«الأرشيف المفقود»... أوراق الخلافة التي أطاحت «الاستبداد الشرقي»

باحثة بجامعة برينستون تنفي الرواية الغربية حول غياب التوثيق في العالم الإسلامي

«الأرشيف المفقود»... أوراق الخلافة التي أطاحت «الاستبداد الشرقي»
TT

«الأرشيف المفقود»... أوراق الخلافة التي أطاحت «الاستبداد الشرقي»

«الأرشيف المفقود»... أوراق الخلافة التي أطاحت «الاستبداد الشرقي»

عندما نشر البارون دي مونتسكيو كتابه الأشهر «روح القوانين» في عام 1740 وظّف مفهوماً كان متداولاً بين بعض المثقفين الأوروبيين لوصف الحكم العثماني، وهو «الاستبداد» وذلك بهدف توفير ذريعة لنقد وإصلاح النظام الفرنسي الذي عاش في ظله. لكنّ تفسيره للاستبداد الشرقي أصبح تدريجياً بمثابة حكم تاريخي مبرم على طبيعة المجتمعات «الشرقية» لأجيال من مؤلفي الكتب والدارسين ورواد الرحلات في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. كان هذا المصطلح يعني مجتمعا ثابتاً وخانعاً، وحكومة متخلفة وفاسدة، مع حكام تعسفيين وديكتاتوريين، يمتلكون رعايا أذلاء ومهمشين.وقد انسحب مفهوم استبداد القوى «الشرقية» ذلك تالياً على التصور الأوروبي حول تطور الاقتصاد العالمي بصيغته الحاليّة، والذي تمحور عبر معظم القرن الماضي ضمن مرحلة تراكم كمي متسارع ومن ثم انقلاب نوعي حدثت في أجزاء من أوروبا الغربيّة والغربيّة الجنوبيّة في القرن السادس عشر، فيما اعتبرت العصور الوسطى السابقة مرحلة من الظلام الطويل الذي ساد العالم القديم منذ انهيار روما.وبالطبع فإن إدوارد سعيد (الاستشراق – 1976)، وجانيت أبو لغد (ما قبل الهيمنة الأوروبيّة – 1991)، ووجوان باو روبيس (إثنوغرافيات العصور الوسطى: تصور الأوروبيين عن العالم – 2009) وغيرهم، جادلوا لاحقاً بأن هذه الرؤية المعممة عن الشرق محض خيال ومواقف مسبقة، تم تسويقها لإضفاء الشرعية بشكل أو بآخر على التوسع الإمبريالي الأوروبي وتبرير جرائمه، وأن حضارات العالم الإسلامي كانت مشعة ومضيئة وجذراً للتقدم الذي انتقل إلى أوروبا وانتشلها من الظلام. لكنّ المؤرخين احتفظوا مع ذلك بشكوكهم بسبب افتراضهم أن دول الخلافة الإسلامية في الشرق الأوسط لم تترك وراءها وثائق يعتدّ بها، وأن تفسير ذلك يكمن تحديداً في طبيعة الحكم الشرقي المستبدّ القائم على الأهواء الفرديّة اللا - مؤسسيّة والأحكام اللحظيّة التعسفيّة، مقارنةً بما أنتجته الدّول الأوروبيّة الأولى من جبال الوثائق واللقى الماديّة لمؤسسات الحكم وآلياتها البيروقراطيّة: خطابات التنصيب، والشكاوى المقدمة من المواطنين، والإعلانات الرسميّة، وإيصالات الضرائب، والأحكام القضائيّة، وسجلات الزواج، وما إلى ذلك مما كان تأسيساً للمسيرة نحو الحكومات البيروقراطيّة المعاصرة.لكنّ مارينا راستو، البروفسورة في دراسات الشرق الأدنى بجامعة برينستون (الولايات المتحدة)، في كتابها المفصليّ «الأرشيف المفقود: آثار دولة الخلافة في كنيس القاهرة»، تنفي بشدة كل شكوك المؤرخين، وتقدّم الدليل المادي الملموس على أن دول الخلافة الإسلاميّة في الشرق الأوسط امتلكت بالفعل أنظمة بيروقراطيّة الطابع، وسجلات مؤسسيّة تنفي كل تصور أوروبي مسبق حول غياب التوثيق في العالم الإسلامي قبل عام 1500 بسبب لعنة «الاستبداد» المزعوم الذي ينفي الحاجة إلى القوانين والنظم والإجراءات، ويجعل من ممارسة السلطة أمراً شخصياً وتعسفياً وسريع الزوال لارتباطه حصراً بالأفراد.راستو تعتقد أن ثروةً من وثائق الخلافة الفاطميّة (909 - 1171) كانت موجودة في متناول الباحثين منذ أواخر القرن التاسع عشر فيما تُعرف بـ«وثائق جنيزة ابن عزرا» في الفسطاط القديمة جوار القاهرة، دون أن يكلّف أحدهم عناء التدقيق فيها. إذ عثر وقتها على مخزن ملحق بكنيس يهودي - مصري من العصور الوسطى احتوى أكثر من 400 ألف وثيقة ورقيّة قديمة كان يحتفظ بها لأنها تحوي كتابات مقدسة واسم الربّ فلا يجوز إلقاؤها في القمامة لحين التخلّص منها بالطرق الشرعيّة –أي بالدّفن.وقد انتقلت هذه الوثائق من مصر في ظروف ملتبسة إلى جهات عدّة وإن تركّز أغلبها في النهاية داخل المكتبات بأكسفورد وكامبريدج ونيويورك، وأصبحت مصدراً لا غنى عنه للباحثين في اليهوديات وتاريخ اليهود والعصور الوسطى بشكل عام. لكن المفارقة، أن التركيز على المضمون اليهودي والكتابات العبريّة واليديشيّة أعمى الباحثين عن النّظر في المضمون الآخر الذي احتوته الوثائق: مخاطبات الحكومة الإسلاميّة في مصر. وفق راستو، وبحكم أن الورق كان سلعة ثمينة خلال العصور الوسطى، فإن الكنيس اليهودي - المصري كان يشتري الأوراق المستعملة من أرشيف الدولة، ويعيد استعمالها للأغراض الدينيّة، ولذلك فإن خلف كل نص يهودي تقريباً كان هناك على الجهة الأخرى من الورقة كتابات عربيّة خطّتها أيدي موظفي دواوين الخلافة الفاطميّة، وتتضمن مراسلات بيروقراطيّات الحكم المحلي بكل تفاصيلها. تنتمي النّصوص العربيّة المعاد تدويرها إلى فئة من المستندات تأتي على شكل لفائف ورقية طويلة –معدل طولها في «جنيزة ابن عزرا» كان ثمانية أمتار- يلحظ أنّها تحتوي مسافات واسعة بين السطور بهدف ضمان سهولة قراءتها بصوت عالٍ وعكس صورة مهيبة عن الدّولة. على أنّ هذه الأوراق كانت سرعان ما تستنفد أغراضها الإداريّة ويتم التخلّص منها وإعادة تدويرها للاستعمالات المختلفة وبشكل متكرر –بما في ذلك الكنيس اليهودي- فيما تحتفظ الدواوين الحكوميّة بنسخة أكثر ديمومة من كل وثيقة على ورق أفضل، لتُضمّ إلى أرشيف الدّولة. لكنّ الأقدار اختارت أن تنجو النسخ المؤقتة المخصصة للإتلاف مع انتهاء دورها المباشر، فيما تعرضت نسخ الأرشيف الرّسمي للضياع بسبب الصراعات السياسيّة وتقلبات الدّول والكيد السياسي بين أجنحة النخب الحاكمة، كما الكوارث الطبيعيّة.تتطلب قراءة نصوص «جنيزة ابن عزرا»، سوى الدُّرْبة على التعامل مع وثائق تعرضت لتأثيرات الزمن عبر قرون متتابعة، مهارات لغوية متقدمة للعمل على وثائق تتداخل فيها اللغات العربية والعبرية واليهودية - العربية (أي العربية المكتوبة بالحرف العبري) واليديشية، وهو ما تقوده راستو في مختبر مخصص لدراسة أوراق الجنيزة بجامعة برينستون. لكن التحدي الأهم يتمثل في محاولة إعادة كتابة التاريخ على أساس قصاصات صغيرة متفرقة من المعلومات البيروقراطيّة. وبالطبع، فإن كل وثيقة على حدة تتضمن القليل المرتبط بحالات مؤقتة، لكن عند تجميعها في سياق كلّي تبدو معاً كأنّها لوحة فسيفساء هائلة، يمكن أن يُستقرأ منها الكثير عن الأفراد والمجتمعات والمؤسسات ومجالات الحياة اليومية في الأزمنة السابقة، وهو تاريخ اجتماعي ثري غالباً ما يكون غير مرئي للقارئ المعاصر من المصادر التاريخية الأخرى.يحفل كتاب راستو بنماذج كثيرة من هذه الوثائق المذهلة رغم أن ما تم تحقيقه لا يصل بعد إلى 1 في المائة من مجموع أرشيف الجنيزة. على سبيل المثال هناك نسخة بحالة ممتازة لنص من الشريعة اليهوديّة كان يعدّه الحاخام الأكبر في الكنيس (توفي في حدود عام 1055) ربما كتحضير لخطبة كان سيلقيها على أتباعه. وقد نسخ الحاخام النص على ظهر مرسوم رسمي فاطمي كان مخصصاً في الأصل لمراسلة من المركز بالقاهرة إلى أحد المسؤولين في الأقاليم.وتقول راستو إن أمر هذا الأرشيف الكنز لا يتعلّق فقط بأعمال الدّولة الفاطميّة والدورة المستنديّة لدوائرها فحسب، بل تكشف أيضاً عن ثقافة موظفي الحكومة الذين دوّنوها. وتلفت النظر مثلاً إلى أن الخلاف العقائدي بين الخلافة العباسيّة في بغداد التي كانت تتبع المذهب السني والخلافة الفاطميّة الشيعيّة لم تمنع تأثر موظفي الدّولة بالقاهرة بأساليب إداريّة متقدمة ونماذج مخاطبات وخطوط كتابة منقولة عن غرمائهم الآيديولوجيين في العراق. وتقول راستو إن هذه التأثيرات جليّة، ومنحت الوثائق الفاطميّة شكلها ومظهرها وهيكلية نصوصها المميزة.كتاب «الأرشيف المفقود» كتاب أكاديمي صارم، ويتعلّق بتفاصيل تقنيّة وبيروقراطيّة، لكنّه مع ذلك ممتع للقراءة بفضل أسلوب راستو الرّشيق والمرح والمشاكس أحياناً. وهو يؤسس بما لا يدع مجالاً للشك لحقيقة أنّ الفاطميين –كنموذج لدولة الخلافة الإسلاميّة في العصور الوسطى– أداروا دولة حقيقيّة ذات أذرعة بيروقراطيّة مؤسسيّة، يتولاها مسؤولون حكوميون من طراز مثقّف ومطّلع، وتتبع نظماً إدارية وقوانين وإجراءات وروتيناً يحكم مختلف جوانب الحياة المجتمعيّة. ويمكننا دائماً القياس على وثائق الجنيزة للزعم بأن حواضر الإسلام الأخرى في دمشق وبغداد وقرطبة وغيرها امتلكت بدورها أنظمة حكوميّة لا تقل تعقيداً عن تلك الفاطميّة التي نقرأها في خلفيّة كتابات الكنيس المصري.لقد حان الوقت لكي نضع الصورة الكاريكاتورية المتخيّلة عن «الاستبداد الشرقي» جانباً، ونشرع في قراءة جديدة جادّة للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للعصور الوسطى كمرحلة لا يجوز إسقاطها من تاريخ تطوّر الحضارة البشريّة لمجرّد أن السادة الأوروبيين كانوا وقتها يعيشون في عهود تفسخ وظلام وبربرية. فهنا، في الشرق، كما أرتنا راستو، كانت لنا دول وحضارة عظيمة فيما قبل الحداثة الأوروبيّة، ومساهمتنا تاريخياً في بناء العالم المعاصر ليست هامشيّة، ولا عابرة بأي شكل من الأشكال.الأرشيف المفقود: آثار دولة الخلافة في كنيس القاهرةThe Lost Archive: Traces of a Caliphate in a Cairo Synagogueالمؤلفة: مارينا راستوالناشر: مطبعة جامعة برينستون


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.