ليلى العضم وإلياس أبو شبكة: رغبتها في الخلود قابلها بحثه المازوشي عن مصدر للإلهام

حب من خارج الزواج استمر لسنوات سبع وأثمر «نداء القلب» و«إلى الأبد»

إلياس أبو شبكة
إلياس أبو شبكة
TT

ليلى العضم وإلياس أبو شبكة: رغبتها في الخلود قابلها بحثه المازوشي عن مصدر للإلهام

إلياس أبو شبكة
إلياس أبو شبكة

لم يكن الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة مجرد تفصيل عابر على خريطة الشعر العربي المعاصر، فالشاعر الذي رفض الانقلاب على نظام الشطرين، رفض بالمقابل أن يكون نسخة مكررة عمن سبقه من الشعراء، فحقن الشكل الشعري التقليدي بأمصال جديدة، متخذاً حقلاً معجمياً بالغ التميز، ومستلاً لغته من خلجات الروح وكهرباء العصب. ولعل مقدمة الشاعر لديوانه الأبرز «أفاعي الفردوس»، التي يرد فيها على بول فاليري ومذهب الرمزيين في إعلاء شأن الصنيع والتوشية الجمالية، لم تُظهر انحيازه الواضح للمذهب الرومانسي فحسب، بل بدت المعادل النظري لشعره الخارج من أتون الآلام وتمزقات العصب المحتدم، الذي يختزله قوله:

إجرحِ القلبَ واسقِ شعرك منه فدَمُ القلب خمرة الأقلامِ

وإذا أنت لم تعذَّب وتغمسْ قلماً في قرارة الآلامِ

فقوافيكَ زخرفٌ وبريقٌ كعظامٍ في مدفنٍ من رخامِ

والأرجح أن التناقض المأزقي في حياة أبو شبكة المولود في نيويورك عام 1903. قبل عودته مع العائلة إلى ذوق مكايل، ليس متأتياً من تكوينه الشخصي فحسب، بل غذته عوامل أخرى، أبرزها مقتل أبيه المأساوي على يد بعض اللصوص. وكان لانحدار العائلة من حالة اليسر السابقة إلى فقرها المستجد، أثره النفسي السلبي على الشاب العصبي والمعتد بنفسه، الذي لم توفر له موهبته سبل العيش الكريم، وسط محيط اجتماعي لا يقيم وزناً إلا لأصحاب النفوذ والممسكين بمقاليد السلطة والمال.

ليس بالأمر الغريب تبعاً لذلك، أن يجد أبو شبكة في المرأة الترياق الذي يلأم صدوع نفسه، والحضن الذي يوفر له ما يحتاجه من الحنان والدفء. وكانت أولغا ساروفيم، ذات الجمال الهادئ وجارته في ذوق مكايل، هي الفتاة الأولى التي خفق لها قلب الفتى المراهق. ومع أنها كانت تكبره بسنوات عدة، إلا أن أبو شبكة ما لبث أن أعلن خطوبته على أولغا، بعد أن بدأت الألسن تطال علاقتهما بالسوء، مطلقاً عليها اسم غلواء، وناشراً قصائده عنها في صحف لبنانية عدة.

والأرجح أن تأخره في الزواج من أولغا حتى عام 1932 لا يعود لأسباب مادية ومعيشية كما كان يزعم، بل لخوفه من الانخراط في المؤسسة الزوجية، التي كان يخشى في ظل زمنها الرتيب وقيودها المرهقة، أن يفقد مناجم مخيلته ومصادر إلهامه. وينقل عنه صديقه الشاعر رياض المعلوف قوله إنه أصر على أن لا يتشاطر مع غلواء المنزل ذاته، كي لا تضمر في داخله حالة الشغف وجذوة الكتابة. لكن من يتابع قصيدة الشاعر الطويلة «غلواء»، سيلاحظ أن أكثر المقاطع توهجاً واحتداماً هي التي تتمحور حول الشعر والألم والنوازع الإنسانية المحتدمة، في حين أن جانبها الأوفر لا يبارح ما ألفناه من وجوه التجديد الشكلي الذي عرفناه مع الموشحات ونماذج عصر النهضة.

أما لُقى الشاعر الأكثر فرادة فسنجدها في «أفاعي الفردوس»، حيث علاقة أبو شبكة المحمومة مع روز ساروفيم، المرأة المتزوجة التي أطلق عليها اسم «وردة»، انعكست على شكل صراع روحي عاصف بين الدنس والطهر، بينما خرجت قصائد أخرى من رحم علاقته بالمغنية السمراء «هادية»، التي لم يتوان عن تعليق صورتها في صدر منزله الزوجي، قبل أن يضبطها في فراش أقرب أصدقائه إليه. وإذا كان الديوان المذكور أحد الإرهاصات المبكرة بالحداثة الشعرية، حيث تأثر بمناخاته شعراء لاحقون بينهم خليل حاوي، فقد بدا واضحاً تأثر الشاعر بعوالم بودلير الجحيمية، لا سيما في «أزهار الشر»، حيث يتخذ من خيانة دليلة لشمشون قناعاً لعشيقته الخائنة:

ملّقيه بحسنك المأجور وادفعيه للانتقام الكبيرِ

إنما الحسن يا دليلة أفعى كم سمعنا فحيحها في السريرِ

والبصير البصير يُخدع بالحسن وينقاد كالضرير الضريرِ

لستِ زوجي بل أنتِ أنثى عُقابٍ شرسٍ في فؤادي المسعورِ

وإذ ظل أبو شبكة يبحث طويلاً عن المرأة الحلم، التي تعيد إلى شعره وحياته النيران التي أخمدها الزواج، فقد وجد في ليلى العضم ضالته ومثاله الأنثوي الأسمى. ولم يكن الشاعر ليأبه بكونها متزوجة وأماً لولدين، لأن همّه كان منصباً على تغذية أناه المتفاقمة بما تحتاجه من عناصر الشغف والحب المشبوب، فيما كانت هي من جهتها ترى فيه السبيل الأنجع لنقل جمالها الفاني إلى خانة الخلود. وفي كتابه المميز «لكي تحب أتيت الأرض» ينقل هنري زغيب عن جورج غريّب، الكاتب ومدير مدرسة عينطورة، قصة الرسالة التي دستها في جيبه ليلى العضم، المرأة الجميلة التي كان لها ولدان في مدرسته، بغية إيصالها إلى صديقه الأثير. ويتحدث غريّب عن المنظار الذي كان يثبته الشاعر في مكتبه الوظيفي ليقرّب إلى عينيه صورة حبيبته، وعن الدموع التي انهمرت على خديه لدى حديثه معها على الهاتف، وعن الحادثة الغريبة التي وقعت له في الخنشارة حين أخطأ العنوان الذي زودته به لكي تلتقيه بين جدرانه، والجروح التي أصيب بها بعد أن ظنه أصحاب المنزل أحد اللصوص المحترفين.

وكثيراً ما كان أبو شبكة يجلس بين مدافن الذوق المقابلة لمنزل حبيبته، مساهراً الضوء المنبعث من غرفة نومها، فلا يبارح المكان إلى أن ينطفئ الضوء فجراً، وحين علمت ليلى بالأمر صارت تطفئ الضوء في وقت مبكر، إشفاقاً على شاعرها من السهر والبرد. كما روت أم أبو شبكة أن ابنها أحب ليلى إلى درجة الهوس، وحين تخلفت مرة عن موعده أكد أنه أبصرها تمر على صورة طيف أو غيمة بيضاء، ثم تستسلم الأم لدموعها وهي تعاين «ما فعله العشق بوحيدها المجنون».

ولم يكن جمال ليلى الباهر هو وحده ما شد الشاعر العاشق إلى ليلاه، بل عقلها المتفتح واطّلاعها الواسع على ثقافة العصر، وحساسيتها العالية إزاء الشعر والفن. كما ظهرت موهبتها في الكتابة من خلال الرسائل التي بعثت بها إلى الشاعر، والتي لا تقارن أبداً بكتابات غلواء الركيكة، قبل أن تطلب منه إتلافها لدى إصابته بسرطان الدم، لدى تهديد زوجها لها بأبشع العواقب. وفي رسالتين نجتا صدفة من التلف، يكتب لها الشاعر: «أيها الجمال البهي النقي الذي يمدني بأمل الحياة. أنا الشاعر الجهنمي الرؤى، وأنت من جعل مني شاعراً حنوناً وصافياً»، فتكتب له بدورها: «الهنيهة التي أنفصل فيها عنك، أحتفظ بها لأزداد تعلقاً بك. ولحظة أراك تغادرني، يكويني الألم فأجمّد شكلك وأحملك معي إلى عزلتي. أنت في ذاتي وحولي، وواحد أحد في هذا العالم». أما حديث البعض عن الطبيعة الطهرانية واللاجسدية لعلاقة الطرفين، فلا تدحضه سيرة أبو شبكة مع النساء الأخريات فحسب، بل إشاراته المتكررة إلى ما كان يحدث بينهما من عناقات حارة وتواصل جسدي، تجنب الشاعر الإفصاح عن تفاصيله.

ورغم أن المقارنة بين أولغا وليلى، تقع على المستويين الجمالي والمعرفي في مصلحة الأخيرة، فإن في احتفاظ أبو شبكة بالاثنتين معاً، ما يؤكد زهوه النرجسي بتنافس المرأتين على قلبه، ولو من موقعين متغايرين، فيقول مخاطباً ليلى:

وحقّ هوى غلوا أحسّكِ في دمي وأُقسم ما في غَلْوَ حبٌّ مدمِّرُ

جرت في دمي وحياً وتجرين في دمي ولكنّ لونَ الحبّ قد يتغيّرُ

ومع أن أولغا، بحكم الطابع الشرعي للعلاقة، هي التي رافقت لحظات احتضاره الأخيرة في المستشفى عام 1947. كما دفنت إلى جانبه عند رحيلها، لكن ليلى العضم هي التي نفذت إلى صميم قلبه وعقله. وهي التي غذت قصائده بلهب الإبداع، فخاطبها في «نداء القلب» قائلاً:

جمالكِ هذا أم جمالي؟ فإنني أرى فيكِ إنساناً جميل الهوى مثلي

وهذا الذي أحيا به، أنتِ أم أنا؟ وهذا الذي أهواه، شكلكِ أم شكلي؟

أُحسُّ خيالي في خيالكِ جارياً وروحكِ في روحي وعقلكِ في عقلي

كأنكِ شطرٌ من كياني أضعتُهُ ولما تلاقينا اهتديتُ إلى أصلي

أما ليلى المسكونة به والوفية لذكراه، فقد كتبت في مذكراتها عنه «إن روحينا اللتين تفصلهما اليوم مطارح لا منظورة وجسور مستحيلة، تتلامسان وتتواصلان في رغبة واحدة. إن العاصفة التي فجّرها غيابك نزعت الغيوم التي كانت تحجب عني رؤية أعماقي. بعدها صرت أرى بوضوح كل ما في عمق ذاتي لأنني تعذبت كثيراً، وتأكد أنني منذ غيابك صرت أستطيع الاحتفاظ بك لي وحدي».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.