مراسلو جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: نغطي حرباً بلا قواعد اشتباك

مقتل زملاء شكل لهم صدمات كبيرة

إدمون ساسين وفريقه من "إل بي سي آي" (الشرق الأوسط)
إدمون ساسين وفريقه من "إل بي سي آي" (الشرق الأوسط)
TT

مراسلو جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: نغطي حرباً بلا قواعد اشتباك

إدمون ساسين وفريقه من "إل بي سي آي" (الشرق الأوسط)
إدمون ساسين وفريقه من "إل بي سي آي" (الشرق الأوسط)

لا يُحسد مراسلو الحرب على المهمة الصحافية التي يقومون بها أثناء تغطيتهم اشتباكات جنوب لبنان إثر اندلاع حرب غزة. فهم ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) اتخذت حياتهم منحى آخر يميل أكثر نحو خطر الموت. وتوسعت هذه الفرضية إثر استشهاد زميلهم في وكالة «رويترز» عصام عبد الله، ولاحقاً المراسلة فرح عمر والمصوّر ربيع المعماري، كما ازداد الأمر تعقيداً مع قرار وكالات الأنباء الأجنبية الانسحاب من أرض المعركة.

المصورون والمراسلون لن ينسوا لكن لن يسمحوا بخسارة أي فرد من أفرادهم، لا سيما أن استشهاد أي إعلامي، صحافياً كان أم مصوراً، يشكل لزملاء المهنة صدمة عارمة. ومن جهة ثانية، تراهم الآن يدركون أن الغطاء الدولي الذي كانوا يظنونه متوفراً للجسم الإعلامي ولّى. إذ تبين للجميع أن الجيش الإسرائيلي لا يلتزم بالقواعد العالمية للحرب، ولا يفرّق بين صحافي أو عسكري، ولا بين مستشفى ومركز قتال. ذلك أنه ضرب عرض الحائط كل هذه القواعد، ما جعل مهمة الصحافي المراسل والمصور محفوفة بالأخطار.

مجموعة من هؤلاء المراسلين التقتهم «الشرق الأوسط»، وتعرفت إلى نمط حياتهم وطبيعة مهماتهم خلال تغطيتهم اشتباكات الجنوب. بينهم من ترك عائلته وأولاده خلفه كأي جندي حرب، وبينهم المراسلة المرأة التي باتت أرض المعركة منزلها الثاني.

محمود شكر ونوال برّي (الشرق الأوسط)

شغف المهنة

السؤال البديهي الذي قد يطرحه أي شخص على أحد هؤلاء المراسلين هو «هل أنت مضطر للقيام بهذه المهمة الخطيرة؟»... خصوصاً وأن غالبية المراسلين تفرّغوا للإقامة في أرض الحرب منذ بدايتها، عيونهم الساهرة تتابع مجريات الأمور لحظة بلحظة. ثم أنهم حتى عندما يخلدون إلى النوم، يكون العدو وراءهم يراقبون تحركاته خوفاً من حصول مفاجأة ما، وبينهم من ينتمي إلى أرض الجنوب لأنها مسقط رأسه. إنهم أبطال من نوع آخر، يضعون حياتهم على كف عفريت من أجل شغف المهنة.

نيران غير صديقة

يقول إدمون ساسين، مراسل المؤسسة اللبنانية للإرسال «إل بي سي آي»، إنه قبل حرب غزة كان يغطي حرب أرمينيا وأذربيجان. وتجربته غنية بأخرى خاضها على مدى 12 سنة في هذا المضمار. وهو حالياً يقوم بتغطية الاشتباكات الساخنة الدائرة في جنوب لبنان مع إسرائيل.

كيف يصف إدمون مهمته هذه؟ فيجيب: «نحن اليوم نقف على خط التماس الأساسي لحرب تدور بين جنوب لبنان وشمال إسرائيل. الخطورة التي نواجهها كبيرة جداً. فالصواريخ والانفجارات تحيط بنا، والطائرات والمسيّرات الحربية تحوم فوق رؤوسنا. أي غلط وارد في حال أخطأ الطرف الآخر هدفه».

ثم يضيف: «عادةً في الحروب نعرف أين يجب أن نتموضع... إلا أن هذا يغيب في هذه الحرب. نحن الآن نمشي على خط الموت وليس على خط نار. وعندما حصلت عملية استشهاد الزميل عبد الله كنا نقف في وسط أرض المعركة، ولكن على مبعد من خط النار. وفجأة سقط صاروخ على هذه النقطة، وكنت على بعد أمتارٍ من فريق عبد الله. لقد شاهدنا الحادثة بأم العين، ولذا كانت صدمتنا كبيرة، وأدركنا بعدها أن مبدأ تحييد الصحافيين عند الإسرائيليين أمر غير متوفر بتاتاً».

كوابيس الطفولة عادت

أما نوال برّي، مراسلة تلفزيون «إم تي في»، فتقول لـ«الشرق الأوسط» إن التجربة الميدانية التي تعيشها اليوم ذكرتها بطفولتها. فهي ابنة الجنوب وقد عرفت ويلات الحرب وتأثرت بها. وتتابع نوال شارحة: «النوم هرب من عيني وعادت إليّ كوابيس حرب الجنوب عندما كنت طفلة. أنا أعيش اليوم مع فريق (إم تي في) على جبهة الحرب. قبل استشهاد الزميل عبد الله كنا نقوم بمهمتنا معتقدين أننا محيّدون كأي صحافي حرب... ولكن زمن ما بعد رحيل عصام ليس كما قبله. تغيّر أدائي وصرت أكثر حذراً... بعدما كنت أكثر اندفاعاً أتنقل بين بلدة وأخرى سعياً وراء الخبر». وتستطرد: «إن أسوأ ما يمكن أن نتعرّض له كمراسلين الآن هو العجز عن الانسحاب من نقطة اشتعلت فجأة... فنعلق في الوسط ونواجه خطر الموت ويغدو مصيرنا مجهولاً. صحيح الحس الصحافي يغلب على انفعالاتنا في لحظة الحدث... لكن الأهم تجنب التهور وتحاشي التفريط بسلامة الفريق».

دارين الحلوة (الشرق الأاوسط)

صدمة العمر

محمود شكر، مراسل قناة «العربية»، أكد أن مهمته، كما غيره من الزملاء، صعبة من دون شك، وأردف خلال حوار مع «الشرق الأوسط» موضحاً: «أنا هنا على الحدود الجنوبية للبنان منذ اندلاع حرب غزة. طبعاً نعرف تماماً ما ينتظرنا، وكيف نتحرك ونتنقل ونلحق بالخبر. كانت الأمور تدور في أفقها الطبيعي بالنسبة لمراسل ميداني. ولكن بعد استهداف عصام عبد الله تغيّر كل شيء. كان مع فريقه على بعد أمتار قليلة منّا. زارني في موقعي وألقى عليّ التحية ودلّني على الموقع الذي يقصده. كانوا تحت موقعنا مباشرة، وعندما أصيبوا راحوا يصرخون ويطلبون النجدة. لا يمكن أن أنسى هذا المشهد فقد أصبت بصدمة لن أنساها».

حب مهنة المصاعب

أما دارين الحلوة، مديرة مكتب وكالة «سكاي نيوز» في بيروت، فلديها تجربة لا تشبه تلك التي يعيشها زملاؤها. فهي تترك ولديها التوأم في البيت منذ أول أيام حرب غزة. ومع فريقها في جنوب لبنان تحاول أن تمدّ وكالتها بكل المستجدات على أرض المعركة. ثم أنها عملت من قبل مراسلة وتعرف تماماً طبيعة مهمتها الميدانية أثناء الحرب... ولكن في الحرب الحالية القواعد تغيرت.

تروي دارين لـ«الشرق الأوسط» قائلة: «تغيّرت تحركاتنا تماماً بعد مقتل الزميل عصام عبد الله. لا أجد أن هناك ما يستأهل خسارة واحد من أفراد فريقي. نحن نقيم اليوم في بلدتي جديدة مرجعيون وعين إبل بعيداً عن خطوط النار. وأحياناً أسأل نفسي عمّا يدفعني للقيام بهذه المهمة الخطيرة؟ ويأتيني الجواب الصريح إنه شغف الصحافة». وتتابع دارين الحلوة: «أشتاق لأن أشمّ رائحة أولادي وأغمرهم، وهم في المقابل يحاسبونني على غيابي عنهم. حادثة عصام عبد الله دفعتنا إلى إعادة حساباتنا، فمن الواضح أن أهداف العدو ليست عسكرية فقط. أولويّاتي اختلفت اليوم، فأنا لا أخاطر اليوم بفريقي ولا بنفسي لتصوير ما يحدث مكان القصف. والصورة إذا لم تشكّل إضافة مستحقّة فلا ضرورة للمجازفة من أجلها. فماذا يعني أن نصوّر منزلاً مهدّماً...أو قن دجاج محروقاً؟ المعلومة والتحليل لهما فائدتهما أيضاً. والصورة ليست أهم من حياتنا... إنه الجنون بحد ذاته في هذه الحرب والتجربة ثقيلة».

ولكن، من ناحيته، يؤكد مصوّر قناة «العربية» ماهر المرّ، أن الصورة أساسية في العمل الميداني. ويقول: «ما يكمل أهميتها رسالة المراسل، ولكن من دونها يبقى التقرير ناقصاً. والمكان الذي نوجد فيه يكشف على مواقع العسكر الإسرائيلي... وهكذا أستفيد من موقعنا وأنقل صورة حية عما يحصل. شغفي لمهنتي يحدثني مرات للاقتراب أكثر من مواقع ساخنة، ولكننا بتنا الآن نتوخى الحذر أكثر».

طريقة اختيار المراسلين

الخلطة باتت معروفة في عملية اختيار المحطة التلفزيونية أو الوكالة الإخبارية لمراسليها. إذ تؤخذ بعين الاعتبار عوامل مثل عمر تجربة كل منهم وتخصصهم في النقل الميداني المباشر. ثم أنه لا يُفرض على أي مراسل خوض التجربة إذا كان لا يستسيغها. وبالفعل، غالبية المراسلين الذين تحدثنا إليهم التحقوا بمهمتهم عن رغبة وتصميم.

أيام الاستراحة تكون قليلة لا تتعدى الأيام الثلاثة وهم يمضونها بقلق. وحسب نوال برّي: «لا أحب أن يفوتني أي مستجد على الساحة. بل إنني أشعر بالذنب عندما يعوضون بي زميلاً آخر، لذلك ترينني في أيام الاستراحة بعيدة عن الراحة الحقيقية».

للمراسل مصادره

رامز القاضي، مذيع الأخبار في تلفزيون «الجديد»، اختار شخصياً مهمته في الجنوب. ذلك هو ابن المنطقة ومتضلع من جغرافيتها. وسبق له أن غطى حرب الجنوب غير مرة... كما غيرها. وهو يرى أن ما يحصل في غزة راهناً لا يمكن مقارنته بما يحصل في الجنوب، ويشرح: «هناك حجم الموت والضحايا من الأطفال كبير جداً».

من جهة ثانية، مهمة المراسل الميداني محددة بنقل واقع يواكبه بمعلومات موثوقة. وهنا يشرح القاضي: «ليست مهمة المراسل التحليل، بل ربط المعطيات المتوافرة له على الأرض. الصورة تلعب دوراً من دون شك، والمصادر منبع المعلومات أيضاً». ويضيف: «مصادرنا معروفة، وهي تنحصر بـ(حزب الله)... كما أن تراكم الخبرات يسهم في النجاح في مهمات شبيهة. كنا نعتقد في البداية أن الإسرائيلي لن يقصف بالمباشر الصحافيين، لكننا كنا على خطأ، ولذا صار عندنا خوف من غدر العدو كونه لا يأخذ بمعايير السلامة العالمية. فكلمة (Press) المعلّقة على بزاتنا الميدانية الخاصة أو على مركبات النقل الخاصة بنا ما عادت تنفع».

ارتدادات نفسية

على صعيد آخر، تترك ارتدادات الحرب على المراسل نفسه آثارها السلبية، فهو من ناحية يعاني من عقدة الذنب كونه يترك وراءه أهله وعائلته وأولاده، ولا يحب الالتفات إلى الوراء كي لا يضعف... فيمشي بخطوات ثابتة ويلحق بشغف المهنة. لكنه من ناحية أخرى يعيش حالة نفسية صعبة لمشاهد قاسية يراها عن قرب. إن مشاهد مثل استشهاد زميل وإصابات خطرة، ونزوح مواطنين وتشتتهم تاركين بيوتهم وقراهم، واندلاع نيران هنا وقصف للطيران، وانفجارات على بعد أمتار منهم هناك... كلها تصيبهم في العمق ولا يلمسون غور جروحها إلا بعد انتهاء المهمة.

وهنا يعلّق إدمون ساسين: «على أصحاب المحطات ووكالات الأنباء الاهتمام بالصحة النفسية لمراسل الحرب. فمداراة تداعيات الحرب عليه يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. أنا شخصياً نجوت من موت محتّم نحو 5 مرات. صحيح أن شغفي بمهنتي ينسيني هذه الصور وأنا أقوم بالمهمة... ولكن مع الوقت تعود وتطفو آثار الحرب علينا لأن هذه الجروح تسكن أعماقنا».

ولنوال برّي رأيها أيضاً في الموضوع، فتقول: «هناك صراع قاسٍ نعيشه بين شغفنا لمهنتنا وبين عقدة الذنب تجاه أهلنا. فعندما استشهد زميلي عصام طلب مني والدي العودة إلى البيت. وخلال اتصالي معه عبر الهاتف دافعت عن مهمتي وناقشته... تركته حزيناً، وهو ما بقي يحزّ في نفسي وانعكس سلباً عليّ».

أما رامز القاضي فيقول: «نقطة ضعفي تتمثل بأمي وأبي. وعندما أتعرض إلى أي خطر أتصل بهما بسرعة لأطمئنهما. لكل منا مفهومه الخاص للحياة، لكني مقتنع بأن علينا ألا نجعل من الموت هاجساً عندنا، وإلا فإننا لن نتحرك من أماكننا... نحن معرّضون للرحيل في أي لحظة، وليس بسبب الحرب فقط».



«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.


منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
TT

منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)

عزّز التفاعل مع حفل توزيع جوائز الأوسكار على منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة مع التلفزيون. فوفق بيانات لشركة «نيلسن» المتخصّصة في قياسات وأبحاث سوق الإعلام، نشرتها شبكة «إيه بي سي» الأميركية أخيراً، اجتذب البث التلفزيوني لحفل الأوسكار هذا العام 17.9 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، بانخفاض بنسبة 9 في المائة عن العام الماضي، وهذه أدنى نسبة مشاهدة منذ عام 2022.

وتبعاً للشبكة نفسها، وتزامناً مع تراجع مشاهدة البث التلفزيوني للحفل السنوي السينمائي الكبير، ازداد التفاعل مع الحفل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 42 في المائة هذا العام بالمقارنة مع عام 2025 ليصل إلى ‌أكثر من 184 مليون مشاركة.

خبراء التقدم بـ«الشرق الأوسط» رأوا أن «منصّات التواصل تفرض الآن واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار»، وذكروا أن المنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظة بلحظة. والبيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الآن الطروحات التي ترى أن العالم دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي.

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقةً إن ما يحدث «جزء من التحوّل في أنماط استهلاك المحتوى حول العالم، في ظل الاعتماد على الهواتف الجوالة ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأردفت أن «البيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الطروحات التي تقول إن العالم قد دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي... وحتى الرياضة التي كانت الحصن الأخير للتلفزيون التقليدي شهدت انتقالاً لحقوق البث نحو المنصات الرقمية». ولفتت في هذا الصدد إلى صفقة «نتفليكس» مع «WWE بقيمة 5 مليارات دولار، واستحواذ شركة «Prime Video» على حق تغطية مباريات دوري الكرة الأميركية (NFL)، مضيفةً أن «هذه مؤشرات لا يمكن تجاهلها وستسهم في سحب جزء كبير من جمهور التلفزيون نحو منصات المشاهدة الرقمية».

إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي ترى أن «التلفزيون يستطيع مع هذا تبني بعض الاستراتيجيات التي تضمن بقاءه ضمن هذه البيئة التنافسية»، وأن من بين هذه الاستراتيجيات «استراتيجية محرك الاكتشاف» عبر تصميم المحتوى القصير ليعمل «محرك اكتشاف» يحوّل المشاهدين الرقميين إلى جمهور مخلص للتلفزيون. ثم هناك استراتيجية ثانية تعتمد على «تفعيل نموذج التلفزيون الاجتماعي»، موضحةً أن هذه الأخيرة «تعتمد على تبني نموذج التسويق عبر البث المباشر من خلال دمج التفاعلية في الوقت الفعلي».

وأوضحت د. مي عبد الغني أن «التلفزيون يظل المصدر الأكثر ثقة للأخبار في الأوقات العصيبة مقارنةً بمنصات التواصل المزدحمة... ولكنّ تعزيز هذه المكانة يتطلب الالتزام الصارم بالتدقيق المهني وتطوير مهارات الكوادر البشرية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وبالمناسبة، في ضوء التنافس بين المنصات والتلفزيون، من المقرر أن ينتقل بث حفل الأوسكار عام 2029 من شبكة «إيه بي سي» إلى موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل».

من جهة أخرى، أوضح محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار». وأشار إلى أن «قواعد اللعبة التنافسية بين التلفزيون والمنصات الرقمية تغيّرت، فتحولت من صراع بقاء إلى تكامل استراتيجي». ثم تابع أن «المعلنين ما عادوا الآن يكتفون بالإعلان التلفزيوني، إذ تثبت البيانات أن العلامات التجارية التي تدمج حملاتُها بين التلفزيون والمنصات تحقق عائداً أعلى بنسبة تصل إلى 800 في المائة». وأضاف أن «المنافسة ليست على جذب المشاهد لترك التلفزيون، بل على الاستحواذ على انتباهه في أثناء المشاهدة؛ فالمنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظةً بلحظة».

ولفت فتحي إلى أن «التلفزيون فقد القدرة على الاحتكار، ولم يعد البوابة الوحيدة للأحداث، بل أصبح جزءاً من منظومة كبرى... نتيجة تغيير سلوك المشاهدة. فالمشاهد اليوم لا يشاهد 3 ساعات متواصلة، ويفضل اللحظات المفضلة والمقاطع القصيرة والقصص».

واستطرد أن «تراجع التلفزيون سيكون مفزعاً... نعم... إذا استمر التلفزيون بنفس الشكل القديم». لكنه استدرك ليشير إلى قدرته على الاستمرار بسبب بثّه الأحداث الرياضية والحفلات، وقدرته على الوصول إلى شريحة جمهور غير قادرة على امتلاك شاشات ذكية أو الوصول إلى الإنترنت، وهي شريحة تتقلص بمرور الوقت».

واختتم بالقول إن «المنافسة بين التلفزيون والمنصات الرقمية لم تعُد تهدف لإقصاء الآخر، بل أدّت إلى خلق نظام تكاملي، فالتلفزيون يتراجع بوصفه وسيلة وحيدة للبث، فيما تعمل المنصّات الرقمية مسوّقاً للأحداث وداعماً أكبر للانتشار».


حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».