على امتداد أكثر من 16 شهراً منذ بدء حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، برزت مصطلحات عدة على السطح مثل «الجحيم» و«التطهير» و«خط أحمر» استخدمها سياسيون، وتداولتها وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، متصدرة العناوين الرئيسة رغم ما تحمله من معانٍ «ملتبسة». ودارت حرب مصطلحات بموازاة الحرب على الأرض، حاول كل طرف من خلالها فرض سرديته للأحداث.
الدكتور محمد شومان، عميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية في القاهرة، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «حرب غزة كانت فضاءً لصراع خطابات متعددة، ولكل خطاب منطقه وأهدافه وآليات تبريره». وأضاف أن «مفهوم الثأر كان من بين أهم المفاهيم والمصطلحات المسكوت عنها في الحرب الأخيرة».
وتابع شومان أن «إسرائيل، الشعب والحكومة، مارست الثأر بقوة وعنصرية، وبقوة تفوق هجوم 7 أكتوبر 2023»، مشيراً إلى أن «ممارسة الثأر، وهو فعل مارسته كل من الولايات المتحدة والدول الغربية أيضاً، تمثَّلت بتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم ليصبحوا موضوعاً للقتل والتدمير، ويصبحوا كلهم حركة (حماس)».
شومان ذكر أن «الثأر كان المبرر غير المعلن للإبادة ولفكرة التهجير وللصمت الأميركي بشأن (حل الدولتين)... والثأر كان من سكان غزة، فمع أن السكان لم يهاجموا إسرائيل، فإنه استُخدم كآليةِ عنفٍ كي لا يجرؤ الفلسطينيون على تكرار الفعل».

«الثأر أيضاً كان مفهوماً أساسياً عند حركة (حماس)»، وفق شومان، إذ لحظ أن «الثأر عند الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، كان يعني شرعية نفي الآخر، وأن يكون الصراع مباراة صفرية... إما أن أكون أو لا أكون». ومن ثم شرح أن «فكرة التهجير هي امتداد للثأر والرغبة في نفي الآخر... وأن إسرائيل الحكومة ضحَّت بأرواح غالبية الأسرى من أجل ممارسة الثأر، وفي المقابل اختطفت (حماس) الإسرائيليين في إطار محاولتها للثأر من إسرائيل». وخلص إلى القول: «الثأر هو آلية نتنياهو للبقاء في الحكم... وآلية بقاء (حماس) في حكم غزة».
حقاً، سلطت حرب غزة الضوء على مصطلح «التهجير»، الذي جرى تداوله مع بداية الحرب، قبل أن يكتسب زخماً إضافياً عقب طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقترحه للسيطرة على قطاع غزة وتحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» بعد تهجير سكانه، وهو ما قوبل برفض دولي وعربي واسع. وتزامناً مع انتشار مصطلح «التهجير»، بدأ الترويج لمفاهيم «ملتبسة» بشأنه عبر الحديث عن «التهجير الطوعي» بهدف جعله أكثر قبولاً لدى الرأي العام.
مصطلح آخر استُخدم بدلالات عدة، وفي مناسبات مختلفة طوال الحرب، هو «خط أحمر»، الذي استُخدم لتأكيد رفض التهجير. إذ قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 «التهجير خط أحمر. لم ولن نقبل أو نسمح به». وفي الشهر التالي، عدّت «هيئة الاستعلامات في مصر»، عبر إفادة رسمية، محور فيلادلفيا «خطاً أحمر ينضم إلى سابقه، الذي أعلنته مصر مراراً، وهو الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين قسراً أو طوعاً إلى سيناء، وهو ما لن تسمح القاهرة لإسرائيل بتخطيه». ثم أُعيد استخدام تعبير «خط أحمر» مراراً، وبرز على السطح من جديد مع تصدر «مخطط التهجير» المشهد مرة أخرى.

في لقاء مع «الشرق الأوسط» أشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور أحمد يوسف أحمد، إلى أن «واحداً من أبرز المصطلحات التي فرضتها حرب غزة، كان مصطلح (حيوانات بشرية)، الذي روّجت له دوائر إعلامية وسياسية إسرائيلية واستخدمته لوصف المنتمين لحركة (حماس)... ويعكس هذا المصطلح قمة العنصرية والتحيّز في النظر للمقاومة».
الدكتور أحمد تطرق إلى مصطلحات أخرى برزت على الساحة مثل «الإبادة الجماعية» و«التطهير العرقي»، لا سيما مع الدعوة التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في هذا الصدد. ولفت أستاذ العلوم السياسية المصري إلى مصطلحات أخرى عدّها «دليلاً على مراوغة الجانب الإسرائيلي»، وأبرزها «المناطق الآمنة». ثم أوضح: «المناطق الآمنة من المفترض أنها مناطق يلجأ إليها المدنيون في وقت الحرب، لكن إسرائيل استخدمتها لاستهداف المدنيين، وكانت هناك وقائع لقتل مدنيين وهم في طريقهم إلى المناطق التي أعلنتها تل أبيب آمنة».
«أيضاً جاء مصطلح (الهدوء المستدام) بديلاً مراوغاً لمصطلح (وقف إطلاق النار)»، وفق أحمد، الذي أشار إلى أن «الهدوء المستدام لا يعني بالضرورة انعدام العمليات العسكرية من آن لآخر، وبالتالي، فهو مختلف عن وقف إطلاق النار».
وتابع الدكتور أحمد أن مصطلح «معلومات استخباراتية موثوقة» كان من المصطلحات التي جرى الترويج لها «لتبرير الأفعال الإسرائيلية، ولقد عمدت إسرائيل إلى استخدام هذا التعبير لتبرير معظم عملياتها ضد أهداف مدنية طوال حرب غزة، وكان مبرِّرها المزعوم معلومات استخباراتية موثوقة بوجود إرهابيين».
هذا، ورغم حجم الالتباس في المعاني الذي حمله كثير من المصطلحات المُتداولة إعلامياً إبان حرب غزة، رأى أحمد أن «إسرائيل سكّت مصطلحات وحاولت الترويج لها، لكنها لم تستطع إقناع الرأي العام العالمي بها»، مدلّلاً على ذلك «بموجة الاحتجاجات الداعمة لفلسطين التي شهدتها دول عدة حول العالم».
جدير بالملاحظة أن مصطلحات كـ«التطهير» و«الجحيم» كانت من بين المعاني «المُلتبسة» التي جرى تداولها إبان الحرب، بحسب مراقبين، لا سيما أنها وردت على لسان الرئيس ترمب الذي «هدَّد بجحيم في الشرق الأوسط ما لم يُطلَق سراح الأسرى قبل توليه مهام منصبه رئيساً للولايات المتحدة»، من دون أن يوضِّح ما هو الجحيم، وكيف سيحدث.
من جهة أخرى، في معرض كلام ترمب عن مشروعه لقطاع غزة، قدَّم مقترحاً لـ«تطهير» غزة، حسب تعبيره، داعياً مصر والأردن لاستقبال الفلسطينيين من القطاع من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط، ليغدو «التطهير» مرادفاً لـ«التهجير».
في أي حال، «حرب المصطلحات» في القضية الفلسطينية ليست وليدة الحرب الأخيرة.
وللعلم، تاريخياً لعبت اللغة والمصطلحات دوراً كبيراً في «التحشيد الجماهيري»، حتى إن رئيس وزراء بريطانيا الأسبق وينستون تشرشل، وُصف بأنه «حشد اللغة الإنجليزية وأرسلها إلى الميدان»، إبان الحرب العالمية الثانية، تعقيباً على استخدامه الفصاحة اللغوية في إقناع المعارضة بدخول الحرب ضد ألمانيا.