السينما قبل 50 سنة تجلّت في نجاحات رائعة

تحفل بكوارث غير طبيعية ومؤامرات

آل باتشينو: «العراب 2» (باراماونت)
آل باتشينو: «العراب 2» (باراماونت)
TT

السينما قبل 50 سنة تجلّت في نجاحات رائعة

آل باتشينو: «العراب 2» (باراماونت)
آل باتشينو: «العراب 2» (باراماونت)

مخرجان فقط من بين الأسماء المتداولة حالياً بعد إعلان ترشيحات الأوسكار كانا من بين الأسماء التي صنعت أفلاماً جديرة بالمشاهدة قبل 50 سنة. لم يكن هناك بعد يورغوس لاتيموس ولا جوستين ترييه ولا برادلي كوبر أو مارغوت روبي ولا كوثر بن هنية أو رايان غوسلينغ.

أما هذان الاسمان فهما مارتن سكورسيزي وفم فندرز. واحد أميركي من أصل إيطالي، والآخر ألماني حقق بعض أفلامه في الولايات المتحدة وقليلاً منها في اليابان (بما فيها «يوم مثالي» المرشّح لأوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية).

سكورسيزي كان أخرج، في سنة 1974 «أليس لم تعد تعيش هنا» الذي كان فيلماً نادراً بالنسبة إليه آنذاك، وإلى اليوم كونه فيلماً رومانسياً، أما فيم فندرز فكان لديه «أليس» أخرى في فيلم درامي (كمعظم أعماله) بعنوان «أليس المدن» (Alice in the Cities).

عمر الشريف في «جغرنوت» (يونايدت آرتستس)

عصابات ومؤامرات

كل من فندرز وسكورسيزي كانا مجرد اسمين بين عدد كبير من المخرجين الذين حققوا أفلاماً رائعة (عديد منها أفضل من الفيلمين المذكورين) شهدت نجاحات نقدية وجماهيرية ممتازة، وبعضها ما زال من الممكن مشاهدته اليوم بالإعجاب نفسه كونها لم تخسر شيئاً من قيمتها الفنية أو حضورها كإنجازات سينمائية باهرة.

أبهرها فيلم عصابات لم يقع مثله لا قبل ولا بعد عنوانه «العراب 2». دون كارليوني (مارلون براندو)، كان سلّم مهام إدارة المنظّمة إلى ابنه مايكل (آل باتشينو)، الذي خطط للانتقام من كل من تآمر على أبيه (في الجزء الأول قبل عام). إنه بداية دون جديد. أما القديم، ذلك الأب الذي لا تمنعه رئاسته لإحدى عائلات المافيا، من التمسك بمبادئ أخرى. الكاميرا تلاحقه، في الجزء الثاني وهو في حديقة منزله يلاعب حفيده وسط الأشجار وفجأة... انتهى دوره. سقط ميّتاً.

في العام التالي، خطف «العرّاب 2» أوسكار أفضل فيلم وأوسكار أفضل مخرج وأوسكاراً للممثل روبرت دينيرو أفضل ممثل مساند. دينيرو هذا العام هو أيضاً من بين المرشّحين لأوسكار أفضل ممثل مساند عن «قتلة ذَا فلاور مون» لسكوسيزي.

كان لكوبولا فيلم آخر في عام 1974 هو «المحادثة» مع جين هاكمن في البطولة. هذا كان فيلم مؤامرات يرمز ولا يتهم السُلطات العليا بالتجسّس على المواطنين.

في ظل تيار من أفلام المؤامرة برز كذلك فيلم ألان ج. باكولا «بارالاكس فيو» مع وورن بَيتي في دور الصحافي الذي يكتشف وجود دولة عميقة مسؤولة عن مقتل عدد من القضاة المستقلين. اكتشافاته تضعه في خطر الاغتيال بدوره.

بيرت رينولدز: «ذا لونغست يارد» (باراماونت)

الحديث عن الزعامات، من «العرّاب 2» إلى تلك الخفية في «بارالاكس فيو» شمل كذلك «أحضر لي رأس ألفريدو غارسيا» للعتيد سام بكنباه و«ذا لونغست يارد» لروبرت ألدريتش.

في فيلم باكنباه أميركي عاطل عن العمل ويعيش حالياً في بعض ريف المكسيك (وورن أوتس) يوافق على مهمّة لقاء مبلغ كبير من المال وهي قتل وإحضار رأس الشخص الهارب من سلطة زعيم مكسيكي كبير (إميليو فرنانديز). يحضر الرأس لكن النهاية تبقى غير متوقعة.

الفيلم الثاني عن رئيس سجن اعتاد على الزعامة يطلب من لاعب كرة «رغبي» سابق (بيرت رينولدز) تدريب فريق من المساجين لكي يواجهوا فريقاً من حراس السجن على أن يخسر فريق المساجين عمداً. إما هذا، يقول له مدير السجن، أو «تبقى في هذا السجن للأبد».

4 كوارث

بيرت رينولدز كان نجماً في ذلك الحين كذلك كلينت إيستوود، لكن الثاني انتهى إلى فيلم لم يؤثر عنوانه «ثندربولت ولايتفوت»، الذي كان الفيلم الأول لمايكل شيمينو («صائد الغزلان») وراء الكاميرا. بينما لم يسجل فيلم إيستوود/ شيمينو نجاحاً يُذكر، احتل «ذا لونغست يارد» المرتبة الثامنة بين الأفلام العشرة الأولى التي سجلت أعلى إيراد في عام 1974.

كان 1974 مناسبة لإطلاق تيار من الأفلام الكوارثية: هناك طائرة مدنية من دون طيار ستهوي فوق الرؤوس إلا إذا استطاع شارلتون هستون التسلل إليها وهي في الأجواء العليا عبر طائرة أخرى تلتصق بها. هذا في «طائرة 2» (أو Airport 1975 كما عنوانه التسويقي) الذي أخرجه جيداً - بصرف النظر عن فانتازيّته - قادم من التلفزيون اسمه جاك سمايت.

لم يكن «طائرة 2» الفيلم الكوارثي الوحيد، بل صاحبه في التنافس على محبي المخاطر من الجمهور «جوغرنوت» كما أخرجه ريتشارد ليستير مع عمر الشريف (كابتن الباخرة) وريتشارد هاريس وآنتوني هوبكنز من بين آخرين. المعضلة هنا هي وجود باخرة بحجم «تايتانك» زرع فيها إرهابي (أبيض) ست قنابل ستنفجر واحدة تلو الأخرى إلا إذا دفعت الحكومة الأميركية فدية مالية ضخمة.

لكن الفيلم الكوارثي الأنجح أكثر من سواه كان «جحيم برجي» (Towering Inferno) للبريطاني أيضاً جون غيلرمن مع ستيف ماكوين وبول نيومان وفاي داناواي ونصف دزينة من النجوم الآخرين. الخطر هنا صادر عن حريق في طابق علوي من ناطحة سحاب، والسؤال هو كيف سيتصرّف سكان الطوابق الأعلى من خطر الموت؟

شمل هذا التيار كذلك فيلماً كوارثياً رابعاً هو «زلزال» لمخرجه لمارك روبسون (وبطولة متعددة الأسماء قادها شارلتون هيستون أيضاً. في هذا الفيلم يقع الزلزال الموعود لمدينة لوس أنجليس، ويتابع الفيلم مصائر ومواقف شخصيات مختلفة. لإنجاحه أكثر، وزّعت شركة «يونيفرسال» على صالات السينما من بيروت إلى نيويورك، ومن باريس إلى ساو باولو أجهزة لإيهام المُشاهد بأن كرسيه يتحرك به في تلك اللحظات الحاسمة عندما يقع الزلزال وهزاته اللاحقة.

لم يكن هناك نقص لا في عدد المخرجين ولا في عدد النجوم الكبار. ولم يكن الأمر بالنسبة للفريقين إلا نتيجة جهد لإثبات فعل الفن في جوار التجارة أو أمامها. رومان بولانسكي وجاك نيكلسون فعلا ذلك مناصفة في «تشايناتاون» في 1974 لكنه لم يتسلق سلّم العشرة الأكثر نجاحاً الذي احتل فيه «العراب 2» المركز السادس تجارياً والأول فنياً.

من أفلام الجريمة «جريمة في قطار أورينت إكسبرس» لسيدني لومِيت و«ياكوزا» لسِيدني بولاك و«رغبة موت» لمايكل وينر.

جيمس بوند أطل في حلقة أخرى من مغامراته عبر «الرجل ذو المسدس الذهب»، وعلى نحو مختلف من المغامرات تابعنا «الرحلة الذهبية للسندباد» لغوردون هيسلر.

أوروبا، بدورها، كان لها نصيب كبير في توفير تلك الأفلام الفنية المرموقة. نتحدث عن «علي: الخوف يأكل الروح» لراينر فاسبيندر، و«سيلين وجولي في رحلة يخت» للفرنسي جاك ريفيت. و«صانع الساعات» لبرتران تافرنييه و«لانسيلوت البحيرة»، ومن ثمّ «نادا» لكلود شابرول، و«فنسنت، فرانسوا، بول والآخرون» لكلود سوتيه.

الشيخ وشاهين

في السينما المصرية، كانت هناك أفلام عديدة تستحق الإشارة اليوم: «الهارب» لكمال الشيخ الذي كتبه رأفت الميهي وشارك في بطولته حسين فهمي وكمال الشناوي وشادية ومريم فخر الدين. هذا الفيلم لم يخلُ من السياسة، ناقلاً صورة عن السلطات في مطاردتها لمعارض. في السياسة نفسها، لكن من بابه الخاص، قدّم يوسف شاهين «العصفور»، الذي دار حول الفترة العصيبة التي تلت هزيمة 1967 وما صاحبها من شعور بالأسى.

هذه بعض الأفلام ذات المتن الثقافي والفني، أما على صعيد التجارة في السينما المصرية فلربما يكفي في هذا الاستعراض الموجز الإشارة إلى أن أربعة من أفلام الميلودرامية في ذلك العام كانت جيدة وهي «العذاب فوق شفاه تبتسم»، و«عجايب يا زمن»، و«حكايتي مع الزمن»، وفيلمه الأنجح بينها «بمبة كشر».

أوسكار 74

نتائج الأوسكار في 1974 لم تشهد حضور أي فيلم من هذه المذكورة، وذلك لأن الأفلام التي تشترك في التنافس على جوائز الأكاديمية هي من نتاج العام السابق، 1973. هذا لا يمنع من عبور سريع على بعض الفائزين والمرشحين في ذلك العام.

في التمثيل خطف الجائزة جاك ليمون عن دوره الدرامي في فيلم «أنقذ النمر». وجده المقترعون أفضل شأناً من جاك نيكلسون في «التفصيلة الأخيرة» ومن آل باتشينو في «سربيكو» وروبرت ردفورد في «اللذعة».

نسائياً فازت بالأوسكار البريطانية الراحلة في العام الماضي غليندا جاكسون عن «لمسة ذات مستوى» (A touch of Class) وخسرتها باربرا سترايساند عن «كيف كنّا».

سعيد الحظ في مجال أفضل إخراج كان جورج روي هِيل عن «اللذعة»، وهو تقدّم على برناردو برتولوشي عن «التانغو الأخير في باريس» وإنغمار برغمان عن «صرخات وهمسات»، وجورج لوكاس عن «أميركا غرافيتي»، وويليام فرايدكن عن «طارد الأرواح».

أجنبياً فاز بها فرنسوا تروفو عن «ليلة أميركية»، وهو أوسكاره الوحيد لكنه نال جائزة «بافتا» في العام نفسه كأفضل مخرج وعن الفيلم نفسه.

توب تن 1974

‫1- The Towering Inferno‬ كوارثيّ.

2- Blazing Saddles كوميديّ وسترن.

3- Young Frankestein كوميديا.

4- Earthquake كوارثيّ.

5- The Trial of Billy Jack دراما ومحاكمات.

6- The Godfather Part II دراما عصابات.

7- Airport 1975 كوارثيّ.

8- The Longest Yard دراما سجون.

9- Death Wish بوليسيّ.

10- The Life and Times of Grizzly Adams مغامرات.


مقالات ذات صلة

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)

«80 صحافياً غاضباً»... وثائقيّ يرصد انهيار مؤسسة إعلامية مجرية

الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن مواجهة هذه الضغوط تحتاج إلى التماسك الجماعي، وأن قوة أي مؤسسة أو مجتمع تكمن في القدرة على البقاء والاتحاد في مواجهة الأزمات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مشروع هيل ماري يكتسح عالمياً ويحتل المركز الثاني في شباك التذاكر السعودي (imdb)

عودة قوية للسينما السعودية بعد العيد... في أسبوع استثنائي

دخلت صالات السينما في السعودية موسم عيد الفطر بإيقاع مرتفع، انعكس مباشرة على أرقام شباك التذاكر في أول أسبوع بعد شهر رمضان

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «الفهد» (تاتيوس فيلمز)

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

ليس «سارقو الدراجات» بداية الواقعية الجديدة بل أحد تتويجاتها، فيما تكشف العودة إلى أعمال لوكينو ڤيسكونتي المبكرة عن الجذور الفعلية لهذا التيار وتحولاته اللاحقة

محمد رُضا (لندن)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.