جان زيغلير: الجوع هو أحد أسلحة الدمار الشامل

الفيلسوف السويسري يهاجم الغرب والعولمة الرأسمالية

جان زيغلير
جان زيغلير
TT

جان زيغلير: الجوع هو أحد أسلحة الدمار الشامل

جان زيغلير
جان زيغلير

يعد جان زيغلير (المولود عام 1934) أحد المفكرين ذوي الضمائر الكبرى في عصرنا. وهو فيلسوف ومسؤول سياسي ونائب سويسري في آن معاً. كما أنه موظف عالمي كبير لأنه كان مقرر الأمم المتحدة لشؤون التغذية في العالم لمدة ثماني سنوات (2000-2008). وهو الآن نائب رئيس اللجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وكان قد نشر سابقاً عدة كتب لافتة للانتباه. نذكر من بينها: «الكتاب الأسود للرأسمالية»، «الجوع في العالم مشروحاً لابني»، «أسياد العالم الجدد وأولئك الذين يقاومونهم»، «إمبراطورية العار» (أي إمبراطورية الرأسمالية الغربية والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات التي تجوع سكان الجنوب وترهق دولهم بالديون وتركعهم تركيعاً)، و«حق الإنسان في التغذية»، و«لماذا يكره الآخرون الغرب؟»، و«أسلحة الدمار الشامل: جغرافية الجوع في العالم»، ثم «الرأسمالية مشروحة لطفلتي الصغيرة»، إلخ... مجموعة كتب أساسية تفضح حقيقة الرأسمالية المتوحشة وتشرح خريطة الجوع المجرم الذي يفتك بالعالم حالياً.

يقول لنا المؤلف إن هناك نظريتين متعاكستين عن الرأسمالية: نظرية المؤرخ الهولندي الشهير روتجير بريغمان ونظريته هو. فالمؤرخ الهولندي يدافع عن الرأسمالية قائلاً ما معناه: طيلة 99 بالمائة من تاريخ العالم كان 99 بالمائة من البشر فقراء مدقعين، جائعين، وسخين، أغبياء، قبيحين، مريضين... ولكن كل شيء تغير خلال القرنين الماضيين مع صعود الرأسمالية. فقد أصبح عدة مليارات من البشر بفضلها أغنياء، مرفهين طعاماً وملبساً، نظيفين، آمنين، وأحياناً جميلين!.. بل وحتى أولئك الذين ندعوهم بالفقراء أصبحوا يأكلون ويشربون ما يسد الرمق وما عادوا يموتون جوعاً. وهذا يعني أن النظام الرأسمالي هو أفضل نظام اقتصادي عرفه تاريخ العالم. لم يؤمن للبشرية فقط رفاهية العيش وإنما أمن لها أيضاً الحرية والليبرالية.

غلاف «الرأسمالية مشروحة لطفلتي الصغيرة»

كم هو عدد الذين يموتون جوعاً في العالم حالياً؟

لكن جان زيغلير يرد عليه قائلاً: هذه النظرية خاطئة تماماً، وذلك لأن العكس هو الذي حصل في ظل الرأسمالية. وأنا أقول بأن النظام الرأسمالي مسؤول عن جرائم لا حصر لها ولا عد. ففي كل خمس ثوان يموت طفل ما قبل العاشرة من الجوع. قلت كل خمس ثوان وليس كل خمس دقائق أو خمس ساعات. كل عام يموت ثلاثة ملايين ونصف المليون طفل جوعاً، أي بمعدل عشرة آلاف كل يوم. وكل أربع دقائق يعمى شخص ما بسبب انعدام فيتامين أ. وكل عام يموت ثلاثون مليون شخص من الجوع. ومئات الملايين الآخرين يعيشون على حافة الجوع: أي يعانون من سوء التغذية وقلتها. وكل ذلك يحصل في وقت لم تكن فيه البشرية مكتظة بالثروات مثلما هي عليه اليوم. هنا تكمن جريمة الرأسمالية الغربية أو العولمة الرأسمالية سمها ما شئت. فالمنظمة العالمية للتغذية قالت لنا بالحرف الواحد: ثروات العالم تستطيع حالياً أن تطعم 12 مليار شخص بكل سهولة. وبما أن عدد سكان العالم حالياً أقل من 8 مليارات آدمي فنحن نطرح على قادة العولمة الرأسمالية والشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات السؤال التالي: لماذا تموت الملايين جوعاً، بخاصة في بلدان الجنوب؟ من المسؤول عن هذه الجريمة النكراء؟ لهذا السبب رفعنا الشعارات التالية: الجوع هو أكبر فضيحة في عصرنا. الجوع هو أحد أسلحة الدمار الشامل الكبرى التي لا يتحدث عنها أحد. الجوع جريمة ضد الإنسانية. والمسؤول عنها هو نظام العولمة الرأسمالية الذي يتحكم بالعالم حالياً. وقادة العالم حالياً هم رؤساء الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات. وهم أشخاص لا هم لهم إلا تراكم الأرباح والرساميل في جيوبهم. ولهم ممثلون مرتزقة يعششون في أوساط منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. وأنا كشفتهم شخصياً وفضحتهم وأعرفهم بالاسم بحكم تجربتي وموقعي في الأمم المتحدة.

ثم يضيف الفيلسوف السويسري الشهير قائلاً: ينبغي أن يعلم الجميع الحقيقة التالية: هناك أكثر من 8 مليارات شخص على وجه الأرض حالياً: ثلثاهم يعيشون في بلدان الجنوب الفقيرة عموماً قياساً إلى بلدان الشمال الأوروبي – الأميركي المكتظة بالثروات الفاحشة. هناك حوالي الـ5 مليارات شخص يعيشون هناك في الجنوب. من بينهم يعيش مئات الملايين تحت خط الفقر المدقع. إنهم يعيشون في ظروف مرعبة لا تليق حتى بالبهائم. الأمهات خائفات يومياً من عدم القدرة على طبخ أي شيء لأطفالهن. إحدى الأمهات في دولة فقيرة كانت تطبخ البحص وتعلل أطفالها به ساعة بعد ساعة وهي تبكي! وهم ينتظرون الطعام ولا يعرفون أنها تطبخ البحص! وهي تراهن على أنهم سوف ينعسون وينامون في نهاية المطاف. ولكن كيف ينام من هو يتضور جوعاً؟ الجوع كافر. هذه أشياء ينبغي أن تقال حتى ولو كانت تمزقك من الداخل تمزيقاً. شكراً للبروفيسور جان زيغلير وألف شكر. إنه حفيد جان جاك روسو حتماً. وهو على أي حال سويسري مثله. وأما الرجال أو الآباء فلا يجدون عملاً. ولذلك يشعرون بالخجل أمام زوجاتهم وأطفالهم. يشعرون بالخجل والعار لأنهم في حالة بطالة دائمة. يشعرون بأنهم فقدوا كل قيمتهم كرجال... الخلاصة: لقد خلقت الرأسمالية نظاماً حيوانياً مفترساً آكلاً للحوم البشر. فالثروة من حظ سكان الشمال أو أغلبيتهم، وأما البؤس المدقع القاتل فمن حظ الأكثرية العائشة في بلدان الجنوب إلا من رحم ربك..

مدح الرأسمالية بعد ذمها!

على الرغم من كل هذه الحملة الشرسة على الرأسمالية إلا أن فيلسوفنا السويسري يعترف لها بميزة واحدة: وهي أن نظام الإنتاج الرأسمالي هو بدون أدنى شك النمط الأكثر ديناميكية، والأكثر إبداعاً وابتكاراً في تاريخ البشرية. لقد ولدت الرأسمالية طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين عدة ثورات رائعة متتالية كالثورة الصناعية والعلمية والتكنولوجية. وتوجت أخيراً بالثورة المعلوماتية الإلكترونية من إنترنت وسواه. وأمنت هذه الثورات رفاهية حقيقية لأغلبية سكان الشمال، ولكن فقط للطبقات القائدة والعليا في الجنوب. وكل المخترعات الطبية والصيدلية تحققت بفضل الرأسمالية. بل وحتى اكتشاف أجواز الفضاء وأعماق البحار... إلخ. لقد جيشت الرأسمالية المواهب الإبداعية في كل المجالات. كما لعبت على وتر المنافسات والمسابقات بين البشر لكي يعطوا أفضل ما عندهم. وخلق نظام الإنتاج الرأسمالي ثروات هائلة لم تكن تحلم بها البشرية من قبل مجرد حلم. كل هذا صحيح. ولكن المشكلة ليست هنا. المشكلة هي أن هذه الثروات محتكرة من قبل أوليغارشية مصرفية صغيرة (الأوليغارشية تعني حكم القلة أو الأقلية). يضرب الفيلسوف السويسري على ذلك المثل التالي: هناك 500 شركة عالمية عابرة للقارات. وقد سيطرت عام 2017 على أكثر من نصف الإنتاج الخام للبشرية كلها. إن أرباب هذه الشركات العملاقة يتمتعون بسلطة هائلة تفوق سلطة الأباطرة والملوك والبابوات سابقاً. وأمامهم ينحني رؤساء الدول وزعماء العالم. إنهم قادة العولمة الرأسمالية الظافرة والجائرة. لقد أسست هذه الأوليغارشية الرأسمالية المعولمة نظاماً جائراً آكلاً للحوم البشر. ولو كان فيهم ذرة أخلاق أو أدنى نزعة إنسانية لما قبلوا بأن يجوع ويهان ربع سكان العالم تقريباً. وكل ذلك يحصل تحت سمعهم وبصرهم ولكنهم لا يرون ولا يبالون بعد أن ماتت فيهم الأحاسيس والضمائر. إنها رأسمالية باردة صقيعية مفرغة من كل شعور أو حرارة إنسانية. ولا سميع لمن تنادي. وهنا يكمن أكبر نقص في الحضارة الغربية الحالية.

يقول لنا البروفيسور زيغلير: هناك ألف ملياردير في العالم حالياً أو أكثر قليلاً مقابل 25 مليارديراً فقط عام 1991. وهناك من بينهم 8 مليارديرات يمتلكون ثروة هائلة ذات أرقام فلكية. وهي تعادل ثروة 4 مليارات شخص تقريباً. تصوروا الوضع: ثمانية أشخاص مقابل أربعة مليارات شخص! أو بكلمة أخرى: أربعة مليارات آدمي مقابل ثمانية حرامين فقط! كيف يمكن لهذا العالم ألا ينفجر؟ ما حاجة هؤلاء «التماسيح» لكل هذه المليارات؟ هل سيحملونها معهم إلى قبورهم؟ أين هي الفلسفة الأخلاقية؟ أين هي القيم الروحية والمثالية العليا؟ كيف يمكن لحضارة كهذه أن تستمر؟ وأصلاً هل من المعقول والمقبول أن تُدعى حضارة؟ لا حضارة بدون نزعة إنسانية تضامنية تحترم آلام الشعوب وترفض تجويعها حتى الموت!



موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات
TT

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا، كان أول ما فعلته البحث عبر الإنترنت للتعرف على ما إذا كانت هناك مكتبات مشابهة في الجوار. وبالفعل، عثرت على مكتبة «ذي ريبيد بوديس»؛ مكتبة في كلفر سيتي تبلي بلاءً حسناً للغاية، لدرجة أنها تتوسع بافتتاح فرع ثانٍ لها في حي بروكلين بمدينة نيويورك.

وعن ذلك، قالت: «شعرت بالتهديد».

ومع أن نجاح «ذي ريبيد بوديس» بدا بمثابة مصدر تهديد، فإنه يوحي كذلك في الوقت ذاته باحتمالية وجود مساحة أمام مكتبة أخرى للروايات الرومانسية. وعليه، افتتحت في فبراير (شباط) مكتبة «سميتن» بمنطقة مزدحمة من «مين ستريت»، على بعد نحو ميل من منافسيها.

في الأشهر التي تلت ذلك، تحولت مكتبة «سميتن» إلى مركز نابض بالحياة لقراء الأعمال الأدبية الرومانسية، مع توقيعات المؤلفين وقراءات التارو ونوادي الكتب وأمسيات الترفيه والحرف اليدوية.

بعض الأحيان، يتصل عملاء بالمكتبة، محملين بطلبات محددة للغاية. عن ذلك، قالت تنغستروم: «جاء شخص ما وقال: أنا أحب الأعمال الأدبية الخيالية، وأريد الرواية أن تكون غريبة، وبها تمثيل لثقافة مختلفة. كما أريدها بذيئة قدر الإمكان».

وأضافت: «لديّ عملاء منتظمون يأتون عدة مرات في الأسبوع. وأسألهم أحياناً: ألم تشتر لتوك كتابين اليوم السابق؟».

اللافت أن الأعمال الأدبية الرومانسية كانت ذات يوم مجالاً يتجاهله أصحاب المكتبات المستقلة إلى حد كبير. ومع ذلك، تحولت اليوم إلى إحدى أكثر الفئات رواجاً في عالم الكتاب، وأصبحت، إلى حد بعيد، النوع الأدبي الأكثر مبيعاً، ونجاحها لا يعيد رسم ملامح المشهد العام لصناعة النشر فحسب، بل وكذلك صناعة بيع التجزئة.

وفي غضون عامين فقط، تبدل المشهد العام بالبلاد، من وجود مكتبتين فقط مخصصتين للروايات الرومانسية، «ذي ريبيد بوديس» و«لوفز سويت آرو»، في شيكاغو، إلى شبكة وطنية تضم أكثر عن 20 مكتبة، من بينها «تروبس آند ترايفلز» في مينيابوليس، و«غرمب» و«صن شاين» في بلفاست بولاية مين، و«بيوتي» و«بوك إن أنكوريج» في ألاسكا، و«لوف باوند ليبراري» في سولت ليك سيتي، و«بلوش بوكستور» بمنطقة ويتشيتا في كنساس. ولا يزال الكثير في الطريق، ومن بينها «كيس آند تيل» في كولينغسوود بنيوجيرسي، و«ذي نيو رومانتيكس» في أورلاندو بفلوريدا، و«غراند جستشر بوكس» في بورتلاند بولاية أوريغون؛ متجر عبر الإنترنت متخصص في بيع الروايات الرومانسية، يتحول اليوم إلى متجر على أرض الواقع.

اللافت أن غالبية هذه المكتبات تمتلكها وتديرها نساء، ناهيك عن أن النساء يشكلن غالبية قراء الروايات الرومانسية، ويعود الفضل إليهن في الارتفاع الهائل في مبيعات هذا الصنف الأدبي، من 18 مليون نسخة مطبوعة عام 2020 إلى أكثر عن 39 مليون نسخة عام 2023، تبعاً لمؤسسة «سيركانا بوكسكان».

في هذا الصدد، قالت ريبيكا تايتل، المحامية السابقة، التي تمتلك اليوم مكتبة «ميت كيوت» المتخصص في الروايات الرومانسية في سان دييغو: «هناك تحول ثقافي يجري على الأرض يشير إلى أن الإعلام، بصورة أساسية، أصبحت تجري كتابته وتوجيهه نحو النساء. اليوم، أدركت أعداد متزايدة من الأفراد أن الروايات الرومانسية ليست رائجة فحسب، وتحمل كذلك قيمة تجارية، بل وتحمل قيمة فنية وترفيهية كذلك».

من ناحية أخرى، يهيمن روائيون رومانسيون، مثل ساره جيه. ماس وإيميلي هنري وكولين هوفر وريبيكا ياروس على قوائم أفضل الكتب مبيعاً. وتكشف الأرقام أن 6 من بين أفضل 10 روائيين من حيث المبيعات داخل الولايات المتحدة، عبر العام الحالي حتى الآن، من كتاب الأعمال الرومانسية.

أما الناشرون، فيعمدون إلى توسيع نطاق قوائمهم الرومانسية، وجذب المؤلفين الرومانسيين الذين ينشرون أعمالهم ذاتياً. ويبدو هذا تحولاً هائلاً عن أيام سابقة كان يجري خلالها النظر بازدراء إلى الروايات الرومانسية باعتبارها سطحيةً وغير جادة، أو بذيئةً. وحتى سنوات قليلة مضت، حرصت الكثير من المكتبات المستقلة على عرض مجموعة صغيرة منتقاة من الروايات الرومانسية، التي غالباً ما يجري وضعها في رف خلفي داخل المكتبة.

من ناحيتها، قالت ليا كوك، التي تشارك في ملكية «ذي ريبيد بوديس»؛ أول مكتبة متخصصة في عرض الروايات الرومانسية تفتتح أبوابها على مستوى الولايات المتحدة عام 2016، إنها لا تزال تتذكر عندما كانت تبحث في سنوات المراهقة عبر المكتبات عن روايات رومانسية، دون جدوى.

وكان الشعور بالتعرض للتجاهل جزءاً من الدافع وراء سعي كوك وشقيقتها، بيا هودجيز كوك، لفتح مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية.

وعبّرت كوك عن اعتقادها بأن «الكثيرين ممن يعملون بمجال النشر وداخل المكتبات المستقلة شعروا وكأن الروايات الرومانسية غير جديرة بإهدار وقت في سبيلها. وكنت أقول في نفسي: بإمكانكم جني أموال، لكن لا بأس، أنا سأجني المال».

يذكر أن مبيعات الروايات الرومانسية بدأت تشهد ارتفاعاً كبيراً خلال سنوات الجائحة، مع إعادة اكتشاف القراءة، وتحول الكثيرين نحو الأعمال الخيالية الرومانسية كملاذ للهروب من الواقع (من بين القواعد الحاكمة لهذا الصنف الأدبي أن الغالبية الكاسحة تنتهي بنهاية سعيدة).

وساهم ظهور تطبيق «بوك توك» في تعزيز هذا الارتفاع في المبيعات، مع اجتذاب مؤثري «تيك توك» القراء صغار السن عبر فيديوهات يتحدثون فيها عن كتّابهم المفضلين.

اليوم، تظهر الروايات الرومانسية بشكل بارز على قوائم «تارغيت» و«بارنيز آند نوبل». وفي وقت مضى، كان عشاق الروايات الرومانسية يشترون الكتب الإلكترونية بشكل أساسي، خصوصاً وأنها أرخص وأسهل في الوصول إليها، وربما من الأسهل إخفاؤها. أما اليوم، فإنهم يستعرضون الروايات الرومانسية التي يملكونها على أرفف مكتباتهم بفخر.

ومنح هذا الصعود السريع للمتاجر المتخصصة في الروايات الرومانسية مكاناً جديداً لعشاق هذا الصنف الأدبي؛ مكاناً مرحباً به للإقبال على شراء كتبهم المفضلة بحماس.

من جهتها، قالت جين نتر، مديرة شؤون الاتصالات والتسويق لدى دار «كنزنغتون» للنشر، المعنية بالروايات الرومانسية: «يمكنك دخول مكتبة مخصصة للروايات الرومانسية، وستجد البائع يسألك: هل تحب الروايات ذات الأحداث الساخنة؟ أم ترغب في رواية تاريخية؟ إنه سيدرك سريعاً ما تريده، ولن يحاول أن يصدر أحكاماً عليك».

اللافت أن الكثير من هذه المكتبات تتسم بمظاهر جملية جذابة ومشرقة وذات طابع أنثوي، مثل الاعتماد الشديد على اللون الوردي، المزدان بزخارف على شكل قلوب وزهور، ناهيك عن التلاعب بالاستعارات الرومانسية المألوفة؛ أعداء الغرام، والحب الممنوع، والهوية السرية.

وتضم هذه المكتبات بين أرففها جميع الأنواع التي يمكن تخيلها للروايات الأدبية: التاريخية والموجهة للقراء صغار السن والأعمال التي تخلط بين الرومانسية والفانتازيا، والأخرى التي تدور حول موضوع رياضي. كما تضم جنبات الكثير من هذه المكتبات أعمالاً أدبيةً تولى مؤلفوها نشرها بالاعتماد على ذواتهم، والتي عادة ما لا تجد طريقها إلى المكتبات الكبرى.

في هذا الصدد، شرحت ميليسا سافيدرا، صاحبة مكتبة «ستيمي ليت» المتخصصة في الروايات الرومانسية، في «ديرفيلد بيتش» في فلوريدا، أنها اكتشفت الروايات الرومانسية منذ ما يزيد قليلاً عن عقد، عندما كانت تعمل ضابطة في رتبة صغيرة بالبحرية الأميركية.

وقالت إن بوابتها إلى عالم الروايات الرومانسية جاء عبر سلسلة «إي. إل. جيمس» المثيرة «فيفتي شيدز أوف غراي» (Fifty Shades of Grey)، التي تمكنت من قراءتها عبر جهازها اللوحي عندما كانت على متن بارجة حربية أميركية.

وبعد أن تركت عملها في البحرية عام 2017، عملت وكيلة سفريات لفرق رياضية. وعندما تباطأت وتيرة العمل في أثناء فترة الجائحة، طرأت على ذهنها فكرة «ستيم بوكس»، صندوق اشتراك ربع سنوي يتضمن مجموعة من الروايات الرومانسية. وحقق المشروع انطلاقة قوية.

وجاء «ستيم بوكس» بمثابة وسيلة للتخلص من وصمة العار العالقة بالروايات الرومانسية المثيرة. وقالت سافيدرا، التي ولدت في ليما بالبيرو، ثم انتقلت إلى ساوث فلوريدا عندما كانت في العاشرة: «لا يزال يتعين علينا أنا نقاتل بشراسة كي نفرض على الناس احترام هذا الصنف الأدبي». وقد ألزمت سافيدرا نفسها بالعمل على الترويج لأعمال الكتاب الرومانسيين من خلفيات متنوعة.

وقررت سافيدرا فتح مكتبة عندما أدركت أن مجتمعها في «ديرفيلد بيتش» يخلو من أي مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال الرومانسية المتنوعة.

وفي عطلة نهاية الأسبوع الذي شهد افتتاح «ستيمي ليت»، أقبل على زيارة المكتبة نحو 500 شخص، وباعت 900 كتاب. ومنذ ذلك الحين، استضافت المكتبة أكثر من حفل توقيع لكتاب، بينهم كيندي رايان وعلي هيزلوود وآبي جيمينيز، التي نظمت احتفالية بالمكتبة في مايو (أيار)، ظهرت بها أعداد من الماعز الصغير، في إشارة إلى مشهد من روايتها «بارت أوف يور وورلد» (Part of Your World) تظهر به أعداد من الماعز.

وفي ظهيرة أحد أيام الأحد الربيع الماضي، كانت «ستيمي ليت» تعج بالقراء الذين يتصفحون الكتب ويحصلون على توقيع الكاتبة الرومانسية إيه. إتش. كننغهام، التي كانت تروج لروايتها «آوت أوف أوفيس» (Out of Office).

وقالت كننغهام إن المكتبة كانت تعج بمحادثات بالإنجليزية والإسبانية، مضيفة: «هذه المساحات التي نحتاجها».

اللافت أن غالبية هذه المكتبات التي تبيع الروايات الرومانسية تمتلكها وتديرها نساء بالإضافة إلى أنهن يشكلن غالبية قراء هذه الروايات

والتقط القراء صوراً تذكارية أمام اللافتات الوردية المضاءة بمصابيح «النيون» الخاصة بالمكتبة، بينما تصفح آخرون الأعمال الإسبانية داخل المكتبة. وحملت بعض أرفف المكتبة روايات تحت عناوين «الرومانسية المظلمة» و«الرمادي الأخلاقي» و«عصر البكاء». وقالت سافيدرا: «هذ الأرفف لا تبقى ممتلئة أبداً»، في إشارة إلى الأعمال الرومانسية.

من جهتها، حملت روزن فولمور، واحدة من العملاء المواظبين على زيارة «ستيمي ليت»، مجموعة من الروايات القديمة بيدها باتجاه كننغهام كي توقع عليها.

كانت فولمور قد سمعت عن المكتبة عندما نشرت رايان، واحدة من الكتاب المفضلين لديها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنها ستقيم فعالية هناك. ومنذ ذلك الحين أصبحت عميلة منتظمة لدى المكتبة، التي قالت عنها إنها «تضم جميع الأشياء المثيرة والجذابة التي يمكنك تخيلها».

وقالت عميلة أخرى، هي أنجيلا ثاير، التي تعمل في إدارة شؤون المحاربين القدامى في فلوريدا، إنها تأتي عادةً كل أسبوعين، عندما تحصل على راتبها. وفي ذلك الأحد، أحضرت ابنتها، آشلي واتكينز، التي كانت متحمسة لرؤية الكثير من الروايات الرومانسية لمؤلفين ملونين. وقالت واتكينز: «إن رؤية الكتب التي تضم أشخاصاً يشبهونني في المواقف الرومانسية أمر رائع حقاً».

خدمة «نيويورك تايمز»