زوينة آل تويّه: المترجم يُفاوض «شبح المؤلف» في أحيان كثيرة

المترجمة العمانية تشدد على ضرورة ترجمة الأدب العربي للغات أخرى

زوينة آل تويّه
زوينة آل تويّه
TT

زوينة آل تويّه: المترجم يُفاوض «شبح المؤلف» في أحيان كثيرة

زوينة آل تويّه
زوينة آل تويّه

ارتبط اسم المترجمة العمانية زوينة آل تويّه بعدد من الأعمال المهمة المترجمة عن اللغة الإنجليزية، منها «بارتبلي النساخ» للأميركي هرمان ميلفل، ورواية «الهدية الأخيرة» للروائي التنزاني البريطاني عبد الرزاق قرنح، الحائز جائزة نوبل للآداب لعام 2021، و«شهر في سيينّا» للروائي الليبي - البريطاني هشام مطر، و«وحده العالم يصحو» للبلغارية ماريا بوبوفا، و«عمدة كاستربريدج- قصة رجل محترم» لتوماس هاردي، وغيرها.

حصلت زوينة على الماجستير في الترجمة من جامعة إدنبره بإنجلترا، كما أشرفت على مختبر الترجمة في مؤسسة «بيت الزبير»، ولها مجموعة قصصية بعنوان «المرأة الواقفة تجلس». هنا حوار معها حول الترجمة، واختياراتها للنصوص:

> ترجمتكِ لكتاب «شهر في سيينّا» للكاتب الليبي - البريطاني هشام مطر لها خصوصيتها، سواء من ناحية الحسّ اللغوي اللافت أو من حيث العناية الدقيقة بترجمة التفاصيل الفنية المرتبطة بالأعمال التشكيلية والرحلة السيينية. كيف اقتربتِ من هذه التجربة وما الذي شكّل تحدياً فيها؟

- لا شك أن أي كتاب يُترجَم -شأنه شأن أي كتاب يُكتَب- تحيط به قصص ومواقف وتجارب تشكِّل مصيره ومساره. وكتاب «شهر في سيينّا» ليس برواية ولا قصة ولا سيرة ذاتية، لكنه نتج عن هذا كلِّه واتخذ له مساره الخاص مستفيداً من المدرسة الفنية السيينية. الترجمة بدورها ما كان لها أن تغفل ما سبق الكتاب من تجارب أسهمت في تشكيله، والرجوع إلى أصل الحكاية، وتأمل تجربة الكاتب المريرة وما ألقته من ظلال على حياته. هنا يختلط الواقع بالمتخيَّل ويشتبك الفن بالسرد واللغة وتأمل الحياة والموت والحب والخير والشر في لوحات قديمة قلَّما تشغل الناس اليوم، لكنها على قِدمها وإيغالها في التاريخ شغلت الكاتب وانغمس في قراءتها وتأمُّلها ومحاورتها وتفكيك رموزها على خلفية قصته المؤلمة.

يمكننا القول إن الكاتب استعان بالعام ليدرك الخاص، تناول الصورة الأكبر لينظر في تجربته الأصغر. فكرة بهذا التعقيد لا بد أن تشكِّل تحدِّياً في الترجمة. كان لا بد من الجلوس أمام كل لوحة وتصوُّرها كما تصوَّرها الكاتب، فالأمر أشبه باستعارة عين أخرى وفكر آخر. وهذا ليس بالأمر الهين، فلكل امرئ مسلكه وسبيله في رؤية الأشياء، ويصبح ذلك أعقد إذا ما فكرنا في مزاج المشاهد وثقافته. يحدث أيضاً أن يركز الكاتب على تحليل عنصر من عناصر اللوحة، ثم ينقل القارئ إلى زمن آخر ومكان آخر وفكرة أخرى رابطاً بين هذا كله وبين رؤيته، ومستعيناً في أحايين أخرى بقصة أو حادثة أو قول أو كتاب.

> كذلك حملت ترجمتك لكتاب الروائية العمانية جوخة الحارثي «الجسد في الغزل العذري» تحدياً من نوع آخر، كيف خضتِ هذه الرحلة، وما أبرز ما استوقفك خلالها؟

- في كتاب «الجسد في الغزل العذري» التي كتبته بالإنجليزية، شاركتُ الكاتبةَ شَغَفَها بالشعر العربي القديم، وشهدتُ معها بذرة الكتاب تنمو منذ دراستنا معاً في الجامعة نفسها، فكان لهذا أثر في ترجمته بعد ذلك بسنوات. ترجمةُ هذا الكتاب تشبه من يعود إلى وطنه وسكناه بعد طوافه في الأرض زائراً بلاداً وآفاقاً شتَّى، ولا سيَّما أنه كُتِب في بلاد أجنبية. القصائد خصوصاً، كانت أيسر ما تناولته الترجمة بالرجوع إلى دواوين الغزل العذري، وكذا الأمر مع المراجع العربية، لا سيَّما «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني الذي اتخذته الكاتبة مصدراً رئيساً لأخبار الشعراء العذريين. وسهل من ترجمة الكتاب قرب الكاتبة وسهولة الاتصال بها في كل ما يشكل أو يظهر من عقبات، وإتاحتها بعض المراجع العربية والأجنبية. لكنَّ العمل لم يخلُ من إعادة نظر في بعض المراجع التي لم تعد متاحة، وكان لزاماً التصرف وإيجاد بدائل والبحث عن مصادر أحدث تناولت الموضوع.

> كيف تنظرين إلى ظاهرة تكرار ترجمة الأعمال الكلاسيكية، هل ترين في هذا التكرار إثراءً أم إرباكاً للمشهد القرائي؟

- إعادة ترجمة بعض الأعمال، خصوصاً الأعمال الكلاسيكية، تمنحها الحياة والولادة من جديد. فهي أعمال خالدة مثل «الجريمة والعقاب»، و«الإخوة كارامازوف» و«الحرب والسلم»، و«مدام بوفاري» وغيرها. ولا شكَّ أن وجود أكثر من ترجمة لعمل واحد يتيح للقارئ اختيار ترجمة بعينها، ومترجم بعينه، وحتى دار النشر، وقد يدخل في ذلك عامل السعر أيضاً. لا ننسى أيضاً أن ثمَّة أعمالاً تُرجِمَت عن لغة وسيطة، وهذه أولى بأن تُعاد ترجمتها عن لغتها الأصل متى ما سنحت الفرصة. إلا أن عشوائية إعادة الترجمة تؤثر في هذه العوامل كلها غافلةً عن أعمال أخرى لم تترجم قطّ. وهذه العشوائية تكثر في الترجمات العربية فيختلط الحابل بالنابل؛ إذ تغيب عنها المنهجية والتنظيم، فترجمة جديدة للكتاب نفسه لا تتلافى عثرات ترجمته السابقة بل تزيد الطين بِلَّة بإضافة عثرات أخرى. لا يوجد حوار بين هذه الترجمات ليقدم كل منها رؤية مختلفة أو تأويلات جديدة للنص الأصلي.

> ما الذي جذبك لترجمة رواية «هامنت» للكاتبة الآيرلندية ماجي أوفاريل؟ بخاصة في مقاربتها لعالم شكسبير من زاوية حميمية وشخصية؟

- رواية «هامنت» لا تتناول حياة شكسبير نفسه، بل تشير إليه من طرف خفي، حتى إنها لا تمنحه اسماً، فهو الأب والزوج والمعلم. إنها تركِّز على ابن شكسبير وزوجته وعائلته، ولعل هذا هو أكثر ما يثير اهتمام القارئ. الاقتراب من حياة المحيطين بشكسبير. اخترت ترجمة هذه الرواية لأنها سرد حيّ لمعنى الأمومة والحب والزواج والأبناء والعائلة، بلغة تكاد تكون شعرية وحالمة.

> من واقع تجربتكِ، ما الذي قد يجذب المترجم إلى الاشتغال على نص منقول عبر لغة وسيطة، كما في تجربتك مثلاً مع ترجمة مييكو كاواكامي؟ ما التحديات التي يفرضها هذا المسار؟

- ينبغي أن نعترف، نحن المترجمين، بأن القارئ الذي يقرأ ترجمة ما إنما يقرأ أسلوب المترجم أكثر مما يقرأ أسلوب المؤلف نفسه، مهما ادعينا اقترابنا من النص الأصل وإخلاصنا له. كأن النص الأصل يُكتَب كتابةً ثانية، فالقارئ مثلاً يقرأ أسلوب صالح علماني في «مائة عام من العزلة» أكثر مما يقرأ أسلوب ماركيز، وبالمثل في ترجمة الرواية إلى الإنجليزية، يقرأ القارئ غريغوري راباسا أكثر مما يقرأ ماركيز الذي ذهب بنفسه إلى حدِّ اعتبار ترجمة راباسا أفضل من الأصل الإسباني. إلا أن ذلك لا يعني ابتعاد الترجمة كليّاً عن النص الأصل واستيلاء المترجم على الأصل وتخريبه، إنما يَبِين للقارئ الحصيف ما يميز أسلوب مترجمٍ ما باستعماله تراكيب وصِيَغاً ومفردات معينة تدل عليه وتتكرر في ترجماته، خصوصاً إذا كان المترجم نفسه كاتباً. لكنَّ الأمر يتعقَّد إذا ترجم المترجم عن لغة وسيطة؛ فهو يترجم ترجمةً لا نصّاً أصليّاً، ومن ثم يمكننا القول إنه يترجم أسلوب مترجم النص عن لغته الأصل لا أسلوب الكاتب نفسه -إذا ما زعمنا اقترابنا من أسلوب الكاتب- فنكون أمام ثلاثة أساليب للنص الواحد. وفوق هذا قد لا يعرف القارئ أبداً أن الكتاب مترجَمٌ عن لغة وسيطة ما لم يُشِر المترجم أو الناشر إلى ذلك. ما زلتُ أتوجَّس من الترجمة عن لغة وسيطة وأرتاب منها وأنظر إليها بتحرُّز؛ لا سيَّما إذا كان الكاتب معروفاً بحيله السردية أو غموض أسلوبه، فقد خَبُرتُ هذا في ترجمة رواية «الجنة» لمييكو كاواكامي وكتاب آخر أترجمه منذ مدة. كان من محاسن المصادفات أن تمكنتُ من مراسلة مترجم رواية كاواكامي من اليابانية إلى الإنجليزية، بعد ما وجدت ارتباكاً في النص المترجم ظننته موجوداً في الأصل، ثم راجع المترجم ترجمته وأكَّد وجود الارتباك في ترجمته نفسها لا في الأصل. إلا أنني لاحظت أن المترجم وقع في هذا الارتباك بسبب غموض النص الأصلي وتلاعب الكاتب بالسرد. هذا بالطبع ليس دفاعاً ولا تبريراً، بل ملاحظة لا غير.

> حسب أمبرتو إيكو فإن «الترجمة عملية تفاوض مستمرة بين لغتين». كيف تتجلى هذه الفكرة في تجربتك؟ وبرأيك، هل يتم هذا التفاوض مع النص والكاتب الغائب، أم مع القارئ في اللغة الهدف، أم مع الناشر وحدود السوق؟

- المفاوضة في الترجمة أمر لا بدَّ منه بغية الوصول إلى تسوية، والمترجم يفاوض أطرافاً عدة؛ النص الأصل، والنص المترجم، والثقافة التي ينتمي إليها النصان، ومؤلف النص الأصل، والقارئ، والناشر. على مستوى النص، لا تكاد المفاوضة تتوقف لتوليد صياغة مقبولة تعوِّض عن الخسارات التي كثيراً ما تواجه المترجم، وهذا يعني أيضاً أن الترجمة تأويل مستمر في سياق ثقافي ولغوي جديد كما يذهب أمبرتو إيكو، لا سيَّما أن المترجم يفاوض «شبح المؤلف» في كثير من الأحيان. خَبُرتُ مفاوضة المؤلف في ترجمتَي «الجسد في الغزل العذري» و«شهر في سيينا»، حيث كان الكاتبان حاضرين للنقاش والمفاوضة. وفي ترجمة رواية «الهدية الأخيرة» لعبد الرزاق قرنح تحفَّظتْ الجهة الراعية لترجمة أعمال قرنح على بعض المفردات الواردة في الرواية مقترحة تخفيف حدَّتها، لكنني أصررتُ على ترجمتها مثلما كانت في الأصل حرصاً على نقل أثرها إلى العربية.

> برأيك، لماذا لا تزال جهود الترجمة العكسية من العربية إلى الإنجليزية أقل من المستوى الذي نطمح إليه؟ وما العوائق التي تَحول دون ذلك؟

- في مطلع الثمانينات أسَّست الأديبة والمترجمة والناقدة والأكاديمية الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي «مشروع بروتا - PROTA» الذي عُنِيَ بنقل الأدب العربي إلى الإنجليزية، وضمَّ المشروع موسوعات وكتباً رائدة في الأدب العربي بين شعر ومسرح ورواية وقصة وما يتعلق بالحضارة العربية الإسلامية. وقد نجح هذا المشروع المتميز نجاحاً كبيراً حتى إنه أثار حفيظة المثقفين الإسرائيليين المقيمين في أميركا الذين سعوا إلى الحيلولة دون ترجمة الأدب الفلسطيني ونشره، حسب الناقدة الدكتورة مديحة عتيق. لا أعرف إذا كان هذا المشروع الرائد ما زال قائماً، لكننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى مثيله أكثر من أي وقت مضى. بخاصة أن معظم الكتب المترجمة أصبحت روايات وقلَّما نرى دواوين شعر وكتباً فلسفية ونقدية وعلمية مترجمة.


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.