طارق الخواجي: السينما السعودية في صحوة حقيقية

الناقد السعودي لـ«الشرق الأوسط»: ثيمة «الحب» الأصعب سينمائياً… و«مندوب الليل» الأفضل محلياً

طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
TT

طارق الخواجي: السينما السعودية في صحوة حقيقية

طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
طارق الخواجي (الشرق الأوسط)

ما الذي يجعلنا نحب فيلماً دون غيره؟ ونشعر وكأنه يلامس أعماقنا؟... أسئلة يجيب عنها الناقد والكاتب السعودي طارق الخواجي في كتابه الجديد «عيون محدقة باتساع»، والذي يغوص من خلاله في رحلة تأملية لا تكتفي بتفكيك السينما على مستوى الشكل أو النوع، بل تنقب في أعماقها بحثاً عن الثيمات التي تشكّل جوهر الفن السابع، فالكتاب الصادر مؤخراً عن دار «جسور» وجمعية السينما، لا يسرد ولا يحاكم، بل يفتح باباً للحوار مع الأفلام عبر عدسة الثيمة (السمة).

يستند الخواجي في كتابه على «الثيمات السينمائية» من خلال 12 ثيمة يعالجها، مع طرح نماذج سينمائية عالمية تتضمنها، ويكشف في حوار له مع «الشرق الأوسط» عن دوافع هذا المشروع السينمائي، وعن علاقته مع أفلام أندري تاركوفسكي، ورأيه في المشهد السينمائي السعودي، ولماذا يرى في فيلم «مندوب الليل» محطة ناضجة في التجربة المحلية... فإلى نص الحوار:

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

* ما الذي دفعك لاختيار الثيمة مدخلاً للكتابة عن السينما بدلاً من النوع أو الشكل؟

- لفترة طويلة جداً كانت السينما تُقرأ وتُقدم وتُصنّف بناءً على النوع: دراما، كوميديا، رعب، إثارة، حرب... وهي تصنيفات أجدها قاصرة، بل في كثير من الأحيان جائرة، ومنحازة، لأن الفيلم لا يتشكل وفق قالب سطحي يمكن تسميته بنوع محدد، بل غالباً ما تتداخل فيه مستويات متعددة من المعاني، وهذا التداخل يضيع تماماً إذا ما حصرنا الفيلم ضمن تصنيف واحد. بينما السينما المتعالية (كما يصفها) هي سينما لا تخضع لهذه القوالب. هي سينما ذات بنية داخلية مركبة، وتتناول موضوعات فلسفية وإنسانية معقدة تتجاوز ما يسمح به التصنيف النمطي. قد ترى فيلماً يصنف على أنه «درامي»، لكن جوهره الفعلي يدور حول ثيمة الفقد، أو الصراع الوجودي، أو العائلة بوصفها بنية مجتمعية تتآكل. وبعض القراء تفاجأوا من فكرة الكتاب، لأنهم اعتقدوا أن الثيمة مجرد أداة تحليلية، أو توجيه نقدي، بينما أنا أتعامل معها باعتبار أنها مدخل أساسي لفهم بنية الفيلم، وعلاقته بالزمن، وبالإنسان. الثيمة هي ليست ملصقاً على واجهة الفيلم، بل هي النبض الذي يتحرك داخله. إذا نظرنا إلى الثيمة على أنها «الموضوع الرئيس الذي يسيطر على العمل الفني»، فأظن أنني أصبت عندما اخترتها مفتاحاً للحديث عن السينما.

* اخترت في كتابك 12 ثيمة رئيسة... أيها كان الأصعب في المعالجة؟ ولماذا؟

- قد يبدو الأمر غريباً، لكن أصعب ثيمة واجهتني خلال إعداد الكتاب كانت ثيمة الحب. وعلى الرغم من أنها من أكثر الموضوعات تناولاً في السينما، فإن التعامل معها يتطلب حذراً شديداً. فالحب من جهة هو موضوع مألوف، وسهل الالتقاط، ومن جهة أخرى هو من أكثر الثيمات عرضة للابتذال والتكرار. وما يجعل هذه الثيمة تحديداً معقدة هي أنها ليست واحدة، بل تتفرع إلى أشكال متعددة، ولكل شكل منطقه وسياقه. حاولت في الكتاب أن أتعامل مع الحب بوصفه فكرة مركبة، فقمت بتقسيمه إلى 4 محاور: الحب الرومانسي العاطفي، الحب الأفلاطوني، الحب الأمومي، والحب التدميري. وواجهت صعوبة خاصة في إيجاد نماذج سينمائية ناضجة تعبر عن الحب الأفلاطوني تحديداً. ورغم أن هذا الشكل من الحب حاضر بكثافة في المخزون الأدبي والفلسفي، فإن السينما كثيراً ما تفشل في التعبير عنه دون أن تنزلق نحو الغموض، أو التلميح غير المجدي. أما الحب الأمومي أو التدميري، فهما ثيمتان قويتان، وغنيتان، وقد وجدت لهما تمثيلات سينمائية مثيرة للاهتمام.

* افتتحت كتابك بمقولة للمخرج الروسي أندري تاركوفسكي، وظهر تأثيره في ثنايا الكتاب... ما الذي يمثله تاركوفسكي بالنسبة لك؟

- لو أردت أن أختصر إجابتي بكلمة لقلت: تاركوفسكي هو من جعلني أحب السينما، لا فقط الأفلام. فقبل أن أكتشف أفلامه، كنت أحب مشاهدة الأفلام كما يحبها الكثيرون: بوصف أنها ترفيه راقٍ، أو تجربة شعورية. لكن مع تاركوفسكي، شعرت بأنني أمام فن يتجاوز المتعة البصرية. سينماه عميقة، مجازية، تتغذى على الشعر، وعلى الفلسفة، وعلى الميتافيزيقا. أسلوبه جعلني أفهم أن السينما يمكن أن تكون فناً قائماً بذاته، لا تابعاً، وأنها تستطيع أن تطرح أسئلة وجودية. لقد أخذ السينما إلى منطقة تتجاوز السرد إلى القصيدة البصرية. ولهذا السبب، خصصت له إشارات كثيرة في الكتاب، وكنت أفكر في أن أُهدي له الكتاب بالكامل!

* معظم النماذج التي استعنت بها في كتابك تنتمي إلى أفلام ما قبل الألفية الثالثة... لماذا؟

- الأمر لا علاقة له بالحنين، أو بالزمن بقدر ما يرتبط بـ«نضج المعالجة». في نظري، السينما في القرن العشرين امتلكت قدرة كبيرة على تقديم أفكار معقدة بطريقة أولية، لم تكن مكررة بعد، ولم تكن محكومة بمعادلات السوق، أو إملاءات المنصات الرقمية. اليوم، لدينا زخم هائل من الإنتاج، ولكن المعالجة العميقة أصبحت نادرة. الكثير من الأفلام المعاصرة تلعب على الإبهار، أو على التماس مع قضايا الساعة، لكنها تخلو من العمق الثيمي الذي يميز الأفلام التي تُكتب وتُصور من الداخل، لا استجابة للترند.

* من بين كل النماذج، كان «مندوب الليل» الفيلم السعودي الوحيد الذي ورد في الكتاب... لماذا وقع اختيارك عليه تحديداً؟

- لأنني ببساطة أعتبره أفضل فيلم سعودي شاهدته حتى الآن. هو فيلم متماسك من حيث البناء والسرد، ويقدم موضوعاً معاصراً شديد الأهمية بطريقة رزينة وناضجة... قد يراه البعض بطيئاً، لكن هذا البطء في رأيي مقصود، وضروري، فهو يمنح القصة وقتها لتتشكل، وللمعاني أن تتسرب بهدوء. الفيلم يتحدث عن تحولات اجتماعية واقتصادية تمس الجيل الجديد بشكل مباشر، عن الشعور بالاغتراب في عالم رأسمالي، عن هشاشة العلاقات العاطفية في زمن السوق. ما يميز «مندوب الليل» أنه لا يحاول تقديم كل شيء دفعة واحدة. هو يعرف ما يريد قوله، ويقوله بهدوء وثقة، وهذا ما تفتقر إليه أفلام سعودية أخرى كثيرة، والتي تبدو أحياناً كأنها تريد قول كل شيء دفعة واحدة، فتتشتت، وتتوه.

* هل ترى أن بعض الثيمات فقدت بريقها في السينما الحديثة؟

- نعم، بالتأكيد. بعض الثيمات أصبحت تُستخدم فيما يمكن أن نسميه ثقافة النفايات. خذ مثلاً ثيمة الديستوبيا والتقنية التي أُفرط في استهلاكها في أفلام رديئة ومهلهلة لا تحمل أي عمق فكري. لكن في المقابل، هناك أعمال معاصرة استطاعت أن تعالج هذه الثيمات بذكاء، وابتكار.

الخواجي أثناء توقيع كتابه في الدورة الأخيرة من مهرجان أفلام السعودية (الشرق الأوسط)

* ما الثيمة الأقرب إليك شخصياً، وتشعر بأنها تُعبّر عنك؟

- لا توجد ثيمة واحدة أستطيع القول إنها تمثلني بالكامل، لكن إذا أردت اختيار واحدة، فهي ثيمة الحياة والموت، خصوصاً في ارتباطها بتقدم العمر، وبالاسترجاع، وبالسؤال عن جدوى الرحلة.السينما التي تطرح سؤال «كيف ننظر لحياتنا؟» هي السينما التي تشدني. أحب الأفلام التي تتفاعل مع هذه الثيمة من موقع التأمل لا الانفعال. أيضاً، تعجبني كثيراً الأفلام التي تسخر من الحرب، باعتبار أنها حلول مفرطة في حل الخلافات الإنسانية.

* لمن كتبت هذا الكتاب؟ ومن تتوقع أن يجد فيه نفسه؟

- أظن أن الكتاب يتوجه لثلاثة قراء في وقت واحد: المشاهد العادي، والقارئ المتخصص، والناقد السينمائي. فالمشاهد العادي سيجد فيه فرصة لتأمل أفلامه المفضلة من زاوية مختلفة، والمتخصص سيجد مادة ثرية للنقاش والتأمل، أما النقاد، فأعتقد أنهم سيجدون فيه مساحة جيدة للمراجعة، وربما أيضاً للنقد (يضحك)، لأننا باعتبار أننا ممارسون للنقد غالباً ما نُتّهم بأننا نبحث عن مناطق الخلل أكثر من الجمال.

* أخيراً... كيف ترى المشهد السينمائي السعودي اليوم؟

- أرى أن المشهد يعيش حالة صحو حقيقية من عدة زوايا، فالسعوديون متفاعلون مع السينما بشكل كبير، سواء من حيث الحضور في الصالات، أو المتابعة المكثفة للأفلام عبر المنصات. وهناك أفلام سعودية باتت تحقّق جماهيرية واسعة، وتجارب كسرت القوالب التقليدية مثل «سطار»، وكذلك «هوبال». وبالطبع هناك تحديات، أبرزها المرجعية الثقافية لصناع الأفلام، والتي أرى أنها بحاجة إلى جهد أكبر، ووعي أعمق، وعمل ذاتي طويل الأمد. أما على مستوى المؤسسات الرسمية، فأعتقد أن هناك اهتماماً حقيقياً... السينما السعودية تتحرك الآن بطاقة عالية، وتحاول أن ترسم ملامح هويتها الخاصة، وأنا واثق أنها ستنجح، لأن النضج لا يأتي دفعة واحدة، بل بالتراكم، والتجربة.


مقالات ذات صلة

وزاري «رباعي» في باكستان لـ«خفض التوتر»... والخليج يعترض عشرات الهجمات الإيرانية

الخليج المقاتلات السعودية تصدت للمسيّرات الإيرانية بكفاءة عالية (وزارة الدفاع)

وزاري «رباعي» في باكستان لـ«خفض التوتر»... والخليج يعترض عشرات الهجمات الإيرانية

وسط استمرار تصدي الخليج لهجمات إيران على منشآت حيوية ومدنية، تستضيف إسلام آباد، اجتماعاً على مستوى وزراء الخارجية ويضم السعودية ومصر وتركيا لبحث خفض التصعيد.

إبراهيم القرشي (جدة)
الخليج الدفاعات السعودية (وزارة الدفاع)

السعودية: اعتراض وتدمير مسيّرتين خلال الساعات الماضية

أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع السعودية، اللواء الركن تركي المالكي، اعتراض وتدمير مسيّرتين خلال الساعات الماضية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية الأمير محمد بن عبد الرحمن بن ناصر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»

رئيس الاتحاد السعودي لكرة الطاولة: نحلم ببلوغ أولمبياد لوس أنجليس 2028

أكد الأمير محمد بن عبد الرحمن بن ناصر، رئيس الاتحاد السعودي لكرة الطاولة، أن الحلم الأكبر الذي يعمل عليه الاتحاد يتمثل في التأهل إلى أولمبياد لوس أنجليس 2028.

سلطان الصبحي (الرياض)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج رئيس الوزراء الشيخ أحمد العبد الله يتفقد موقع حريق خزانات الوقود بمطار الكويت الدولي (كونا)

أضرار مادية بميناءَين في الكويت... والسعودية تتعامل مع صواريخ باليستية ومسيّرات

تصدَّت الدفاعات الخليجية بكفاءة عالية، الجمعة، للهجمات الإيرانية المتواصلة بالصواريخ والطائرات المسيرة المعادية، التي استهدفت مواقع حيوية ومنشآت مدنية.

جبير الأنصاري (الرياض)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.