ليلى العضم وإلياس أبو شبكة: رغبتها في الخلود قابلها بحثه المازوشي عن مصدر للإلهام

حب من خارج الزواج استمر لسنوات سبع وأثمر «نداء القلب» و«إلى الأبد»

إلياس أبو شبكة
إلياس أبو شبكة
TT

ليلى العضم وإلياس أبو شبكة: رغبتها في الخلود قابلها بحثه المازوشي عن مصدر للإلهام

إلياس أبو شبكة
إلياس أبو شبكة

لم يكن الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة مجرد تفصيل عابر على خريطة الشعر العربي المعاصر، فالشاعر الذي رفض الانقلاب على نظام الشطرين، رفض بالمقابل أن يكون نسخة مكررة عمن سبقه من الشعراء، فحقن الشكل الشعري التقليدي بأمصال جديدة، متخذاً حقلاً معجمياً بالغ التميز، ومستلاً لغته من خلجات الروح وكهرباء العصب. ولعل مقدمة الشاعر لديوانه الأبرز «أفاعي الفردوس»، التي يرد فيها على بول فاليري ومذهب الرمزيين في إعلاء شأن الصنيع والتوشية الجمالية، لم تُظهر انحيازه الواضح للمذهب الرومانسي فحسب، بل بدت المعادل النظري لشعره الخارج من أتون الآلام وتمزقات العصب المحتدم، الذي يختزله قوله:

إجرحِ القلبَ واسقِ شعرك منه فدَمُ القلب خمرة الأقلامِ

وإذا أنت لم تعذَّب وتغمسْ قلماً في قرارة الآلامِ

فقوافيكَ زخرفٌ وبريقٌ كعظامٍ في مدفنٍ من رخامِ

والأرجح أن التناقض المأزقي في حياة أبو شبكة المولود في نيويورك عام 1903. قبل عودته مع العائلة إلى ذوق مكايل، ليس متأتياً من تكوينه الشخصي فحسب، بل غذته عوامل أخرى، أبرزها مقتل أبيه المأساوي على يد بعض اللصوص. وكان لانحدار العائلة من حالة اليسر السابقة إلى فقرها المستجد، أثره النفسي السلبي على الشاب العصبي والمعتد بنفسه، الذي لم توفر له موهبته سبل العيش الكريم، وسط محيط اجتماعي لا يقيم وزناً إلا لأصحاب النفوذ والممسكين بمقاليد السلطة والمال.

ليس بالأمر الغريب تبعاً لذلك، أن يجد أبو شبكة في المرأة الترياق الذي يلأم صدوع نفسه، والحضن الذي يوفر له ما يحتاجه من الحنان والدفء. وكانت أولغا ساروفيم، ذات الجمال الهادئ وجارته في ذوق مكايل، هي الفتاة الأولى التي خفق لها قلب الفتى المراهق. ومع أنها كانت تكبره بسنوات عدة، إلا أن أبو شبكة ما لبث أن أعلن خطوبته على أولغا، بعد أن بدأت الألسن تطال علاقتهما بالسوء، مطلقاً عليها اسم غلواء، وناشراً قصائده عنها في صحف لبنانية عدة.

والأرجح أن تأخره في الزواج من أولغا حتى عام 1932 لا يعود لأسباب مادية ومعيشية كما كان يزعم، بل لخوفه من الانخراط في المؤسسة الزوجية، التي كان يخشى في ظل زمنها الرتيب وقيودها المرهقة، أن يفقد مناجم مخيلته ومصادر إلهامه. وينقل عنه صديقه الشاعر رياض المعلوف قوله إنه أصر على أن لا يتشاطر مع غلواء المنزل ذاته، كي لا تضمر في داخله حالة الشغف وجذوة الكتابة. لكن من يتابع قصيدة الشاعر الطويلة «غلواء»، سيلاحظ أن أكثر المقاطع توهجاً واحتداماً هي التي تتمحور حول الشعر والألم والنوازع الإنسانية المحتدمة، في حين أن جانبها الأوفر لا يبارح ما ألفناه من وجوه التجديد الشكلي الذي عرفناه مع الموشحات ونماذج عصر النهضة.

أما لُقى الشاعر الأكثر فرادة فسنجدها في «أفاعي الفردوس»، حيث علاقة أبو شبكة المحمومة مع روز ساروفيم، المرأة المتزوجة التي أطلق عليها اسم «وردة»، انعكست على شكل صراع روحي عاصف بين الدنس والطهر، بينما خرجت قصائد أخرى من رحم علاقته بالمغنية السمراء «هادية»، التي لم يتوان عن تعليق صورتها في صدر منزله الزوجي، قبل أن يضبطها في فراش أقرب أصدقائه إليه. وإذا كان الديوان المذكور أحد الإرهاصات المبكرة بالحداثة الشعرية، حيث تأثر بمناخاته شعراء لاحقون بينهم خليل حاوي، فقد بدا واضحاً تأثر الشاعر بعوالم بودلير الجحيمية، لا سيما في «أزهار الشر»، حيث يتخذ من خيانة دليلة لشمشون قناعاً لعشيقته الخائنة:

ملّقيه بحسنك المأجور وادفعيه للانتقام الكبيرِ

إنما الحسن يا دليلة أفعى كم سمعنا فحيحها في السريرِ

والبصير البصير يُخدع بالحسن وينقاد كالضرير الضريرِ

لستِ زوجي بل أنتِ أنثى عُقابٍ شرسٍ في فؤادي المسعورِ

وإذ ظل أبو شبكة يبحث طويلاً عن المرأة الحلم، التي تعيد إلى شعره وحياته النيران التي أخمدها الزواج، فقد وجد في ليلى العضم ضالته ومثاله الأنثوي الأسمى. ولم يكن الشاعر ليأبه بكونها متزوجة وأماً لولدين، لأن همّه كان منصباً على تغذية أناه المتفاقمة بما تحتاجه من عناصر الشغف والحب المشبوب، فيما كانت هي من جهتها ترى فيه السبيل الأنجع لنقل جمالها الفاني إلى خانة الخلود. وفي كتابه المميز «لكي تحب أتيت الأرض» ينقل هنري زغيب عن جورج غريّب، الكاتب ومدير مدرسة عينطورة، قصة الرسالة التي دستها في جيبه ليلى العضم، المرأة الجميلة التي كان لها ولدان في مدرسته، بغية إيصالها إلى صديقه الأثير. ويتحدث غريّب عن المنظار الذي كان يثبته الشاعر في مكتبه الوظيفي ليقرّب إلى عينيه صورة حبيبته، وعن الدموع التي انهمرت على خديه لدى حديثه معها على الهاتف، وعن الحادثة الغريبة التي وقعت له في الخنشارة حين أخطأ العنوان الذي زودته به لكي تلتقيه بين جدرانه، والجروح التي أصيب بها بعد أن ظنه أصحاب المنزل أحد اللصوص المحترفين.

وكثيراً ما كان أبو شبكة يجلس بين مدافن الذوق المقابلة لمنزل حبيبته، مساهراً الضوء المنبعث من غرفة نومها، فلا يبارح المكان إلى أن ينطفئ الضوء فجراً، وحين علمت ليلى بالأمر صارت تطفئ الضوء في وقت مبكر، إشفاقاً على شاعرها من السهر والبرد. كما روت أم أبو شبكة أن ابنها أحب ليلى إلى درجة الهوس، وحين تخلفت مرة عن موعده أكد أنه أبصرها تمر على صورة طيف أو غيمة بيضاء، ثم تستسلم الأم لدموعها وهي تعاين «ما فعله العشق بوحيدها المجنون».

ولم يكن جمال ليلى الباهر هو وحده ما شد الشاعر العاشق إلى ليلاه، بل عقلها المتفتح واطّلاعها الواسع على ثقافة العصر، وحساسيتها العالية إزاء الشعر والفن. كما ظهرت موهبتها في الكتابة من خلال الرسائل التي بعثت بها إلى الشاعر، والتي لا تقارن أبداً بكتابات غلواء الركيكة، قبل أن تطلب منه إتلافها لدى إصابته بسرطان الدم، لدى تهديد زوجها لها بأبشع العواقب. وفي رسالتين نجتا صدفة من التلف، يكتب لها الشاعر: «أيها الجمال البهي النقي الذي يمدني بأمل الحياة. أنا الشاعر الجهنمي الرؤى، وأنت من جعل مني شاعراً حنوناً وصافياً»، فتكتب له بدورها: «الهنيهة التي أنفصل فيها عنك، أحتفظ بها لأزداد تعلقاً بك. ولحظة أراك تغادرني، يكويني الألم فأجمّد شكلك وأحملك معي إلى عزلتي. أنت في ذاتي وحولي، وواحد أحد في هذا العالم». أما حديث البعض عن الطبيعة الطهرانية واللاجسدية لعلاقة الطرفين، فلا تدحضه سيرة أبو شبكة مع النساء الأخريات فحسب، بل إشاراته المتكررة إلى ما كان يحدث بينهما من عناقات حارة وتواصل جسدي، تجنب الشاعر الإفصاح عن تفاصيله.

ورغم أن المقارنة بين أولغا وليلى، تقع على المستويين الجمالي والمعرفي في مصلحة الأخيرة، فإن في احتفاظ أبو شبكة بالاثنتين معاً، ما يؤكد زهوه النرجسي بتنافس المرأتين على قلبه، ولو من موقعين متغايرين، فيقول مخاطباً ليلى:

وحقّ هوى غلوا أحسّكِ في دمي وأُقسم ما في غَلْوَ حبٌّ مدمِّرُ

جرت في دمي وحياً وتجرين في دمي ولكنّ لونَ الحبّ قد يتغيّرُ

ومع أن أولغا، بحكم الطابع الشرعي للعلاقة، هي التي رافقت لحظات احتضاره الأخيرة في المستشفى عام 1947. كما دفنت إلى جانبه عند رحيلها، لكن ليلى العضم هي التي نفذت إلى صميم قلبه وعقله. وهي التي غذت قصائده بلهب الإبداع، فخاطبها في «نداء القلب» قائلاً:

جمالكِ هذا أم جمالي؟ فإنني أرى فيكِ إنساناً جميل الهوى مثلي

وهذا الذي أحيا به، أنتِ أم أنا؟ وهذا الذي أهواه، شكلكِ أم شكلي؟

أُحسُّ خيالي في خيالكِ جارياً وروحكِ في روحي وعقلكِ في عقلي

كأنكِ شطرٌ من كياني أضعتُهُ ولما تلاقينا اهتديتُ إلى أصلي

أما ليلى المسكونة به والوفية لذكراه، فقد كتبت في مذكراتها عنه «إن روحينا اللتين تفصلهما اليوم مطارح لا منظورة وجسور مستحيلة، تتلامسان وتتواصلان في رغبة واحدة. إن العاصفة التي فجّرها غيابك نزعت الغيوم التي كانت تحجب عني رؤية أعماقي. بعدها صرت أرى بوضوح كل ما في عمق ذاتي لأنني تعذبت كثيراً، وتأكد أنني منذ غيابك صرت أستطيع الاحتفاظ بك لي وحدي».



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».