سفيان رجب: كتبت روايتي لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف

الكاتب التونسي ركز في عمله الجديد على الأقلية اليهودية بمدينة سوسة

سفيان رجب: كتبت روايتي لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف
TT

سفيان رجب: كتبت روايتي لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف

سفيان رجب: كتبت روايتي لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف

في روايته الجديدة الصادرة مطلع العام الحالي، التي حملت عنوان «اليوم جمعة وغداً خميس»، يتطرق الكاتب التونسي سفيان رجب إلى الأقلية اليهودية التي ما زالت متمسكة بالإقامة في تونس، رغم المصاعب التي تواجهها، خصوصاً بعد أن تصاعدت موجات التعصب والتزمت في تونس خلال السنوات العشر الماضية. وقد ركز سفيان رجب روايته على الأقلية اليهودية التي تعيش في مدينة سوسة، ولم يكتفِ بالتحقيق في أوضاع هذه الأقلية المادية والمعنوية، بل تعمق في قراءة التراث اليهودي، وفي تاريخ اليهود في تونس.

ينتمي سفيان رجب إلى الجيل الجديد من الكتّاب. والمؤلفات التي أصدرها إلى هذه الساعة في مجال الشعر، والقصة القصيرة، والرواية جعلت له حضوراً واضحاً في المشهد الثقافي التونسي.

هنا حوار معه...

> واضح أنّك اخترت أسلوب التحقيق في كتابة روايتك حول الأقلية اليهودية في سوسة. كيف حدث هذا التحقيق؟

- لم أكتفِ بقراءة العهد القديم وبعض الكتب التراثية اليهودية كالتلمود والكابالا وكتب موسى بن ميمون، بل التقيت ببعض اليهود في مدينة سوسة، وتحدّثت معهم، واستمعت إلى هواجسهم، ونظرتهم إلى جيرانهم المسلمين في المدينة. في اللقاءات الأولى عادة ما يكون التوجّس والخوف عقبة في طريق الحوار، لكن بتعدّد اللقاءات يرتفع محرار الثقة بيننا، ويرتفع مقابله محرار الصّدق. كنت محظوظاً بلقائي صانع الحلوى الشّهير في مدينة سوسة باسكال تميم، وتحدّثت إليه أكثر من مرّة، حدّثني عن الأيام السوداء التي عرفتها عائلته في سبعينات القرن العشرين. كان يقول إنّه تونسي حتى النخاع ويرفض مغادرة بلاده، وقد توفّي باسكال منذ 3 سنوات، ودفن بمقبرة اليهود بسوسة. كما عدت إلى كثير من المراجع التي تتحدّث عن تاريخ اليهود في البلدان العربية، وإلى الروايات التي تناولت موضوع الأقليات اليهودية في البلدان العربية.

> لماذا اخترت هذا الموضوع خاصة؟

- كتبت هذه الرواية لتكون شهادة ضدّ التعصّب والتطرّف، ودعوة للمحبّة والتسامح وفهم الآخر. كتبت عن المهمّشين والبسطاء الذين دهستهم جرافة الآيديولوجيا دون رحمة. كتبت عن أبناء وطني المنبوذين لأنهم يحملون كتاباً مختلفاً ومعتقداً مختلفاً. هذا هو السّرّ الوحيد لهذه الرواية. بعد إصدارها، تعرّضت إلى التهجّم من بعض المتعصبين. لكن كلّ هذا لا يشعرني إلا بالقوة والثبات. مهمة الكاتب أن يكون حليف النور والإنسانية، لا أن يتستّر بالظلام، ويكون مضخّم أصوات التعصّب وقوميات الدّم. كلّ القوميات المتطرّفة لا تنتج سوى قوميات متطرفة مضادة لها، هذا ما يجب علينا أن نفهمه من درس التاريخ. أنا مصطفّ مع الإنسان أينما كان، ومهما كان معتقده أو كان لونه...

ولأنقد تاريخنا العربي الرافض للأقليات، تاريخ اللون الواحد والفكر الواحد، تاريخ التعصّب وإلغاء الآخر المختلف. إنّ درجة الوعي الحضاري والرّغبة في التغيّر والثورة على ما يكبّل الفكر تبدأ من خلال نقد الذّات. ومن خلال فهم الآخر المختلف. جزء كبير مما يسمّى بالمثقفين العرب يحكمهم التعصّب، لكنهم لا ينتبهون إلى ذلك، ويبنون خطاباتهم الفكرية والجمالية من خلال عاطفة العامة، إمّا جهلاً أو نفاقاً.

> هل شعرت بأنّ طرد الجاليات اليهوديّة من تونس ومن المجتمعات العربية عموماً، مثّل خسارة لتركيبة مجتمعاتنا، خاصة أنّ تلك الجاليات كانت فاعلة في جميع القطاعات، بما في ذلك القطاع الفنّي والثقافي؟

- الإضافة التي قدّمها اليهود التونسيون لثقافة بلادهم، في القرن العشرين خاصّة، لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، لا أحد من التونسيين المولعين بالموسيقى التونسية الأصيلة ينسى الشيخ العفريت أو حبيبة مسيكة أو راؤول جورنو أو ميمون التونسي أو أشير مزراحي أو لويزة التونسية أو يعقوب بشير أو بنات شمالة أو الخلفاوي...

في الأدب والسينما والفكر، ترك اليهود التوانسة بصمات واضحة، مثل السينمائي ألبير شمامة شيكلي، والأديب ألبير ممي، والمؤرخ بول صبّاغ، والممثل ميشال بوجناح، والكاتب والمناضل اليساري جيلبار نقاش، والأديبة كوليت فلوس... وغيرهم.

كان عدد اليهود التوانسة في خمسينات القرن العشرين يصل إلى 100 ألف نسمة، وكانوا يخلقون تنوّعاً حضارياً وثقافياً في بلادهم، لكن مع الأسف أغلبهم دهستهم ماكينة الآيديولوجيا المرعبة، ففرّوا من بلادهم التي عاش فيها أجدادهم منذ أكثر من 2000 سنة. من المحزن حقّاً أن يضطرّ الإنسان لمغادرة وطنه، لأي سبب كان. لكن عدد اليهود في تونس اليوم لا يتجاوز الألفين، يعيش اليهودي التونسي في بلاده بصفة مواطن ناقص، لا يدخل إلى الخدمة العسكرية، ولا يمكنه المشاركة في مناظرات الشرطة والديوانة والجيش، ولا يمكنه التّرشّح للانتخابات الرئاسية...

> الشعراء والباحثون هم الآخرون انخرطوا في كتابة الرواية، هل نجحوا في ذلك؟

- علاقة الشعراء بالرواية هي علاقة قديمة، حين نقرأ الآن أعمالاً شعرية خالدة مثل الإلياذة والأويسة لهوميروس أو «مسخ الكائنات» لأوفيد، أو الكوميديا الإلهية لدانتي، أو الفردوس المفقود لميلتون، أو الإنياذة لفرجيل... نحتار في تصنيفها، هل هي شعر أم رواية. شخصياً أعتبر أن الشعراء إذا دخلوا الرواية يفتحون داخلها كوى جديدة على عوالم أخرى في السرد، صحيح أنّ السرد هو فضّاح الشعراء كما يقول العرب، وهو امتحانهم القاسي. وقد سقط في ميدانه كثير من الشعراء، لكنّ بعضهم عرفوا كيف يبنون عوالمهم الروائية، وكتبوا روايات فارقة في السرد العربي. أمّا الجامعيون فهذه مسألة أخرى، فثمة المبدعون منهم، وهي صفة نادرة جداً في المشهد الأدبي العربي، عبد الفتاح كيليطو مثلاً. أمّا الأغلبية من المدرّسين النمطيين، فقد كان دخولهم إلى الرواية كدخول التتار إلى بغداد. لا أفهم ما الذي يفعله بعض الجامعيين في الرواية، فهم يستعملون جملاً تقريريّة لا روح فيها، ويكتبون في موضوعات مجترّة منذ بداية المشروعات الأولى في الرواية العربية. وأغلب رواياتهم التي ترجمت إلى لغات أخرى أعطت صورة سيئة جداً للرواية العربية. أرى أنّ الطاقة التي يهدرونها في مشروعاتهم الإبداعية الوهميّة لو وضعوها في النقد الأدبي لساهموا في خلق ثورة في الرواية العربية.

>كيف تقرأ المشهد الثقافي التونسي بعد الثورة؟

- المشهد الأدبي في تونس أضاع البوصلة بعد الثورة، من وجهة الثورة في النصّ إلى وجهة النّص المحتفي بالثورة. ثمة كسل لا ينتج شعراً، وثمّة كدح لا ينتج سوى ثرثرة. جزء كبير من المشهد الأدبي التونسي الآن تتجاذبه الثرثرة والنعاس، ويهندسه إداريون جاهلون بالأدب متحصّنون بمدرّسي الجامعات و«أصحاب الدالات». لا يوجد مشروع واضح للثقافة التونسية، لا توجد مؤسسات موازية فاعلة تخرج بالنشاط الثقافي من المجترّ والنّمطي، ولا توجد مراكز للدراسات الثقافية، كلّ هذه الأسباب لا تخلق سوى مشهد متعفّن، تحرّكه الأشباح واللوبيات «المتمعّشة» من وزارة الثّقافة، ولا يخرج عن دائرة الاستعراض «الواجهة التي تخفي المزبلة»، والمئويّات والأربعينات «كرنفالات تستهلك من الحلويات ما تستهلكه من دموع التّماسيح». وإذا عرفنا أنّ الأدب والفكر هما في هوامش المؤسسة الثقافية الرسمية في تونس، نستنتج المستوى المتدني للمشهد الأدبي. لا توجد ورشات للتدريب على الكتابة، لا توجد جماعات أدبية تثوّر المشهد، لا توجد دور نشر متميزة. لا توجد مجلات وملاحق أدبية، حتى مجلة الحياة الثقافية التي تصدرها وزارة الثقافة توقفت عن النشاط منذ سنة، والحقيقة أنّ توقّفها كان رحمة بنبتة الحلفاء، فالمجلة غارقة في النعاس والجهل منذ سنوات. لا تبقى سوى بعض الأصوات التي تغرّد منفردة، ولن نقول تغرّد خارج السرب، لأنّه لا يوجد سرب من الأساس. أمّا الجوائز الأدبية فقد تحوّلت إلى رشاوٍ وإلى ترضيات لبعض الأسماء المكرّسة في الأدب. نحن نعرف أنّ الجوائز الأدبية في العالم جعلت لاكتشاف النصوص المغامرة، وليس للنصوص التجارية والنصوص التقليدية كما هي الحال في أغلب الجوائز الأدبية في تونس. بعض الجوائز هبطت إلى درجة الفضائح. جزء كبير من المشهد الأدبي التونسي الآن تتجاذبه الثرثرة والنعاس، ويهندسه إداريون جاهلون بالأدب


مقالات ذات صلة

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

ثقافة وفنون «المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة...

عمر شهريار
ثقافة وفنون الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي و...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط
كتب المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن

سوسن الأبطح
ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».