«الشرق ديسكفري» لإحداث تحوّل إعلامي وتثقيفي

بول إدواردز لـ «الشرق الأوسط»: القناة تأتي في سياق تنويع صناعة المحتوى الناطق باللغة العربية

شعار "الشرق ديسكفري" (الشرق ديسكفري)
شعار "الشرق ديسكفري" (الشرق ديسكفري)
TT

«الشرق ديسكفري» لإحداث تحوّل إعلامي وتثقيفي

شعار "الشرق ديسكفري" (الشرق ديسكفري)
شعار "الشرق ديسكفري" (الشرق ديسكفري)

تتطلع قناة «الشرق ديسكفري» التلفزيونية إلى تقديم مزيج من المحتوى من الإنتاجات العالمية والإنتاج المحلي والإقليمي الأصلي والنوعي، إذ تهدف لإحداث تحوّل مهم في المشهد الإعلامي والمحتوى التثقيفي الترفيهي في المنطقة. وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال بول إدواردز، المدير العام لقناة «الشرق ديسكفري» إن القناة هي إحدى ثمار الشراكة بين المجموعتين العملاقتين في عالم الإعلام، المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام «SRMG» و«وارنر براذرز ديسكفري». وأردف أن هذه الشراكة «تمكِّن القناة من تقديم محتوىً مميز ومتنوع يصار إلى اختياره من شبكات وارنر براذرز ديسكفري الأميركية والدولية الواسعة، بالإضافة إلى تقديم باقة من البرامج الأصلية التي تتماشى مع ذوق واحتياجات جمهور منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

بول إدواردز (الشرق ديسكفري)

عوالم مختلفة

إدواردز أوضح أن الهدف الأول عند «الشرق ديسكفري» هو تقديم محتوىً ممتع يغمر المشاهدين وينقلهم إلى عوالم مختلفة من خلال إثارة فضولهم حول العالم الذي يعيشون فيه، وتابع «نحن واثقون في أننا من خلال هذه المنصة المميزة سنتمكن من إحداث تحوّل مهم في المشهد الإعلامي والمحتوى التثقيفي الترفيهي في المنطقة، حيث تعرض المنصّة محتوى مجانياً مترجماً ومدبلجاً إلى العربية وبمعايير عالمية».

ولفت إلى أن اتفاقية الشراكة تضمّنت فرصة التعاون في الإنتاج المشترك مع «وارنر براذرز ديسكفري» و«إتش بي أو HBO» لما يصل إلى 30 ساعة سنوياً، لإنتاج محتوى محلي وإقليمي أصلي ونوعي، من خلال تشجيع المواهب المحلية لتقديم أفكار جديدة ومبتكرة للمنطقة. وحول مساهمة الشراكة مع شبكة وارنر براذرز ديسكفري في إيجاد محتوى مختلف للمشاهد العربي، قال شارحاً «تمتلك وارنر براذرز ديسكفري خبرة واسعة في إدارة أعمال قنوات ناجحة تمتد لأكثر من 30 سنة، ما سيمكننا من الاستفادة من خبرتها الإنتاجية في تنسيق الأعمال الأصلية والأفكار الجديدة بما يناسب المنطقة. أضف إلى ذلك أن لدينا حقوق اختيار البرامج التي تناسب جمهورنا من مكتبة وارنر براذرز ديسكفري الواسعة التي تشمل Discovery وAnimal Planetو TLCو Investigation DiscoveryوHGTV وFood Network، إضافة إلى قناة (فتافيت) التي تحظى بانتشار واسع في المنطقة».

عوامل النجاح

المدير العام شدّد على أنهم محظوظون بوجود شريك قوي يرتكز محتوى «الشرق ديسكفري» عليه، وأضاف «نحن أيضا ننتمي إلى مجموعة عريقة تحظى بإرث يعود إلى 50 سنة من النجاحات، الأمر الذي يقدم لنا فرصة استثنائية للاستفادة من خبراتها في تحقيق النجاح لهذه المنصة الفريدة من نوعها... ومن ثم، يأتي إطلاق المنصّة الجديدة ضمن جهود المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) في الاستمرار في تطوير وتنويع صناعة المحتوى الناطق باللغة العربية».

وعن المحتوى والبرامج التي تعتزم القناة تقديمها، قال إدواردز «تشمل قائمة الإطلاق برامج عدة، من ضمنها: (حمّى الذهب) و(مفاجآت أيام الخطوبة) و(ممر عبر الزمن مع مورغان فريمان) و(عجلات على الطرقات) و(كائنات مدهشة) و(عائلة بنات) و(صائدو المنازل) و(عين الشرطة الثالثة)، التي أعيد إنتاجها لتترافق مع رسوم وتعليقات صوتية باللغة العربية».

وأضاف: «لدينا خطط كبيرة لتقديم العديد من البرامج الأصلية التي بدأنا بإطلاقها أخيراً، منها برنامج الناقد، وهو برنامج أسبوعي حول الأفلام والمسلسلات تناقش فيه الأفلام والأعمال الدرامية وتقيم من قبل اختصاصيين خبراء يتولّون بعد كل جلسة تصنيف هذه الأعمال». وتابع مفصّلاً «برنامج تست درايف الرياض يقدم مزيجاً جذاباً من المحتوى السياحي والتثقيفي للجمهور يجمع بين الترفيه والمسابقات والمعلومات العامة في رحلة ينطلق فيها المتسابقون بسياراتهم في أنحاء الرياض. وسنواصل تطوير هذه البرامج الأصلية بشكل كبير في العام المقبل». وأكد أن استراتيجية عرض محتوى «الشرق ديسكفري» تعتمد على البيانات والأبحاث، حيث من خلالها يمكنها فهم المشاهدين والمستخدمين بشكل أفضل من حيث كيفية تفاعلهم مع المحتوى على مختلف المنصات.

جايمي كوك (الشرق ديسكفري)

تطور رائد

من جهة ثانية، قال جايمي كوك، مدير عام «وارنر براذرز ديسكفري» في وسط أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وتركيا، إن الشراكة بين المجموعة السعودية للأبحاث والأعلام «SRMG» وشركة «وارنر براذرز ديسكفري»، التي أطلقت منصة الشرق ديسكفري، «تعد تطوراً رائداً في المشهد الإعلامي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

وأضاف كوك «يمثل هذا التعاون علامة بارزة في استراتيجيتنا لتقديم محتوى عالي الجودة وذي صدى ثقافي لجمهور متنوع». وشدد على أن «رؤية الشرق ديسكفري مبنيّة على أساس من القيم والأهداف المشتركة بين (SRMG) وشبكة وارنر بروز ديسكفري... ونحن نرى في هذه الشراكة فرصة لسد الفجوة الثقافية من خلال عرض مجموعة واسعة من البرامج التي تُمتع المشاهدين وتعلمهم وتلهمهم». ثم أردف أن «الكل متحمس بشكل خاص لإمكانية اكتساب جمهور عالمي للقصص المحلية من خلال هذه المنصة، حيث من المتوقع أن تصبح (الشرق ديسكفري) من الأبرز في مجال الترفيه المعلوماتي، مع الالتزام بالتميز والتفاني في خدمة الجمهور»، مشيراً إلى أنه في بيئة إعلامية سريعة التطور، تمكن الشراكات الاستراتيجية من الاستفادة من نقاط القوة عبر الحدود ومجالات الصناعات.

إثراء المشهد العربي

وحول مسألة المحتوى، أوضح كوك أن التعاون بين «SRMG» و«وارنر براذرز ديسكفري» عبر إطلاق الشرق ديسكفري «سيثري مشهد المحتوى العربي بشكل كبير، إذ جرى تصميم هذه الشراكة للاستفادة من القدرات الإنتاجية الشهيرة لشركة (وارنر بروز ديسكفري) مع الخبرة الإقليمية لـ(SRMG) ما سيوفر عمقاً وتنوعاً لا مثيل لهما في البرامج العربية». وأكد «تكمن القيمة المضافة في دمج الجودة والتنوع وسهولة الوصول... ومع الشرق ديسكفري، سيتمكن المشاهد من الوصول إلى مجموعة واسعة من تصنيفات المحتوى - من العلوم والهندسة إلى الثقافة والتاريخ - كلها مصممة خصيصاً لتناسب تفضيلات الجماهير الناطقة باللغة العربية. وستقدم هذه المنصة محتوى مشهوراً عالمياً، ومترجماً بالتعليقات الصوتية والغرافيكس العربية، مما يجعلها مألوفة بشكل عميق وجذابة للجمهور الإقليمي».

وواصل كوك شرحه «علاوة على ذلك، ستعمل القناة كمحفّز لإنشاء المحتوى الأصلي، وتسليط الضوء على المواهب المحلية ورواة القصص. وبالتالي، فإن مبادرة الإنتاج المشترك لما يصل إلى 30 ساعة من المحتوى سنوياً مع شركة وارنر براذرز ديسكفري تلهم وتعد بتقديم قصص أصلية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الجمهور العالمي».

جمع نقاط القوة

أما بالنسبة للفائدة التي يمكن أن تتحقق من خلال الشراكة بين اثنين من أكبر صناع المحتوى على مستوى العالم، فقال كوك «الشراكة بين اثنين من صانعي المحتوى الرائدين، المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) و(وارنر براذرز ديسكفري)، تحمل إمكانات هائلة... إنها تجمع بين نقاط القوة المتميزة في الإنتاج والتوزيع وسرد القصص لتقديم مجموعة واسعة من المحتوى عالي الجودة. ويمكن لهذا التعاون أن يدفع الابتكار في إنشاء المحتوى، وتقديم روايات متنوعة يتردد صداها عالمياً».

وأضاف «كذلك، فإنه بمقدور هذا التعاون تطوير أشكال جديدة من المحتوى، ما يمكن أن يُثري تجربة المشاهدة ويلبّي الأذواق المتغيرة لمجموعة واسعة من المشاهدين، ناهيك من أنه يخلق الفرصة للاستفادة من القدرات عبر المنصات، وتوسيع نطاق الوصول والمشاركة من خلال منافذ الوسائط التقليدية والرقمية».

ولدى التطرق إلى الناحية الاستراتيجية، قال كوك إنه «يسمح بمشاركة أفضل حول الممارسات والتكنولوجيا ورؤى السوق، التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة الكفاءة والفاعلية في إنتاج المحتوى وتوزيعه. ويمكنه أيضاً تضخيم التبادل الثقافي، وتقديم المحتوى المحلي إلى جمهور عالمي مع تقديم وجهات نظر دولية للمشاهدين المحليين... وبالنسبة إلى الشراكة مع المجموعة السعودية والأبحاث والإعلام (SRMG) نرى أن الفوائد نظرية وعملية، كما نشهد مع إطلاق قناة (الشرق ديسكفري) أن هذا المشروع يجسد منارة لالتزامنا المشترك بالتميز وتفانينا في تقديم قصص مقنعة إلى كل ركن من أركان العالم».

ولفت كوك إلى أنه في «وارنر بروز ديسكفري»، تتشكل أولويات الاستراتيجية في هذه الأسواق من خلال الالتزام بالابتكار ومشاركة الجمهور والتميز في المحتوى. وأوضح «إننا نهدف إلى توسيع نطاق الوصول من خلال توسيع بصمتنا بزيادة إمكانية الوصول إلى مجموعة المحتوى المتنوعة لدينا عبر المنصات التقليدية والناشئة، ما يضمن إمكانية الاستمتاع ببرامجنا لمزيد من المشاهدين... ومن ضمن الأهداف تنمية المحتوى المحلي، إدراكاً منّا للنسيج الثقافي الغني لهذه المناطق».

التحول الرقمي

وفيما يخص موضوع تبني التحول الرقمي قال كوك «نحن نستثمر في المنصات الرقمية لتقديم المحتوى مباشرة للمشاهدين، وتخصيص التجارب حسب التفضيلات الفردية وعادات المشاهدة... ويضاف إلى ذلك تنمية المواهب، إذ نرى دعم المواهب الإقليمية وعرضها أمراً بالغ الأهمية، وتهمنا ممارسات الأعمال المستدامة من خلال دمج ممارسات الأعمال المستدامة في عمليات الشبكة، واتباع النهج الذي يركز على العملاء»، لافتاً إلى أنه من خلال التركيز على هذه المجالات الرئيسية، ستستمر شركة «وارنر بروز ديسكفري» في ريادتها في مجال الترفيه والإعلام والتفاعل وإلهام الجماهير. وأخيراً، حول الفرص والتحديات التي تتوقعها «الشرق ديسكفري» في المشهد الإعلامي بالمنطقة العربية.



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».