«القشّة الأخيرة»... دراما تُجسّد ثقل الأمومة حين تتكاثف الضغوط

يتصدر الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول العالم

يعرض الثلث الأول من الفيلم الظروف الصعبة التي تعيشها أم عزباء قبل أن تنفجر لاحقاً (نتفليكس)
يعرض الثلث الأول من الفيلم الظروف الصعبة التي تعيشها أم عزباء قبل أن تنفجر لاحقاً (نتفليكس)
TT

«القشّة الأخيرة»... دراما تُجسّد ثقل الأمومة حين تتكاثف الضغوط

يعرض الثلث الأول من الفيلم الظروف الصعبة التي تعيشها أم عزباء قبل أن تنفجر لاحقاً (نتفليكس)
يعرض الثلث الأول من الفيلم الظروف الصعبة التي تعيشها أم عزباء قبل أن تنفجر لاحقاً (نتفليكس)

يصف المثل الشهير «القشة التي قصمت ظهر البعير» فعلاً بسيطاً يتسبب بأمر كبير غير متوقع، وهو ما حدث في فيلم Straw (القشّة الأخيرة) الذي يتصدّر حالياً قائمة Top 10 العالمية على نتفليكس ضمن فئة الأفلام الإنجليزية، مسجّلاً أكثر من 25.3 مليون مشاهدة، وفي السعودية يأتي ضمن المرتبة الأولى في قائمة الأفلام الأعلى مشاهدة على المنصة، وذلك خلال الأسبوع الأول من عرضه.

الفيلم هو من تأليف وإخراج تايلر بيري، وتجسّد تراجي بي هينسون دور البطولة عبر شخصية «جنايا ويلكنسون»، المرأة التي تفقد منزلها ووظيفتها وسيارتها في يوم واحد، وتواجه اتهامات بإهمال ابنتها ذات الثمانية أعوام، لتنهار وتدخل في حالة ذهنية متوترة تضعها في مواجهة الشرطة داخل أحد المصارف، وبينما يبدو المشهد في البداية مألوفاً، يتكشف لاحقاً أن ما يحدث لها ما هو إلا انعكاس لحالة نفسية قاسية تعيشها الأم، بعد وفاة طفلتها بشكل مأساوي.

ووفقاً لأصداء الفيلم في شبكات التواصل الاجتماعي، يرى غالبية الجمهور أن أداء تراجي كان أقوى من النص، مع براعتها في تقديم هذه الشخصية التي تتأرجح ما بين الذهان والحسرة والندم، في الفيلم الذي يجبر الجمهور على التعاطف معها، خاصة أنه يلامس تجارب واقعية لنساء من فئة الأمهات العازبات اللاتي يعشن التهميش والإرهاق النفسي، في دراما تدور حول يوم كارثي في حياة أم عزباء.

يحاول المخرج والكاتب تايلر بيري توجيه أنظار الجمهور نحو التعاطف والاحتواء في دعم الآخرين (نتفليكس)

دعوة للاحتواء

الفيلم يُظهر كيف يمكن للعطف والتفهّم أن يكونا أقوى من المواجهة المسلحة، من خلال العلاقة التي تشكلت بين «جنايا» ومديرة المصرف (شيري شيبرد)، وكذلك مع المُحققة (تيانا تايلور)، حيث حاولتا إنقاذها من الورطة التي وقعت بها حين رفعت السلاح داخل المصرف، في محاولة لاحتواء الألم الذي تعيشه البطلة في أصعب لحظات حياتها، وبعيداً عن تهديدات رجال الأمن الذي أحاطوا بالمكان، وكانوا يطلبون منها الاستسلام.

ووسط حوارات الفيلم الذي يركز على مجتمع السود، يلمح المشاهد الخطاب غير المباشر لما يظهره الفيلم من التمييز في التعامل مع المرأة السوداء الفقيرة، التي دخلت المصرف في حالة توتر وغضب، لتطلب صرف راتبها البسيط البالغ 521 دولاراً، ثم تم التعامل معها مباشرة على أنها تهديد أمني خطير، في مقابل التلميح بأن المجتمع يغفر ويتفهم ظروف الآخرين حين يكونون من خلفية اجتماعية وعرقية مختلفة.

يقول الكاتب والمخرج تايلر بيري في حوار نشرته «نتفليكس»: «يُمثل الفيلم 3 فئات مختلفة من النساء السود، في مراحل مختلفة من النجاح، لكنهن جميعاً قادرات على التعاطف مع بعضهن البعض». وعن شخصية «جنايا» يقول: «هي تحاول فقط البقاء على قيد الحياة، وأن تكون أماً عظيمة لابنتها، لكن وضعتها ظروف الحياة في هذا الموقف، وهذا حال الكثيرات من حول العالم، سواء كنّ من ذوات البشرة السوداء أم لا، إلا أنهن سيتمكنّ من التعاطف مع شعور المرء بأنه على حافة الانهيار».

يتطرق الفيلم إلى غياب الدعم النفسي وتحديات الصحة العقلية التي تواجه الكثير من الأمهات العازبات في العصر الحديث (نتفليكس)

قضايا جدلية

يتطرق الفيلم إلى عدد من المواضيع الجدلية، أبرزها مدى الهشاشة النفسية للأمهات العازبات، حيث يلقي الضوء على الضغط اليومي الذي تعانيه الأمهات اللواتي يتحملن المسؤوليات وحدهن، وكيف يمكن أن يقود التراكم النفسي إلى الانهيار الكامل، دون أن يلاحظ أحد، وهو ما قدمته الأم «جنايا» التي كانت نموذجاً للانفجار الصامت في الفيلم، على خلاف مديرة المصرف التي جسدت دور الأم السعيدة في حياتها.

كما يتناول تهميش الفقراء في النظام الاجتماعي، فمنذ المشهد الأول يلمح المشاهد تركيز القصة على صعوبة البقاء ضمن طبقة فقيرة تعيش على الحافة، بما يشمله ذلك من الطرد من السكن، وفقدان الوظيفة بسهولة، وغياب أي شبكة دعم أو رحمة في الأنظمة الرسمية المتبعة حالياً في أميركا ودول أخرى، حيث يُدين الفيلم فكرة التعامل مع الإنسان كمجرد رقم، لا ككائن له ظروفه.

وواحدة من أبرز المفاجآت في الفيلم هي كشفه التدريجي لحالة «جنايا» النفسية، والتي اتضح أنها تعاني من ذهان وفقدان للواقع بعد وفاة ابنتها، ومن هنا يُصدم الجمهور في نهاية الفيلم الذي لا يُعامل المرض النفسي بوصفه عرضاً جانبياً، بل كأزمة مركزية، ويُظهر كيف أن غياب الدعم والرعاية النفسية قد يُنتج مأساة جماعية، حين كان يومها يتفاقم من سيئ إلى أسوأ، في عالم لم يكترث لوجودها إلا حين أشهرت السلاح بشكل غير مقصود.

ورغم كثرة المبالغات في فيلم «القشّة الأخيرة» فإنه استطاع توجيه أنظار الجمهور نحو فئة من الأمهات غير المرئيات، وهن اللاتي قد يصادفهن في الطريق ولا يفهم دواعي الغضب والقهر المشتعل داخلهن، كما حاول المخرج أن يضاعف من اندماج الجمهور مع هذه الحالة من خلال مشهد خروج الناس للتظاهر لصالح «جنايا»، بعد أن عرفوا قصتها في الإعلام، حيث حملوا لافتات داعمة وتوجهوا نحو المصرف منادين باسمها، وهو ما جعل الشرطة تتراجع عن استخدام القوة، وهو ما يُؤكد أن تعاطف الناس قد يكون سبيلاً لنجاةِ من هم في ظروف صعبة.


مقالات ذات صلة

السعودية وكوريا تبحثان تعزيز التعاون العسكري

الخليج الفريق الركن تركي بن بندر ناقش الموضوعات المشتركة خلال زيارته سيول (وزارة الدفاع السعودية)

السعودية وكوريا تبحثان تعزيز التعاون العسكري

بحث الفريق الركن تركي بن بندر بن عبد العزيز، قائد القوات الجوية السعودية، مع الفريق أول سون سق راغ، رئيس أركان القوات الجوية الكورية، سبل تعزيز التعاون العسكري.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الخليج شهد تمرين «رياح السلام 2026» تنفيذ عدة سيناريوهات عملياتية متطورة (واس)

تمرين «رياح السلام»: «البحريتان» السعودية والعُمانية تُنفِّذان رماية بالصواريخ

نفًّذت «القوات البحرية» السعودية ونظيرتها العُمانية، رماية بالصواريخ والذخائر الحية ضمن التمرين البحري الثنائي «رياح السلام 2026» الذي تقام مناورته في عُمان.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
يوميات الشرق جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية شراكة مع الكلية الملكية البريطانية للفنون، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»، لتطوير المواهب الثقافية.

الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل خلال إلقائه الكلمة أمام جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية تُجدِّد مطالبتها بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بالكامل

جدَّدت السعودية، خلال جلسة لمجلس الأمن، تأكيد مطالبتها بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بجميع مراحله وبنوده، وفتح المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج وصلت المساعدات السعودية المتنوعة إلى 61 دولة خلال عام 2025 (واس)

عطاء السعودية شاهدٌ حيّ في 61 دولة خلال 2025

سيّرت السعودية، عبر ذراعها الإنسانية «مركز الملك سلمان للإغاثة»، 1312 وسيلة نقل برية وبحرية وجوية تحمل مساعدات متنوعة إلى 61 دولة خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
TT

5 أفلام جديدة في «صندانس» عن رحلات ومجتمعات

لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)
لقطة من «جورفين» (مهرجان صندانس)

بعد 44 سنة من إقامته في مدينة بارك سيتي بولاية يوتاه، ينتقل مهرجان صندانس، بدءاً من العام المقبل، إلى بلدة صغيرة روعي فيها أن تشكّل مجتمعاً مشابهاً لذلك الذي احتضن المهرجان طوال تلك المدّة. الموقع الجديد هو بلدة باولدر في ولاية كولورادو، وهي بدورها بلدة جبلية تقع في محيط طبيعي جميل.

الجميع حزين هنا. منصّات كثيرة كتبت عن الأسف الذي تشعر به هذه البلدة الواقعة عند سفوح الجبال الثلجية شمالي يوتاه. تنقلك حافلة سياحية من عاصمة الولاية سولت ليك سيتي، لتصل إلى بلدة بارك سيتي الوديعة بعد نحو ساعة ونصف. المكان هذا العام مزدحم كعادته، ليس بالفنانين والسينمائيين الذين يؤمّونه، بل بمئات الأفلام التي تُعرض في أرجائه وأقسامه. فيما يلي 5 أفلام انتخبها هذا الناقد قبيل إسدال الستارة في 1 فبراير (شباط) المقبل.

«ماء ساخن»

تقوم الممثلة البلجيكية لبنى أزابال (من أب مغربي وأم إسبانية) ببطولة هذا الفيلم الأول للمخرج رمزي باشور، وهو وجه جديد بين مخرجي الأفلام المستقلة، وُلد في بيروت ويعيش في نيويورك، وهذا عمله فيلمه الأول مخرجاً.

لبنى ازابال في «ماء ساخن» (مهرجان صندانس)

«ماء ساخن» فيلم طريق (Road Movie)، لأم وابنها الشاب ينطلقان من ولاية إنديانا في شرق الولايات المتحدة إلى كاليفورنيا. أزابال هنا امرأة لبنانية الأصل تقوم بهذه الرحلة الطويلة عبر الولايات. الفيلم يتيح متابعة الشخصيتين والطبيعة من حولهما ذات المناظر المتعددة، لكنه ليس فيلماً روحانياً، بل يتراوح بين الدراما والكوميديا، كمن لا يزال يبحث عن هويته بينهما.

يعالج باشور فيلمه برقة وسلاسة، حتى عندما تحتاج بعض المواقف إلى حدّة أكبر، لكنه يبني شخصية الأم بعناية، ويحمّلها مشكلات الأمومة والعمل والرغبة في الابتعاد عن الواقع، ولو إلى حين.

«باشوكو أميركي: أسطورة لويز ڤالديز»

في وقت يواجه فيه المهاجرون اللاتينيون قرارات الإدارة الأميركية، والأحداث الأخيرة التي نجم عنها مقتل شخصين من المعارضين لسياسة الهجرة، يأتي فيلم «باشوكو أميركي: أسطورة لويز ڤالديز» لديڤيد ألڤاردو ليسلّط الضوء على بعض إسهامات المكسيكيين في الحياة الفنية الأميركية.

وُلد لويز في الولايات المتحدة. عمل فلاحاً في صباه (يصف تلك الفترة بأنها «عبودية فعلية»)، ثم أصبح كاتباً مسرحياً في شبابه، حيث أنشأ «مسرح العمّال»، قبل أن يستكمل مسيرته في مجالات الرواية والمسرح والسينما على مدى عقود. يواكب الفيلم رحلة شاقّة ومثمرة في آن.

في حديث ڤالديز (ابن 85 عاماً اليوم)، يذكر فيلماً أخرجه عام 1981 عن مسرحية له بعنوان «Zoot Suit». حقق الفيلم نجاحاً فاق ما نالته المسرحية، ما شجّعه على إنجاز فيلم ناجح آخر هو «La Bamba» سنة 1987.

منهج المخرج ألڤاردو كلاسيكي في معالجته، لكن ذلك لا يحجب نجاح الفيلم في الاحتفاء بشخصية كان ينبغي ألا تغيب عن الاهتمام الإعلامي حتى الآن.

«معلَّق بسلك»

فيلم تسجيلي يتناول موضوعاً مختلفاً تماماً: 8 أشخاص عالقون بين السماء والأرض بعدما انقطعت بعض كابلات عربة كانت تنقلهم فوق جبال منطقة باكستانية. الحادثة، التي وقعت فعلياً قبل عامين، دفعت المخرج محمد علي نقفي إلى إنجاز هذا الفيلم، مستخدماً مواد أرشيفية وتصويراً حيّاً ومقابلات.

النتيجة مروّعة في بدايتها، حال يدرك المشاهد ما حدث وقبل أن يعرف لماذا حدث. بعد ذلك، يتحول الفيلم إلى سباق ضد الوقت لعملية الإنقاذ. يتأرجح العمل بين رغبة المخرج في تقديم الحدث كتحقيق في واقعة، وبين محاولة توظيفه كفيلم إثارة. هو من تلك الأفلام التي تعنى بدراما فعلية وتشدّ أنفاس المشاهدين لبعض الوقت، ثم فضولهم فيما تبقّى من العرض.

«منزل الصديق هنا»

في هذا الفيلم، محاولة لتقديم وضع فني ينمو في العاصمة الإيرانية رغم العقبات والظروف. فنانون يعملون من دون موافقة السلطة: يجتمعون، ويتحدّثون، ويتبادلون الآراء، وفي البال تحقيق ذواتهم بوصفهم فنانين.

ربما هذا موجود، وربما صُوّر الفيلم سراً (بل لا بد أن تصويره تم سرّاً، لأنه مختلف ومعارض). يؤكد مُخرِجا الفيلم، حسين كشاڤارز ومريم عطائي، ذلك في سياق حملة إعلامية واضحة، بعدما جرى هُرِّب الفيلم خارج البلاد (وبات تهريب الأفلام أسهل مما كان عليه سابقاً).

من الفيلم الإيراني «منزل الصديق هنا» (مهرجان صندانس)

الحكاية نفسها تحيط بموجة جديدة من الشخصيات الرافضة، والمُشاهد مدعو لربط ما يراه بما حدث بعد انتهاء الفيلم من مظاهرات، ولو أن الفيلم لا يحتوي على تنبؤات، وهو الذي صُوّر بين حرب الاثني عشر يوماً وقبل الاحتجاجات الأخيرة.

العنوان مستوحى من فيلم الراحل عباس كيارستمي «أين منزل صديقي؟»، لكن شتّان بين العملين، وبين إبداع باقٍ وفيلم يعيش لحظاته المحدودة.

«جوزفين»

تختار المخرجة بث دِ أرايو، في ثاني أفلامها بعد «نعومة وهدوء» (2022)، موضوعاً مرتبطاً بواقعة شاهدتها في طفولتها: عملية اغتصاب جعلتها تعي خطراً لم تدرك معناه آنذاك، لكنه تحوَّل لاحقاً إلى سؤال حول سلوك لم تفهمه حينها، وربما إلى عقدة دفينة.

هذا ما يقدّمه الفيلم منذ مطلعه. فتاة في الثامنة من عمرها (تؤديها ماسون ريڤ) تشهد جريمة اغتصاب مروعة في حديقة عامة. يهبّ والدها (تشانينغ تاتوم) لمطاردة الفاعل، طالباً منها البقاء قرب الضحية التي كانت قد بدأت تستعيد وعيها. يقع كل ذلك خلال ربع الساعة الأولى من الفيلم، قبل أن تتابع المخرجة حياة بطلتها، التي نقلتها الحادثة من البراءة إلى الإحساس بأن العالم من حولها لم يعد آمناً.

من تلك الواقعة، يتطوَّر الفيلم إلى دراما شبه نفسية حول كيفية تعامل الأب (تشانينغ تاتوم) والأم (جيما تشان) مع تأهيل ابنتهما، التي يتعيّن عليها لاحقاً الشهادة في المحكمة عمّا حدث.


شاشة الناقد: مئوية يوسف شاهين... معهد العالم العربي يعرض أبرز أفلامه

خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
TT

شاشة الناقد: مئوية يوسف شاهين... معهد العالم العربي يعرض أبرز أفلامه

خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)
خالد النبوي في «المهاجر» (أفلام مصر العالمية)

المهاجر ★★1/2

إخراج:‫ يوسف شاهين ‬(1994)

مصر | حكاية يوسف... لكن أيهما؟

يؤخذ على يوسف شاهين أنه، منذ فيلم «باب الحديد» (1950)، يتحدث عن نفسه في معظم أفلامه. إن لم يكن عن طريق إسناد البطولة لمن يماثله، فعن اختيار موضوعات يسبر غورها التاريخي من دون استبعاد الإيحاء بأنه يماثل شخصياتها.

«المهاجر» (بطولة خالد النبوي) من هذا النوع. في العمق، هو حكاية النبي يوسف كما وردت في الكتب السماوية، لكنه في الواقع عن يوسف الآخر... يوسف شاهين ورؤيته لكل من التاريخ والدين والحاضر.

هذا واضح فيما يصفه شاهين بصراع المواقف بين أفكار تدعو للتطوّر وأخرى تحث على العودة إلى الماضي وحده.

على قيمة هذا الجانب من الفيلم، لا يترك «المهاجر» الأثر نفسه الذي شهدته أفلامه الأخرى، مثل («العصفور» أو «الاختيار» أو «المصير»)، بل ينبري أكثر خطابة مما اعتاد المخرج عليه.

العصفور ★★★‬ إخراج: يوسف شاهين (1974)

مصر | نبوءات المخرج بعد أوانها

أثار الفيلم ضجة كبرى، محورها رؤيتان متناقضتان: الأولى ـ جماهيرية أساساً ـ تقول إن الفيلم هجوم على الرئيس جمال عبد الناصر، والثانية تنفي أن الفيلم كان هجوماً عليه في تلك الفترة العصيبة التي دارت أحداث الفيلم خلالها، وهي فترة الهزيمة العسكرية عام 1967. في مقابلاته عن هذا الفيلم، كرر شاهين أنه تنبأ بحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، لكن كيف يمكن أن تكون هذه نبوءة إذا صُوِّر الفيلم وعُرض بعد عام من معركة التحرير؟

«العصفور»: نبوءة شاهين حول ما حدث (أفلام مصر العالمية)

هو بالتأكيد فيلم مهم لتأريخ الفترة التي تأرجح فيها الشعب والدولة بين طعم الهزيمة وطعم النصر. شخصياته تمعن في تحليل الموقف، وإذا لم تفعل، فهي ترمز إليه.

لم يرغب شاهين في النيل من عبد الناصر، ولا التصفيق للسادات، لأن اهتمامه الأول كان توضيح أن الهزيمة وقعت نتيجة عوامل أخرى غير عسكرية، عوامل سياسية ومجتمعية وجد فيها المصري نفسه مطالباً بالتأمل فيما وقع والبناء عليه.

المصير ★★★ إخراج:‫ يوسف شاهين ‬(1997)

مصر | تاريخ الصراع بين العلم والدين يُعيد نفسه

ما نشاهده في هذا الفيلم عن حياة وأزمنة ابن رشد لم يقع في معظمه. نعم هناك ابن رشد (كما يؤديه نور الشريف)، وهناك قرطبة والفترة الأندلسية، لكن كما كتب الزميل إبراهيم العريس في كتابه «القاموس النقدي للأفلام»، يخالف «المصير» حياة ابن رشد بمعظم تفاصيلها.

بعض العذر هنا أن شاهين أراد تقريب المسافة الزمنية بين فترتين حاسمتين: التاريخية وتلك التي شهدتها مصر في التسعينات، من صراع بين الدين والعلم وترعرع وسط حالات من الركود الفكري وعدم اليقين.

لكن هذا بدوره يؤكد أن الفيلم أبعد ما يكون عن كونه سيرة حياة كما أشيع حينها.

ويظهر ذلك بوضوح، ربما أكثر مما يجب، في أسلوب شاهين الذي يركز على تحقيق أفكاره ورؤاه أكثر من حرصه على تأريخ الأحداث أو واقعيتها.

الأرض ★★★‬ إخراج: يوسف شاهين (1970)

مصر | يد المليجي تمسك بتراب الأرض

هو حكاية وقضية أكثر مما هو فيلم في حالة بهاء وإبداع. الفن والمعالجة البصرية والسردية مستسلمان للنص وشروطه، وتتبعه لتأمين الرسالة الوطنية والسياسية. هناك الكثير من الخطابات والشكاوى التي تهدف إلى التعبير عن الرغبة في الثورة الصعبة ضد سلطة، من دون أن يمنح الفيلم الفلاحين أي أدوات فاعلة. هل الفيلم عن ظلم الإقطاع قبل الثورة غير المنصف، أم عن تصوير انقسام الفلاحين غير المجدي؟ إذا كان عن المسألتين معاً، فإن القضية تصبح متناقضة أكثر من كونها متلاحمة، وكان الأولى اختيار خط أول يتبناه ثم آخر يتبعه، عوض تشتيت الرسالة المتوخاة.

نجوى إبراهيم وعزّت العلايلي في «الأرض» (أفلام مصر العالمية)

لكن شاهين، كعادته، يعرف كيف يلتقط أنفاس شخصياته وما تعنيه. المشهد الذي يقبض فيه محمود المليجي على تراب أرضه وهو يُسحل بعيداً يبقى من أفضل مشاهد الفيلم وأعمقها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«هامنت»… الدراما الشكسبيرية المرشّحة للأوسكار تدهش جمهور السينما

جيسي باكلي في مشهد من الفيلم خلال عرضه في صالات السينما السعودية (تصوير: إيمان الخطاف)
جيسي باكلي في مشهد من الفيلم خلال عرضه في صالات السينما السعودية (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«هامنت»… الدراما الشكسبيرية المرشّحة للأوسكار تدهش جمهور السينما

جيسي باكلي في مشهد من الفيلم خلال عرضه في صالات السينما السعودية (تصوير: إيمان الخطاف)
جيسي باكلي في مشهد من الفيلم خلال عرضه في صالات السينما السعودية (تصوير: إيمان الخطاف)

منذ عرضه الأول في المهرجانات السينمائية الكبرى، شقّ فيلم «هامنت» Hamnet طريقه بثبات نحو مكانة خاصة في موسم الجوائز، جامعاً بين الاحتفاء النقدي والرهان الفني على عمل يعيد قراءة واحدة من أشهر التراجيديات الأدبية من زاوية إنسانية حميمة، كما توّج الفيلم بحضور لافت في سباق جوائز الأوسكار عبر 8 ترشيحات شملت فئات رئيسية.

وبعد ترقب الجمهور، يُعرض «هامنت» حالياً في صالات السينما السعودية وعدد من الدول من حول العالم، حاملاً توقيع المخرجة كلوي تشاو، ومقتبساً سينمائياً من رواية الكاتبة البريطانية ماغي أوفاريل، في تجربة تمزج بين التاريخ، والعائلة، والفقد، والفن. ويضع العمل مأساة فقدان الطفل «هامنت» في قلب السرد، بوصفها اللحظة المفصلية في حياة الكاتب المسرحي ويليام شكسبير، والمحرّك العاطفي الذي أفضى لاحقاً إلى كتابة مسرحيته الشهيرة «هاملت»، في مقاربة تمنح الفيلم بعداً وجدانياً يتجاوز السرد التقليدي للسير الأدبية، وتحوّل القصة إلى تأمل سينمائي في الحزن، والأمومة، والخلق الفني، وهو ما انعكس على اهتمام واسع من جمهور السينما منذ بدء عرضه التجاري.

أغنس وويليام... قبل التراجيديا

وتعد المخرجة الصينية-الأميركية كلوي تشاو واحدة من أبرز الأسماء السينمائية في العقد الأخير، بعد فوزها التاريخي بجائزة الأوسكار عن فيلم «نومادلاند»، وتنافس حالياً على أوسكار أفضل مخرج عن «هامنت». في حين تؤدي الممثلة الآيرلندية جيسي بلكلي دور «أغنس»، زوجة شكسبير، في أداء شكّل أحد أبرز عناصر قوة الفيلم، وتقدم الشخصية كامرأة متصلة بالطبيعة، حدسية، وقادرة على قراءة العالم عبر الجسد والمشاعر، في مقابل عالم اجتماعي أكثر صلابة.

وتظهر أغنس منذ المشاهد الأولى بوصفها مركز الطاقة العاطفية في العائلة، حيث يفتتح الفيلم بمشهد لها وهي ترتدي فستانها الأحمر، وتلتف في وضعية الجنين عند قاعدة شجرة ضخمة، حيث يطغى حضورها على الإطار البصري، وتتحوّل رحلتها من الحب إلى الفقد إلى مسار داخلي كثيف، يعتمد على التعبير الجسدي والنفسي أكثر من الحوار. ومنح هذا الأداء جيسي باكلي جائزة «الغولدن غلوب» لأفضل ممثلة في فئة الدراما، إلى جانب جوائز نقدية من مؤسسات سينمائية بارزة.

ويجسّد الممثل الآيرلندي بول ميسكال شخصية ويليام شكسبير بصورة مختلفة عن الصورة النمطية للعبقري الأدبي، حيث يظهر شكسبير هنا كزوج، وأب، وكاتب في طور التكوين، يعيش توتراً داخلياً بين العائلة والطموح، وبين الفقد والرغبة في الاستمرار، مما يدفعه لترك عائلته والذهاب إلى لندن. واعتمد أداء ميسكال على الكبح الداخلي، وعلى بناء تدريجي للشخصية، حيث تتحوّل الكتابة إلى وسيلة للتعامل مع الحزن، وإلى جسر يربط الخاص بالعام، وتشكل العلاقة بينه وبين أغنِس العمود الفقري للفيلم، وتكشف عن اختلاف طرق التعامل مع الألم داخل العائلة الواحدة.

الفقد... تجربة مشتركة

وفي منتصف الفيلم، تتكثّف المأساة بوفاة الطفل «هامنت»، الذي يؤدي دوره جاكوبي جوب، ويُقدم الحدث بأسلوب تدريجي، يعتمد على الإشارات الجسدية، وتفكك الإيقاع اليومي للعائلة، وتحولات المكان. ويركز الفيلم على مشاعر الفقد أكثر من لحظة الموت ذاتها، وعلى الكيفية التي يعيد بها الحزن تشكيل العلاقات، حيث تنغلق أغنِس على ألمها وتُصاب بالاكتئاب، بينما يتجه ويليام إلى المسرح والكتابة بعد أن فكر في الانتحار... في مسارين متوازيين يعكسان رؤيتين مختلفتين للنجاة.

ويقدم الجانب البصري في «هامنت» عنصراً أساسياً في التجربة، عبر تصوير سينمائي بعدسة مدير التصوير البولندي لوكاش جال، الذي يمنح الطبيعة حضوراً شعورياً كثيفاً، من الغابات، والحقول، والمنازل الريفية التي تتحوّل إلى امتداد للحالة النفسية للشخصيات. أما الموسيقى التي وضعها المؤلف ماكس ريختر، فلقد أضافت بعداً وجدانياً عميقاً، وعملت كخيط رابط بين المشاهد، من دون أن تطغى على الأداء التمثيلي.

من المهرجانات إلى صالات السينما

وكانت قد بدأت رحلة «هامنت» من مهرجانات سينمائية كبرى، مثل مهرجان تيليورايد السينمائي ومهرجان تورنتو السينمائي الدولي، حيث حظي بإشادات واسعة من النقاد، قبل أن ينتقل إلى سباق الجوائز، وفي حفل الغولدن غلوب الأخير؛ حصد «هامنت» جائزة أفضل فيلم درامي، إلى جانب جائزة أفضل ممثلة، ما عزّز موقعه بين أبرز الأعمال المرشّحة في جوائز الأوسكار لهذا العام، خصوصاً في فئات أفضل فيلم، وأفضل مخرجة، وأفضل ممثلة.

ويمكن القول إن فيلم «هامنت» يقدم قراءة سينمائية مختلفة لعالم شكسبير، تنطلق من العائلة، ومن الأم تحديداً، بوصفها محور التجربة الإنسانية، حيث يمنح الفيلم الصوت الأنثوي موقعاً مركزياً داخل السرد، ويعيد صياغة العلاقة بين الفن والحياة بوصفها علاقة ولادة من الألم، ليرسخ الفيلم مكانته كعمل سينمائي يجمع بين الجمال البصري، والعمق العاطفي، والطرح الإنساني، في تجربة تلامس جمهور السينما في السعودية والعالم، وتؤكّد حضور كلوي تشاو كواحدة من أهم صانعات السينما المعاصرة.