استنطاق نصف قرن من القراءة

استنطاق نصف قرن من القراءة
TT

استنطاق نصف قرن من القراءة

استنطاق نصف قرن من القراءة

لا أظنُّ أنّ أحداً من الكُتّاب يرتاحُ في العادة لاختيار عناوين سائدة لكتبه أو مواده المنشورة؛ لكني ما وجدتُ ضيراً أو مثلبة في اختيار عنوان للتنقيب في «تاريخي الكتابي»، أعرفُ أنه بين أكثر العناوين إغواءً وفتنة. اختار كلّ من هنري ميللر وكولن ويلسون «الكتب في حياتي» عنواناً لكتاب لهما؛ ومع هذا أرى من الواجب أن يكتب كلّ قارئ متمرّس أو كاتب طالت عشرته مع الكتاب عن هذا المعشوق الأبدي الذي يمثلُ ملكية مشاعية لنا جميعاً. هل بعد هذا من يلومُ بورخس في أنه تخيّل الفردوس مكتبة لا نهاية لتخومها؟
ثمة يومٌ للكتاب العالمي اختارته اليونيسكو منذ عام 1995 ليكون في 23 أبريل (نيسان) من كلّ سنة؛ لكن الكتاب كينونة نعيشها كلّ يوم، ولعلّ من أقلّ الواجبات المترتبة علينا أن نشير إلى الكتب المرجعية التي ساهمت في تشكيل تاريخنا الفكري وذائقتنا الفلسفية وحسّنا الإنساني. الأمر أبعدُ من محض تكليف بواجب أو إسقاطٍ لفرض أخلاقي تجاه الكاتب بقدر ما هو تأشيرٌ لمواضع السمو والرفعة في كتبٍ محدّدة وكاتبيها من وجهة نظر من يختار الحديث عن تلك الكتب وأولئك الكّتّاب.

قد يبدو الحديث عن الكتب المرجعية التي علقت في الذاكرة الشخصية أمراً يسيراً؛ ولكنه ليس يسيراً أبداً إذا ما وضعنا في حسباننا محدودية الكتب التي ينبغي لنا الحديث عنها. نحنُ في النهاية لا نحوز ترف الحديث الممتد بلا نهاية عن أعداد غير محدودة من الكتب؛ إذ ما من قارئ في يومنا هذا سيختارُ أمر التوافق مع آرائك والمضي في قراءة ما تقترحه من عناوين لكتب. أنت في النهاية تكتبُ عن كتبٍ محدّدة لتحفز في القارئ غواية قراءة تلك الكتب؛ وبالتالي فإنّ محدودية الخيارات أمرٌ لا مفرّ منه، وبخاصة مع مقالة صحافية. أظنُّ أنّ اختيار عشرة كتب سيكون أمراً معقولاً في نهاية المطاف.
عندما فكّرتُ أي الكتب سأختارُ، كان قراري منذ البدء أن أختار الكتب التي ستقفزُ إلى ذاكرتي قبل سواها، وقد تركتُ لذهني حرية الاختيار من غير أي تدخّل مقصود فيه باستثناء ألا أجعل الخيارات محصورة في لون معرفي واحد.

1. ملحمة غلغامش: أحدُ تقاليدي السنوية التي أحرصُ عليها من سنوات هو أن أعيد قراءة هذه الملحمة الإنسانية التي تسائلُ معضلة الخلود الإنساني وتضعها في ثنائية فلسفية مبهرة: المحدودية المادية في مقابل الخلود الأخلاقي والقيمي. لم تزل ترجمة طه باقر الأولى لهذه الملحمة هي الترجمة القياسية لها؛ لكنّ الدكتور نائل حنون أضاف إليها بترجمته الأحدث إضافات إثرائية عديدة، وأغناها بتعليقات واستطرادات مفيدة. اعتمدتُ هذه الملحمة مرجعاً في مسرحيتي «الليالي السومرية»، لكن بعد أن أعدتُ النظر في الطبيعة الدرامية لشخوص الملحمة.
2. ارتقاء الإنسان The Ascent of Man: هذا كتابٌ ألّفه الكاتب وعالم الرياضيات والفيزياء جاكوب برونوفسكي، وكان في الأصل سلسلة وثائقية بثّتها الـ BBCقبل أن تطبع في كتاب. قرأتُ الكتاب بنسخته الإنجليزية أوّل مرّة بعد استعارته من مكتبة المعهد الثقافي البريطاني في بغداد، ثمّ أعدتُ قراءته بعد أن نُشِر مترجماً ضمن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية. تكمنُ براعة الكتاب في أنّه لا يحكي لك عن التأريخ التطوّري البشري بطريقة زمنية خطية كلاسيكية، وإنما يجعلك تشاهدُ صوراً مرئية طافحة بالحياة والحسية وتناغم الفكر مع العمل، والعقل مع المادة.

3. صيادون في شارع ضيق: هي الرواية الأولى التي كتبها المثقف متعدد الأوجه وأحد أقطاب الانتلجنسيا العربية، الراحل جبرا إبراهيم جبرا بعد أنّ حلّ ببغداد عقب إكمال دراسته الجامعية في جامعة كمبردج البريطانية. لم أزل أعتقدُ أنّ هذه هي أفضلُ رواية كتبها جبرا بالقياس مع كلّ رواياته العديدة التي كتبها لاحقاً. من المؤكّد أنّ جبرا – بما يمتلكه من عقل فلسفي وأدبي وفني مركّب – هو أفضلُ كباحث ومُنظّر منه كروائي؛ لكنّ هذه الرواية تبقى فريدة وعالقة في الذاكرة. كتب جبرا هذه الرواية بإنجليزيته الرفيعة التي جعلت الناقد الأدبي لملحق «التايمز» الأدبي يصف جبرا بأنّه «يتنفّسُ هواءً فكتورياً!». كان عملاً جليلاً عندما أقدم الدكتور محمد عصفور على ترجمة هذه الرواية إلى العربية.
4. فن الرواية: كتابٌ فريد كتبه الكاتب والفيلسوف والروائي الراحل كولن ويلسون. نال ويلسون شهرته الذائعة – التي أعقبها خفوت لاحق – بعد أن نشر كتابه الأوّل «اللامنتمي» عام 1956؛ لكني أعتقدُ أنّ كتابه «فن الرواية» هو عمله الأفخم الذي لا يضاهيه عمل آخر. نشر ويلسون هذا الكتاب بداية سبعينات القرن الماضي، والغريب أنه لم يترجم إلى العربية إلا عام 1986 على يد الدكتور محمد درويش. ليس بوسعي إطراء الكتاب سوى القول إنني كروائية وكاتبة أحرصُ على قراءة ومتابعة ما يكتبُ عن فنّ الرواية، ولم أجد لليوم كتاباً أفضل من كتاب ويلسون هذا. يبدو لي ويلسون في هذا الكتاب متفوّقاً على كلّ من ميلان كونديرا في كتابه «فن الرواية»، وأمبرتو إيكو في كتابه «ست جولات في غابة السرد». يعتمدُ ويلسون مقاربة ذهنية - نفسية مركّبة في قراءاته التحليلية لأنماط مختلفة من الروايات.
5. صورٌ من الذاكرة ومقالات أخرى: أحد كتب السيرة الذاتية التي كتبها الفيلسوف الراحل برتراند رسل منتصف خمسينات القرن الماضي، رسم فيها «بورتريهات» نابضة بالحياة لشخوص عرفهم (جدّه، دي. إج. لورنس، وايتهيد،،،،)، كما أشار فيه إلى بعض الموضوعات الحيوية مثل: كيفية التعايش مع بلوغ الثمانين، أساليب إجرائية في الكتابة الإبداعية،،، إلخ. لا أظنّ أنّ هذه الصور الفريدة التي رسمها رسل ستغادرُ ذاكرة كلّ من قرأها طيلة حياته.
6. فلسفة الفيزياء: كتابٌ صغير كتبه الدكتور الراحل محمد عبد اللطيف مطلب، أستاذ الفيزياء النووية وفلسفة العلم في جامعة بغداد. نُشِر الكتاب أوّل مرّة ضمن سلسلة «الموسوعة الصغيرة» في بغداد عام 1977، ثمّ أعاد الكاتب النظر فيه ونشره بجزأين عام 1985 ضمن السلسلة ذاتها لكنهما بعنوان «الفلسفة والفيزياء». كان الكتاب ريادياً في التعريف بموضوعة الأسس الفلسفية للعلم وبخاصة لنظرية الكم (يسميها المؤلف النظرية الكوانتية).
7. الإنسان في المرآة (علاقة الأنثروبولوجي بالحياة المعاصرة): لم أزل أرى أنّ هذا الكتاب هو الكتاب الأجمل الذي قرأته في حقل المباحث الأنثروبولوجية. ألّف الكتاب الباحث الأنثروبولوجي الأميركي كلايد كلوكهون، وترجمه إلى العربية الدكتور الراحل شاكر مصطفى سليم، المعروف بمبحثه المستفيض عن المعالم الأنثروبولوجية لمنطقة الأهوار العراقية. الكتاب مكتوب بكيفية بعيدة عن التخشّب والصلادة، ويكاد المرء يكتشف هذا الأمر من عناوين فصول الكتاب والتمهيدات الأولية لكلّ فصل.
8. الرياضيات والبحث عن المعرفة: أحد الكتب التي كتبها أستاذ الرياضيات الأميركي موريس كلاين، المتخصص في تعليم الرياضيات والأصول الثقافية للرياضيات. ترجم الكتاب إلى العربية الدكتور صباح داؤود سليم، أستاذ الرياضيات في جامعة البصرة منتصف ثمانينات القرن الماضي. يكتشف القارئ لهذا الكتاب أنّ الرياضيات أبعد ما تكون عن «وصفات الطبخ» الشائعة في النشاطات المدرسية، وأنها سلسلة مترابطة رصينة من الأفكار التي تمثلُ أحد المنجزات الحضارية الرائعة للإنسان.
9. العلمُ بعد مائتي عام: أحد المؤلفات المرجعية في الحقل البحثي المعروف بـ«علم المستقبليات Futurology»، ألّفه المنظّر الاستراتيجي وعالم المستقبليات هيرمان كان وآخرون، وصدر الكتاب مترجماً إلى العربية عن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية عام 1982. مع أنّ هذا الكتاب يبدو متقادماً بعض الشيء؛ لكنّ فرادة الكتاب تكمنُ في منظوره الواسع الذي تجاوز فيه المؤلف حدود الزمان والمكان.
10. الأخلاقيات: سيكون أمراً محموداً أن أنهي قائمتي المختارة للكتب العشرة بكتاب «الأخلاقيات Ethics» للفيلسوف باروخ سبينوزا، الذي يوصفُ بأنه الفيلسوف الذي مهّد لنا عصر النهضة الفكرية والفلسفية. تتأسسُ فكرة هذا الكتاب على قاعدة مفادها أنّ الأخلاقيات لا تستمدّ مرجعيتها من أي نسق خارج عنها؛ بل هي منظومة ميتافيزيقية تكفي نفسها بنفسها وليست في حاجة إلى أي نظام مكافأة؛ وبذلك تكون الأخلاقيات السبينوزية مقاربة لفكرة الكارما الهندية التي يكافئ بمقتضاها الفعل الطيب نفسه بنفسه مثلما يعاقب الفعل السيئ نفسه بنفسه. ساهمت الفيلسوفة البريطانية الراحلة آيريس مردوك في تعزيز هذه المقاربة السبينوزية للأخلاقيات عندما ألّفت كتابها «الميتافيزيقا مرشداً إلى الأخلاقيات»، وسيكون من الأمور المستحبّة أن يقرن المرء قراءة كتاب سبينوزا بكتاب مردوك.



إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.