فتح «أوبنهايمر» الباب على موضوع كان قد أُغلق منذ حين، وهو موضوع المكارثية والحرب الباردة بين الغرب الأميركي والشرق السوفياتي. فروبرت أوبنهايمر تزوج من امرأة شيوعية كانت عضواً في الحزب الشيوعي، وتبرع من خلالها مادياً لصالح الحزب. لم ينضم، لكن شقيقه وأكثر من صديق وتلميذ له كانوا منضمين. كل ما في الأمر، حسب المعطيات، أنه كان ذا ميول يسارية.
كان وُضع تحت المراقبة من قِبل «مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)»، لكن ملفه ذاك لم يُستخرج من خزانة المحفوظات السرية إلى أن بدأ أوبنهايمر يدلي بآراء مناهضة لما قام بإنجازه بعدما ألقت أميركا قنبلتيها النوويتين فوق هيروشيما وناغازاكي. وبعدما أعلن معارضته لإنتاج قنبلة هيدروجينية. ثم جاء ذلك اللقاء بين أوبنهايمر والرئيس هاري ترومَن بناء على طلب الأخير الذي كان يتوقع تهنئة الرجل على خدماته وأن يجد ذلك العالم سعيداً بما أنجزه.
لكن ترومَن فوجئ بأوبنهايمر يقول له: «يداي ملوثتان بالدم». حال سمع ذلك قال له غاضباً: «أنا مَن أمرت بإلقاء القنبلة وليس أنت»، ثم أنهى المقابلة مغادراً، وأوصى بأنه لا يريد مقابلة هذا الرجل بعد الآن.
أميركا اليسار
الفترة الممتدة من نحو منتصف الأربعينات إلى عام 1957 (وهي الأحداث ذاتها التي سبقت إنجاز ثم إلقاء القنبلة النووية على اليابان) كانت ذاتها الفترة التي سادت فيها ميول اليسار الأميركي بين فريق كبير من المثقفين والسينمائيين على الأخص.
لم تكن مساوئ ستالين ماثلة بعد، لكن الفكرة الشيوعية ووجود حزب شيوعي نشط في الولايات المتحدة يؤمن بنشر مبادئ ماركس حول المساواة الاقتصادية بين الجميع ونشر المؤسسات المجانية تبعاً لنظام شمولي أمور بدت كما أنها السبيل الصحيح للحياة. لا ننسى أن الولايات المتحدة خرجت من فترة عصيبة سماها جون شتاينبك، ثم سواه، بـ«سنوات اليأس» عانى فيها الملايين من الفقر والبطالة ونزوح أهالي الوسط في أميركا إلى الغرب بحثاً عن فرص حياة أفضل. هذا ما شكَّل لليسار مصدر قوة في توجهه إلى الرأي العام.

هذا بالإضافة إلى حقيقة أن الروس حاربوا النازيين كما فعل الأميركيون تماماً؛ ما جعلهم حلفاء. هذا التحالف انتهى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتحول أصدقاء الأمس إلى أعداء اليوم. في وسط هذه المرحلة، التفت «الكونغرس» الأميركي صوب الموجة الشيوعية، وطالبوا الرئيس هاري ترومن بموقف بدأ بقيامه بإصدار أمر بمراجعة كل موظفي الحكومة للتأكد من عدم وجود مندسّين أو أصحاب ميول يسارية بينهم. في عام 1950 قام عضو «الكونغرس» جوزف مكارثي بإلقاء خطاب ذكر فيه أن لديه قائمة بأعضاء الحزب الشيوعي.
سرت كلماته كالنار في الهشيم، واهتزت هوليوود بفعل الخوف من التعامل مع سينمائيين ثبتت ميولهم اليسارية أمثال جون غارفيلد وتشارلي تشابلن وبيرل آيفز ولويد بردجز ومارتن رَت وجوزف لوزاي وآخرين كثيرين. ومن حينها تداعت الأفلام المعادية لليسار ممتزجة بأفلام يسارية التوجه ثم بأخرى تنتقد الفترة. هذه عشرة منها.
1
The Red Menace
مجند أميركي سابق (روبرت روكوَل) ينخرط في الحزب الشيوعي ويقع في حب المسؤولة في الحزب. كلاهما يدرك لاحقاً مغبة ما يقومان به ويحاولان الهرب من مسلحين من أعضاء الحزب يحاولون قتلهما. تشويق بوليسي من جانب وبروباغاندا واضحة من الجانب الآخر. يلتقي بذلك مع أفلام مشابهة مثل I Was a Communist for the FBI لغوردون دوغلاس (1961). إخراج: ر.ج. سبرينغستين(1949) .
2
High Noon
عرض غاري كوبر نفسه لانتقاد شديد من قِبل بعض أترابه (في مقدمتهم جون واين) لقبوله بطولة هذا الفيلم الوسترن المهم حول البلدة التي تهرب من مسؤوليتها عندما يطلب منها «الشريف» مساعدته لمواجهة الأشرار. كنه الاعتراض أن الفيلم ينتقد الروح الأميركية. السيناريست كارل فورمَن كان وُضع على القائمة السوداء التي كونتها «لجنة التحقيق في النشاطات غير الأميركية». إخراج فرد زنيمَن (1952).
3
Mission to Moscow
أحد ثلاثة أفلام تم تحقيقها برسالة إيجابية صوب الاتحاد السوفياتي وذلك حين كان كل شيء ما زال على ما يرام بين القوتين العالميتين. حكاية السفير جوزف ديفيز (وولتر هيوستون) الذي وصل منتدباً من الحكومة الألمانية الفيدرالية للتعرف على أسلوب حياة النظام الشيوعي وعودته بعد ذلك إلى أميركا لينقل حسنات ذلك النظام. بروباغاندا واضحة لكن في زمن السمن على العسل. أخرجه مايكل كورتيز («كازابلانكا») (1943).
4
Crossfire
رغم أن هذا الفيلم لم يقترب من الموضوع الشيوعي، فإنه كان من بين الأسباب التي دعت هيئة التحقيقات لطلب المخرج إدوارد دمتريك للتحقيق. يدور حول قيام مجند (روبرت رايان) بقتل رجل لمجرد أنه يهودي. في الواقع كتب جيمس بروكس السيناريو على أن الجريمة وقعت لأن الضحية كان مثلياً، لكن الرقابة مانعت ذلك فتم تحويله إلى شخصية يهودية. هذا لم يمنع من مساءلة المخرج حول توجهاته السياسية من منطلق تعرضه، ولو في إطار شخص واحد، للمؤسسة العسكرية (1947).
5
Seven Days in May
«الخطر الحقيقي على أميركا هو من اليمين المتطرف»... هكذا يقول هذا الفيلم الذي يتحدث عن خطة يضعها قادة عسكريون أميركيون لاغتيال رئيس الجمهورية الأميركي لأنه يرغب في الحد من سباق التسلح النووي. بيرت لانكاستر وكيرك دوغلاس تحت إدارة جون فرانكنهايمر في حكاية مرصوفة للتشويق السياسي (1964).
6
The Front
وودي ألن في دور رجل عادي، اسمه هوارد، يتقدم منه بعض كتاب السيناريو الممنوعين من ممارسة العمل، نسبة لمحاكمات مكارثي، على أساس بيع سيناريوهاتهم باسمه هو. يوافق هوارد على ذلك ويحقق نجاحاً هائلاً رغم جهله؛ ما يضعه في مواقف حرجة. المخرج مارتن رَت والكاتب وولتر برنستين والممثل زيرو موستل كانوا من الذين منعوا فعلياً من العمل خلال الحقبة المكارثية (1967)
7
Invasion of the Body Snatchers
هناك عدد لا بأس به من أفلام الخيال العلمي في الخمسينات دارت حول خطر الغزو الشيوعي. «غزو ناهشي الجسد» أحد أهمها: حكاية بلدة صغيرة تغزوها شرانق تستولي على أجساد أبناء البلدة لتحويلهم إلى أشكال آدمية ومحو شخصياتها المنفردة وتحويلها إلى أفراد متشابهي الفكر والسلوك بمجرد استسلامهم للنوم. هناك واحد فقط (كَفن مكارثي - لا علاقة مع مكارثي الآخر) محذراً ما يدور. تم إعادة تحقيقه أكثر من مرة لاحقاً. إخراج دون سيغال (1956)
8
The Day the Earth Stood Still
فيلم برسالة ضد الحرب الباردة: مركبة فضائية تهبط الأرض ويخرج منها مخلوق في شكل رجل أرضي (مايكل رني) الذي يهدد أهل الأرض جميعاً بأنه إذا لم يتوقفوا عن النزاعات السياسية والعسكرية فإن أهل الفضاء سيدمرون الأرض لحماية أنفسهم. تشويق جيد ورسالة ناصعة ضد الشرق والغرب معاً. إخراج: روبرت وايز (1951).
9
On the Waterfront
مارلون براندو يواجه طغمة فاسدة تنتمي إلى نقابة العمال في فيلم اليساري إيليا كازان الذي حققه بعد خروجه من محاكمات مكارثي بريئاً إنما بثمن مرتفع: الوشاية عن آخرين كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي، كازان لم يندم لكنه هوجم لاحقاً على موقفه ذاك. هذا الفيلم جيد التنفيذ، لكنه كان بمثابة رسالة غفران موجهة للسماح له بمواصلة العمل وهذا ما كان (1954)
10
Salt of the Earth
مجموعة من الذين صدر القرار بوضعهم على القائمة السوداء (بينهم السيناريست مايكل ولسن والمخرج هربرت ج. بايبرمان) قرروا تحقيق فيلم عن إضراب عمال المناجم المكسيكيين في أميركا بسبب شروط العمل والبلطجة. خلال التصوير في ولاية نيومكسيكو تعرض عدد من العاملين للفتل من قِبل مواطنين. ما اضطرهم للانتقال من مكان تصوير لآخر. تم منع الفيلم من العرض حين خروجه ولسنوات (1953).
أرقام وتواريخ
• 1938: تم تأليف نواة «هيئة التحقيق في النشاطات غير الأميركية» التي شملت التحقيق في أصحاب الميول النازية قبل الحرب ثم تمحورت حول النشاطات الشيوعية من عام 1947 وصاعداً
• 21 مارس (آذار) 1947: قام رئيس الجمهورية هاري س. ترومن بإصدار قرار تنفيذي بتعقب أصحاب الميول اليسارية من موظفي الإدارات الرسمية.
• 1949: قام الاتحاد السوفياتي بأول تجربة نووية له قبل الموعد الذي توقعه الغربيون بسنوات.
• 1950: إلقاء القبض على جوليوس وإيثل روزنبيرغ بتهمة تسريب أسرار نووية لموسكو. تم تنفيذ حكم الإعدام بهما سنة 1953
• ما بين 1947 و1950 صدرت قوائم منع عن العمل بحق 190 كاتباً وممثلاً ومخرجاً ومنتجاً ومسرحياً
• 1960: أصر كيرك دوغلاس على اختراق هذا المنع عندما أنتج (وقام ببطولته) Spartacus واضعاً اسم الكاتب الممنوع دالتون ترمبو على الفيلم.





