القراءة... التقاء العين بالحروف وتحويل المقروء إلى معنى

بطبيعتها متعة واكتشاف وتعلّم ولا يمكن أن تمثّل عبئاً

القراءة... التقاء العين بالحروف وتحويل المقروء إلى معنى
TT

القراءة... التقاء العين بالحروف وتحويل المقروء إلى معنى

القراءة... التقاء العين بالحروف وتحويل المقروء إلى معنى

للقراءة ترجمات عديدة تراوح بين استيعاب معاني المفردات والمقاطع في المنشورات الورقية والرقمية إلى إدراك ما في النوايا، واستيعاب ما بظهر الغيب. بيد أن الثابت في الحالات جميعها هو الإحاطة بدلالات الشيء، والقدرة على الانتقال من حيز الوعي إلى الخطاب، لتزيل محتوى المقروء. إنه الافتراض الذي حدا بمدونة النقد إلى اعتبار الكتابات النقدية، حول الأعمال الأدبية والفنية، قراءات، بالنظر لما تعكسه من خصوصيات الوعي والاستيعاب أوان نقلها إلى نص مكتوب، ولما أنها كذلك فقد وصفت في سياقات عديدة بـ«مقتربات قرائية»، بالنظر لما تمثله القراءة من تشوف إلى الاقتراب من دلالات الأعمال فقط، وليس امتلاكها على نحو كامل. إنه المعنى المأخوذ من الوضع الفيزيقي للقراءة (حمل الكتاب باليد جلوساً أو وقوفاً أو في وضعية النوم) الذي سرعان ما مثل استعارة مظهرية دالة على القراءة بوصفها «رَوْشَماً ذهنياً» مفارقاً للممارسة بالفعل.

والشيء الأكيد أن القراءة بطبيعتها متعة واكتشاف وتعلّم، ولا يمكن أن تمثّل عبئاً، حتى في الحالات القصوى للكتب الصعبة والمركبة، وقد تتخذ إيقاعاً بطيئاً، ومكتنفاً بالترددات، والمراجعات، والعودة المستمرة إلى البدايات للفهم واستبصار القصد. وفي كل هذا لا يمكن أن تخلو القراءة من حافز الاستمرار المبني على الرغبة في معرفة شيء ما. وفي النهاية يمكن أن نقول شيئاً بصدد المقروء، للتعبير عن النتيجة المحصلة، والكتب المتطرفة في قيمتها، هي التي تجعل القارئ يعلق عليها ويصدر أحكاماً، إنها الكتب نفسها التي تستمر في الحضور عبر الاستشهادات المتفرقة، لهذا لا يمكن أن نفصل القراءة عن ملكة التداول، والترجمات القولية للمعاني المحصلة، في سياقات تخاطبية شتى.

وغير خافٍ أننا حين نتعلم قراءة المفردات نتعلم نطقها أيضاً، ولعل القصد في القراءات الجماعية التي كانت تمثل مرحلة أساسية في التعلم، الانتقال من وضع الفردية الذي تقتضيه المواجهة مع الكتاب، إلى حال المواجهة الجماعية التي تنتج لاحقاً حديثاً مشتركاً عن المعاني، لذلك فالامتناع عن الكلام عن الأعمال الفكرية والإبداعية أشبه ما يكون بالامتناع عن قراءتها، الصمت هو الوجه الآخر لعدم القراءة أو للقراءة الممتنعة، وحين نتحمل ضروباً شتى من العذابات والخيبات والمواجع، في قراءات صعبة، لن يخفف من غلوائها سوى الحديث عنها. لهذا أعتقد أن الصبر على المقروء يجب أن يضاهيه صبر مضاعف على الكلام، وما قد يستتبعه من تأويل، لا سيما حين نعي قاعدة أساسية في عملية القراءة، مفادها أننا نقرأ كتباً من ورق وحبر، ولا نقرأ كيانات بشرية، ومن ثم فإن حديثنا عن كتاب ما هو حديث عن مضمون فكري وعن فقرات وفصول ولغة ومجازات، وعن اسم مطبوع على الغلاف متصل بتجليه الكتابي المفرد، في عمل بذاته دون غيره، ولا يمكن أن يتحول الكلام عنه إلى مجرد اغتياب.

في قراءة رواية «أعمدة الأرض» للإنجليزي كين فوليت، نتمثل نصاً مرعباً، ليس لأنه يدور في عوالم الحرب والعنف الديني بإنجلترا القرن الثاني عشر، ولكن لأن الرواية تمتد في أكثر من ألف صفحة، وتتضمن عشرات الأسماء والتفاصيل، نصاً تتحول فيه القراءة إلى سعي لتجاوز عتبة الخمسمائة صفحة الأولى، والنزول تدريجياً نحو الفصول النهائية. وليس من شك، أن القارئ سيكون أمام امتحان الاستمرار في المطالعة أو التوقف، وحين ينتهي، قد يكون بإمكانه الحديث عن موضوعات عامة في الرواية؛ من قبيل بناء كاتدرائية كمبردج على النمط القوطي الفرنسي، التي شيدت في غمار سجالين ديني وسياسي كبيرين، لكن الأسماء والأمكنة والمشاهد تتوه في السديم، وتتلاشى من الذاكرة الضاجة بالقراءات، فيخيل للقارئ أنه كان بإمكانه الاكتفاء بتلك الفقرة الطويلة التي تتحدث عن غرق السفينة البيضاء الحاملة لوريث العرش البريطاني، المطبوعة على ظهر الغلاف للحديث عن تلك الرواية.

فالحديث عن الكتب (المسمى اقتراباً قرائياً)، موهبة لا صلة لها، بالسلوك القرائي ذاته، ولا بدقته وعمقه، إنه فِقْهٌ متصل بالقدرة على الاختزال وتخيل الروابط، واستخدام الفقرات المقتطفة من صفحات متفرقة، واستدعاء سلسلة من الوشائج الذهنية التي قد تنطلق من الرواية وتنتهي في التاريخ والذهنيات، من هنا قد نجد عدداً من المتحدثين المهرة عن الروايات والكتب مجرد مهنيين محترفين، يتقنون حفظ العناوين والأسماء، مع قدرة بارعة على التنقل بين النصوص، ينطلقون من تجربة طويلة مع القراءة تعلمهم أن مراجعة الكتب كفاءة في استثارة المتلقين، وهكذا قد نتحدث مجازاً عن الصعود والقفز والوقوف التأملي والهرولة في القراءة، ما دمنا نطوي مسافات قد تطول أحياناً أكثر من اللازم. ولا جرم من ثم أنه قد نقف على مراجعين بالغي السوء لكتب قتلوها حفظاً ويسعون دوماً لإثبات استظهارهم لمضامينها من الغلاف إلى الغلاف.

في أحد فصول كتاب «تاريخ القراءة»، يتحدث ألبيرتو مانغويل، عن فعل القراءة على الآخرين، حيث تتحدد بوصفها تلاوة جهيرة، لمتعلم بصير، على مستمعين أميين أو عميان أو مرضى، ويكون القارئ مجرد وسيط بين شيء مطبوع ومتلقين محرومين من القدرة على ممارسة ذلك الفعل الحيوي، ويحكي المؤلف عن طلاب مدرسة كوبية تطوعوا لتنوير عمال مصنع للسيجار عبر تخصيص ساعات يومية للقراءة عليهم في أوقات الاستراحة بمقر عملهم. وفي هذا الفصل، يورد ألبيتو مانغويل رسماً للفنان الفرنسي «ماريليي» يصور رجلاً بزي نبيل أوروبي بصدد قراءة مقاطع من صحيفة بين يديه، على جمهور من الخدم والعمال، قبل أن ينقل الكاتب سلسلة من الصور الأخرى للقراءة العمومية، كان أهمها لوحة لفنان مجهول تشخص فعل القراءة على عمال المصانع، نقلاً عن مجلة «براكتكال ماغازين» الأميركية.

والظاهر أن القصد من إيراد تلك الصور، في المحصلة، التدليل على الوظيفة الاجتماعية للقراءة على الآخرين، حيث مثلت حلاً لمعضلة نقل الإبداع الأدبي والفكري، لشريحة غير المتعلمين، في زمن بناء مشروعي التنوير والنهضة الأوروبيين، فكان القارئ الوسيط فاعلاً جوهرياً في صلب الصراع الحضاري، قبل أن يتحول دوره إلى مهنة لدى شرائح اجتماعية مرفهة، يتلو فيها على الأطفال مقاطع من نصوص شكسبير وآنتول فرنس ودانتي وغوته، فضلاً عن العهدين القديم والجديد.

وفي مقابل هذه الصورة، بالغة الثراء، تتداعى إلى الذهن مئات من صور القراءة الملتبسة، التي يقدم كثير من الأشخاص نفسهم عبرها، دونما تحديد لماهية الفعل داخلها، حيث إنها التقطت كـ«سيلفي» مهيأ للنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، القصد منها الإعلان عن فعل يمثّل في الأحوال العادية اجتهاداً غائباً، ووسيلة شبه مستبعدة (في الوقت الراهن) من سلم اكتساب المعارف والمهارات؛ وفي هذا السياق، يمكن استحضار موجة «سيلفهات» القراءة التي تنتشر عقب كل معرض للكتاب، حيث يتداعى «القراء»، عبر وسائط التواصل، لإعلان اقتنائهم كتاباً ما وانهماكهم في «الاقتراب» منه، وسرعان ما تنتشر صور «وضعيات» حمل الكُتُب، داخل ما يمكن تسميته بطقس «تَمَحُّل» فعل القراءة، يتماشى فيه لون الغلاف أحياناً مع ألوان اللباس وطبيعة الفضاء والضياء، ووضع النظارات على العينين. ولعل ما يلفت الانتباه في صور القراءة المصطنعة تلك، أن الغالب الأعم ممن يحضّرون أنفسهم لالتقاط الصور عبر الهواتف الذكية والألواح التفاعلية المتطورة، لا يقترحون أي كتاب في صيغة رقمية، حيث يمثل الهدف بما هو ترجمة لمظهرية القراءة، أكثر مما هو إدراك ممهد لاقتراب قرائي مكتوب أو شفاهي.

في المحصلة قد تكون القراءة سلوكاً بالفعل أو بالقوة، وقد تمثل بوصفها إدراكاً أو مجرد اقتراب مظهري، إنما الأكيد أنها لا تمثل إلا بوصفها اقتراناً بترجمات شتى للقصد منها، قد تبدأ من لقاء العين بالحروف ولا تنتهي بتحويل المقروء إلى قول مختزل للمعاني الحاصلة أو المفترضة.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».