع الانتفاضة كـ«فرهود» جديد.

يقال «إن من غربل الناس نخلوه»، وهذا ما جرى للبعثيين وعملاء الأمن و«الشمامين»، الذين لاحقهم الثائرون وقتلوهم بلا رحمة. اختفى البعثيون في بيوتهم، أو في بيوت «المحسنين» إليهم، وتحوّلوا في لحظة من قامعين إلى مقموعين مستعدّين للهتاف مع الجموع الغاضبة بالشعارات الطائفية الساذجة.

تبلغ الدراما ذروتها بمقتل الشخصية البصرية الشعبية «مرجان» على أيدي الحرس الجمهوري، بعد تعذيبه والتنكيل به بتهمة زائفة لا يبدو أن سفلة النظام بحاجة إليها كي يطلقوا على عظمه الغربالي (عظم في قاع الجمجمة بين الأنف والدماغ) رصاصة الرحمة. ينهار مرجان (الأسود) في القبر الذي حفره بنفسه هو، يشدد على أنه رجل بسيط لا يجيد غير أساليب الدعاية الشعبية للأفلام، عازفاً الموسيقى بالناي من أنفه، وهو يهز مؤخرته المكوَّرة أمام أنظار الفتيات الخجِلات الرائحات والغاديات على جسر الهنود (جسر المغايز).

جمع المؤلف في هذه الشخصية الشعبية كامل مواصفات أبطاله، الذين يمثلون الشخصية البصرية البسيطة، هذه الشخصية البصرية التي تتحدر ربما من ثورة الزنج التي قادها علي بن محمد، شخصية محبوبة لا تختلف في هويتها عن الهوية المتعددة لهذه المدينة - الميناء التي تحمل أحياؤها أسماء «سوق الهنود»، و«جبل البلوش»، و«جسر العبيد»؛ تعبيراً عن تنوعها وتعايشها الثقافي.

لم يكن أبو عراق حراً في اختيار المكان في رواية «غرابيل»؛ لأن الحديث عن تفاصيل الانتفاضة، التي أعقبت تحرير الكويت، انطلقت من ساحة سعد في البصرة. لحظة جنون وانفجار واجهها الجيش «العقائدي» بعنف لا يقارَن أبداً بالخنوع والذل، الذي واجه به هذا الجيش جيش «الغزاة» الأميركان. غربل الأميركان الجنود العراقيين بأسلحتهم الفتاكة (غربل هنا بمعنى قتل أو سحق)، وترك البقية للحرس الجمهوري؛ كي يغربل الصغير والكبير بمنخل ناعم، فالمكان الذي تجري فيها وقائع الرواية هو أحياء المدينة الفقيرة وحي العشار - البجاري؛ حيث تقع مكتبة علي نكيل حتى الآن، هذه المدينة التي كرهها صدام بحسين بسبب تمرد أهلها وسماها «المدينة السوداء».

يكشف لنا قاموس المعاني أن غربلة الناس تعني كشف أحوالهم ومصائرهم، وهذا ما يفعله مؤلف «غرابيل»، الذي يبدو أنه اختار هذه العنوان بعناية بالغة. سمعنا الكثير عن الفظائع التي خلّفتها هذه الحرب، والفظائع الكبرى التي خلفها الحصار والجوع، لكن علي نكيل يغربل كل هذه الأحداث ليسرد لنا أفظعها، عن الرجل الذي ربط عيون أطفاله الثلاثة وألقى بهم من الجسر إلى النهر، لعجزه عن إطعامهم، وعن المعيدية الجميلة التي صارت تتاجر بجثث وهمية خلّفتها الحرب العراقية الإيرانية. بدأت سكينة المعيدية بيع الأجهزة الكهربائية المعطوبة في إيران هناك، بعد تهريبها عبر مسالك الأهوار الممتدة بين العراق وإيران، تطور عملها بعدها، وزاد طمعها في المال الحرام ليجرّدها من كل إنسانية لديها، إذ صارت تنبش الجثث من مقبرة «المندائيين» في البصرة، وتبيعها إلى الإيرانيين الذين فقدوا أبناءهم في الحرب، بعد أن تضع أسماء الجنود الإيرانيين على هذه الجثث. تسرد سكينة للآخرين، بلا تأنيب ضمير، كيف تنتزع الجثث «الطرية» من لحدها، كي تبيعها في إيران.

لا يعادل الحقد ضد النظام في البصرة آنذاك غير الإحباط الكبير من تملص الأميركان من مسؤولياتهم بصفتهم قوة غازية، وتغاضيهم عن طائرات الهليكوبتر العسكرية العراقية، التي كانت تسحق الناس من منتفضين وغير منتفضين، من بريئين وغير بريئين، بنيرانها الفوسفورية.

يقول صديقه علي الساعدي، الذي كان من المترددين على مكتبته الصغيرة، وهو ينظر إلى الجموع التي تطلق الأهازيج المطالبة بحكم شيعي: «هي فورة ستخمد، البصرة لا تغير هويتها. منذ زمن بعيد تنازعتها أهواء مختلفة، لكنها تقاوم كل هذه الدعاوى، لحيويتها الاجتماعية وموقعها الجغرافي، مرّت بمئات الخرابات، ونهضت من جديد، مدينة لا تشيخ، ولا تستسلم للأهواء العابرة وللطغاة والدمار».

يقتحم قتَلة النظام البيوت في البصرة، ويجمعون الرجال والنساء والأطفال، الملتصقين بعباءات أمهاتهم، قرب النهر، ويقولون لهم إن ساعة إعدامهم الجماعية ستحلُّ قريباً. المفارقة هي أنهم يطلبون من الناس الهتاف بحياة الطاغية: «صدام اسمك هز أمريكا»، وهو القائد «الفلتة» الذي هزّ ذيله للأميركان في كل مواجهة.

لا يمكن وصف ما يسرده علي نكيل في رواية «غرابيل» من أحداث مأساوية تَلَت السقوط المدوِّي لحلم احتلال الكويت، بأنه انتفاضة، ربما لأنها، في سرده، أقرب إلى فورة غضب عارمة أجّجتها الهزيمة والقهر والجوع. شاركت بعض شخصيات الرواية عن وعي في رسم أحداث تلك الأيام، وانتهت تحت الأسوار، أو أنها تسللت بعد ذلك إلى البلدان القريبة؛ خلاصاً من موت أكيد، لكن الغالبية من الفقراء كانوا ملهوفين للقمة عيش كريمة مع «الحسناء»، بعد أن عانت طويلاً من وجبة «وحش الطاوة» بلا طماطم.

صدرت الرواية عن دار الرفاه للطباعة والنشر، وتقع في 131 صفحة من القَطع المتوسط. صمَّم الغلاف الفنان صالح جادري.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.