شاشة الناقد: Critical Zone

Meg 2- The Trench «مَغ 2: الخندق» (وورنر).
Meg 2- The Trench «مَغ 2: الخندق» (وورنر).
TT

شاشة الناقد: Critical Zone

Meg 2- The Trench «مَغ 2: الخندق» (وورنر).
Meg 2- The Trench «مَغ 2: الخندق» (وورنر).

Critical Zone

إخراج: علي أحمد زاده | دراما

إيران/ ألمانيا | 2023

هناك أمر غير طبيعي بخصوص هذا الفيلم، وهو أنه لو كان الفيلم - بالطريقة والأسلوب الذي جاء عليهما - فيلماً غير إيراني، هل كانت لجنة تحكيم مهرجان لوكارنو ستمنحه الجائزة الكبرى؟ لو كان فيلماً أميركياً أو أوروبياً على الشاكلة ذاتها، هل كان سيتجاوز أترابه من الأفلام المتسابقة؟

في قرار لجنة التحكيم التي ترأسها الممثل الفرنسي لامبرت ولسون ورد تبرير يبدو، بدوره، نشازاً يقول إن الجائزة الكبرى مٌنحت لهذا الفيلم كونه «ترنيمة للحرية والمقاومة في إيران». هذا سبب سياسي وليس فنياً، والفيلم ليس فقط منافياً لما تعنيه كلمة «ترنيمة»، بل يعرض أيضاً عالماً وضيعاً قائماً على تعاطي المخدرات والتجارة بها. كيف يكون عن الحرية والمقاومة وهو على هذا الشكل؟ هذا بالطبع لجانب أنه ليس فيلماً جيداً إلا بمقدار العشرين دقيقة الأولى، بعد ذلك لا عناصر جودة فيه، بل هو حالة واحدة لرجل يقود سيارته ليلاً، يلتقي بمن يبيعهم المخدرات، يشتم السائقين الآخرين بينما يقود سيارته بسرعة جنونية ويتعاطى المخدرات وينظّف أنفه كل قليل.

Critical Zone: «منطقة حرجة» (لوكسبوكس).

الكاميرا الصغيرة على رف السيارة أمام السائق، على طريقة جعفر بناهي (الذي يمكن الوثوق بطرحه أكثر) في فيلم «هذا ليس فيلماً». وحقيقة أن معظم مشاهد Critical Zone «منطقة حرجة» تقع داخل السيارة يجعله ينتمي إلى مجموعة مترامية من الأفلام الإيرانية التي استخدمت السيارة وقبعت فيها. هذه الأفلام عادة ما تضطر للاكتفاء بتصوير داخل السيارة لأنها غير مرخّص بها. هذا قد يكون الوضع هنا أيضاً، لكن ما يعرضه بعيد جداً على أن يكون نقداً لا لبطله أمير ولا للمجتمع الذي يعيش فيه.

في سيارة أمير (كما يؤديه أمير بوستي بلحية كثيفة وشعر طويل وملامح وجه ذابلة) هناك آلة نسمعها ترشده إلى أين يذهب. تعترضه لتحذره من حاجز أمني أو من خطر مقبل. ليس هناك (بعد) أداة كهذه تتطوع لترشد السائق من دون طلب منه. لذا، يبدو الأمر كما لو أن هذه الأداة مستخدمة في الفيلم لتؤكد أن أمير مُسيّر وليس مخيراً. لكن الفيلم لا يدور مطلقاً حول هذه المسألة، وتصرّفات أمير الهاذية لا تعكس منحى فكرياً أو فلسفياً أو حتى نفسياً خاصّاً.

وفي حين لا يمكن أن يكون الفيلم حاز على موافقة الرقابتين الإيرانيّتين (واحدة على النصوص والثانية على الفيلم بعد انتهاء العمل عليه) إلا أن بعض المشاهد (كتلك التي تقع في المطار) تبدو مكشوفة. شغل المخرج علي أحمد زاده يقّدر كتنفيذ تقني وخلال الدقائق العشرين الأولى، كصاحب لمعات وموهبة واعدة، لكنه لاحقاً مربوط بوضع محدود لا يتغيّر ولا يثير. وبالتأكيد الفيلم ليس عن الحرية ولا عن المقاومة، بل عن رجل فقد الإحساس حيال العالم بأسره.

فاز بجائزة النمر الذهبي

في مهرجان لوكارنو، 2023 To End All Wars‪:‬ Oppenheimer ‪&‬ the Atomic Bomb

إخراج: ‪كريستوفر كاسل‬ | وثائقي

الولايات المتحدة | 2023

يمكن اعتبار هذا الفيلم الوثائقي رفيق درب لفيلم كريستوفر نولان «أوبنهايمر» من حيث إنه يتعامل والشخصية ذاتها من خلال مقابلات ووثائق مصوّرة حول تلك الشخصية وتوجهاتها كما الفترات المتعاقبة لحياتها السياسية والمهنية. إلى جانب هذا الفيلم هناك «جاسوس متعاطف» لستيف جيمس، وهناك مشروع مقبل بعنوان «إيزنستين والقنبلة» سيجد طريقه للتنفيذ قريباً.

كريستوفر نولان من بين الذين يستجوبهم هذا الفيلم حول أوبنهايمر. واحد من عشرات الشخصيات التي تساعد على إلقاء الضوء على ذلك العالم الذي وُصف بأبي القنبلة النووية. عملياً لا يُضيف جديداً على ما طرحه نولان في فيلمه الروائي بقدر ما يعيد تغطية الأحداث ذاتها على نحو تسجيلي. فيعرض لكيف وصل أوبنهايمر إلى مركزه المطلق وكيف تعامل مع المشروع النووي وساهم في بلورته ثم تجربته وكيف عومل خلال ذلك ثم لاحقاً بعدما تم سؤاله عن صلته بالحزب الشيوعي الأميركي خلال الأربعينات، تهمة أثيرت فقط بعدما انتقد أوبنهايمر شروع الولايات المتحدة في تنفيذ خطة لإنجاز قنبلة هيدروجينية ذات فاعلية أكبر من تلك النووية التي ألقيت على هيروشيما. في عمومه، فيلم كريستوفر كاسل من مراجعة سريعة تمر على مراحل حياة أوبنهايمر المهنية بالترتيب (على عكس الفيلم الروائي حيث الانتقال بين الأزمنة هو السائد). في ذلك يستغني المخرج كاسل عن أي رغبة في اللجوء إلى معالجة فنية، مكتفياً بالتنفيذ الجيد والإيقاع السريع له.

في الوقت ذاته، يكتفي الفيلم كذلك بعرض المسائل بقليل من التوقف عند أخلاقياتها. اهتمامه منصب على سرد التاريخ عبر الوثائق المتاحة وعبر المقابلات التي ينتقد القليل منها موقف أوبنهايمر أو يكشف عما هو ما زال غير معروف من مواقفه أو مواقف الآخرين حياله. أحد هذه المواقف لقاؤه الوحيد مع رئيس الجمهورية دوايت أيزنهاور، الذي أراد تهنئته على إنجازه العلمي. بعد قليل يبوح أوبنهايمر بأنه يشعر بأن يديه ملوّثتان بالدم. عند هذه النقطة يتحوّل الترحيب إلى عداوة وينهض أيزنهاور من مكانه منهياً المقابلة وموعزاً لمعاونيه بأن أوبنهايمر ليس مرغوباً فيه بالبيت الأبيض بعد اليوم.

من هنا، كل شيء في حياة أوبنهايمر يبدأ بالتراجع من منعه من دخول مختبرات نيو مكسيكو (حيث اشتغل على القنبلة) إلى سحب ترخيصاته وصلاحياته واستجوابه من قِبل لجنة منبثقة من الكونغرس، ولا ننسى التجسس عليه والتحقق من ميوله الشيوعية، وهو أمر كانت المخابرات الأميركية تعلمه لكنها أخفته إلى حين أصبح أداة لإدانته.

في مقابل كل هذه الذخيرة من المعلومات، حتى وإن كان بعضها غير جديد، يمتنع المخرج عن فعل الإدانة لا حيال أوبنهايمر فقط، بل حيال أي شيء آخر. هذا يمنح الفيلم صيغة معلوماتية في الأساس في عمل يمكن مشاهدته لمن يرغب في المزيد إثر مشاهدته لفيلم نولان.

عروض: إلكترونية

Meg 2: The Trench

إخراج: ‪ين ويتلي‬ | تشويق

الولايات المتحدة | 2023

إذا حدث وإن كنت تتمشى على شاطئ البحر ووجدت نفسك أمام سمكة قرش ضخمة، اتصل بصياد الوحش جاسون ستاثام، الذي لديه أكثر من طريقة مبتدعة لمواجهة الوحش المائي (بما في ذلك رفسه بقدمه) مهما كَبر حجمه (وهو يكبر مع كل فيلم يتم تحقيقه حوله). أيضاً لديه الشجاعة ورباطة الجأش اللازمان في بيئة عدائية تحتوي على حيوانات ما قبل التاريخ يقرر الفيلم أنها ما زالت حية بعد 65 مليون سنة.

شيء من فيلم سبيلبرغ الشهير Jaws في هذا الفيلم من ناحية أن هناك دوماً تلك الجهة الشريرة التي لا تكترث لما يحدث للآخرين بل تنطلق لتنفيذ مآربها المادية. في ذلك الفيلم كان محافظ البلدة الساحلية (موراي هاملتن)، الذي رفض إغلاق الشاطئ أمام السياح والتسبب في خسارة الموسم السياحي. هنا هناك مؤسسة تقودها امرأة (سيينا غيلروي) التي لا تكترث بالحفاظ على البيئة، بل تتسبب في إيقاظ تلك الوحوش التي لم تكن لتتعرّض للإنسان (أو تصبح موضوع فيلم كهذا) لولا تحرّش البشر بها. للإيضاح «مَغ» أو ميغالوديون هو أكبر سمكة في التاريخ. اعتقد العلماء أنها القرش ذاته قبل أن يكتشفوا أن هذا الوحش أكبر وأقوى وحين يأكل البشر يلتهمهم بالجملة نظراً لكبر حجمه. الجزء الأول (أخرجه جون ترتلتوب سنة 2018) كان تمهيداً مقبولاً لهذا الفيلم الأكبر حجماً. كلاهما فانتازيا جانحة مبنية على المستحيل لكنهما عملان تشويقيان ناجحين في هذا الإطار.

عروض عامّة

‫ 1- ‬ Killers of the Flower Moon: عروض محدودة في صالات السينما في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لفيلم مارتن سكورسيزي الأخير وبعدها على الإنترنت مباشرة.

2- Dune‪:‬ Part Two: الجزء الثاني لفيلم دنيس فلنييف مع احتمال تأجيل عروضه من نوفمبر (تشرين الثاني) للعام المقبل.

3- The Marvels: آخر بدعة من حكايات السوبر هيرو مع بطولة نسائية لبري لارسن. موعد العرض الثاني والعشرين من نوفمبر.

4- The Hunger Games‪:‬ The Ballad of Songbirds and Snakes: عودة إلى حكايات «ألعاب الجوع» مقرر عرضه في نوفمبر أيضاً.

5- Wonka: معالجة جديدة لحكاية «ويلي وونكا» مقررة في الخامس عشر من ديسمبر (كانون الأول).

5 أفلام تنتظر العروض قبل نهاية 2023


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.