حروب الأمم تتجدد في مهرجان «كارلوفي فاري»

بعض جوائزه توزعت بين بلغاريا وألمانيا

لقطة من «دروس بلاغا»... (42 فيلمز)
لقطة من «دروس بلاغا»... (42 فيلمز)
TT

حروب الأمم تتجدد في مهرجان «كارلوفي فاري»

لقطة من «دروس بلاغا»... (42 فيلمز)
لقطة من «دروس بلاغا»... (42 فيلمز)

منح مهرجان كارلوفي فاري (جمهورية التشيك) جائزته الأولى للفيلم البلغاري «دروس بلاغا» (Blaga‪'‬s Lessons) وذلك في نهاية دورته السابعة والخمسين التي أقيمت في تلك المدينة الجميلة ما بين نهاية الشهر الماضي والثامن من هذا الشهر مع إتاحة يوم إضافي لمشاهدة الفائز من الأفلام لمن فاتته فرصة مشاهدتها خلال أيام المهرجان الرسمية.

الفيلم دراما ساخرة حول ما يذهب إليه البعض بهدف السطو على ما تملكه زوجة شرطي مات حديثاً وتركها وحيدة إلا من ذكرياتهما معاً. فجأة هناك من يداوم الاتصال بها مدعياً أنه من رجال البوليس، طالباً منها أن تسحب مالها من المصرف لأن حسابها بات مكشوفاً وقد تخسره بالكامل. بذلك تجد نفسها تواجه عملية نصب مدروسة تكاد معها أن تخسر كل ما تملكه.

تاريخ يبحث عن فيلم

قلّما يفوز فيلم بلغاري بجائزة أولى رغم وجود صناعة محلية يتجاوز إنتاجها من الأفلام الروائية والتسجيلية الطويلة أكثر من 25 في العام. هذا هو أيضاً وضع السينما التشيكية ومعظم دول أوروبا الشرقية بالمقارنة مع وضع السينما في أوروبا الغربية.

مهرجان كارلوفي فاري، الذي يقام سنوياً في التشيك، هو تاريخ يبحث عمن يودعه طيّات فيلم وثائقي. أقيم للمرّة الأولى في عام 1946 كمهرجان للسينما المحلية بلا جوائز. بعد عامين نما الشعور بأن المهرجان يحتمل وجود جوائز سنوية وفي سنة 1951 دفع باتجاه احتواء لجنة تحكيم دولية كسواه من مهرجانات المنطقة. هنا وجد «كارلوفي فاري» نفسه في ورطة كون طموحاته أخذت تصطدم بحقيقة وجود مهرجان كبير واحد في المنظومة الشيوعية هو مهرجان موسكو (تأسس سنة 1935 وكسب شهرته وعالميّته في مطلع السبعينات) الذي رفض المنافسة، عادَّاً المنظومة الأوروبية الشرقية لا تحتمل أكثر من مهرجان كبير واحد. تبعاً لذلك رضخ «كارلوفي فاري» لرغبة موسكو وتوقف عند حدود المركز الثاني بين مهرجانات أوروبا الشرقية التي تسعى لعروض عالمية.

أكثر من ذلك أن القرار الروسي - التشيكوسلوفاكي الرسمي آنذاك قرر أن يقام المهرجان التشيكي بالتناوب مع المهرجان الموسكوفي وليس في العام ذاته. مهرجان موسكو كان يُقام مرّة كل عامين، وفي العام الذي يغيب فيه يُقام مهرجان كارلوفي فاري.

في سنة 1992 استعاد «كارلوفي فاري» حضوره السنوي وانتقل من وضع الملحق إلى وضع رئيسي ومن ثم إلى الموقع الذي يحتلّه الآن في مقدّمة الصف الثاني من المهرجانات، أي بعد الثلاثي الأول: فينيسيا، كان، برلين) وبمساواة مهرجانات أساسية أخرى مثل لوكارنو السويسري وسان سابستيان الإسباني وصندانس الأميركي.

مشهد من فيلم «فراشات حديدية (Iron Butterflies)»... (بابلون 13)

صراعات آنية

بطريقة أو بأخرى، شهدت الدورة الحالية استعادة للماضي المذكور إنما من زاوية الحرب الدائرة بالقرب بين روسيا وأوكرانيا. جمهورية التشيك، التي دخل الجيش الروسي عاصمتها براغ سنة 1968، معنية كثيراً بما يدور على مسافة مجاورة ومهرجانها لم يعكس هذا الاهتمام بعرض أفلام أوكرانية (كان هناك فيلم واحد في المسابقة بعنوان «فراشات حديدية») بقدر ما انعكس في رفض عرض أفلام روسية. لم يشمل الرفض الإنتاجات الرسمية (أي تلك التي اعتمدت على دعم وزارة الثقافة الروسية) فقط، بل تلك المستقلة أيضاً، وذلك على أساس أنه ليس من العدل الاحتفاء بسينما روسية في مثل هذا الوقت، خصوصاً وأن الدولة التشيكية تعارض روسيا أسوة بمعظم دول أوروبا.

الفيلم الأوكراني «فراشات حديدية» فيلم تسجيلي يتمحور حول حادثة السابع عشر من يوليو (تمّوز) 2014 عندما انفجرت طائرة مدنية تقل 298 راكباً في رحلتها من أمستردام إلى ماليزيا وسقطت في الأراضي المتنازع عليها ما بين روسيا وأوكرانيا وتبادل الجانبان تهمة من أطلق تلك القذيفة على الطائرة.

يغرف الفيلم من التحقيقات التي قام بها الجانب الأوكراني التي أدانت الميليشيا الروسية (المعروفة بـ BUK) وأصدرت حكمها بالسجن المؤبد على من عدَّتهم مسؤولين عن الحادثة. يحيط الفيلم بهذه الوقائع على نحو مدروس وبتنفيذ جيد. ليس هناك من مشهد، في الساعة الأولى منه، غير موثّق أو غير مبني على وثيقة. وتوالي المَشاهد يدفع باتجاه الإدانة وممارسة حق الفيلم التسجيلي/ الوثائقي في لعب دوره في التعامل مع التاريخ.

ما يخفق فيه الفيلم هو أنه من بعد استيفاء هذا الجانب من العرض يعرج على أحداث الأمس القريب عندما حررت القوات الروسية تلك المناطق التي تعتبرها لها. هنا يواصل المخرج رومان ليوباي الكيل للعدو من دون أن يسمح لنفسه التعامل مع جانبي النزاع على نحو موضوعي. مشكلة ما يقع في الثلث الأخير من الفيلم هو أن التاريخ لن ينظر إلى أحداث اليوم من زاوية طرف واحد كما يفعل المخرج، بل سيحيط بالظروف جميعاً.

على أن الحرب الأوكرانية ليست الوحيدة التي عرض لها «كارلوفي فاري» أفلاماً. إلى جانب «فراشات حديدية» كان هناك فيلمان آخران على الأقل تتعامل مع موضوعي الحرب والتاريخ. أحدهما الفيلم اللبناني «على فوهة بركان» (سُمّي بالإنجليزية Dancing on the Edge of a Volcano) لسيريل عريس والفيلم الآتي من بوسنيا بعنوان «مواجهة الظلام» (Facing Darkness).

تمويل ألماني لمواضيع غير ألمانية

في هذا الفيلم اللبناني (ولو اسمياً على أساس أن تمويله جاء من فرنسا وألمانيا) الذي خرج بتنويه خاص من لجنة التحكيم، كما بجائزة الجمهور المسمّاة بـ«برافو»، سرد لمأساة انفجار المرفأ كنقطة بداية لانهيار جديد ونقطة نهاية لمرحلة سابقة. ليس أن الوضع لم يكن متأزماً على كل صعيد ممكن قبل ذلك الانفجار الهائل الذي أودى بأكثر من 7 آلاف شخص بين قتيل وجريح. يعرض المخرج سيسيل عريس المأساة من وجهة نظر سينمائيين يرغبون في أداء دورهم في كشف اللثام عما لا يستطيعون كشفه تبعاً لإخفاء الحقائق.

هناك فيلم فرنسي- ألماني آخر عرضته المسابقة تحت عنوان «مواجهة الظلام». هو أيضاً فيلم تسجيلي قام بإخراجه الفرنسي جان-غبريال بريو، لكن وجهته هي ما حدث في العام 1992 عندما هاجمت القوّات الصربية بوسنيا ما أدّى لموت نحو 5000 مدني وأكثر من ذلك من القوى البوسنية النظامية خلال المرحلة الأولى على الأقل. يستعرض المخرج تاريخ من قبل تلك الحرب قبل أن يربطه بالأحداث اللاحقة وصولاً إلى الوضع الحالي.

مشهد من الفيلم الإيراني «عش فارغ»... (باسيس برلين فيلم برودكشن)

«عش فارغ» (Empty Nest) للإيراني بهروز كاراميزاده (تم تمويله ألمانياً) هو الفيلم الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى. إنتاج ألماني فيه لمحات من المعالجات الاجتماعية التي سادت أفلام جعفر باناهي وأصغر فرهادي من دون التيمة النقدية الواضحة في أفلامهما.

يتعامل هذا الفيلم مع الوضع الاقتصادي، مستنداً إلى قصّة حب بين الشاب أمير (حميد رضا عباسي) والفتاة نرجس (صدف أصغري) تعارضها عائلة الفتاة الأعلى دخلاً إلا إذا استطاع أمير البرهنة على أنه يستطيع زيادة دخله لكي يناسب المقام. على هذه الخلفية التقليدية في الواقع نجد أمير وقد وجد عملاً كغطّاس في البحر، مما يقوده لاحقاً للعمل في اصطياد بيض السمك على نحو غير مرخّص ومخالف للقانون. كل هذا لأن المسألة بالنسبة إليه هو كسب رضا أهل زوجته حين التقدم للزواج من ابنتهم.

ربما يمكن وصف هذا الفيلم بشكل من أشكال المغامرة، لكن «عش فارغ» يتعرّض للمسألة الاجتماعية وضمنها الموقف الأخلاقي. هو عن الظروف الداعية ثم مصير تلك الرغبة في تأمين العيش الرغيد.

حقائق

خريف المهرجانات

تزدحم باقي أسابيع الصيف وأشهر الخريف المقبل بالعديد من المهرجانات في كل أنحاء العالم. التالي قائمة بسبعة أساسية منها بينها مهرجانان عربيّان:

1- لوكارنو (سويسرا): من 2 إلى 12 أغسطس (آب)

2- فينيسيا (إيطاليا): 30 أغسطس إلى 10 سبتمبر (أيلول)

3- تورنتو (كندا): 7 إلى 17 سبتمبر

4- سان سيباستيان (إسبانيا): 29-30 سبتمبر

5- لندن (بريطانيا): 4- 15 أكتوبر (تشرين الأول)

6- الجونة (مصر): 12-20 أكتوبر

7- قرطاج (تونس): 28 أكتوبر إلى 4 نوفمبر (تشرين الثاني)


مقالات ذات صلة

«الإغلاق المبكر» يفرض تعديلات على برنامج «جمعية الفيلم» في مصر

يوميات الشرق لقطة من كواليس تصوير فيلم «السادة الأفاضل»

«الإغلاق المبكر» يفرض تعديلات على برنامج «جمعية الفيلم» في مصر

بينما كان يستعد مهرجان «جمعية الفيلم المصرية» لإقامة دورته الـ52 صدرت قرارات الإغلاق المبكر التي بدأ تنفيذها بهدف توفير الطاقة، إثر تداعيات الحرب على إيران.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق مهرجان أسوان يستعد لدورته العاشرة (إدارة المهرجان)

تراجع الدعم الحكومي يهدد «أسوان السينمائي» بمصر

في ضوء هذا التخفيض المفاجئ، لا نعلم كيف سنتعامل مع مهرجان استُكملت جميع تفاصيله... فالظروف صعبة، والوضع العام معقّد ومربك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ريهام عبد الغفور خلال تكريمها (إدارة المهرجان)

«الأقصر للسينما الأفريقية» يحتفي بمسيرة ريهام عبد الغفور الفنية

شهدت فعاليات الدورة الـ15 من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» احتفاء بمسيرة الفنانة ريهام عبد الغفور التي كرمها المهرجان في حفل الافتتاح، الأحد.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العِجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً


بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز