فرويد... أكبر «محتال موهوب» عرفه التاريخ!

بعد أكثر من قرن على ظهور نظرياته في التحليل النفسي

فرويد
فرويد
TT

فرويد... أكبر «محتال موهوب» عرفه التاريخ!

فرويد
فرويد

بعد أكثر من قرن ونصف قرن على ميلاده، لا يزال سيغموند فرويد ونظرياته موضوعاً مثيراً للجدل في دوائر علم النفس، وبين أوساط المثقفين من كل الأطياف. صورته كمفكر عبقري فذّ أصيبت بالاهتزاز في السنوات الأخيرة، بعد صدور عدة بحوث تناولت فكره وشخصيته بالنقد اللاذع.

الحملة المُناهضة لنظرياته أتت بثمارها عند النخبة الأنجلوسكسونية التي يبدو كأنها رمت بتراثه في سلّة المهملات، بعد أن طردت التحليل النفسي نهائياً من المشهد العلمي.

اليوم الإرث الفرويدي شبه غائب في الولايات المتحدة باستثناء مراكز تاريخية كنيويورك وشيكاغو؛ حيث يوجد أقل من 300 محلّل معتمد حسب تقارير رسمية، إضافة لتراث سينمائي ضخم؛ لا سيما أعمال هيتشكوك وأودي ألان التي رسخت في الذاكرة الجماعية صورة المحلّل الغامض الذي يستمع بهدوء لمريضه المسترخي على الأريكة. فماذا بقي من إرث سيغموند فرويد؟

اللّوحة التي يرسمها المراقبون عن مستقبل التحليل النفسي في فرنسا -مثلاً- والتي تعتبر آخر معاقل مؤيدي الأطروحات الفرويدية، تبدو قاتمة. في عمود بصحيفة «لوموند» كانت المؤرخة المختصة في علم النفس إليزابيث رودينسكو قد كشفت عن تراجع كبير في تدريس نظريات التحليل النفسي في العيادات والجامعات، وحتى في وسائل الإعلام، إضافة لوجود جو من التشكيك المستمر في مساهمة التحليل النفسي كمشرب فلسفي وفكري.

مفاهيم «الكبت» و«اللاوعي» و«عقدة أوديب» لم تعد تقنع كثيرين، بعد أن شهدت السنوات الأخيرة توجيه عدة اتهامات لفرويد وورثته، كالبروفسور لاكان الذي يعد أشهر أتباعه في فرنسا وفي العالم.

ماذا حدث لنَصِل لهذه الانتكاسة؟ جاك فون ريلر، أستاذ علم النفس في جامعة لوفان ببلجيكا، وأكثر من هاجم فرويد ومناهجه العلاجية، يشرح في كتابه «أوهام التحليل النفسي» (دار نشر مرغادا) ما يلي: «وصلنا إلى خلاصة مفادها أن التحليل النفسي لم يكن أكثر من ظاهرة ثقافية عرفت الرواج في حقبة تاريخية، كان فيها التوجه السائد للنخبة هو تبجيل كل ما يأتي في السياق الحداثي، لكن سرعان ما استيقظ الكلّ ليكتشف أنه لم يعالج أحداً، وأننا نعيش في أوهام منذ عقود...» وهو الرأي نفسه لزميله الفرنسي جون كوترو الذي ساهم مع مجموعة من الكُتاب في تأليف «الكتاب الأسود للتحليل النفسي» (دار نشر ميار) الذي كان بمثابة مرافعة شديدة اللّهجة ضد فرويد وإرثه، حيث يكتب كوترو: «رواج الفكر الفرويدي في فرنسا يعود بالدرجة الأولى إلى أولئك الذين قادوا أو انضووا تحت لواء ما تسمى (ثورة الطلبة) في فرنسا عام 1968، شباب مثقف كان يرى في (الفرويدية) مصدراً لـ(هواء الحرية)... لكن المتمردين السابقين هم حماة المعبد اليوم، وذلك من باب حرصهم على موقعهم المسيطر في الجامعات والمستشفيات ووسائل الإعلام». الهجوم زاد حدّة بعد فتح الأرشيف الخاص بأعمال فرويد، حيث بدأ بعض المؤرخين البحث والتحقيق في تطابق منهجه مع التجارب التي كان قد أعلن عنها.

أحدهم وهو الفرنسي ميكال بورغ جاكوبسن نشر في كتابه «مرضى فرويد: المصائر» (دار نشر سيانس هومان) ما اكتشفه عن حقيقة الحالات التي قيل إن فرويد عالجها بفضل جلسات التحليل، حيث يكتب: «كل نظريات فرويد بُنيت على دراسة حالات كـ(دورا) و(آنا هو) و(رجل الذئاب) و(الرئيس شريبر) وهي التي اعتمد عليها في الكتاب الذي صنع شهرته، وهو (دراسات حول الهيستيريا) لكننا حين نبحث في الأرشيف، الذي تمكنا من الحصول عليه بعد عقود طويلة ظل فيها مسجلاً تحت (سرّي)، نجد أن ثلاثاً أو أربع حالات فقط كُتب لها الشفاء، وهذا رغم تأكيداته المعاكسة».

المؤرخ الفرنسي ذهب إلى أبعد من ذلك، حين اتهم فرويد بأنه محتال وكاذب، وأنه لم يكن يولي للحقيقة أي اهتمام، فهو لم يكتفِ بعدم العلاج فقط، بل تسبّب أيضاً في تدهور بعض الحالات وتعتيم الحقائق. كشف الباحث بدراسات موثقة أن ثلاثة من مرضى فرويد انتحروا دون أن يقوم بتسجيل هذه الوقائع.

بعض المثقفين كالفرنسي ميشال أونفري الذي يعتبره كثيرون «متفلسفاً» أكثر منه فيلسوفاً بسبب إنتاجاته المتواضعة مقابل حضور إعلامي مكثف، استطلع مسيرة فرويد العلمية؛ بل وحتى مسيرة حياته الشخصية، في كتاب ضخم من ستمائة صفحة بعنوان: «أفول صنم، الأكذوبة الفرويدية» وشن هجوماً شرساً على فرويد الإنسان وعلى فرويد المفكر من جهة أخرى، واعتبره بمثابة زعيم «طائفة» دينية جديدة كانت تستغلّ سلطتها الرمزية لابتزاز المرضى.

ميشال أونفري

يكتب أونفري: «فرويد الرجل كان جشعاً لا تهمه إلا الشهرة والمال، جرَّب أولاً التنويم المغناطيسي، وحين أدرك أن طريقة التحليل النفسي ستدرّ عليه أموالاً كثيرة، قام باستبعاد جميع منافسيه، وكان لا يعالج إلا أعيان المجتمع النمساوي الراقي. تكاليف جلسة واحدة مع فرويد كانت تصل إلى 25 دولاراً، وهو ما يعادل اليوم 450 يورو، وهو مبلغ باهظ لا يستطيع دفعه إلا أغنى الأغنياء، ولذا فحين أقرأ أن فرويد كان مفكراً كبيراً كرّس حياته لخدمة المرضى فإني أفقد أعصابي...».

ولعل النقد الأكثر دقة يتمثل في تفنيد المزاعم الفرويدية بأنها تمتلك حقائق لا يمكن أن يتوصل إليها إلا أولئك الذين يلجأون إلى التحليل النفسي والإصرار على تفسير «الألغاز» المتعلقة بمختلف مظاهر المرض النفسي، بالكبت والغرائز الجنسية وتفسير الأحلام، أو التعصّب لبعض المفاهيم، كعقدة أوديب.

الباحث البلجيكي جاك فون ريلر في كتاب آخر بعنوان: «فرويد ولاكان محتالان» (دار نشر مرغادا) كتب أن فرويد كان شخصية بارعة لأنه نجح في إقناع العالم بأنه «وراء عدة مفاهيم كزلة اللّسان واللاوعي، بينما ما فعله هو جمع أفكار ونظريات من هنا وهناك ونسبها لنفسه، وقد يكون أذكى (محتال) عرفه التاريخ؛ لأنه أقنع أجيالاً كاملة بأن الشفاء من المرض النفسي سيتم بمجرد... الكلام».

الباحث البلجيكي استشهد بمثال أشهر أتباع فرويد في فرنسا، وهو البروفسور جاك لاكان الذي دعا إلى تجديد الانتباه إلى نصوص فرويد الأصلية، وكان قد ابتدع جلسات تحليل باهظة الثمن لكنها سريعة، لا تدوم أكثر من عشر دقائق، لا يكاد المريض ينزع فيها معطفه حتى تنتهي الجلسة، وتمكن بفضل ذلك من جمع ثروة طائلة قُدرت قبيل وفاته بأربعة ملايين فرنك فرنسي.

الباحث جاك فون ريلر استغرب أيضاً من حال بعض الشخصيات التي «تتفاخر» لأنها وقعت في مصيدة التحليل النفسي، كالسيدة كارلا بروني زوجة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، التي أعلنت في الصحافة أنها تتابع جلسات تحليل منذ أكثر من عشر سنوات! والممثل المعروف فابريس لوكيني الذي كشف أنه يتلقى جلسات علاج بالتحليل النفسي منذ أكثر من ثلاثين سنة! وهنا تساءل ريلر: إلى متى سينتظر هؤلاء للوصول إلى الشفاء؟

وكان الباحث السويدي نيلز ويكلند قد نشر في المجلة الفرنسية «الأزمنة الحديثة»، التي توقفت عن الصدور، مقالاً تم تداوله كثيراً بعنوان «لماذا لم يحصل فرويد على جائزة نوبل؟» شرح فيه الأسباب التي جعلت لجنة «نوبل» ترفض منح فرويد جائزة الطب، رغم أنه رُشح لها 12 مرة ما بين 1915 و1938، مُلخصاً الدوافع في انعدام الثقة لدى الأوساط العلمية في أفكار فرويد، بسبب غياب الدلائل العلمية التي تبرهن على صحّتها. والأدهى -كما يضيف- هو أن الطبيب الذي فشل في إقناع المجتمع العلمي بقيمة نظرياته، قد نجح لحدّ ما في الحصول على اعتراف الأوساط الأدبية بقيمة أعماله، حيث مُنح جائزة «غوته» التي تكافئ أحسن الأعمال الأدبية الألمانية عام 1930، كما رشّحته بعض الشخصيات كالكاتب الفرنسي رومان لوران لجائزة نوبل للآداب عام 1936؛ حيث كتب هذا الأخير في رسالة التوصية التي بعث بها لأعضاء لجنة نوبل ما يلي: «أعلم أنه للوهلة الأولى سيبدو ترشح العالم اللامع أكثر توافقاً مع جائزة في الطب، لكن أعماله العظيمة فتحت طريقاً جديداً لتحليل الحياة العاطفية والفكرية، وأثرت على الأدب بقوة على مدار ثلاثين سنة...».

ورغم أنه أخفق أيضاً في الحصول على جائزة نوبل للآداب، فإن أود زيتريش أحد أقطاب الأكاديمية السويدية كشف في مذكراته، وبعد مضي أكثر من ثمانين سنة، عن أن «النقاش كان حاداً تلك السنة في كواليس الأكاديمية حول ترشيح فرويد للجائزة، قبل أن يُحسم الأمر بفوز الكاتب الأميركي أوجين أونيل...»؛ علماً بأن سيغموند فرويد كان شغوفاً بالأدب، وقريباً من بعض الأدباء، كستيفان تسفايغ وآرثر شنيتزل، وكان يقول إننا نستطيع قراءة الحالات الإكلينيكية التي كان يعالجها كـ«قصص روائية». ألبرت أينشتاين نفسه وبعد أن رفض دعم ترشيح فرويد عام 1928 لجائزة نوبل للطب وتلميحاته بغياب قواعد علمية صلبة لنظريات فرويد بخصوص التحليل النفسي، وجّه له بعد قراءة عمله الأخير «موسى والتوحيد» عام 1939، مجاملة غامضة جاء فيها ما يلي: «أنا معجب بشكل خاص بهذا العمل، ولكن أيضاً بجميع كتاباتك» قبل أن يضيف بنبرة ماكرة: «من وجهة نظر أدبية».



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.