شاشة الناقد: Thelma and Louise****

ساراندون وديفيز: ثلما ولويز (مترو غولدوين ماير)
ساراندون وديفيز: ثلما ولويز (مترو غولدوين ماير)
TT

شاشة الناقد: Thelma and Louise****

ساراندون وديفيز: ثلما ولويز (مترو غولدوين ماير)
ساراندون وديفيز: ثلما ولويز (مترو غولدوين ماير)

ثلاثة أفلام من العهد الذهبي يُعاد إطلاقها على «البلو راي» معزّزة بإضافات تشرح تاريخها وأهميتها.

أفلام حصدت القبول النقدي آنذاك ولا تزال.

Thelma and Louise****

إخراج: ‪ريدلي سكوت‬ | دراما | الولايات المتحدة | 1991

إذ تتكاثر الأفلام الحديثة التي تتناول قضايا المرأة ورغبتها في الانعتاق من حكم الرجل وسُلطته، ما زال «ثلما ولويز» من بين الأفضل من تلك التي طرحت مثل هذا الموضوع، وبالنسبة لعدد من المؤرخين هو أفضلها بالفعل. دراما عن امرأتين (جينا ديفيز (ثلما) وسوزان ساراندون (لويز) لم تعدا قادرتين على تحمّل عالم يحتل فيه الرجل كل أركان الحياة. الأولى زوجة حقوقها مهضومة، يُشعرها زوجها بأنها أقل قيمة منه، والثانية تعمل نادلة في مطعم حيث تتحمل الإهانات والتحرشات وزلّات اللسان. الأولى هي البيت، والثانية هي العمل، وفي كلٍّ من المكانين معاناة من حياة مرتبطة بإخفاقات التواصل مع المجتمع على نحو متساوٍ. تقرران الهرب من كل شيء كوسيلة وحيدة لتحقيق الشعور بالحرية. بعد حين تدخلان حانة ويتبعهما رجل يتظاهر باللطف ويسأل ثلما أن ترقص معه. ويحاول بعد ذلك اغتصابها في موقف السيارات؛ تقاوم ولا يوقفه سوى طلقة نارية ترديه قتيلاً. المسدس هو القوّة التي حسمت الموقف، ومع أن القتل جريمة، إلا أن الجريمة كانت قد تأسست في محاولة ذلك الرجل اغتصاب المرأة التي راقصها.

هناك تداول حول هذه النقطة في الفيلم. لويز التي أطلقت النار سبق لها أن تعرّضت لتحرشات عديدة. تؤكد ثلما للويز أن عليهما الهرب لأن البوليس لن يتفهم الدوافع ولن ينظر إلى المسألة على أساس أن جريمة الاغتصاب تتساوى مع جريمة القتل.

هذا هو جانب واقعي آخر في قصّة لا تترك الأمور في سياق خطابي، بل تحدد عالماً غير عادل كما وصفته الكاتبة كالي خوري، وكما أخرجه ريدلي سكوت، الذي يتابع رحلة المرأتين صوب الحدود المكسيكية، مصوّراً المزيد من اختفاء المدن (وما تحتويه) صوب المزيد من الحياة الريفية. التوجه غرباً في الأفلام التي تصوّر الهرب من القانون، مشهود في أفلام عديدة على أساس الترميز بين مساحته المفتوحة ومفهوم الحرية. في «ثلما ولويز» هو سبيل وحيد للحرية التي بدأتا تشعران بها. لن يتجه الفيلم صوب وضع مثلي بينهما (كما تفعل أفلام اليوم مدمّرة بذلك صرح ما تتكلم عنه) بل لتوطيد صداقة تُساعد فيها كل امرأة الأخرى وتؤازرها.

لكن البوليس (يمثّله هارفي كايتل) يصل إليهما. ستفقدان الحرية حين تودعان السجن، والحل هو طلب الحرية الأقصى عبر الانتحار بسيارتهما من فوق حافة الجبل تجسيداً لبُعد عميق آخر في هذه التجربة.

عروض كريتريون

‪12 Angry Men‬ ***

إخراج: ‪سيدني لومِت‬ | دراما محاكمات | الولايات المتحدة | 1957

في مكان ما بين الجيد والممتاز، يحتل «12 رجلاً غاضباً» لسيدني لومِت درجته من التقييم، ليس هنا فقط، بل منذ أن حُقّق الفيلم وعرض قبل 66 عاماً. النسبة الغالبة هي، من عدّ مداولات 12 رجلاً يبحثون فيما إذا كان الشاب المتهم بقتل والده عمداً قد ارتكب الجريمة أم لا. الغضب هو الذي يشتعل بين معظم هؤلاء الرجال، لكن الجميع كانوا قد قرروا سلفاً بأن الجلسة لن تستغرق أكثر من دقائق يصدرون فيها قرار الإدانة. الجميع... باستثناء رجل واحد يؤديه هنري فوندا. بما أن الفيلم يخلو من أسماء شخصياته، فإن لكل واحد رقمه والشخصية الرصينة والحاسمة التي يؤديها هنري فوندا تحمل الرقم 8. الباقون (من 1 إلى 12) شخصيات مختلفة بخلفيات متباينة، جميعهم (باستثناء رقم 8) دخلوا غرفة الاجتماع واثقين من صدور الحكم بالذنب. بما أن القرار لا بدّ أن يحظى بموافقة الجميع وليس بالغالبية، يفاجأ جميعهم بأن رقم 8 لا يشاركهم الرأي، إذ يرى أن الشاب قد يكون بريئاً من التهمة. يُثير ذلك غضبهم (بعضهم يريد العودة إلى عمله وحياته بأسرع وقت ممكن) لكن 8 يبدأ بتفكيك الاحتمالات وفي كل مداولة يكسب شخصاً لصفّه.

من «12 رجلاً غاضباً» (أورايون بيكتشرز)

يقف الفيلم في صدارة أعمال مخرجه بلا ريب. إدارة دراما محكومة بغرفة اجتماعات وتوزيع الأدوار بين ممثلين عمالقة ليس من بينهم نجم سوى فوندا (الذي أنتج الفيلم)، أمر شاق يتطلب مهارة وحكمة. كلاهما، المهارة والحكمة، مارسهما سيدني لومِت بدراية، مستنداً إلى سيناريو جيّد وإلى صنف ممثليه مثل إد بغلي (Begley)، وجوزيف سويني، ولي ج. كوب، وجاك ووردن.

هو فيلم آسر يستدعي الانتباه إلى كل دقيقة منه. على ذلك، فإن بعض المفارقات لا يمكن لها أن تحدث. يخترق رقم 8 القواعد عندما يُخرج من جيبه سكيناً تشبه السكين التي استخدمت في الجريمة، ويقول إنه اشتراها من مكان قريب من موقع الجريمة، هذا من دون أن يلفت الفيلم الانتباه إلى حقيقة أن زيارة مواقع الجرائم بالنسبة للجان التحكيم الأميركية ممنوع. كذلك، وعلى الرغم من أن بعض النقد أشار إلى أن هناك صلة اتهام يوجهها الفيلم لمحاكمات مكارثي، إلا أن هذا ليس صحيحاً. في الواقع غضب الفيلم يبقى في محيط عنوانه من دون دلالات لخارج قاعة الاجتماع.

عروض كينو لوربر

Targets****

إخراج: ‪بيتر بوغدانوفيتش‬ | تشويق | الولايات المتحدة | 1968

في السنوات الأولى من حياة بيتر بوغدانوفيتش المهنية، جلس مع قمم من صانعي السينما الأميركية من خلال مقابلات طويلة ومركّزة يخرج منها القارئ، وقد فهم دوافع ومنحنيات وأساليب وطبيعة كل مخرج على حدة. مقابلاته شرحت من هو أورسن وَلز، وألفرد هيتشكوك، وأوتو برمنجر، وجون فورد، وهوارد هوكس وآخرين، كما ألقت الضوء على حقبة ما زال النقد ينهل من أفلامها وشخصياتها إلى اليوم.

أول فيلمين حققهما هما «أهداف» (1968)، و«آخر عرض سينمائي» (The Last Picture Show) (1971)، وكلاهما كان عن السينما والأفلام، خصوصاً «أهداف» الذي يُعاد إطلاقه مزوّداً بمقابلة يتحدّث فيها بوغدانوفيتش عن نفسه وفيلمه هذا.

«أهداف» (باراماونت بيكتشرز)

قبل عامين من بدء تصويره اشتغل بوغدانوفيتش مع المنتج روجر كورمان الذي منحه بعض المال ليحقق فيلمه الأول، وسمح له باستخدام الممثل بوريس كارلوف، الذي كان مديناً لروجر كورمان ببعض المال. هذا يفسر قصر الدور المسنود لممثل أفلام الرعب الشهير. هنا يؤدي دور ممثل ملَّ من أداء مثل هذه الأدوار، لكنه سيؤم ما يبدو تكريماً متواضعاً له في إحدى صالات الهواء الطلق. هناك على منصّة عالية يوجه شاب غامض بندقية القنص ويبدأ بإطلاق النار على مشاهدي الفيلم.

الحبكة أو العقدة (The Plot) بسيطة، لكن مدلولاتها كانت أبعد من مجرد فكرة لفيلم بوليسي شيّق. فالفترة نفسها هي التي شهدت سلسلة الاغتيالات السياسية (روبرت كندي، مارتن لوثر كينغ)، والفيلم هو رأي بوغدانوفيتش المناهض لشيوع بيع السلاح، الذي لا يزال موضع نقاش إلى اليوم. في لقطة من الفيلم نرى عنواناً لصحيفة يسلط ضوءاً إضافياً على هذا الوضع. يقول «المانشيت»: «شُبّان يقتلون ستة أشخاص في سوبر ماركت».

على تواضع إنتاجه وبساطة معالجته، «أهداف» (الذي قام على أحداث حقيقية) يبقى لليوم فيلماً خاصاً من بين أفلام المخرج الذي رحل قبل أكثر من عام بقليل.

عروض كريتريون

ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز