رواية «المرقّش» للسعودي صالح اليامي توّظف الذكاء الصناعي

جولات في حدائق «جُلّق» وبساتين «اليمامة» وقصة عشق في «نينوى»

رواية «المرقّش» للسعودي صالح اليامي توّظف الذكاء الصناعي
TT

رواية «المرقّش» للسعودي صالح اليامي توّظف الذكاء الصناعي

رواية «المرقّش» للسعودي صالح اليامي توّظف الذكاء الصناعي

نجح الباحث والروائي السعودي صالح بن عايض اليامي، في توظيف إحدى أعظم قصص العشق والحبّ العذري بنهايتها المأساوية وفصولها الممتلئة بالدراما والحزن والتأسي على الذات، بشكل روائي، مع إعادة توظيف خوارزميات الذكاء الصناعي لتكوين أقرب صورة للحقيقة من خلال سيرة «المرقّش» أحد أبرز شعراء الجاهلية وأحد أبطال حرب البسوس.

حملت الرواية عنوان «المرقّش»، وصدرت قبل أيام عن دار «نينوى» للدراسات والنشر، وهي هذه الرواية الثامنة لليامي وسبقتها: «أرملة مهندس»، و«شآبيب»، و«الغياف»، و«كفانا حزناً»، و«قيادة الأفكار تعلمك القيادة»، و«رقصة الهرداء»، و«مذهب الأمل 2022».

ومن المعروف، أنه اختلطت في سيرة «المرقّش» البطولة والعشق والشعر بعد أن حرمه عمه عوف من حبيبته أسماء، وتزويجها من رجل من مراد (قرن الغزال) في غيابه، والادعاء بأنها ماتت. وبعد أن اكتشف الحقيقة رحل إلى نجران، مثلما يقول حفيده طرفة بن العبد:

فَلَمّا رَأى أَن لا قَرارَ يُقِرُّهُ

وَأَنَّ هَوى أَسماءَ لا بُدَّ قاتِلُه

تَرَحَّلَ مِن أَرضِ العِراقِ مُرَقِّشٌ

عَلى طَرَبٍ تَهوي سِراعاً رَواحِلُ

إِلى السَروِ أَرضٌ ساقَهُ نَحوَها الهَوى

وَلَم يَدرِ أَنَّ المَوتَ بِالسَروِ غائِلُه

وكانت نهايته من خلال خيانة رفقائه، وقبل أن يداهمه الموت طلب إرسال خاتمه في وعاء من حليب مع الراعي إلى حبيبته أسماء، فعرفت أنه المرقش، الذي مات ضحية للحب والوفاء وخلد حقبة من الزمان إلى الأبد.

قصة «المرقّش» تثري الخيال مع تقاطع العديد من الشخصيات في تلك الحقبة، فالمرقش يقع في أسر المهلهل، وابن شقيقه عمرو بن قميئة، وكذلك عمرو بن سعد المرقش الأصغر صاحب بنت المنذر، وكذلك طرفة بن العبد، وامرؤ القيس، الذي أخذ عمرو بن قميئة في رحلته إلى بيزنطة.

أعاد صالح اليامي في «المرقّش» سرد التاريخ من خلال توظيف خوارزميات الذكاء الصناعي، كما ذكرنا، للوصول إلى أقرب صورة للحقيقة في عهد ما قبل الإسلام، ومحاولة تصحيح سير الشخصيات وترابطها الزمني في ذلك الزمن. إنها رواية تسرد التاريخ من منظور شامل تكاملي، وكأنها تقول إن الحقائق ليست مكتملة إلا بتفكيكها وإعادة بنائها بكل تجرد، والحق لا يمكنه أن يجادل الباطل، ولا توجد بينهما جدلية مشتركة، والحب جسر ممتد لا يمكن لأحد هدمه ولكنه قائم على التضحية العظمى.

ضمت الرواية شخصيات عدة، منها «مسعد» الذي يقوده الفضول للسقوط في حفرة التاريخ، فغاص في أعماقها حد الثمالة، كأنما «ضرب على مسامعه»، فلم يفق من نومه رغم كافة محاولات المستشفى والأطباء وبكاء شقيقه على رأسه أشهراً. كان في سكرة العشق العذري. لقد أسكره المرقش بعشقه لأسماء، أثناء بحثه عن سر عشقه لمدينه نجران، فوجد أن هناك من سبقوه، (أحببت حب الخير)، مما جعل «سعيد» يأخذ على عاتقه البحث عن حل، بمساعدة صديقه «سالم»، المتخصص في قراءة الدماغ البشري بتقنية الرنين المغناطيسي، وبتوجه من رأس الحكمة والمعرفة «أبو صالح».

هؤلاء قاموا ببناء آلة مدعومة بالذكاء الصناعي تعيد سرد أحداث التاريخ والحروب، وتقوم بتهيئة وتوظيف كافة المعلومات في الإنترنت لتستلهم الماضي وتعيد بناءه، وكانت الشخصية الرئيسية هي المرقش عمرو بن سعد البكري، الذي كان موضوع بحث مسعد قبل غيبوبته، والغاية كانت لأجل معرفة السبب وراء غيبوبة مسعد الذي لا يريد الإفاقة.

وبناء على نصيحة أبو صالح، فإن الآلة إذا اكتشفت الفكرة التي يفكر فيها ربما يتم التواصل معه.

كانت حقبة المرقش صفيحاً ساخناً في عالم العرب: قباذ والمزدكية، المنذر بن ماء السماء وحروبه مع الغساسنة ومطاردته ملوك كندة، أوج الخلافات المسيحية والاختلاف على طبيعة المسيح، النساطرة واليعاقبة، توافق شمعون الأرشمي والمرقش في مجلس المنذر أثناء وصول وفد ملك حمير ذو نواس ليخبرهم بمحرقة نجران وقصة الأخدود، جدلية الخلافات ومن يقف وراءها، الشعر وقيادته للفكر ودور يهود طبرية في تأجيج الفتن والسيطرة على إنشاد الشعر في الحانات ونشره لبث الفرقة وتأجيج الفتن، ودور يهود طبرية في محرقة نجران وحادثة الأخدود، والحوار الخالد بين ذو نواس والقديس الحارث بن كعب.

ولم يفق إلا بعد قرع كلمات المرقش في أرجاء نجران يرددها شقيقه سعيد، حيث أخذ سعيد يردد الشعر دون وعي منه، وكان الأكثر تأثيراً على نفسه وأسلسلها وأقربها للنفس:

أغالبك القلب اللجوج صبابة

وشوقاً إلى أسماء أم أنت غالبه

يهيم ولا يعيّا بأسماء قلبه

كذاك الهوى إمراره وعواقبه

وسرى الرعب في أوصال «سعيد» وهو يسمع «مسعد» يكمل القصيدة:

وأسماء هم النفس إن كنت عالماً

وبادي أحاديث الفؤاد وغائبه

من أجواء الرواية، نقرأ هذه المقاطع المؤثرة:

«كانت الرحى ينبعث منها صوت مبحوح حزين كأنما هي أم تئن على جوع أبنائها وموتهم الواحد تلو الآخر ولا حيلة لها، إلا الصبر، لم تكن لتركع أو تتوانى أمام أهوال هذه الدنيا.

تنبع رائحة القمح المهشم على الصخر لتنثر رائحة عطرية مزيجاً من الشهوة والحياة.

هل تعلم أسماء إلى أي مكانة أرفعها؟

إن الزهر يتنفسها، إن همساتها كامنة في نشيد الرعاة،

من شدة شوقي إليها يتجسد منها طيف في الهواء، فتنبع النسائم الباردة على الوجه العطشى، كأنما خلقت تزين الكون وأنا أتألم ليشفق علي الحجر فيوحي إلى من حوله بأن أنشدوه له قصيدة تعالج جراحه المثخنة لعله يسلى قليلاً فينبثق من روحه مجد للكلمات.

إن المعذب هو أم كل مجد للكلمات، كلما كان الصمود والصبر كلما كان الجذب للخلد أشد.

إنني وإن كنت عاشقاً

إلا أن الحياة أوسع من كائن

لا يمكننا رؤيتها إلا به

ولكن الرؤية ليست كل شيء

الصورة تنبت في الروح العامرة

لتلد كوناً أفسح

وحياة عطافتها أجمح

لكنني قد ألفت أن توقد ناري أسماء

ومع الزمن آمنت بها كآلهة لناري

وتعد هذه الرواية الثامنة ضمن مؤلفات صالح اليامي وسبقتها: «أرملة مهندس»، و«شآبيب»، و«الغياف»، و«كفانا حزناً»، و«قيادة الأفكار تعلمك القيادة»، و«رقصة الهرداء»، و«مذهب الأمل 2022».


مقالات ذات صلة

مؤلفو «أثر الجائحة والحرب على البيئة العربية»

بيئة مؤلفو «أثر الجائحة والحرب على البيئة العربية»

مؤلفو «أثر الجائحة والحرب على البيئة العربية»

المحرر: نجيب صعب، الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية ومحرر سلسلة تقارير «أفد» السنوية عن وضع البيئة العربية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون «أدب الجريمة» له الهيمنة في عالم الرواية من ناحية الانتشار

أدب الجريمة يهيمن على عالم الرواية كماً ومبيعاً

للنص الروائي تأثير كبير على القارئ؛ حيث يمكن أن يؤثر في مختلف جوانب حياته وتفكيره عاطفياً، مما قد يولد لديه أحياناً ردود فعل غير محسوبة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب العوامل الثقافية وراء تقدُّم دول وتخلُّف أخرى

العوامل الثقافية وراء تقدُّم دول وتخلُّف أخرى

يستكشف الكتاب كيفية تأثير الثقافة في التقدُّم والتنمية الاقتصادية والتحوُّل الديمقراطي السياسي.

حمدي عابدين (القاهرة)
كتب الفيلسوف لوك فيري يتساءل: أين هو الانحطاط الفرنسي؟

الفيلسوف لوك فيري يتساءل: أين هو الانحطاط الفرنسي؟

لم يعد هناك شخص واحد في أوروبا يخشى على نفسه لأسباب دينية أو طائفية. لم يعد يخجل من حاله أو على حاله إذا لم يكن ينتمي إلى طائفة الأغلبية أو الأكثرية.

هاشم صالح (باريس)
العالم الكاتب سلمان رشدي اليوم بعد تقليده وساماً في قلعة وندسور بغرب لندن من الأميرة آن (أ.ب)

سلمان رشدي يعلن استئنافه الكتابة بعد 9 شهور من تعرضه لهجوم بسكين

أعلن الكاتب البريطاني سلمان رشدي اليوم (الثلاثاء)، أثناء تسلمه وساماً في بريطانيا، أنّه استأنف الكتابة بعد 9 أشهر على تعرضه لهجوم بسكين في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

العوامل الثقافية وراء تقدُّم دول وتخلُّف أخرى

العوامل الثقافية وراء تقدُّم دول وتخلُّف أخرى
TT

العوامل الثقافية وراء تقدُّم دول وتخلُّف أخرى

العوامل الثقافية وراء تقدُّم دول وتخلُّف أخرى

يتضمن كتاب «هل تصنع الثقافة السياسة؟» الصادر حديثاً عن دار العين المصرية مختارات من أبحاث نُشرت في كتاب «الثقافة مهمة»، الذي أشرف على تحريره وإصداره المفكران الأمريكيان لورانس هاريسون وصامويل هنتنغتون، ضمن فعاليات ندوة مُوسَّعة بعنوان «القيَم الثقافيَّة والتقدُّم الإنسانيّ»، نظمتها أكاديمية جامعة هارفارد للدراسات الدولية ودراسات المناطق في أبريل (نيسان) 1999، وشارك فيها كُتَّاب ومُفكِّرون من شتى مناطق العالم.

النسخة العربية المنقحة قدمتها المترجمة المصرية الدكتورة سهير صبري، التي قامت بانتخاب 6 دراسات رأت أنها قريبة الصلة من الواقع العربي والأفريقي، وهي «الأنماط الثقافية والتنمية الاقتصادية» وقدّمها عالم الاجتماع الأرجنتيني ماريانو جروندونا، و«الثقافة وسلوك النُّخَب في أميركا اللاتينيَّة» للمحلل والكاتب السياسي الكوبي كارلوس ألبرتو مونتانير، و«هل تحتاج إفريقيا إلى برنامج تكيف ثقافي؟» لعالم الاقتصاد الكاميروني دانيال إتونجا مونجيل، و«رأس المال الاجتماعي» للمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما، و«الخرائط الأخلاقية: غرور العالم الأول والإنجيليُّون الجُدُد» للباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم النفس الثقافي الأمريكي ريتشارد أ. شويدر، بالإضافة إلى بحث أخير جاء بعنوان «تعزيز التغيير الثقافي التقدُّمي» لـلورانس هاريسون.

يأتي الكتاب في سياق جدل دائماً ما يخوضه مفكرون ينتمون إلى مجالات ثقافية وفكرية مختلفة بهدف تفسير وبحث ومعرفة أسباب تقدُّم دول وتخلُّف أخرى، وشهدت فترة الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، ازدهار التيار الذي يؤكِّد أهميةً الثقافة، وكان هو التيار الرئيسي في العلوم الاجتماعية، بعدها تقلص الاهتمام به، ثم عاد ليزدهر مجدداً في مرحلة الثمانينات. ويرفض أصحاب هذا الاتجاه، ربط أسباب التخلُّف بعوامل المناخ، والتفسير العنصري، والاستعمار والتبعية.

المفكر الأميركي صامويل هنتنغتون

وفي أعقاب الأدبيات التي أنتجها علماء الاجتماع خلال مرحلتي الأربعينات والخمسينات، تقلَّص الاهتمام بالأبحاث الثقافية بشكل ملحوظ في الدوائر الأكاديمية في الستينات والسبعينات، ثم بدأ الاهتمام بها يزدهر في الثمانينات بوصفها متغيراً تفسيريّاً، وتحوَّل علماء الاجتماع أكثر إلى العوامل الثقافية لتفسير التحديث ومواكبة العصر، والتحوُّل الديمقراطي السياسي، والاستراتيجيات العسكرية، وسلوك الأقليَّات العِرْقيَّة، والتحالفات والعداوات بين البلدان.

ومن بين الأسئلة التي يطرحها الباحثون المشاركون في الكتاب، ما تمحور حول قدرة السياسة على إصلاح الثقافة والقيام بدور حاسم في إنقاذها هي والمجتمع من نفسيهما، كما سعى الباحثون لتبيان إلى أي مدى تُشكّل العوامل الثقافيَّة النمو الاقتصاديَّ والسياسيّ؟ وكيف يمكن إزالة المُعوِّقات الثقافية أمامه لتسهيل التقدم؟

في دراسته التي حملت عنوان «الثقافات مهمة» يؤكد صامويل هنتنغتون على دور الثقافة بعد مقارنة أجراها بين الواقع الآني في كل من غانا وكوريا الجنوبية اللتين كانتا متماثلين في بياناتهما الاقتصادية بداية فترة الستينات، وذكر أن هناك عوامل عدة لعبت دوراً فيما آلت إليه الأمور في كل منهما، ومن بينها الثقافة التي رأى أنها يجب أن تكون عنصراً مؤثراً في تفسير ذلك التطور.

لكن على الجانب الآخر، ظهرت، بحسب هنتنغتون، هناك حركة مضادَّة قللت من أهمية التفسيرات الثقافية لتقدم وتطور المجتمعات، وانعكست في النقد الشديد الذي شكك في أعمال كل من فرانسيس فوكوياما، ولورانس هاريسون، وروبرت كابلان، وآخرين، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل التحق بالمعركة في عالم الدراسات العلمية كل من يرون الثقافة عنصراً رئيسياً، يؤثر ضمن عناصر أخرى على السلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

ويستكشف الكتاب كيفية تأثير الثقافة في التقدُّم والتنمية الاقتصادية والتحوُّل الديمقراطي السياسي وأساليب تحقيق ذلك، وتركز الدراسات التي تضمنها على الثقافة بوصفها مُتغيراً مُستقلاً، وتسعى لتوضيح ما إذا كانت العوامل الثقافية تؤثر حقّاً في التقدم الإنساني، أم تعرقله.

ويشير الباحث الأرجنتيني ماريانو جروندونا إلى أن ما أحرزته بلاده من تقدم في اتجاه الإصلاح الاقتصادي، والاستقرار الاقتصادي، والتحوُّل الديمقراطي السياسي في منتصف التسعينات. ويذكر أن البلاد التي لديها منظومة قيَم جوهرية وأداتية مواتية هي القادرة فقط على التنمية السريعة المستدامة، حيث تشجع الرخاء، والحرية، أو الأمان، وتتعامل التنمية بوصفها ظاهرة أخلاقية، دافعة عملية التراكم إلى الأمام بلا توقف، ومركزة على الفرد بوصفه المحرِّك الأساسي بعمله وإبداعه.

وفي دراسته «الثقافة وسلوك النُّخَب في أميركا اللاتينية» لفت الباحث السياسي الكوبي كارلوس ألبرتو مونتانير إلى معاناة دول أميركا اللاتينية منذ فترة طويلة من دورات من «الهَوَس الاكتئابي»؛ ونتيجة لذلك يبدأ رأس المال الأجنبي في الهروب. ويتحوَّل الاكتئاب إلى يأس، واستسلام، مشيراً في هذا السياق إلى الجدل المستمر حول أسباب فشل أميركا اللاتينية مقارنةً بنجاح كندا والولايات المتحدة هما موضع تساؤل متكرِّر من مُثقَّفي أميركا اللاتينية،

من جهته يسعى الباحث الكاميروني دانيال إتوجا مونجيل إلى الإجابة عن أسئلة مثل «هل تحتاج إفريقيا إلى برنامج تكيف ثقافي؟»، وما مدى توافقها مع المُتطلَّبات التي يواجهها الأفراد والأمم في بداية القرن الحادي والعشرين؟ ومدى احتياجها إلى برنامج تكيُّف ثقافي؟

وهو يرى أن الثقافة الإفريقية هي واحدة من أكثر الثقافات إنسانية، ولكن يجب تجديدها من خلال عملية تأتي بمبادرة من الداخل تسمح للأفارقة أن يحافظوا على ثقافاتهم، و«أن يكونوا في زمانهم في الوقت نفسه». ويشير إلى أن وجود مؤسسات إفريقية أكثر كفاءة وعدالة يتوقف على «إجراء تعديلات ثقافاتهم»، والقيام بثورات ثقافية سلمية في قطاعات التعليم، والسياسة، والاقتصاد، والحياة الاجتماعية.

المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما

وفي بحثه «رأس المال الاجتماعي»، يركز المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما على القيَم والمعايير غير الرسمية المشتركة بين أعضاءِ أية جماعة، تتيح لهم التعاون فيما بينهم، و«الوفاء بالالتزامات، والمعاملة بالمثل». وذكر أن كل المجتمعات لديها مخزونٌ من رأس المال الاجتماعي؛ لكن الفروق الحقيقية بينها تتعلق بالمعايير التعاونية المنتشرة فيها، والتي تواجه مشكلة أنها لا يمكن مشاركتها إلا بين جماعات محدودة من الناس.

ومن الممكن، حسب فوكوياما، أن تتشكَّل جماعات ناجحة في غياب رأس المال الاجتماعي، وذلك باستخدام أشكال متنوعة من آليَّات التنسيق الرسمية مثل العقود، والتدرُّجات الوظيفية، والدساتير، والنُّظُم القانونيَّة، لكن المعايير غير الرسمية تُقلِّل بشكلٍ كبيرٍ ما يطلق عليه الاقتصاديون تكاليف المعاملات، كما يمكن لرأس المال الاجتماعي أيضاً تسهيل درجة أعلى من الابتكار والتكيُّف الجماعي، ذلك أنه جوهري لخلق مجتمع مدني صحي، يلعب دوراً حاسماً في نجاح الديمقراطية، ويتيح للجماعات المختلفة أن تتَّحد معاً للدفاع عن مصالحها حتى لا تتجاهلها الدول القوية.


الفيلسوف لوك فيري يتساءل: أين هو الانحطاط الفرنسي؟

الفيلسوف لوك فيري يتساءل: أين هو الانحطاط الفرنسي؟
TT

الفيلسوف لوك فيري يتساءل: أين هو الانحطاط الفرنسي؟

الفيلسوف لوك فيري يتساءل: أين هو الانحطاط الفرنسي؟

لم يعد لوك فيري بحاجة إلى تعريف. فهو أحد أهم فلاسفة فرنسا المعدودين حالياً. كان من آخر ما نشره كتاب ضخم بعنوان «قاموس عاشق للفلسفة» (1500 صفحة فقط!). ومن لا يعشق الفلسفة؟ من لا يهيم بها؟ عمَّ يتحدث هذا الكتاب الذي يتجاوز 400 صفحة من القطع الكبير؟ باختصار شديد... عن وضع العالم حاضراً ومستقبلاً. فالمستقبل قد يكون حكيماً عاقلاً سعيداً، وقد يكون متهوراً مجنوناً. كل شيء يتوقف على كيفية تحضيرنا واستعدادنا له منذ الوقت الحاضر. الكتاب موجه ضد فلاسفة التشاؤم في الساحة الباريسية من أمثال ميشيل أونفري وآلان فنكيلكروت وآخرين.

يطرح الكتاب الذي بين أيدينا اليوم تساؤلات من نوع؛ لماذا يغرق كثير من المثقفين الباريسيين في نزعة التشاؤم السوداء هذه الأيام؟ لماذا يستمتعون بذلك كل الاستمتاع؟ ألا يرون إلى حجم التقدم الهائل الذي حققته أوروبا الغربية قياساً إلى الماضي البعيد، وقياساً إلى بقية النطاقات الجغرافية والحضارية الأخرى؟ هل يعلمون أنه حتى القرن التاسع عشر كان الإنسان الفرنسي أو الأوروبي يموت في الأربعين أو الخامسة والأربعين على أحسن تقدير؟ هكذا كان متوسط العمر آنذاك. أما الآن فأصبح متوسط العمر 82 سنة. يقول المؤلف: «بمعنى أننا ربحنا 40 سنة قياساً إلى أجدادنا أو أجداد أجدادنا. هل هذا قليل؟ هل يعلمون أن الإنسان عندما كان يعاني من وجع الأضراس مثلاً كان مضطراً لتحمل هول ذلك والابتهال إلى الله عز وجل لكي يخفف عنه هذا الألم الذي لا يحتمل ولا يطاق.

أما الآن فيكفي أن يذهب الإنسان الفرنسي أو الإنجليزي إلى أقرب طبيب أسنان في حيه أو شارعه لكي يحل له مشكلته خلال ساعة زمان! هل هذا قليل يا جماعة؟ ولكن هذا الوجع المضني للأسنان لا يزال يصيب الناس في البلدان الفقيرة، أو قل يصيب شرائح واسعة غير قادرة على التداوي ودفع أجور الطبيب. لاحظوا أسنان الفقراء في بلدان الجنوب؛ والله شيء يوجع القلب! بدءاً من الثلاثين تكون أسنانهم قد اصفرت وتدهورت وخربت لأنهم لم يضعوا قدمهم عند طبيب أسنان واحد في حياتهم كلها. ولا يستطيعون ذلك أصلاً. وبالتالي فقارنوا بلدان العالم الثالث ببلدان أوروبا قبل قرنين أو 3 قرون، وليس ببلدان أوروبا الحالية. مستحيل. والدليل على ذلك أن البلدان الأوروبية المتقدمة تؤمن لجميع سكانها الضمان الصحي والضمان الاجتماعي، في حين أن ذلك معدوم في بلدان الجنوب الفقيرة (ما عدا البلدان العربية الغنية في الخليج). لا يوجد فرنسي أو ألماني أو هولندي أو إنجليزي... إلخ إلا وهو يتمتع بالضمان الصحي الذي يؤمن له المعالجة والاستشفاء مجاناً في أفضل المشافي والعيادات الطبية. فلماذا يتشاكى إذن مثقفو فرنسا ويتباكون على أحوالهم ويتحدثون عن الانحطاط الداهم أو القريب العاجل للغرب، ألا يستحيون على أنفسهم؟ ألا يخجلون؟ بأي حق يحق لهم ذلك، وسكان بلدان الجنوب يتضورون فقراً وجوعاً وحرماناً؟ والله عيب! العمى وصلنا إلى آخر الزمن؛ أصبح الغني المرفه هو الذي يتشاكى ويتباكى ويندب حظه، وليس الفقير المدقع! لقد انقلبت الدنيا عاليها سافلها. أين نحن؟ قليلاً من الخجل أيها المثقفون الفرنسيون! في القرن التاسع عشر ما كان الفرنسي كما قلنا يعيش في المتوسط أكثر من 40 سنة، وبعد أن يكون قد دفن 4 أو 5 من أطفاله، وربما أصبح أرملاً أو امرأته هي التي أصبحت أرملة. وذلك لأن الطب ما كان متطوراً وما كان متوافراً للجميع».

الكفر بالتقدم

كان العلاج مقصوراً على الأغنياء فقط. وبالتالي فملايين الأطفال كانوا يموتون من أمراض عادية بسيطة بسبب عدم وجود علاجات. أما الآن فموت الأطفال في الدول المتقدمة أصبح نادراً، وربما معدوماً نتيجة تقدم الطب والعلاجات والعيادات المتخصصة والمستشفيات الحديثة المزودة بأفضل التجهيزات. وهل هناك أصعب من موت طفل؟ معظم الأمراض التي كان الناس يموتون منها قبل قرن أو قرنين بسبب عدم وجود أي علاج لها أصبحت الآن عبارة عن مزحة بسيطة. أليس هذا تقدماً؟ فلماذا تكفرون بالتقدم إذن يا فلاسفة فرنسا؟ لماذا تحنون إلى الزمن الماضي؛ زمن آبائكم وأجدادكم؟ لماذا تتحسرون عليه؟ من قال بأن التقدم ليس له معنى؟ لم تعد هناك مجاعات في الغرب، في حين أنها كان تحصد الناس بالملايين في القرون الوسطى، حتى القرن السابع عشر في عهد لويس الرابع عشر. ولكنها لا تزال تحصد الناس بالملايين في بلدان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وعموم العالم الفقير. العامل البسيط الآن يعيش بشكل مرفه أكثر من ملك فرنسا في القرن السابع عشر! من يصدق ذلك؟ ثم يضيف الفيلسوف الفرنسي الشهير قائلاً:

«لم يعد هناك شخص واحد في أوروبا يخشى على نفسه لأسباب دينية أو طائفية. لم يعد يخجل من حاله أو على حاله إذا لم يكن ينتمي إلى طائفة الأغلبية أو الأكثرية الكاثوليكية. في الماضي، كان الكاثوليكي الأكثري يحتقر الأقلي البروتستانتي ويكفره بل يدعو إلى ذبحه واستئصاله باعتباره رجساً من عمل الشيطان. انظروا إلى المجازر الطائفية في فرنسا قبل أن تستنير وينتصر فولتير على الظلامية الدينية. أليس هذا تقدماً تحسدنا عليه البلدان التي لا تزال غارقة في بحر من الحزازات المذهبية والمجازر الطائفية؟».

لا أستطيع الدخول في كل تفاصيل هذا الكتاب الضخم، وإلا كنت قد دبجت عشرات الصفحات. يقول لنا الفيلسوف لوك فيري: «لقد سافرت إلى كثير من دول العالم وحاضرت في معظم جامعاتها ولكني لم أجد أفضل من قارتنا العجوز (أوروبا). فهي متقدمة على جميع القارات الأخرى من حيث تأمين الحريات والمساواة النسبية والمستوى العالي للمعيشة والحماية الصحية. وهذا الكلام ينطبق على فرنسا وعموم أوروبا الغربية التي تشكل بالفعل منارة البشرية منذ قرون كثيرة». ثم يردف قائلاً:

«على الرغم من الصعود الصاروخي للصين، وعلى الرغم من الهيمنة الأميركية الجبروتية، فإن أوروبا الغربية تبقى فضاء نادراً لا مثيل له من حيث الرفاهية الاقتصادية، والحريات الدينية، والحريات السياسية، والإبداع الأدبي والفني والعلمي والفلسفي. لا مثيل لأوروبا من هذه النواحي، حتى أميركا لا تستطيع أن تضاهيها. وذلك لأن حضارة أوروبا أكثر قدماً وعراقة من الحضارة الأميركية الحديثة العهد. إنها مركز الحضارة منذ 4 قرون وحتى اليوم، أي منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر حتى القرن العشرين. وإذا كانت أوروبا مهددة اليوم، فذلك لأن معنوياتها ضعفت، وثقتها بنفسها تلاشت، وما عادت متوجهة بأنظارها نحو المستقبل. فهل تعبت أوروبا وشاخت يا ترى؟ هل أصبحت عاجزة عن رؤية نفسها قوة حقيقية قادرة على التأثير على مجرى العالم؟ على أي حال، فإنها مهددة بأن تتحول إلى مستعمرة للصين أو لأميركا إذا لم ترتفع إلى مستوى التحدي».

لوك فيري

لوك فيري يدافع عن فوكوياما

على عكس ما يزعمه كثير من المثقفين الفرنسيين وغير الفرنسيين، فإن فوكوياما لم يقل بأن التاريخ توقف أو انتهى بعد انهيار الكتلة الشيوعية السوفياتية. لم يقل أبداً بأنه لن يحصل أي شيء بعد ذلك. لم يقل بأن التاريخ الحدثي الوقائعي انتهى نهائياً. هذا غباء، هذا مستحيل. لم يقل بأنه لن تحصل أزمات بعد اليوم، أي بعد أن انتهت الحرب الباردة وانهار جدار برلين والعالم الشيوعي بأكمله. لم يقل بأنه لن تحصل حروب في العالم بعد اليوم، أي بعد انتصار المعسكر الليبرالي الغربي على المعسكر الآخر. وإنما قال إن النظام الديمقراطي الغربي الأوروبي - الأميركي هو أفضل نظام ممكن للعالم. ولولا ذلك لما انتصر على النظام الشيوعي للحزب الواحد والحريات المخنوقة والديماغوجية الغوغائية المملة. علاوة على ذلك فينبغي العلم أن الحضارة الأوروبية هي وحدها التي انتصرت على الظلامية الأصولية وأمنت للبشرية حرية التعبير والتفكير والطبع والنشر، حتى في مجال الدين والمقدسات. وهذا أكبر تحرير يحصل للروح البشرية في التاريخ. وهذا ما قاله فيلسوف الأنوار الأكبر إيمانويل كانط في نصه الشهير: «ما هي الأنوار؟ أو ما معنى التنوير؟» لقد قال إن «التنوير يعني أن البشرية حققت أخيراً نضجها وعقلانيتها وانتقلت من مرحلة القصور العقلي إلى مرحلة سن الرشد. لقد تحررت من وصاية اللاهوت والكهنوت ورجال الدين. هذا هو التنوير. ينبغي أن تعانيه من الداخل. ينبغي أن يتمخض من أعماقك وإلا فلا معنى له. ينبغي أن تتوصل إليه بعد جهد جهيد. ينبغي أن تصارع التنين!». وهذا ما حققته الحداثة الغربية بعد موت كانط بقرن أو أكثر. لقد سُحقت الظلامية المسيحية على يد سبينوزا وبيير بايل وفولتير وديدرو وجان جاك روسو وكانط وفيخته وهيغل وغيرهم من عباقرة الأنوار الكبار. ولم تُسحق إلا بعد معارك طاحنة سجلتها كتب التاريخ بأحرف من نور. فأين هم المثقفون العرب الذين سيصارعون التنين «الإخواني الداعشي» مثلما صارعوا هم التنين الأصولي الكهنوتي ومحاكم التفتيش؟ (بين قوسين... هذا ما كنت قد شرحته مطولاً في كتابي الجديد الصادر عن «دار المدى»، بعنوان «من التنوير الأوروبي إلى التنوير العربي»).


مثقفون مصريون يحتفون بصدور النسخة العربية من «الاستشراق هيمنة مستمرة»

مثقفون مصريون يحتفون بصدور النسخة العربية من «الاستشراق هيمنة مستمرة»
TT

مثقفون مصريون يحتفون بصدور النسخة العربية من «الاستشراق هيمنة مستمرة»

مثقفون مصريون يحتفون بصدور النسخة العربية من «الاستشراق هيمنة مستمرة»

في لقاءين فكريين في المركز القومي للترجمة وبيت السناري بالقاهرة التابع لمكتبة الإسكندرية، وعلى مدى يومي الأربعاء والخميس الماضيين، ناقش لفيف من المثقفين والمفكرين والمؤرخين المصريين رؤية وأفكار المفكر الأمريكي بيتر جران التي طرحها في كتابه الأخير «الاستشراق هيمنة مستمرة»، الذي صدرت نسخته العربية حديثاً عن المركز القومي، بترجمة الكاتبة سحر توفيق ومراجعة الدكتور عاصم الدسوقي.

أدار اللقاء الأول الدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، مشيراً إلى أن جران أحد القلائل الذين فهموا التاريخ المصري فهماً عميقاً، وقد رصد في كتابه، النظرة الاستشراقية الاستعلائية تجاه مصر، واستخدم هذا المنهج في مناقشة ما جاء من كتابات حول الفترات الاستعمارية، من خلال منهج جديد في النظر إلى التاريخ.

وقال زايد إن علماء الاجتماع لديهم رؤية واضحة لهذه العلاقة الاستعلائية من الغرب تجاه الشرق، وقد لمس ذلك حينما كان شاباً، كما أن لديهم فهماً مختلفاً لقضية الهوية.

ثم تحدث المؤلف عن القضية الأساسية التي يرصدها الكتاب حول طبيعة التاريخ الاستعماري، وخصوصاً ما صاحب الحملة الفرنسية، وتأثر مصر بها، والعلاقة بين مصر والمجتمع الغربي، والنظرة التي ما زالت تسيطر على خطاب معظم مفكريهم تجاه مصر والشرق الأوسط على حد سواء، وهي نظرة مستندة، حسب جران، إلى أسس ماضوية ما زالت مستمرة، ومفادها أن البلاد التي استعمروها لم تكن دولاً، ولكنها مجموعات متفرقة من البشر لا رابط بينهم، وهي وجهة نظر روج لها اللورد كرومر، بكتابه الذي جاء في جزأين بعنوان «مصر الحديثة»، ويعتبر من الكتابات الاستشراقية المؤسسة لنظرة الغرب تجاه المصريين.

وذكر جران أنه سعى لتحليل وتقصي أفكار كرومر، التي يتبناها مفكرو الغرب في كتاباتهم التاريخية المعاصرة، وترسّخ لفكرة أن مصر كانت تعيش في حالة من الجمود وتعتمد على الغرب، وتأخذ أفكارها منه.

ودعا جران التيارات النقدية في الغرب، التي تتناول مصر إلى التفريق بينها وبين غيرها من البلدان الأخرى، مشيراً إلى أن هناك مفكرين أمريكيين يرون أن مصر ليست بلداً، وعليها حال رغبت في التحديث والتنمية أن تتجه إلى النموذج الأمريكي، وهي النظرة نفسها، التي ورَّثها كرومر للأمريكان عن مصر، وتشير في أعماقها إلى أن هناك علاقة أصيلة بين الاستشراق والإمبريالية، لاحظها جران منذ بداية كتاباته، معتبراً أن المنهج السائد لدى الكثير من كتَّاب التاريخ الغربيين غير دقيق، وقد اكتشف ذلك من خلال حياته الفكرية التي تشكلت ما بين دراسته في مصر، وما تبعها من دراسات في أمريكا، فتحت الطريق أمامه لاكتشاف الأبعاد المختلفة التي تربط بين الاستشراق والإمبريالية، وهي فكرة واضحة في كتابه «الاستشراق هيمنة مستمرة».

وذكر جران أن الأمريكان ينظرون بشكل نمطي لمصر، وقد دفعه ذلك إلى محاولة فك الاشتباك بين وجهات نظرهم وما يحدث في الواقع المصري، وقد سعى من خلال فصول كتابه لرصد مراحل تطوره، وتتبع دور الكثير من الشخصيات الهامة التي تنتمي لأجيال مختلفة في التأثير فيه، مع تناول الحياة في مصر منذ أيام اللورد كرومر حتى الوقت الحالي، وفق ثلاث مراحل تبدأ من الكولونيالية، ثم الحرب الباردة وما بعد الكولونيالية.

وانتقد جران الأفكار الموجودة في الجزء الأول من كتاب «مصر الحديثة» للورد كرومر، الذي يقول فيه إن مصر كانت مجرد تجمع لمجموعات من البشر، وإنها لم تكن دولة منذ انتهاء عصر الفراعنة، مشيراً إلى أن نظرته لمصر تستند إلى تأويل ما جاء في «سفر الخروج»، وتم تفسيره بشكل يلائم الأفكار الأمريكية لتبرير عمليات قتل وإبادة الهنود الحمر، وقد ربطت بينها وبين ما تقوله التوراة وهي تتحدث عن تلك الحقبة من «أن الذي نجا في نهاية الصراع بين فرعون وموسى هم شعب الله المختار وأن جنود فرعون غرقوا في البحر، بأمر الله، ليصلوا لاستنتاج مفاده أن ما جرى من قتل للبشر في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية وغيرها يعبر عن إرادة الله أيضاً». وتحدث جران عن مسألة الهوية، مشيراً إلى أنها ليست جامدة لكنها متغيرة.

وفي مداخلة، على هامش اللقاء للدكتور محمد أبو الغار خالف فيها جران في نظرته عن الهوية المصرية، معتقداً أنها تكونت في الفترة التي سبقت ثورة 1919، لكن جران لم يعتد بها في كتاباته مع أن المصريين يعتبرونها حدثاً مهماً في تاريخهم.

من جهته، قال الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، إن جران عندما عاش في مصر واطلع عليها من خلال الصحافة، بدأت أفكاره تتغير ويخرج عن منهج الاستشراق الغربي، مشيراً إلى أن اللورد كرومر حاول زرع الفتنة في مصر بين المسلمين والمسيحيين إلا أن المثقفين المصريين تنبهوا لهذا، وأفشلوا محاولاته، لكن السعي من قبل بعض الاستشراقيين ما زال مستمراً، وبالاعتماد على المنهج نفسه في محاولة لنفي الهوية المصرية.

وفي اللقاء الذي أقامه المركز القومي للترجمة قالت الكاتبة والمترجمة سحر توفيق إن كتابات جران تحمل نظرية مختلفة عن تاريخ مصر مناقضة لنظرة الغرب. وذكرت أن جران أوضح أن قناعات المفكرين الأمريكيين هدفها واضح، وتبرر للأجيال الجديدة أن ما جرى من إبادة للهنود الحمر أمر إلهي، وهي مماثلة لما جرى عند مطاردة فرعون مصر وجيشه لموسى، وحسب رأي توفيق يتناول جران النظرة المركزية الأمريكية والمبنية على نظرية أن التاريخ يبدأ بظهور الحضارة الغربية، وهذه نظرة عنصرية، أوضحها في كتابه وهو يتحدث عن مصر.

وفي الكتاب المذكور، قدم جران بحثاً في الدراسات والكتب الأمريكية والإنجليزية والفرنسية، التي تتناول مفهوم الاستبداد الشرقي في أغلب الدراسات الغربية التي تتناول تاريخ مصر، مشيراً إلى أنها ورغم التقدم الذي حدث فيها ما زالت تتبنى فكرة الخروج والنظرة القدرية والحق الإلهي. وتوصل إلى أن الدراسات والأبحاث التاريخية المصرية بموضوعيتها بدأت تحدث تغييراً في بعض الدراسات الأكاديمية الغربية التي تتناول تاريخ مصر.

يذكر أن بيتر جران يعمل أستاذاً للتاريخ المصري الحديث بجامعة تمبل الأمريكية ويعد أحد أبرز مفكريها، وأكثرهم خبرة بالتاريخ المصري، وارتبط كثير من مؤلفاته بتاريخ الثقافة العربية والإسلامية، ومن أهمها مؤلفه «الجذور الإسلامية للرأسمالية: مصر 1760 - 1840» وكان موضوع رسالته للدكتوراه، وأحدث ضجة وجدالاً فكرياً عند صدوره في منتصف الثمانينيات، وترجمه للعربية محروس سليمان وراجعه الدكتور رؤوف عباس حامد.


«راهب بيت قطرايا» تستشرف التاريخ المسيحي في الخليج

«راهب بيت قطرايا» تستشرف التاريخ المسيحي في الخليج
TT

«راهب بيت قطرايا» تستشرف التاريخ المسيحي في الخليج

«راهب بيت قطرايا» تستشرف التاريخ المسيحي في الخليج

في روايته الجديدة «راهب بيت قطرايا»، يوظف الباحث والأكاديمي القطري الدكتور خالد الجابر دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

صدرت هذه الرواية مؤخراً عن دار «خطوط وظلال للنشر والتوزيع» في الأردن، وتتناول الحقبة الزمنية التي انتهت معها الحروب الرومانية الفارسية وازدهرت فيها طوائف الديانة المسيحية في منطقة الخليج والجزيرة العربية، وهي حقبة تمتد في القرن السابع الميلادي، وتتزامن تاريخياً مع انتشار الدعوة الإسلامية التي وصلت إلى منطقة «بيت قطرايا» والتي تشمل جغرافية دولة قطر حالياً وتمتد عبر الساحل الغربي للخليج العربي.

يذكر أن دولة قطر الحالية، عرفت قديماً بـ«بيت قطرايا أو قطراية» وكانت تضم دولة قطر وما جاورها وهذه المنطقة معروفة في تاريخ الكنيسة النسطورية وكانت أسقفيتها تابعة لمنطقة «ريف اردشير»، ولكنها استقلت وكوّنت أسقفية مستقلة في وسط ونهاية القرن السابع الميلادي، ودخلتها المسيحية قبل سنة 225.

وقد سجلت المجامع النسطورية عدداً من أساقفتها الذين حضروا المجامع النسطورية، ومنها رجال دين لاقوا شهرة عظيمة مثل إسحق القطري، وداديشوع القطري، وجبريل القطري، وإبراهيم برليفي، وتوماس القطري، وأيوب المفسر، وجبرائيل الطقساني، ومعظم من كان ينتهي اسمه باسم قطر ينسب إلى بيت قطرايا.

«راهب بيت قطرايا»

وفي روايته الثانية: «راهب بيت قطرايا» اختار المؤلف الاسم التاريخي الذي تميزت به قطر ومنطقة الخليج (بيت قطرايا)، وهي منطقة ذُكرت بشكل لافت في تاريخ الكنيسة النسطورية من القرن السابع الميلادي. حيث تستعرض الرواية سردية صراع الخير والشر، الحرية والعبودية، الاستقلال والتبعية، الحب والكراهية، العرب والعجم، الدعوة والإيمان، النّاسوت واللّاهوت، التوحيد والمعتقدات، الهوية والانتماء، السلطة والثورة، والتمسك بالمبادئ والقيم مقابل المصالح الذاتية والآنية.

وتتناول أحداث الرواية تاريخاً أدبياً لقِدم رسوخ التواجد البشري والديني والثقافي في قطر ومنطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية، وهي تصنع عالماً نابضاً بشخوصها وحكاياتها وأزماتها وتصاعد أحداثها، وانفراجاتها، وسياقاتها، وتقاطعاتها الإنسانية والتاريخية والجغرافية والحضارية.

الحبكة الروائية

تتشكل الرواية، من مقدمة، وأربعة (فصول)؛ واختار الروائي الدكتور خالد الجابر الاسم التاريخي الذي تميزت به قطر ومنطقة الخليج (بيت قطرايا)، وصمم غلاف الرواية على شكل خريطة لمنطقة الخليج والجزيرة العربية تظهر فيها اسم «كتارا» (Katara) التي تدل على قطر، واستخدمت هذه التسمية من قِبل الجغرافيين منذ صدور خريطة بطليموس عام 150. وعلى الغلاف صورة متخيلة للقديس إسحق القطري المعروف بالسرياني، والذي يعدّ من أكبر المعلمين الروحيين في القرن السابع الميلادي.

إحياء الجانب الروائي يشبّه محاولات استخدمت في روايات سابقة وحققت نجاحاً وانتشاراً كبيراً مثلما حصل في رواية «عزازيل» ليوسف زيدان و«سمرقند» لأمين معلوف؛ و«المخطوطة الشرقية» لواسيني الأعرج؛ و«ظلمة يائيل»، و«مملكة الجواري» للغربي عمران؛ و«مخطوطة ابن إسحاق» بأجزائها الثلاثة لحسن الجندي؛ و«سابع أيام الخلق» لعبد الخالق الركابي؛ و«دَيْر ورق» لمحمد رفيع؛ و«جسر بنات يعقوب» لحسن حميد؛ و«مجدلية الياسمين» لثابت القوطاري.

وتعدّ الرواية مزيجاً من الوقائع التاريخية والتأليف الأدبي وقد بُنيت على طريقتين من طُرق السرد؛ العكسي - الاستباقي، فبدأت الرواية من حيث انتهت الحكاية، ثم عادت لتسرد الحكاية بعد ذلك من حيث بدأت الأحداث، ولم تسر الرواية على النمط السردي التسلسلي؛ بل على طريقة التداخل والتنقل من حكاية لأخرى.

تحاكي الرواية من خلال أحداثها وبطلها «الأشرف أو إيلياء» الذي يتنقل بين العديد من الأماكن، مثل يثرب (المدينة المنورة) التي هرب منها إلى عمق الجزيرة العربية وديرها المعزول، الذي خرج منه مسيحياً إلى روما، ليعود مرة أخرى بمهمة سرية كلفه بها أسقف روما.

كانت رحلة العودة من دمشق إلى الحيرة متخفياً بصفة تاجر ذهب، تعصف به الأحداث ليخسر الأموال الممنوحة له في الحيرة، ويخسر أيضاً دعم كنيسة روما بسبب سقوط الأسقف الداعم له. أخيراً يستقر به الحال في كنيسة «بيت قطرايا» ليصبح واحداً من أهم أعمدتها.

شكلت الرواية عالمها الذي يمتزج مع الأحداث التاريخية في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية في حقبة اتسمت بالتغيير السريع قبل ظهور الإسلام وبعده جعلها تخوض سيرورة سردها على خطين.

الأول يتمثل في تأثير الأحداث على الشخصيات مباشرة عبر الزمن الحقيقي لتلك الحقبة والمتخيل السردي الذي اتكأ على شخصيات عامة. والآخر يشمل الصراع الذي حاكته الرواية من جانبه التاريخي والذي أضاف أبعاداً مهمة للأحداث ليكون محركها الصريح والمؤثر فيها ليبدأ التخييل منه وينتهي بتأثر الشخصيات به.

والتشويق في الرواية يأتي عبر ما اعتمدته من حيلٍ استباقية، قامت من خلالها بالإشارة إلى الحدث الذي مثّل حجز الزاوية، وأرجأت تفسيره لمرحلة لاحقة من السرد، كما جسدت المساحة التعبيرية والسردية حركة وصراع وتحولات وإعادة تشكيل لشخصيات الرواية وصولاً إلى المعنى الإنساني الكلي الذي تمركزت حوله وعبّرت عنه بصدق وعفوية.

مؤلف هذه الرواية هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة غاصت في إشكاليات: التجزئة، والانقسام، من خلال استعراض صور الفتن والصراعات والحروب بين الأمراء في الإمارات الأندلسية.


سيرة التشكيلي الأميركي إدوراد هوبر بعيني طفل

سيرة التشكيلي الأميركي إدوراد هوبر بعيني طفل
TT

سيرة التشكيلي الأميركي إدوراد هوبر بعيني طفل

سيرة التشكيلي الأميركي إدوراد هوبر بعيني طفل

تستعيد «رواية بقايا يوم صيفي» للكاتبة الآيرلندية كريستين دوير هيكي قصة حياة الفنان التشكيلي الأمريكي إدوارد هوبر (1882 - 1967)، لذلك يمكن تصنفيها بأنها رواية سيرة ذاتية بامتياز. وفازت الرواية بجائزة «والتر سكوت» للرواية التاريخية 2020، وصدرت نسختها العربية حديثاً بترجمة هند عادل، عن دار «العربي» للنشر بالقاهرة.

تقودنا الرواية بأسلوب سردي سلس لمتابعة مسيرة الرسام الأمريكي الشهير إدوارد هوبر، الذي هرب من حياة المدينة إلى الشاطئ البعيد في «كيب كود» بولاية «ماساتشوستس»، لكي يحاول أن يرسم ويخرج طاقته الفنية من جديد ومعه «جو» زوجته الفنانة التي تغار منه وعليه، و دائماً تعيش داخل قوقعتها التي ملأتها باليأس من عدم قدرتها على التأقلم معه. يقابلان «كاثرين»، المرأة الجميلة التي كتب لها القدر حياة أليمة يملؤها المرض، لكنها بروحها الحالمة تجذب انتباه إدوارد وتلهمه فينجذب إليها أكثر، وتظل الزوجة تعاني من غيرتها الشديدة.

تروى السيرة من خلال عيني طفل صغير غريب الأطوار يعاني مشكلة في التأقلم مع مجتمعه الجديد، اسمه «مايكل»، ألماني الجنسية ومن أيتام الحرب، وهو يقضي الصيف مع العائلة الأمريكية الغنية حيث ترسله أمه بالتبني إلى هناك بالقطار وتوصيه بالكثير، وأهم الوصايا هي ألا يتحدث الألمانية أمام الآخرين. وتغريه باللعب مع «ريتشي» الفتى الغني المدلل الذي تربيه أمه الجميلة وجدته وعمته، والذي مات والده في الحرب، لكنه لم يتقبل بعد فكرة الحياة من دونه كما لا يتقبل «مايكل»، الذي جاء دخيلاً على حياته. على هذه الخلفية يتقابل الطفلان مع الفنان وزوجته اللذين يعيشان بعيداً.

و يعد «هوبر» رساماً واقعياً يصور المشاهد العادية من حياة المدن وتجسد لوحاته الفنادق والقطارات والناس الوحيدين مجهولي الهوية في المدن الكبرى، والعزلة والصمت واغتراب الإنسان في المدينة، معتمداً على التلاعب بالمساحات والضوء والظل واللون لخلق بعد درامي. واستوحى الفنان الشخصيات الأنثوية في لوحاته من زوجته «جوزفين نيفيسون»، التي كانت زميلته في مدرسة الفنون. ومن أكثر لوحاته الشعبية شهرة لوحة «صقور في الليل»، رسمها في عام 1942، وتظهر أناساً في مطعم بوسط المدينة في ساعة متأخرة من الليل، وأثرت تلك اللوحة في الفن الأمريكي حيث تمت محاكاتها وتقليدها في عدد من الأعمال الأدبية والسينمائية والغنائية والمسرحية.

يقول عنه أحد النقاد : «لقد استطاع هوبر أن يجعل من واقعيته شيئاً يفوق في جوهره أكثر اللوحات السريالية خيالاً».

أما مؤلفة العمل كريستين دوير هيكي، فهي روائية وكاتبة قصص قصيرة حاصلة على عدد من الجوائز الأدبية. و تعد «تاتي» أكثر رواياتها مبيعاً، وقد صدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «العربي» عام 2016 واختيرت واحدة من أفضل 50 كتاباً آيرلنديا في العشر سنوات الأخيرة، كما فازت روايتها «عين النعيم باردة» بجائزة العام للرواية الآيرلندية عام 2012.

من أجواء الرواية نقرأ:

«حاول أن يسير بأبطأ ما يمكنه خلال العشب الطويل حتى يصل إلى قمة التل وعندما تأكد من أنه بعيد عن أنظارهم بدأ يجري بسرعة وكأنه لا يستطيع التوقف. كان سعيداً وفخوراً بنفسه جداً، نزل التل حتى وصل إلى الحديقة ودار بين الطاولات والكراسي والمقاعد. أخذ يركض على سلم البلكون طلوعاً ونزولاً ثم لوح لفرانك وكابتن والت الواقفين عبر الباب الكبير المفتوح. جرى إلى الحديقة الأمامية وقفز على المنصة الخشبية الصغيرة التي وضعها روبن حول الشجرة ثم رفع ذراعيه ونادى على كاثرين. لوحت له حين رأته من باب شرفتها الزجاجي فرد ذراعيه مثل أجنحة الطائرة وهو يقفز من المنصة الخشبية إلى العشب الطويل في مقدمة المنزل. أخذ يحرك ذراعيه لأعلى ولأسفل مثل أرجوحة التوازن وطار إلى خلف النزل، موازناً بين حركة ذراعه اليمنى واليسرى. رأى فرانك يقف ويسير إلى البلكون ليشاهده، طار بين الأشجار ودار عائداً ليواجه المنزل ثم طار نحوه مباشرة. نبض قلبه بقوة حتى شعر بحركة كل نقطة دماء وهي تضغط عل جلده من الداخل. أراد أن يحيط البيت بذراعيه وأن يفرك وجهه في الشرفات والنوافذ والجدران وكل لوح خشب وقطعة زجاج فيه. أراد أن يدفن أنفه في عشب الحديقة ويأكله وكأنه حصان لأنه في هذه اللحظة يحب البيت وكل ما فيه، ريتشي وأمه وصاحبتها السخيفة أنيتا. يحب كل من سيصلون إلى الحفل وكل الأشخاص البعيدين مثل هاري والخالة». يجسد هوبر في لوحاته حياة المدن الكبيرة بفنادقها وقطاراتها والناس الوحيدين مجهولي الهوية الذين

يعيشون فيها


«معرض أبوظبي للكتاب» ينطلق غداً وسط عرض أكثر من 500 ألف عنوان

جانب من النسخة الماضية لـ«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» (وام)
جانب من النسخة الماضية لـ«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» (وام)
TT

«معرض أبوظبي للكتاب» ينطلق غداً وسط عرض أكثر من 500 ألف عنوان

جانب من النسخة الماضية لـ«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» (وام)
جانب من النسخة الماضية لـ«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» (وام)

تنطلق، غداً، فعاليات الدورة الـ32 من «معرض أبوظبي الدولي للكتاب»، بمشاركة واسعة من 1300 عارض من 85 دولة، يقدمون ما يربو على 500 ألف عنوان، في الوقت الذي عُدّت فيه هذه الدورة الكبرى في تاريخ المعرض، من ناحية المساحة وعدد المواقع الثقافية.

ووفق المعلومات الصادرة اليوم، فإن المعرض، الذي يبدأ غداً ويستمر حتى 28 مايو (أيار) الحالي - كما أن كثيراً من المواقع الثقافية يستضيف ما يزيد على ألفيْ فعالية ثقافية وأدبية ومعرفية وفنية - يشهد أيضاً مشاركة أكبر عدد من العارضين والناشرين.

وستحلّ تركيا ضيف شرف المعرض، هذا العام، حيث سيجري تقديم برنامج للتعريف بالثقافة التركية وألوانها الأدبية ومجالاتها المعرفية، ضمن جناح خاص يحتضن عدداً من الفعاليات والندوات التي تبحث التبادل الثقافي بين تركيا والعالم العربي، وسبل تعزيز الحوار بينهما، بالإضافة إلى محاضرات وجلسات تأخذ زُوار الجناح في رحلة عبر تاريخ الأدب التركي، والشعر العربي ونظيره التركي، والترجمات الأدبية بين اللغتين.

وستتضمن حوارات وندوات حول موضوعات عدة، منها «النساء تغيّر قواعد اللعبة»، و«الفلسفة للأطفال»، و«ثقافة الطهي التركية»، إلى جانب الاستماع لمؤلّفين مشهورين مثل بشير أيفاز أوغلو، ومحمد حقي صوتشين، كما يضم الجناح التركي عدداً من أبرز الناشرين والشركاء، من بينهم وزارة الثقافة والسياحة التركية، وغرفة تجارة إسطنبول.

ويحتفي المعرض كذلك بإنجازات الفيلسوف العربي، من القرن الرابع عشر، ابن خلدون، مؤسّس علم الاجتماع، باعتباره «الشخصية المحورية» لهذه الدورة، من خلال مناقشات تاريخية وفلسفية وأدبية تركّز على أعماله وتراثه.

وتضم قائمة المتحدّثين نخبة من النقّاد والأساتذة والمؤرّخين، مثل المؤرخ وعالِم الآثار التونسي الدكتور إبراهيم شبوح، الذي عُرف باهتمامه بتحقيق أعمال ابن خلدون، والفيلسوف والمفكر الدكتور أحمد برقاوي، والكاتب البريطاني أنتوني ساتين.

ويحتفي المعرض بمفهوم «الاستدامة» فكرةً محورية، لدورته الـ32، تماشياً مع إعلان دولة الإمارات عام 2023 عاماً للاستدامة، وقبيل استضافتها فعاليات مؤتمر «الأطراف» في «اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (كوب 28)»، في نوفمبر المقبل، حيث يُخصص ندوات وجلسات حوارية حول تفعيل الاستدامة بمفهومها الشامل في شتى المجالات، مثل المناخ، والأمن الغذائي، ويبحث سبل تعزيز وعي الشباب بتحقيق التنمية المستدامة.

وتتناول الفعاليات محورين مهمين للقطاع الثقافي، هما الاستدامة في صناعة النشر، ودور المتاحف في تعزيز مفهوم الاستدامة لدى الجمهور.

وينتظر تنظيم ما يزيد على 130 جلسة في البرنامج الثقافي، إلى جانب سلسلة متنوعة من الجلسات الحوارية، والندوات، والأمسيات الأدبية والثقافية والفكرية، بمشاركة أكثر من 800 ضيف ومتحدث من أبرز الأدباء والمفكرين والرواد في مختلف المجالات.

ويتضمن البرنامج المهني 46 جلسة تسلط الضوء على أهم الموضوعات ذات الصلة بالثقافة وقطاع النشر، مثل التسويق، والترجمة، والشراكات، وصناعة المحتوى.

ويقدم المعرض أيضاً عروضاً لمختارات من أجمل الأفلام، ضمن فعاليات «سينما الصندوق الأسود»، في حين يُطلَق، للمرة الأولى، «بودكاست من أبوظبي»؛ بهدف منح الجمهور فرصة التعرف إلى نجوم مقدمي البودكاست في العالم العربي عن كثب، ومشاهدة تسجيلهم حلقاتهم مباشرة.

وتحتضن هذه الدورة حفلاً يُحييه الفنان علي الحجار في المجمع الثقافي؛ احتفاءً بالشاعر المصري الراحل عبد الرحمن الأبنودي، حيث يغني مجموعة من الأغاني التي جمعتهما معاً.

وبالتزامن مع «معرض أبوظبي الدولي للكتاب»، انطلقت، اليوم، الدورة الثانية من «المؤتمر الدولي للنشر العربي والصناعات الإبداعية»، والذي يتخذ من موضوع «تطويع السرد القصصي» محوراً لفعالياته، هذا العام، بمشاركة من الناشرين والمترجمين وصُناع المحتوى وروّاد الأعمال من المنطقة والعالم، والذين يستعرضون، خلال جلسات وندوات وورش عمل على مدار يومين، أحدث التوجّهات في قطاع النشر والصناعات الإبداعية.


هيئة الأدب والنشر والترجمة تُدشّن معرض المدينة المنورة للكتاب

هيئة الأدب والنشر والترجمة تُدشّن معرض المدينة المنورة للكتاب
TT

هيئة الأدب والنشر والترجمة تُدشّن معرض المدينة المنورة للكتاب

هيئة الأدب والنشر والترجمة تُدشّن معرض المدينة المنورة للكتاب

دشّنت هيئة الأدب والنشر والترجمة، اليوم، معرض المدينة المنورة للكتاب 2023، في مركز الملك سلمان الدولي للمعارض والمؤتمرات، بحضور نحو 300 دار نشرٍ محلية وعربية ودولية، ونخبةٍ من الكُتّاب والأدباء والشعراء والمثقفين من داخل المملكة وخارجها.

وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة الدكتور محمد علوان، أن الهيئة تسعى عبر مبادرة «معارض الكتاب» إلى تحقيق تطلعات رؤية «السعودية 2030» والاستراتيجية الوطنية للثقافة، والتي تجعل من الثقافة نمطاً لحياة الفرد، وتسهم في النمو الاقتصادي، وتُعزّز مكانة المملكة الدولية». مشيراً إلى أن مُعدّل رضا الزوّار عن النسخة الأولى ومعدلات عدد الزوّار والمبيعات والتأثير المعرفي للمعرض، شجّع على تقديم نسخة ثانية من معرض المدينة المنورة للكتاب، والتي تُمثّل منطقةً كانت وما زالت منارةً للثقافة والفكر والإرث الحضاري.

ويشهد اليوم الأول للمعرض عرضاً مسرحياً يُعزّز أهداف المعرض ويدعم مواكبتَه لثقافة النشر الحديث، وذلك ضمن برنامجٍ ثقافي يضم عشرات الفعاليات النوعية، والتي ستُقام في مسرح المعرض ومنطقة الطفل، بمشاركة نخبة من المتحدثين السعوديين والعرب والعالميين، وتشتمل على جلسات حوارية، وندوات ثقافية، وورش عمل، وأمسيات شعرية، ومسرحيات، وأنشطة وألعاب تفاعلية للطفل، تهدف جميعُها لدعم الحراك الثقافي، وبناء جيل واعٍ ومثقف. ويُتيح المعرض للمرة الأولى ورش عمل لفئة الصم والبكم، لتلبية احتياجاتهم والاستفادة من مهاراتهم، ودعم أولياء أمورهم.

ويُقدّم المعرض الذي يُقام على مساحةٍ تتجاوز 15 ألف مترٍ مربع أركاناً تعريفيّة وأجنحةً متنوعة، من بينها ركن المؤلف السعودي الذي يُتيح ما يصل إلى 200 عنوانٍ للمؤلفين السعوديين ذوي النشر الذاتي.

ويُعدُّ معرض المدينة المنورة للكتاب 2023 ثاني معارض الكتاب في المملكة التي تُنظّمها هيئة الأدب والنشر والترجمة لهذا العام، إذ سبقه معرض الشرقية للكتاب في مارس الماضي.


الأدب والرياضيات... مَنْبَعا الخيال والجمال

الأدب والرياضيات... مَنْبَعا الخيال والجمال
TT

الأدب والرياضيات... مَنْبَعا الخيال والجمال

الأدب والرياضيات... مَنْبَعا الخيال والجمال

 

طالما نشط الإنسان في حقل ما على المستوى الفكري، يكون لزاماً عدّ ذلك النشاط عنصراً في الخريطة الثقافية الإنسانية. لا صناديق مقفلة ومعزولة في الثقافة، ولا جزئية في الحياة يمكن عدُّها بعيدة عن إمكانية التناول الثقافي. ربما عضّدت نظُمُنا التعليمية التقليدية عناصر الفصل بين مكوّنات الثقافة الإنسانية؛ لكنْ يبقى الفرد هو المُعَوَّلُ عليه، بجهده الذاتي غالباً، في استكشاف الروابط الواضحة أو الخفية بين مكوّنات الثقافة الإنسانية.

سارة هارت

أذكرُ يوماً بعد منتصف سبعينات القرن الماضي، أنه تسنّت لي معاينة غلاف كتاب عنوانه «بحثاً عن الجمال» لمؤلفه ف. سميلجا. توقّعتُ أن يتناول الكتاب موضوعات الجمال الكلاسيكي في الفن والأدب على الشاكلة التي اعتدناها آنذاك. بعد مطالعة الصفحة الأولى، علمت أنّ المؤلف يحملُ شهادة دكتوراه في العلوم الرياضياتية والفيزيائية، ثم بعد قراءة صفحات أولى من الكتاب تكشّفتْ لي الحقيقة؛ هذا كتابٌ يتناول الجمال المخبوء في الرياضيات «أو بعبارة أكثر دقة؛ في الأنساق الرمزية التي تمثل الرياضيات مثابتها العليا». كان ثمة دافعٌ خفي يحفزني على قراءة الكتاب، وقد فعلت. كم أنا ممتنّة لذلك الكتاب صغير الحجم الذي فتح لي أفقاً جديداً في الثقافة، وكشف تفاصيل كانت مغيّبة في ثقافتنا العامة.

تولستوي

الرياضيات لغة، وهذا أصلُ إشكاليتها المفاهيمية في ثقافتنا العامة. إنها لغة ومنظومة تفكير رمزي، قبل أن تكون مجموعة تقنيات. لم أزل أذكر تلك الحكاية الجميلة في كتاب سميلجا، التي تكشف عن حقيقة أنّ الرياضيات لغة قبل أي شيء. يحكي سميلجا أنّ البروفسور ويلارد غيبس Willard Gibbs، وهو أحد أعاظم الفيزيائيين الأميركيين أوائل القرن العشرين، وكان أستاذاً في جامعة ييل الأميركية المرموقة، سُئِل عن رأيه في تقليل حصص الرياضيات مقابل زيادة حصص اللغات؛ فأجاب باقتضاب: «الرياضيات لغة!».

نلمح في جواب غيبس بعض خصائص الرياضيات، وهي: الاقتصاد في التعبير، والابتعاد عن الإطناب اللغوي الذي لا يعدو أن يكون رغوة لغوية.

الكتاب الثاني الذي طوّر نمط تفكيري وشغفي بطريقة التفكير الرمزية هو كتاب «الرياضيات والبحث عن المعرفة» لمؤلفه البروفسور موريس كلاين Morris Kline، المؤلف الموسوعي، الذي تناول في كتبه الكثيرة عرض الأسس الثقافية للرياضيات، ومناهضة المقاربات القائمة على أساس أنها مجموعة حِيَل لحلّ مسائل تقنية في سياق محدّد. أما الكتاب الثالث فهو ذلك الذي كتبه الفيلسوف الفرنسي آلان باديو Alain Badiau، وعنوانه «في مديح الرياضيات»، قرأته بالإنجليزية، وهو غير مترجم إلى العربية. الرياضيات باختصار هي إحدى المنجزات الحضارية الرائعة للإنسان على الصعيد الرمزي.

الإشارات الرياضياتية إلى الأعمال الأدبية

في كتابٍ صدر حديثاً بداية شهر أبريل (نيسان) الماضي 2023، نشرت سارة هارت Sarah Hart كتاباً عنوانه «حدث ذات عدد أوّلي Once Upon A Prime». الأجمل من عنوان الكتاب الرئيسي «الذي قد يبدو مخاتلاً وغامضاً بعض الشيء» هو عنوانه الثانوي الذي يكشف عن حقيقة مسعى الكاتبة؛ الروابط المدهشة بين الرياضيات والأدب.

تعمل هارت أستاذة مميزة للرياضيات الصرفة في كلية بيربيك بجامعة لندن، وهي إحدى أنشط الكاتبات في ميدان الجوانب الثقافية والحضارية للرياضيات. دَرَسَتْ هارت في جامعة أكسفورد، وحصلت على شهادة الدكتوراه من معهد مانشستر للعلوم والتقنية.

تبدأ المؤلفة كتابها بمقدمة شديدة الإمتاع تحكي جانباً من تاريخها الشخصي مع الأدب؛ فتقول إنها لطالما عرفت أكداساً من الكتب التي يصفها «المعتمد الأدبي السائد» بأنها «كتبٌ يجب أن تُقرَأ»، منها رواية موبي ديك. وتعقّب الكاتبة بأنها ماطلت كثيراً في قراءة هذه الرواية حتى جاء يوم اعتزمت فيه قراءتها من غير نكوص أو تأجيل، فاكتشفت مكامن الجمال الذي لا يخفى لكل عقل شغوف.

جيمس جويس

ترى الكاتبة أنّ موبي ديك «خزّان من الاستعارات الرياضياتية»، وفيها إشارة إلى شكل رياضياتي يسمى الدُوَيْري Cycloid، ثم تخوض الكاتبة في الإشارة إلى روائيين، احتوت أعمالهم تضمينات رياضياتية. من هؤلاء: ليو تولستوي، جيمس جويس، آرثر كونان دويل، تشيماماندا نغوزي أديتشي، مايكل كريكتون (الذي كتب الحديقة الجوراسية Jurassic Park، وحوّلها ستيفن سبيلبرغ لاحقاً إلى فيلم سينمائي). وتؤكّد الكاتبة أنّ الإشارات الرياضياتية إلى الأعمال الأدبية يمكن تتبعها في أحد أعمال أريستوفانيس، المسمّى «الطيور The Birds» المكتوب حوالي عام 414 قبل الميلاد. وتكتب المؤلفة بشأن العلاقة بين الرياضيات والأدب وطبيعة مسعاها اللاحق في الكتاب:

«الروابط الأكثر جوهرية ورِفْعَة بين الرياضيات والأدب لم تلقَ الاهتمام الذي تستحقه. هدفي في هذا الكتاب هو إقناعُك بأنّ الرياضيات والأدب ليسا مترابطين بكيفية وثيقة وأساسية فحسب؛ بل أسعى لما هو أكبر من هذا؛ أنّ فهم هذه الروابط يمكن أن يعزّز منسوب متعتك عند التعامل مع كليهما...».

ثنائية مصطنعة

لطالما صُوّرت الرياضيات في العادة بأنها مسعى منفصل عن الفنون الإبداعية بعامّة؛ لكن الحقيقة أنّ الجدران العازلة بينهما هي فكرة حديثة العهد، لأنّ الرياضيات كانت عبر التاريخ جزءاً أساسياً في العدّة المفاهيمية والثقافية لكلّ إنسان متعلّم Educated. على سبيل المثال، لا نجد في جمهورية أفلاطون تلك الثنائية المصطنعة في تقسيم المنهج الدراسي المثالي إلى «رياضيات» و«آداب». نحن من نكرّس هذا التقسيم المصطنع، ونحن نعيش ثورات العلم والتقنية التي كانت أحلاماً بعيدة المنال لأفلاطون!

توضح الكاتبة العلاقة الأساسية بين الرياضيات والأدب في سياق هذه العبارات الواردة في المقدمة:

«لطالما أحببتُ الأنماط Patterns؛ أنماط الحروف أو الأعداد أو الأشكال. أحببتُ الأنماط قبل أن أعرف أنّ ما كنت أفعله يسمى رياضيات، وشيئاً فشيئاً صار واضحاً لي أنني في طريقي لأكون رياضياتية؛ لكنّ الأمر لم يخلُ من تبعاتٍ غير مرغوبة. تبعاً للنظام التعليمي البريطاني في العقود الأخيرة، باتت الرياضيات تُعامَلُ حصرياً على أساس كونها موضوعاً تختصه العلوم فحسب، وأبعد ما يكون عن الإنسانيات. لو أردتَ دراسة الرياضيات بعد أن تبلغ السادسة عشرة يتوجّبُ عليك اختيارُ الحقل العلمي دون الأدبي...».

أذكرُ في حصّتي الأخيرة في درس اللغة الإنجليزية بمدرستي الثانوية عام 1991 أنّ معلّمتي ناولتني قائمة طويلة، مكتوبة بعناية وخط متقن، تحوي عناوين كتب رأت أنها ربما تتناغم مع ولعي الذي تعرفه. قالت لي المعلّمة بكلمات حزينة: «آسفة لأننا خسرناك، وربحتك الرياضيات!».

بعد المقدّمة الثرية، تنطلق الكاتبة في متن كتابها، الذي وزّعته على 3 أقسام، ضمّت بمجموعها 10 فصول. تناول القسم الأول الرياضيات في سياق الهيكلية والإبداع والمحدوديات، وضمّ عناوين من قبيل؛ أنماط الشعر، هندسة السرد. وتناول القسم الثاني الأنماط السردية في الرياضيات، وضمّ فصولاً، هاكم بعض عناوينها: الرمزية العددية في الرواية، الاستعارات الرياضياتية في الرواية، رياضيات الأسطورة. تناولت الكاتبة في القسم الثالث أعمالاً أدبية محدّدة، صارت فيها الرياضيات هي الحكاية الإطارية الأساسية.

ويروقني في نهاية هذه المراجعة الموجزة لكتاب هارت أن أشير لمقالة كتبتُها قبل نحو 5 أو 6 سنوات، عنوانها: «أنا روائي؛ إذن أنا أكره الرياضيات!»، أشرت فيها إلى أننا غالباً ما نسمع تصريحات لبعض الشعراء أو الروائيين أو المشتغلين بالحقول الأدبية عموماً، تعلن كراهيتهم للرياضيات حد التفاخر بهذه الكراهية، وأنهم يرون الرياضيات متطلّباً تحليلياً معقداً لا يتّفق مع الاشتغالات الأدبية ومَلكة التخييل التي تتطلبها صنعة الأدب.

الرياضيات والأدب منبعان لا ينضبان للفتنة والجمال والخيال الممتد بلا حدود. هذه الحقيقة هي بعضُ ما يتلمّسُ قارئ هارت مصداقية الشواهد الرفيعة التي حفل بها كتابها المدهش.

«حدث ذات عدد أوّلي... الروابط المدهشة بين الأدب والرياضيات»

Once Upon a Prime: The Wondrous Connections Between Mathematics and Literature

المؤلفة: سارة هارت

الناشر: فلاتيرون بوكس

304 صفحة

2023


الهوية والثقافة ومناهضة «الكولونيالية» في البحرين طيلة 400 عام

الهوية والثقافة ومناهضة «الكولونيالية» في البحرين طيلة 400 عام
TT

الهوية والثقافة ومناهضة «الكولونيالية» في البحرين طيلة 400 عام

الهوية والثقافة ومناهضة «الكولونيالية» في البحرين طيلة 400 عام

صدر أخيراً عن «دار الساقي» في بيروت كتاب «أوراق من تاريخ البحرين» للكاتب والصحفي البحريني محمد عبد الله العلي، ويضم الكتاب مدخلاً وفصلين، موزعين على 420 صفحة.

يتحدث الكتاب في مدخله المعنون بـ«البحرين في النصف الأول من القرن العشرين» عن تسعة عناوين، تناولت البحرين خلال تلك الفترة من عدة نواحٍ: جغرافية، وديموغرافية، وحضرية، واقتصادية، ومعيشية، وصحية، ومناخية، وثقافية، ونفسية.

أما الفصل الأول من الكتاب، فقد خصصه المؤلف للحديث عن خطاب وبيانات الرسائل التي قام بجمعها وتحليلها، وهي تعود لبحرينيين تبادلوها ما بين عامي 1967 و1975، وهي التي استلَّ منها فكرة الكتاب.

وأفرد الفصل الثاني من الكتاب للحديث عن الدولة والمجتمع في البحرين خلال تلك الحقبة المهمة من تاريخ البحرين، متناولاً فيها عدة موضوعات، كالأواصر العائلية وشكل البيوت، وعلاقات الأصدقاء والجيرة والوعي الاجتماعي وطرق التواصل بين الناس، بالإضافة إلى موضوع الدِّين والتديُّن في المجتمع البحريني، وهوية الناس ومهنهم وكلفة حياتهم، وكيف كانوا يترفُّون ويُنسجون شبكاتهم الاجتماعية من خلال النوادي، خاتماً هذا الفصل بالحديث عن هيئة البحرينيين الجسمانية في تلك الفترة.

ويستعرض الكتاب أوضاع الكتابة واللغة في البحرين خلال فترة الاستعمار البرتغالي والوصاية الإنجليزية، وكيف حافظت البحرين على هويتها في تلك الفترات الصعبة من تاريخها، مستعرضاً عدداً من النصوص القانونية والسياسية، التي تبيِّن أصالة اللغة والقلم لدى البحرينيين في تلك الفترة.

ويراجع المؤلف في أحد العناوين الداخلية للكتاب المشهد الثقافي للبحرين، طيلة الأربعة قرون الماضية، ويصل إلى أنها استطاعت أن تُحافظ على هُوِيَّتها، على الرغم من الكولونيالية البرتغالية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ولاحقاً الإنجليزية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ربما بتماسك أكثر قوة من ذلك الذي وُجِدَ لدى بعض طبقات المثقفين، في عدد من الدول التي تعرضت للاستعمار، سواء في الهند أو أفريقيا، وبشكل طوعي في أحيان كثيرة.

ثم يتناول موضوع الموافقة الطوعية أمام القوة الغالبة وخطابها، التي تنشأ عادة من تكريس اللغة المتوافقة مع ذلك الخطاب، فاللغة كما يقول: «تلعب دوراً مهيمناً في ممارسة السلطة آيديولوجيّاً، وبالتالي الخطاب الذي يعتبر أرضية يتم فيها تحقيق تلك الموافقة ومعانيها، وقيمها، وهويتها، وتكريس الآيديولوجيات، ووعيها اللغوي، وإنشاء علاقات قوة مؤسسية قادرة على إنتاج نفوذ اجتماعي لتتوارى لاحقاً اللغة الأصلية والوطنية التي كانت سائدة، وتنزوي إلى الظل».

ويعطي المؤلف أمثلة على ذلك بالنسبة لكثير من كُتَّاب وأدباء ما بعد الاستعمار من البلدان غير الناطقة بلغة مستعمريها أصلاً، إذ يتحدث كثير منهم عن تلك اللغة «كلغة ممارسة حيَّة بينما يتجاهلون لغتهم، وهو ما لم يحصل في البحرين على طول الهيمنة الاستعمارية».

ويشير إلى أن البحرينيين «حافظوا على وحدتهم الثقافية وإرثهم اللغوي، بعكس الشرخ الذي حصل في دول أخرى تعرضت للاستعمار كإندونيسيا، عندما استطاع الهولنديون أن يُوقِعوا بين الثقافة الجاوية والثقافة الإسلامية، لفصل النخب المحلية عن الجماعات الدِّينية التي كانت تعتبر تهديداً للاستعمار الغربي وللمجتمع الأرستقراطي الهولندي الجديد الناشئ هناك والمكوَّن من المستوطنين».

وبالتأكيد لم يكن للبحرينيين أن يُكرِّسوا حضورهم أمام المستعمر دون أن يواجهوا «الأسئلة المتعلقة بكيفية تخيُّل تراثهم وفهمه وتفسيره، وكيف يتم تطوير ومعرفة تلك الموروثات ووصفها واستهلاكها»، وبالتالي تجاوزهم الهيمنة الثقافية للمستعمِر «مُبقِين على خطابهم الثقافي وفق المنتظم العربي والإسلامي المتسالَم عليه، على الرغم من أن التحضُّر والتغريب المصاحب للغَلَبَة السياسية والحضارية يؤثران عادة في المجتمعات، حتى لو كانت المجموعات العرقية تشترك في أصل ثقافي واحد، متحصِّنين في ذلك بإرثٍ علميٍ بدأت بواكيره منذ القرون الأولى للإسلام».

ويؤكد المؤلف أن ذلك النجاح لم يكن ليتم لولا قدرة البحرينيين على إفشال مشروع فصل الثقافة عن السياسة الاستعمارية، لذلك استطاع المجتمع البحريني ولسنوات طويلة أنْ يقاوم المساعي الرامية إلى «تملُّكه ثقافيّاً من قِبَل المتغلِّبين، إبَّان فترة الاستعمار إلى ما قبل العولمة، وبالتالي سرقة ثقافته، سواء سرقة الفن أو التراث أو غيرها». ويسرد المؤلف نصوصاً بحرينية من القضاء والسياسة تعود لعام 1600م وما تلاه للتعبير عن أصالة اللغة العربية في البحرين وكأنهم يردُّون بالكتابة على مشروعه الثقافي، على الرغم من قسوة الظروف، وتحديداً مع البرتغاليين الذين كانوا يرغمون المناطق التي يستعمرونها على التماهي مع ثقافتهم وقوانينهم، كما وجدنا ذلك في المستعمرات البرتغالية في غُوَا ودامان. كما أن الوجود البرتغالي في جزر ماديرا والأزور والرأس الأخضر وساو تومي وبرينسيبي، وأفريقيا كأنغولا وموزمبيق، والهند وتيمور الشرقية وماكاو، وحتى الخليج العربي، قد جاء تحت عنوان ديني مسيحي كاثوليكي متعصب، وكانوا يدمجون بالأمة البرتغالية كل مَنْ أتقن اللغة البرتغالية واعتقد بالمسيحية الكاثوليكية، وأقرّ بالشرعية السياسية والعَلَم البرتغالي.


مشاركة سعودية نوعية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2023

مشاركة سعودية نوعية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2023
TT

مشاركة سعودية نوعية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2023

مشاركة سعودية نوعية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2023

يشهد معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي تقام فعاليات دورته الـ32 في مركز أبوظبي الوطني للمعارض، خلال الفترة من 22 وحتى 28 مايو (أيار) الحالي، بتنظيم من مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي، مشاركة نوعية للناشرين والمؤسسات الثقافية والتعليمية السعودية؛ وهو ما يجسد عمق العلاقات التاريخية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ويعكس الحراك الثقافي والفكري النشط الذي تشهده المملكة في الفترة الحالية.

وتتضمن المشاركة السعودية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب هذا العام مجموعة متميزة من الناشرين السعوديين، بحضور قوي للجامعات السعودية، مثل: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ومكتبة الملك فهد الوطنية، ودارة الملك عبد العزيز وجامعة الملك سعود.

معرض أبوظبي

وتعرض الجهات السعودية المشارِكة في المعرض عدداً من المبادرات والمشاريع الثقافية المهمة، ومن أبرزها منصة «اطبع»، وهي تجربة جديدة ومختلفة في عالم الطباعة، تمكّن الكاتب من نشر كتابه وطلب نسخته في أي وقت ومن أي مكان، حيث تقدم خدماتها للقراء والمؤلفين والناشرين من خلال أحدث معايير الطباعة والنشر الورقي والإلكتروني عبر مفهوم جديد ومتطور، وهو: الطباعة عند الطلب.

وتسعى المبادرة لتكون منصة رائدة في عالم الطباعة والنشر تنطلق من المملكة، وتهدف الوصول إلى جميع القراء حول العالم، وتقديم أفضل الخدمات بمعايير احترافية، بالإضافة إلى تسهيل عملية طباعة الكتب ونشر المعرفة للمؤلفين بطريقة أسهل وأسرع؛ حيث لن يترتب على المؤلف سوى رفع كتابه على المنصة لتطبعه بدورها عند الطلب، دون الحاجة إلى طباعة مئات النسخ في كل طبعة.

وتشارك المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بمبادرة دار «رف» للنشر، التي دشنت أعمالها في معرض الرياض الدولي للكتاب، وتأتي امتداداً للتاريخ الطويل للمجموعة بصفتها مصدراً رائداً للمحتوى والمعلومات في المنطقة، وتهدف أن تكون دار النشر الأكثر تقدماً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتلبي احتياجات الجمهور عبر استخدام نماذج أعمال مبتكرة، وتبني أشكالاً رقمية وتقنيات نشر متقدمة، بما في ذلك الطباعة عند الطلب، والكتب الإلكترونية، والكتب الصوتية، وعقد شراكات دولية مع أكبر دور النشر حول العالم.