حرب غزة تُلقي بظلالها على «منتدى مصر للإعلام» في نسخته الثانية

المشاركون ناقشوا تبِعات انتهاك المعايير المهنية وتأثيرها على المصداقية

إحدى جلسات منتدى مصر للإعلام (الشرق الأوسط)
إحدى جلسات منتدى مصر للإعلام (الشرق الأوسط)
TT

حرب غزة تُلقي بظلالها على «منتدى مصر للإعلام» في نسخته الثانية

إحدى جلسات منتدى مصر للإعلام (الشرق الأوسط)
إحدى جلسات منتدى مصر للإعلام (الشرق الأوسط)

تحت عنوان «عالم بلا إعلام»، استضافت القاهرة الدورة الثانية من «منتدى مصر للإعلام»، بمشاركة عدد من الإعلاميين والصحافيين من مصر ودول عربية وأجنبية. وألقت الحرب الإسرائيلية بظلالها على المنتدى الذي افتتح فعالياته، الأحد، بجلسة حملت عنوان «تحت القصف... الإعلام وسؤال المهنية»، في حين ناقشت جلسات أخرى الإعلام في زمن النزاعات المسلَّحة.

جاء اختيار عنوان المنتدى «عالم بلا إعلام» استجابة لتأثيرات حرب غزة، وقبلها الحرب الروسية الأوكرانية، على الإعلام، وما أثارته هذه الأزمات من انتقادات للأداء الإعلامي بشكل عام، وسط حديث عن تجاوزات وانتهاكات لمعايير المهنة دفعت الجمهور للبحث عن مصادر بديلة للمعلومات.

ناقش المشاركون، في النسخة الثانية من المنتدى، شكل العالم في حال غياب وسائل الإعلام التي تُحقق وتُدقق في سيل الأخبار المتدفقة من كل مكان، كما تطرقوا إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه تقنيات الذكاء الاصطناعي في المساعدة على إنتاج تقارير صحفية تتحلى بالإبداع ولا تنقصها الدقة.

وتوضح رئيس «منتدى مصر للإعلام»، نهى النحاس، أنه «في وقت تزداد فيه حدة الحروب والنزاعات والجوائح والكوارث الطبيعية، تتعاظم الضغوط على الممارسات الإعلامية الاحترافية الجادة». وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «بينما تتزعزع ثقة قطاعات واسعة من الجمهور العالمي في أداء وسائل الإعلام (التقليدية)، تُخفق وسائط (التواصل الاجتماعي)، رغم ما تشهده من رواج وتأثير، في التمتع بقدر مناسب من المصداقية».

وتضيف: «بسبب تراجع الثقة المُطرد، تزداد المخاطر بشأن مستقبل الإعلام ووجوده»، مشيرة إلى أن كل ما سبق «دفع منتدى مصر للإعلام لتخصيص دورته الثانية لبحث هذه المخاطر، والتوصل إلى السبل التي يمكن من خلالها استعادة الثقة في وسائل الإعلام المهنية، وضمان استدامة أدائها؛ عبر الابتكار، والحوكمة، ومبادرات توليد العوائد».

وأشارت دراسات عدة إلى «تراجع الثقة» في الأخبار، كان آخِرها ما نشره معهد «غالوب» للبحوث، الشهر الماضي، عن «تسجيل مستويات منخفضة قياسية بشأن الثقة في الإعلام بالولايات المتحدة»، حيث قال 38 في المائة ممن شملهم البحث إنهم «لا يثقون مطلقاً في الإعلام»، في حين قال 7 في المائة فقط إنهم «يثقون في الإعلام»، بينما توزعت النسبة المتبقية على درجات متعددة من الثقة.

وتؤكد النحاس: «لا يمكن تحمل نتائج وجود عالم بلا إعلام، لكن هذا الاحتمال يتعزز كلما فقدت صناعة الإعلام اتجاهها على الصعيدين المهني والأخلاقي، أو أخفقت في تطوير نماذج أعمال قادرة على تحقيق الاستدامة».

ويسعى المشاركون بـ«منتدى مصر للإعلام»، إلى «إيجاد السبل اللازمة لتمتين أواصر الصناعة، عبر تعزيز الأطر المهنية والأخلاقية، وتطوير أدوات الابتكار والإبداع»، كما تقول النحاس.

بالفعل بدا واضحاً، منذ الجلسة الأولى بالمنتدى، سيطرة حرب غزة والتعامل الإعلامي معها، حيث عرض المنتدى، في افتتاحه، فيلماً قصيراً عن العدوان الإسرائيلي على غزة، وضحاياه من الصحافيين.

وهنا قالت النحاس إن «حرب غزة وما أثارته من أحداث مأساوية دفعت لتعزيز الجهود لمواكبة الأحداث والتفاعل معها مهنياً»، مشيرة إلى أنه «خلال الحرب، عجز الإعلام عن الإجابة عن أسئلة الحياد والموضوعية والنزاهة». وأضافت أن «هذا بالتعبئة يستدعي العمل على استعادة الثقة في الإعلام، والتي فُقدت في أتون الحرب، بهدف بناء إعلام حر ومنفتح ومهني قادر على مواجهة القضايا الصعبة».

ناقش المنتدى الاتهامات التي وُجّهت للإعلام الغربي بشأن «انحيازه لإسرائيل خلال الحرب»، محاولاً استكشاف أسباب العوار الإعلامي، مع طرح تساؤلات بشأن انحيازات الإعلام العربي أيضاً.

عبده جاد الله، مدير الأخبار بقناة «سكاي نيوز عربية»، أشار، في كلمته خلال جلسة «تحت القصف... الإعلام وسؤال المهنية»، إلى «انحياز الإعلام الغربي لأوكرانيا في الحرب الروسية الأوكرانية، باعتبارها جزءاً من المجتمع الغربي، ومن مصلحته مساندتها، في المقابل كان الطرف الآخر؛ وهو هنا روسيا، الشيطان». وقال إنه «من منطق المصلحة يمكن فهم وجهة النظر في الإعلام الغربي وانحيازاته وهي مبنية على المصلحة، حيث تعامل الإعلام الغربي مع إسرائيل كما تعامل مع أوكرانيا».

بدوره، قال الإعلامي المصري عمرو عبد الحميد إن «الحرب الروسية الأوكرانية كانت بمثابة البروفة لما فعلته وسائل الإعلام الغربية بعد ذلك في تغطيتها للحرب في غزة». وأضاف أن «الإعلام الغربي قدّم أمثلة صارخة على الانحياز في تغطيته للأزمة الأوكرانية، وتعاطف مع الضحايا الأوكرانيين باعتبارهم ذوي عيون زرقاء، على سبيل المثال». وتابع أن «الإعلام الغربي كان يبحث عن هولوكوست أوكراني». وأردف أن «الإعلام كشف عن وجهه الحقيقي في الحرب».

لكن أحمد الطاهري، رئيس قطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر، يرى أن «سياق أزمة أوكرانيا يختلف عن سياق أزمة غزة»، معتبراً، في كلمته خلال الجلسة، أن المساواة بين الأزمتين «تشخيص خاطئ»، منتقداً «انحياز وسائل إعلام عربية للسردية الإسرائيلية».

المنتدى استعرض نماذج لما وصفه بـ«العوار في بنية الإعلام الغربي، وسقوط مراكز ومؤسسات إعلانية كانت تُعدّ معياراً للمهنية».

كما تطرّق إلى اتجاه الجمهور إلى مواقع التواصل الاجتماعي؛ بحثاً عن المعلومة والخبر، في ظل تقاعس الإعلام التقليدي، أو تراجعه عن أداء دوره المهني. وحذّر المنتدى من خطورة ذلك، ولا سيما أن ما تبثّه منصات التواصل الاجتماعي ليس كله صحيحاً، بل على العكس فإنها كثيراً ما تعيد مشاركة معلومات «زائفة ومضللة».

السفير حسام زملط، سفير فلسطين في لندن، تحدّث عن مجموعة من الأسئلة التي دأب الإعلام الغربي على توجيهها خلال الأزمة، من بينها سؤال «هل تدين حماس؟»، وقال إن «هذه الأسئلة مُمنهجة وموضوعة مسبقاً لتأطير الصراع العربي الإسرائيلي، ووضع الشعب الفلسطيني دائماً في دائرة العنف والإرهاب».

من جانبه، أشار الكاتب الصحافي المصري إبراهيم عيسى إلى أنه «لا يمكن محاسبة الإعلام الغربي، ونظيره العربي غارق هو أيضاً في الانحياز»، وقال إنه «لا يوجد إعلام بلا انحيازات».

المنتدى شهد مشاركة نحو ألفيْ صحافي وإعلامي من مصر ودول عربية وأجنبية، ولا سيما أنه يُعقَد بالشراكة مع مؤسسات إعلامية عدة، بينها «مبادرة أخبار غوغل»، و«هيئة الأمم المتحدة للمرأة»، و«اتحاد كُتاب كرة القدم في إنجلترا»، و«المركز الدولي للصحافيين»، و«دويتشة فيله»، وقناة «سكاي نيوز»، وموقع «العين الإخبارية»، ومن مصر قنوات «القاهرة الإخبارية»، و«دي إم سي»، و«سي بي سي»، و«أون»، و«القناة الأولى»، و«تن»، وصحف «الوطن»، و«الشروق»، و«المصري اليوم»، وموقعا «اليوم السابع»، و«مصراوي».

تتميز النسخة الثانية من المنتدى بأبعاد إقليمية وعربية ودولية، وفق خبير الإعلام الرقمي خالد البرماوي، الذي يشير، في حديثه، لـ«الشرق الأوسط»، إلى «تنوع ضيوف المنتدى ليمثلوا نماذج إعلامية متعددة». يقول البرماوي إن «حرب غزة ألقت بظلالها على المنتدى وموضوعاته، حيث يناقش المنتدى الجوانب المهنية للإعلام على مستوى العالم، محاولاً الإجابة عن سؤال هل يصح العالم بلا إعلام».

ويوضح البرماوي أن «الإعلام الإقليمي والعربي، خلال الحرب الأخيرة على غزة، بدا كأنه يتحدث مع نفسه، وينشر روايته وسرديته على نطاق محلي لا تتجاوزه إلى أبعد من ذلك».

الذكاء الاصطناعي والمهارات المطلوبة للإعلامي في المستقبل كانا من محاور النقاش في جلسات المنتدى.

وعن ذلك يستعرض البرماوي دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز ربحية الإعلام، ويشير إلى أن «الذكاء الاصطناعي سيقلل تكاليف إنتاج المواد الإعلامية، ويدفع نحو إنتاج مواد أكثر عمقاً، ويتيح إعلانات أكثر ديناميكية، ما يعزز ربحية المؤسسات الإعلامية».

بالفعل ركز المنتدى على طرح الذكاء الاصطناعي بوصفه من الأدوات المساعدة في العمل الصحافي والإعلامي، محاولاً استكشاف الطرق للاستفادة من مميزاته وتجاوز سلبياته. كما بحث في حقوق ملكية المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي.



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».