«باب الدروازة» توازن بين نمو شخصية البطل وصعود نجم صدام حسين

علي لفتة سعيد في رواية عن وضع سياسي متفجّر نهاية السبعينات

«باب الدروازة» توازن بين نمو شخصية البطل وصعود نجم صدام حسين
TT

«باب الدروازة» توازن بين نمو شخصية البطل وصعود نجم صدام حسين

«باب الدروازة» توازن بين نمو شخصية البطل وصعود نجم صدام حسين

رواية «باب الدروازة» للروائي علي لفتة سعيد هي سيرة روائية أو رواية سيرية لاكتشاف الذات والعالم، ولبناء وعي شخصية روائية تواجه الحياة بحذر وخوف وتردّد. فبطل الرواية وراويها المركزي «خلاوي» يقدم لنا ما يشبه السيرة الذاتية «الأوتو بيوغرافية» عن حياته وتجربة انتقاله مكانياً من بلدةٍ صغيرة وبسيطة ذات طابع ريفي، هي سوق الشيوخ في محافظة ذي قار، إلى مدينة كبيرة ومعقدة، هي بغداد. ويقدم لنا الراوي سرده على شكل مونولوجات داخلية، أو لحظات استرجاع الذاكرة، فضلاً عن بعض المدونات والمخطوطات التي كان يدونها في دفتره الصغير، الذي يكشف عن منحى ميتا سردي واضح، كما سنأتي على ذلك لاحقاً.

والرواية هي أيضاً كشف لصدمة التعرّف والانبهار بالعالم الجديد لبطل الرواية، الذي لم يكن قد اجتاز سنته الـ16 بعد، ولذا بدت له الأشياء والمرئيات والأماكن وكأنها تولد للمرة الأولى. فكلّ شيء يثير دهشته واستغرابه. فالسيارة الكبيرة الحمراء ذات الطابقين أفزعته، كما أن كثيراً من الناس والغرباء كانوا يبدون له مثل كلاب تريد أن تنهش لحمه. ولذا بدت له مدينة بغداد، وبشكل خاص حي «الدروازة» في مدينة الكاظمية ببغداد مثل عالم متوحّش يريد ابتلاعه.

وتتزامن تجربة تعرّف بطل الرواية على العالم الجديد بوضع سياسي متفجّر، ومعرّض للانفجار في أيّ لحظة. فعام 1978 في العراق، الذي وطئت قدماه مدينة بغداد، هو العام الذي شهد صعود نجم الديكتاتور صدام حسين، الذي كان حضوره يمثل كابوساً مخيفاً لمعظم الشخصيات الروائية، وبشكل خاص «سعيد» زوج خالته وصديقه «هادي» بائع السبح، خاصة اقتران هذا الصعود بانتصار الثورة الإيرانية وبزوغ نجم آية الله خميني، وتأثيره على المجتمع العراقي. ولذا فقد كان الناس يتوقّعون أن تشتعل الحرب بين الطرفين في أي لحظة، وكانت شخصية البطل تنمو داخل هذا الفضاء المطلق، الذي يؤشّر أفق توقّع أسود ودموي للبلاد. وما كان يقلق البطل وشقيقه الأكبر «سليم»، طالب الدكتوراه في كلية الإدارة والاقتصاد، احتمال دعوة مواليد «خلاوي»عند اندلاع الحرب، لأنه سيكمل الثامنة عشرة من عمره آنذاك، ما يجعله مؤهّلاً للالتحاق بخدمة العلم، وهو ما حدث فعلاً في نهاية الرواية، وقطع الطريق على أحلام البطل، وخطّته لإكمال دراسته في إعدادية الكاظمية، حالما يحصل شقيقه الأكبر على شهادة الدكتوراه. ولذا يمكن أن نلاحظ وجود توازنٍ بين نمو شخصية البطل من جهة، وصعود نجم الديكتاتور صدام حسين، الذي كان «سعيد» زوج خالته يقارنه بالإله الجديد الذي سوف يتسيّد المشهد السياسي بسرعة، ويمارس أبشع أساليب العنف ضد الناس. فالعالم الخارجي المتفجّر سياسياً كان يتحكّم إلى درجةٍ كبيرةٍ بعملية تشكّل شخصية البطل واصطدامه بالواقع الجديد.

فهناك إشارات كثيرة عن مراحل سيطرة صدام حسين التدريجية على الدولة، وكان «سعيد» زوج خالة «خلاوي»، وهو صاحب محل بيع الثلج الذي يعمل «خلاوي» عنده عاملاً، يقوم بإيصال طلبات الزبائن إلى بيوتهم. وكان «سعيد» كثير الكلام الموجّه ضدّ الحكومة، ويحذّر من التغيّرات التي ستحصل، والتغيّرات التي حصلت في إيران. ويصرخ ويقول؛ انتبهوا إلى الآلهة الجدد (ص 95) كما كان «سعيد» يحذر الناس من الخطر القادم:

- «أيها الناس احذروا ما سيأتي، فلا تصمتوا، فقد صمتنا وحولونا إلى مجانين». (ص 99)

وفي إشارة إلى صعود صدام حسين، قال سعيد: «سنرى الموت، سنحترق شرقاً وغرباً ومن الوسط». (ص 110).

وجسّدت الرواية حالة التوتر والقلق لدى الناس، خاصة بعد أن قام صدام حسين بإعدام أعضاء قيادة حزبه، في ما سمي بمجزرة قاعة الخلد، وتنظيم مظاهرات تأييد للحكومة، كان «خلاوي» يسمع بكلمات لم يتابعها؛ قاعة الخلد... تطهير الأعضاء... إعدامهم لأنهم خونة... (ص 113)، كما اندهش «خلاوي» لأنه صار يرى صورة الرئيس الجديد، وقد ملأت الشوارع (ص 115). وقال سعيد مؤكداً: «إن الآلهة عادوا، آلهة الحرب بدأت بطرق طبولها». (ص 116). وحاول «هادي» بائع السبح أن يوضح صورة التغيير السياسي في العراق السعيد، في إشارة إلى هيمنة صدام حسين على السلطة:

- «الزمن تغيّر، لم يعد أحمد حسن البكر في السلطة، وأنت ترى منذ فترة التغيرات كبيرة، نحن الآن في تموز 1979» (ص 156).

- وفي إشاره إلى تسلّط صدام حسين، قال سعيد:

«الآلهة الموزعون على خرائط العراق، سينتحرون، وسيكون هناك إله واحد» (ص 158).

أما من الناحية السردية في الرواية، فنلاحظ هيمنة السرد المونولوجي الداخلي، وهو سرد فني مبأّر، على بنية الرواية السردية، منذ استهلالها:

«كان ذلك في صيف عام 1978 حين وطئت قدماه أرض العاصمة بغداد. كان وقتها فرحاً سعيداً، عامراً بالبهجة، كأنه تخلّص من التصاق تجمعات الحزن في قلبه وعلى جسده» (ص 5).

لكننا نفاجأ أحياناً بتدخّل المؤلّف، وتوظيف لون من السرد الكلّي العلم، الذي يضعف وحدة السرد المونولوجي الفنية المبأّرة، كما نجد ذلك في هذا المقطع الذي يخاطب فيه المؤلف القراء:

«أعلم أنكم قد تقولون، معقولة أن هذا الشاب الذي لم يبلغ سنته الثامنة عشرة، له كل هذه القدرة على التفكير» (ص 117).

وكما نجد زيادة في كلمة هنا أوهناك، تحيل إلى السرد الكلّي العام، كما الحال في كلمة طبعاً:

«طبعاً، خلاوي لم يفهم شيئاً» (ص 38)، كما نجد ذلك في هذا النص الذي يحيلنا إلى السرد الكلي العلم، لأنها تحيلنا إلى وعي المؤلف المنطقي، كما تحيلنا إلى القارئ:

«الحقيقة التي يجب ذكرها أن أم صلاح لم تكن مرتاحة لفتحية» (ص 61).

ولكن هذه الهفوات لم تؤثّر كثيراً على المستوى الفني للسرد المبأّر.

كما تمتلك الرواية من الجانب الآخر مظاهر ميتا سردية واضحة، تتمثّل في قيام البطل «خلاوي» بتدوين مذكّراته في دفتر صغير، وقد كتب في دفتره لاحقاً: «كن كما تريد، ولا تجعل عقلك يتجه نحو غاية واحدة» (ص 214).

ويتعزّز المنحى الميتا سردي في نهاية الرواية عندما يقرّر «سعيد» إهداء مكتبته إلى «خلاوي»، في إشارة إلى أنه قد يعتقل، أو يضطر إلى الاختفاء أو الهجرة، كما ترك له صندوقاً ينطوي على مخطوطاتٍ ومذكراتٍ مهمة:

«في هذا الصندوق ثمة أوراق هي عبارة عن مذكرات أعوام سجني، أعوام من العذاب» (ص 237).

وأخبره بوجود 3 دفاتر كبيرة تغطّي تاريخ العراق من عام 1958 حتى عام 1975، وهو عام خروجه من سجن «أبو غريب»، وطلب منه أن ينشر هذه المذكّرات على شكل كتاب.

وتكمن أهمية هذه المخطوطات في أنها قد تكون جزءاً من المتن الروائي الحالي، وأعني به رواية «باب الدروازة»، ما يجعل الرواية بكاملها تحت باب المخطوطة المضمنة داخل متن سردي أوسع هو متن الرواية الراهنة.

وإذا ما كان «سعيد» زوج خالته ملتزماً ومنتمياً إلى أحد الأحزاب السياسية اليسارية، ومثله بائع السبح «هادي»، فإن «خلاوي» كان نموذجاً للامنتمي الذي يجد نفسه ضائعاً تتلاقفه الأمواج في طوفان السياسة والكتب والأفكار، لكنه كان يحاول أن يشقّ طريقه بحذرٍ وتروٍ، وهو يتأمّل هذه التناقضات في الأفكار والمواقع والممارسات، وربما كانت نقطة التحوّل في شخصيته النامية تتمثّل في انتقاله من بلدته الريفية «سوق الشيوخ» إلى مدينةٍ عملاقةٍ ومعقّدةٍ ومثيرةٍ، هي بغداد، وموقف اللامنتمي ساعد على تقديم رؤيةٍ موضوعيةٍ وبريئةٍ للأحداث وللصراعات الفكرية والسياسية.

كان فرحه كبيراً عندما وطئت قدماه مدينة بغداد لأول مرة عام 1978، وبدأ التراكم المعرفي لديه من خلال المشاهدة والمراقبة والتأمّل فقط، ولم يكن قد تعوّد على قراءة الكتب بعد، لكنه كان يلتقط ما يقوله الناس، وما يقوله شقيقه الأكبر «سليم» طالب الدكتوراه، و«سعيد» زوج خالته، و«حسن» الطالب في كلية الفنون الجميلة:

«في غرفة حسن وحسين تفتحت قريحته لمعرفة أهمية الفن في الحياة... ومرّة شاهد لوحة امرأة ساكنة، أخبره (حسن) أن هذه المرأة اسمها الموناليزا، والذي رسمها وعشقها اسمه دافنشي» (ص 37).

وهكذا راحت أفكار «خلاوي» تتغيّر تدريجياً:

«لم يكن أحد بإمكانه إدراك ما يعانيه خلاوي خلال هذا العام الذي امتد طويلاً، فكلّ شيءٍ تغيّر فيه حتى أفكاره» (ص 90).

وخلال هذا التطوّر، صار عقل «خلاوي» أكثر وعياً وقدرةً على استقبال الأفكار (ص 97)، وأدرك أن عليه التحوّل لرؤية الأشياء، مثلما يراها زوج الخالة من الأعلى، وليس كما يراها هو من الأسفل (ص 157)، كما أدرك أنه يمضي شهوره مستمعاً فقط للآخرين، لذا فأفضل طريقة لتجريب الذات، وتخليصها من لزوجة الصمت هي الحديث (ص 175). ويمكن القول إن العالم الخارجي الجديد راح يعيد صياغة شخصية البطل:

«وجد نفسه في لحظة تماهٍ، يقول مع نفسه إن المكوث في بغداد يختلف عن أيّ منطقةٍ أخرى، إنها تعني ملاحقة تفتّح العقول على معطيات جديدة» (ص 208).

ومن خلال عملية النمو التدريجي لتطوّر الوعي عند البطل «خلاوي»، وطلبه من «سعيد» السماح له بقراءة كتبه، ندرك أن خلاوي مقبلٌ على تحوّلٍ جذري أعمق، ربما تكون فيه صورة جديدة، تدمج بين شخصيات «سعيد» زوج خالته و«سليم» شقيقه و«حسن» طالب الفن في أكاديمية الفنون الجميلة، وأنه سينتقل تدريجياً من شخصية اللامنتمي إلى شخصية المنتمي، خاصة بعد أن أهداه «سعيد» المكتبة والمخطوطات، وكأنه يسلّمه راية نضالية، يجب أن يحتفظ بها ويحميها في المستقبل. ومعنى هذا أن النضال سيتواصل ضدّ أشكال العنف والاستبداد، من خلال تكامل شخصية بطل الرواية «خلاوي»، وهي إشارة متفائلة لمستقبل النضال الاجتماعي من أجل تحقيق العدالة والحرية، خاصة أن «خلاوي» سيقوم بكتابة رواية عن حياة «سعيد» ونضاله، بتوظيف الدفاتر الثلاثة.

*ناقد عراقي



هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».

عاجل مسؤول إيراني لـ«رويترز»: مقتل نحو 2000 شخص في الاحتجاجات