سفيان رجب: كتبت روايتي لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف

الكاتب التونسي ركز في عمله الجديد على الأقلية اليهودية بمدينة سوسة

سفيان رجب: كتبت روايتي لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف
TT

سفيان رجب: كتبت روايتي لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف

سفيان رجب: كتبت روايتي لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف

في روايته الجديدة الصادرة مطلع العام الحالي، التي حملت عنوان «اليوم جمعة وغداً خميس»، يتطرق الكاتب التونسي سفيان رجب إلى الأقلية اليهودية التي ما زالت متمسكة بالإقامة في تونس، رغم المصاعب التي تواجهها، خصوصاً بعد أن تصاعدت موجات التعصب والتزمت في تونس خلال السنوات العشر الماضية. وقد ركز سفيان رجب روايته على الأقلية اليهودية التي تعيش في مدينة سوسة، ولم يكتفِ بالتحقيق في أوضاع هذه الأقلية المادية والمعنوية، بل تعمق في قراءة التراث اليهودي، وفي تاريخ اليهود في تونس.

ينتمي سفيان رجب إلى الجيل الجديد من الكتّاب. والمؤلفات التي أصدرها إلى هذه الساعة في مجال الشعر، والقصة القصيرة، والرواية جعلت له حضوراً واضحاً في المشهد الثقافي التونسي.

هنا حوار معه...

> واضح أنّك اخترت أسلوب التحقيق في كتابة روايتك حول الأقلية اليهودية في سوسة. كيف حدث هذا التحقيق؟

- لم أكتفِ بقراءة العهد القديم وبعض الكتب التراثية اليهودية كالتلمود والكابالا وكتب موسى بن ميمون، بل التقيت ببعض اليهود في مدينة سوسة، وتحدّثت معهم، واستمعت إلى هواجسهم، ونظرتهم إلى جيرانهم المسلمين في المدينة. في اللقاءات الأولى عادة ما يكون التوجّس والخوف عقبة في طريق الحوار، لكن بتعدّد اللقاءات يرتفع محرار الثقة بيننا، ويرتفع مقابله محرار الصّدق. كنت محظوظاً بلقائي صانع الحلوى الشّهير في مدينة سوسة باسكال تميم، وتحدّثت إليه أكثر من مرّة، حدّثني عن الأيام السوداء التي عرفتها عائلته في سبعينات القرن العشرين. كان يقول إنّه تونسي حتى النخاع ويرفض مغادرة بلاده، وقد توفّي باسكال منذ 3 سنوات، ودفن بمقبرة اليهود بسوسة. كما عدت إلى كثير من المراجع التي تتحدّث عن تاريخ اليهود في البلدان العربية، وإلى الروايات التي تناولت موضوع الأقليات اليهودية في البلدان العربية.

> لماذا اخترت هذا الموضوع خاصة؟

- كتبت هذه الرواية لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف، ودعوة للمحبّة والتسامح وفهم الآخر. كتبت عن المهمّشين والبسطاء الذين دهستهم جرافة الآيديولوجيا دون رحمة. كتبت عن أبناء وطني المنبوذين لأنهم يحملون كتاباً مختلفاً ومعتقداً مختلفاً. هذا هو السّرّ الوحيد لهذه الرواية. بعد إصدارها، تعرّضت إلى التهجّم من بعض المتعصبين. لكن كلّ هذا لا يشعرني إلا بالقوة والثبات. مهمة الكاتب أن يكون حليف النور والإنسانية، لا أن يتستّر بالظلام، ويكون مضخّم أصوات التعصّب وقوميات الدّم. كلّ القوميات المتطرّفة لا تنتج سوى قوميات متطرفة مضادة لها، هذا ما يجب علينا أن نفهمه من درس التاريخ. أنا مصطفّ مع الإنسان أينما كان، ومهما كان معتقده أو كان لونه...

ولأنقد تاريخنا العربي الرافض للأقليات، تاريخ اللون الواحد والفكر الواحد، تاريخ التعصّب وإلغاء الآخر المختلف. إنّ درجة الوعي الحضاري والرّغبة في التغيّر والثورة على ما يكبّل الفكر تبدأ من خلال نقد الذّات. ومن خلال فهم الآخر المختلف. جزء كبير مما يسمّى بالمثقفين العرب يحكمهم التعصّب، لكنهم لا ينتبهون إلى ذلك، ويبنون خطاباتهم الفكرية والجمالية من خلال عاطفة العامة، إمّا جهلاً أو نفاقاً.

> هل شعرت بأنّ طرد الجاليات اليهوديّة من تونس ومن المجتمعات العربية عموماً، مثّل خسارة لتركيبة مجتمعاتنا، خاصة أنّ تلك الجاليات كانت فاعلة في جميع القطاعات، بما في ذلك القطاع الفنّي والثقافي؟

- الإضافة التي قدّمها اليهود التونسيون لثقافة بلادهم، في القرن العشرين خاصّة، لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، لا أحد من التونسيين المولعين بالموسيقى التونسية الأصيلة ينسى الشيخ العفريت أو حبيبة مسيكة أو راؤول جورنو أو ميمون التونسي أو أشير مزراحي أو لويزة التونسية أو يعقوب بشير أو بنات شمالة أو الخلفاوي...

في الأدب والسينما والفكر، ترك اليهود التوانسة بصمات واضحة، مثل السينمائي ألبير شمامة شيكلي، والأديب ألبير ممي، والمؤرخ بول صبّاغ، والممثل ميشال بوجناح، والكاتب والمناضل اليساري جيلبار نقاش، والأديبة كوليت فلوس... وغيرهم.

كان عدد اليهود التوانسة في خمسينات القرن العشرين يصل إلى 100 ألف نسمة، وكانوا يخلقون تنوّعاً حضارياً وثقافياً في بلادهم، لكن مع الأسف أغلبهم دهستهم ماكينة الآيديولوجيا المرعبة، ففرّوا من بلادهم التي عاش فيها أجدادهم منذ أكثر من 2000 سنة. من المحزن حقّاً أن يضطرّ الإنسان لمغادرة وطنه، لأي سبب كان. لكن عدد اليهود في تونس اليوم لا يتجاوز الألفين، يعيش اليهودي التونسي في بلاده بصفة مواطن ناقص، لا يدخل إلى الخدمة العسكرية، ولا يمكنه المشاركة في مناظرات الشرطة والديوانة والجيش، ولا يمكنه التّرشّح للانتخابات الرئاسية...

> الشعراء والباحثون هم الآخرون انخرطوا في كتابة الرواية، هل نجحوا في ذلك؟

- علاقة الشعراء بالرواية هي علاقة قديمة، حين نقرأ الآن أعمالاً شعرية خالدة مثل الإلياذة والأويسة لهوميروس أو «مسخ الكائنات» لأوفيد، أو الكوميديا الإلهية لدانتي، أو الفردوس المفقود لميلتون، أو الإنياذة لفرجيل... نحتار في تصنيفها، هل هي شعر أم رواية. شخصياً أعتبر أن الشعراء إذا دخلوا الرواية يفتحون داخلها كوى جديدة على عوالم أخرى في السرد، صحيح أنّ السرد هو فضّاح الشعراء كما يقول العرب، وهو امتحانهم القاسي. وقد سقط في ميدانه كثير من الشعراء، لكنّ بعضهم عرفوا كيف يبنون عوالمهم الروائية، وكتبوا روايات فارقة في السرد العربي. أمّا الجامعيون فهذه مسألة أخرى، فثمة المبدعون منهم، وهي صفة نادرة جداً في المشهد الأدبي العربي، عبد الفتاح كيليطو مثلاً. أمّا الأغلبية من المدرّسين النمطيين، فقد كان دخولهم إلى الرواية كدخول التتار إلى بغداد. لا أفهم ما الذي يفعله بعض الجامعيين في الرواية، فهم يستعملون جملاً تقريريّة لا روح فيها، ويكتبون في موضوعات مجترّة منذ بداية المشروعات الأولى في الرواية العربية. وأغلب رواياتهم التي ترجمت إلى لغات أخرى أعطت صورة سيئة جداً للرواية العربية. أرى أنّ الطاقة التي يهدرونها في مشروعاتهم الإبداعية الوهميّة لو وضعوها في النقد الأدبي لساهموا في خلق ثورة في الرواية العربية.

>كيف تقرأ المشهد الثقافي التونسي بعد الثورة؟

- المشهد الأدبي في تونس أضاع البوصلة بعد الثورة، من وجهة الثورة في النصّ إلى وجهة النّص المحتفي بالثورة. ثمة كسل لا ينتج شعراً، وثمّة كدح لا ينتج سوى ثرثرة. جزء كبير من المشهد الأدبي التونسي الآن تتجاذبه الثرثرة والنعاس، ويهندسه إداريون جاهلون بالأدب متحصّنون بمدرّسي الجامعات و«أصحاب الدالات». لا يوجد مشروع واضح للثقافة التونسية، لا توجد مؤسسات موازية فاعلة تخرج بالنشاط الثقافي من المجترّ والنّمطي، ولا توجد مراكز للدراسات الثقافية، كلّ هذه الأسباب لا تخلق سوى مشهد متعفّن، تحرّكه الأشباح واللوبيات «المتمعّشة» من وزارة الثّقافة، ولا يخرج عن دائرة الاستعراض «الواجهة التي تخفي المزبلة»، والمئويّات والأربعينات «كرنفالات تستهلك من الحلويات ما تستهلكه من دموع التّماسيح». وإذا عرفنا أنّ الأدب والفكر هما في هوامش المؤسسة الثقافية الرسمية في تونس، نستنتج المستوى المتدني للمشهد الأدبي. لا توجد ورشات للتدريب على الكتابة، لا توجد جماعات أدبية تثوّر المشهد، لا توجد دور نشر متميزة. لا توجد مجلات وملاحق أدبية، حتى مجلة الحياة الثقافية التي تصدرها وزارة الثقافة توقفت عن النشاط منذ سنة، والحقيقة أنّ توقّفها كان رحمة بنبتة الحلفاء، فالمجلة غارقة في النعاس والجهل منذ سنوات. لا تبقى سوى بعض الأصوات التي تغرّد منفردة، ولن نقول تغرّد خارج السرب، لأنّه لا يوجد سرب من الأساس. أمّا الجوائز الأدبية فقد تحوّلت إلى رشاوٍ وإلى ترضيات لبعض الأسماء المكرّسة في الأدب. نحن نعرف أنّ الجوائز الأدبية في العالم جعلت لاكتشاف النصوص المغامرة، وليس للنصوص التجارية والنصوص التقليدية كما هي الحال في أغلب الجوائز الأدبية في تونس. بعض الجوائز هبطت إلى درجة الفضائح. جزء كبير من المشهد الأدبي التونسي الآن تتجاذبه الثرثرة والنعاس، ويهندسه إداريون جاهلون بالأدب


مقالات ذات صلة

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.