رواية أميركية بطلها «أخطبوط مشاكس» تكسب قلوب الملايين

عادت إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً بعد عام ونصف العام من صدورها

رواية أميركية بطلها «أخطبوط مشاكس» تكسب قلوب الملايين
TT

رواية أميركية بطلها «أخطبوط مشاكس» تكسب قلوب الملايين

رواية أميركية بطلها «أخطبوط مشاكس» تكسب قلوب الملايين

في العام قبل الماضي، أثناء ذروة عروض خصومات موسم العطلات، بدأت بيث سيوفر باس تتلقى طلبات غير عادية من العملاء في «Bookmarks» وهي مكتبة مستقلة، كارولاينا الشمالية، الولايات المتحدة. تقول باس: «لقد كان سؤال القراء هو دائماً: هل لديك ذلك الكتاب الخاص بالأخطبوط؟».

وكانت باس تعرف بالضبط أي كتاب يقصدونه، إذ كانوا يقصدون رواية «مخلوقات مشرقة بشكل ملحوظ» لشيلبي فان بيلت، وهي رواية تتحدث عن أخطبوط غريب الأطوار.

لم تكن الزيادة في حجم الطلب على الرواية متوقعة، وذلك لأنها كانت قد صدرت في ربيع عام 2022، والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن المبيعات استمرت في الزيادة بشكل كبير بعد انتهاء موسم العطلات من ذلك العام أيضاً، وحتى شتاء وربيع عام 2023. ولم تتراجع أبداً منذ ذلك الحين. وكانت هذه الرواية هي الأكثر مبيعاً على موقع مكتبة «Bookmarks» لعام 2023، وقد زادت طلبات الحصول عليها مرة أخرى في موسم العطلات الحالي أيضاً.

تقول باس، التي قدمت الرواية لاثنتين من قريباتها في عيد الميلاد: «لا أعتقد أن مبيعات هذه الرواية ستنخفض، لأن كل من يقرأها يريد أن يقرأها أشخاص آخرون أيضاً، وبغض النظر عن مزاجك أو ما تمر به، يمكنني أن أضع هذا الكتاب بين يديك».

وفي بيئة البيع بالتجزئة التي لا يمكن التنبؤ بها، والتي غالباً ما يتم تصنيف الكتب الأكثر مبيعاً فيها من خلال منشورات تطبيق وسائل التواصل الاجتماعي «تيك توك» التي تنتشر بشكل كبير، تعد رواية «مخلوقات مشرقة بشكل ملحوظ» واحدة من قصص النجاح النادرة، فهي تعكس اتجاهاً أدبياً غريباً يجري لأول مرة بدعم محبي القراءة وتوصيات القراء.

وحتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي بيعت 1.4 مليون نسخة من الرواية، وهو إنجاز مثير للإعجاب لرواية يكون الراوي فيها لأول مرة أخطبوطاً مشاكساً، كما تجاوزت المبيعات في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي أيضاً مبيعات موسم عطلات العام الذي سبقه، وعادت الرواية إلى الظهور مؤخراً في قائمة صحيفة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعاً.

وفي حين أن العديد من العوامل التي تدفع زيادة الطلب على رواية «مخلوقات مشرقة بشكل ملحوظ» تبدو فريدة من نوعها، فإن هذا المسار الجديد يعكس أيضاً تحولاً مستمراً في تجارة الكتب، مع تجاوز مبيعات الكتب القديمة لتلك الجديدة، فمن بين أكثر 50 رواية مبيعاً للبالغين لعام 2023، تم نشر 16 رواية فقط في 2023، بينما كانت البقية روايات قديمة، وفقاً لشركة «Circana BookScan»، التي تتتبع مبيعات المطبوعات.

وكانت بعض الروايات الأدبية الأكثر مبيعاً العام الماضي، بما في ذلك رواية غابرييل زيفين «غداً وغداً وغداً» و«دروس في الكيمياء» لبوني غارموس، قد ظلت خارج القائمة منذ عام ونصف العام تقريباً، لكنها حققت مبيعات أعلى في 2023 من العام السابق.

وقد فاجأ الاستمرار غير العادي للطلب على رواية «مخلوقات مشرقة بشكل ملحوظ» ناشرها «إيكو»، إذ إنه عادة ما تكون مبيعات الكتب أقوى في الأسابيع الأولى التي تلي النشر مباشرة، عندما تكون هناك موجة من الاهتمام الإعلامي والتقييمات ثم تتضاءل المبيعات شيئاً فشيئاً، ولكن بعد فترة هدوء قصيرة في صيف عام 2022، انتعشت مبيعات الرواية ثم ازدادت بشكل كبير مع الوقت، مما أعادها إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في 2023، وحتى الآن، طلبت «إيكو» 28 نسخة مطبوعة منها.

تقول كريستين ماكلين، العاملة في شركة «Circana BookScan»: «يبدو أن الأمر يتضمن جميع السمات المميزة للشكل الطبيعي للترويج للروايات، إذ إننا عدنا إلى التوصيات الشفهية القديمة من بائعي الكتب، أو الأصدقاء».

وكانت قد خطرت لفان بيلت، وهي مستشارة مالية سابقة، الفكرة التي تحولت إلى هذه الرواية لأول مرة عام 2013، عندما شاركت في ورشة عمل حول الكتابة الخيالية في جامعة إيموري في أتلانتا، وكانت إحدى المهام هي كتابة قصة قصيرة من منظور غير عادي، وتوصلت حينها إلى شخصية أخطبوط لاذع يشعر بالملل والإحباط بسبب حبسه في حوض للسمك، وحينها سحبها معلمها جانباً واقترح عليها بناء شيء أكبر حول هذه الشخصية، وبالفعل بدأت في كتابة مقالات قصيرة عن هذا الأخطبوط.

وفي البداية، لم تقلق بيلت كثيراً من أنها كانت تخوض مخاطرة إبداعية من خلال كون الراوي والبطل أخطبوطاً ذكياً للغاية، لأنها لم تعتقد أن عملها سيتم نشره على الإطلاق، إذ تقول: «لم أكن أفكر كثيراً في الأمر، وكنت أتساءل: هل ما أكتبه يمكن بيعه؟ وذلك لأنني لم أعتقد قط أن أحداً سيقرأ ما أكتبه».

وواصلت بيلت اللعب بالشخصية ورأت في النهاية إمكانية كتابة رواية، لكنها أدركت أنه سيكون من الصعب كتابة كتاب كامل من منظور الأخطبوط وحده، وحينها توصلت إلى شخصية توفا، وهي أرملة تبلغ من العمر 70 عاماً ولها ماض مؤلم وتعمل عاملة نظافة في مركز ترفيهي لأحواض السمك، وتدور أحداث القصة في مدينة خيالية في شمال غربي المحيط الهادي؛ حيث نشأت فان بيلت، أما شخصية توفا فهي مستوحاة من جدتها السويدية.

وفي الرواية تطور توفا علاقة ودية مع مارسيلوس، وهو أخطبوط المحيط الهادي العملاق المقيم في حوض سمك داخل المركز الذي تعمل فيه. وضمن تطور الأحداث تبدأ توفا تثق بمارسيلوس، وتبدأ تشكو له ماضيها، حيث تشعر بالألم بسبب اختفاء ابنها منذ عقود، كما تشعر بالقلق بشأن مستقبلها الغامض كامرأة مسنة تعيش بمفردها، ومع نمو علاقتهما، تساعد مارسيلوس في العثور على بعض الحرية، حيث يهرب من مكان إقامته كل ليلة للتجول في أحواض السمك والاستمتاع بوقته مع الكائنات البحرية الأخرى في المركز الترفيهي.

أمضت فان بيلت عدة سنوات في إعادة كتابة الفصول القليلة الأولى، حتى توصلت هي وشريكتها في الكتابة إلى اتفاق لإنهاء كتابهما، وكتبت الجزء الأكبر من العمل عام 2020 في ذروة وباء فيروس «كورونا المستجد»، عندما كانت في المنزل مع طفليها، اللذين كانا يبلغان من العمر حينها 4 و6 سنوات.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، راسلت العديد من الوكلاء بشأن الرواية، وردت إحداهن، كريستين نيلسون، على الفور، وتتذكر نيلسون قائلة: «تواصل معي مساعدي حينها وقال: خطر لي هذا السؤال اليوم: إنه إما عمل رائع أو مجنون، فهو يدور حول أخطبوط ناطق».

ودفعت الرواية للنشر بعد وقت قصير من إصدار الفيلم الوثائقي الذي نال استحسان النقاد «معلم الأخطبوط الخاص بي»، والذي ركز على العلاقة غير العادية التي تنشأ بين رجل وأخطبوط، وتقول فان بيلت: «لم يكن بإمكاني التخطيط للأمر بشكل أفضل».

وعندما سمعت هيلين أتسما، ناشرة «إيكو» فكرة الكتاب، انبهرت بها، ولكنها كانت متشككة بعض الشيء، إذ إنها كانت قد شاهدت فيلم «معلم الأخطبوط الخاص بي»، وكان لديها فضول لرؤية تمثيل خيالي لما يدور بعقل الأخطبوط، لكنها تساءلت عما إذا كان الأمر سينجح، قائلة: «كنت أرى أن الأمر سيكون صعباً، وأتذكر أنني كنت أحدث نفسي قائلة إن الأمر إما سيكون جيداً حقاً، أو أنه لن ينجح على الإطلاق». وقد اشترت «إيكو» الرواية في مزاد بمبلغ مكون من ستة أرقام، ووضعتها كواحدة من أهم إصداراتها الأولى عام 2022.

وكانت للرواية بداية قوية في شهر مايو (أيار) من ذلك العام، مع طلبات كثيرة من متاجر مستقلة مثل «Target» و«Barnes».

*خدمة» نيويرك تايمز» كتبت شيلبي فان بيلت الجزء الأكبر من العمل عام 2020 في ذروة وباء «كورونا» عندما لازمت المنزل مع طفليها



مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.