نظم ذكاء اصطناعي تتراسل فيما بينها... بالبريد الإلكتروني

نيابةً عن العاملين والمديرين من دون إشراف مباشر

نظم ذكاء اصطناعي تتراسل فيما بينها... بالبريد الإلكتروني
TT

نظم ذكاء اصطناعي تتراسل فيما بينها... بالبريد الإلكتروني

نظم ذكاء اصطناعي تتراسل فيما بينها... بالبريد الإلكتروني

تلقى أحد زملائي حديثاً رسالة بريد إلكتروني صيغت بأسلوب مهذب واحترافي. كانت الرسالة تطلعه على الوضع الراهن لمشروع مشترك، وتحدّد الخطوات التالية المطلوبة والمسؤول عن كل منها. كانت رسالة عادية تماماً، باستثناء أنها كانت - من البداية إلى النهاية - من نتاج «وكيل ذكاء اصطناعي» (AI agent) أُعِدَّ للعمل نيابةً عن الشخص الذي يمثله.

جرس إنذار مبكر لما هو قادم

ورغم أن تجربة زميلي لا تزال غير شائعة نسبياً، فإنها تُعدّ بمثابة «جرس إنذار» مبكر لما هو قادم. ففي شهر مايو (أيار) الماضي، سلطت وكالة «بلومبرغ» الضوء على تايلر كادويل، مؤسس شركة للأواني الزجاجية في أريزونا، الذي طوّر وكيل ذكاء اصطناعي يصفه بأنه «أول موظف ذكاء اصطناعي» لديه. يقوم هذا الوكيل بمهام مثل «فرز رسائل البريد الإلكتروني الواردة، بل وحتى الرد ذاتياً على المشكلات المتعلقة بسلسلة التوريد».

* أكثر من نصف الموظفين الأميركيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل*

وحتى في الحالات التي لا تقوم فيها هذه الوكالات بإرسال رسائل بريد إلكتروني بشكل مستقل، فمن المؤكد أن الناس يستعينون بالذكاء الاصطناعي بشكل متزايد لكتابة تلك الرسائل. ففي الشهر الماضي، أفادت مؤسسة «غالوب» بأن أكثر من نصف الموظفين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل حالياً، وأن الاستخدام الأكثر شيوعاً - الذي أشار إليه 51 في المائة منهم - يتمثل في الكتابة والتحرير، أو بعبارة أخرى: التواصل فيما بينهم.

ذكاء اصطناعي يتواصل مع ذكاء اصطناعي

على سبيل المثال، تلك الرسالة التي تلقاها زميلي من وكيل الذكاء الاصطناعي؟ لقد قام بنسخ نصها ولصقه في برنامج الدردشة الآلي (chatbot) الخاص به، ثم أرسل الرد الذي صاغه البرنامج. ويبدو المشهد ظاهرياً وكأنه تواصل بين البشر، لكن في الواقع، الذكاء الاصطناعي هو من يتحدث مع الذكاء الاصطناعي. وهذه هي الطريقة التي ينبغي لقادة الأعمال الاستجابة بها لهذا الواقع.

لا مجال للعودة إلى الوراء

لا توجد طريقة لإعادة «مارد» الذكاء الاصطناعي المسؤول عن كتابة رسائل البريد الإلكتروني إلى القمقم مرة أخرى. ولا أعتقد أننا يجب أن نرغب في ذلك أصلاً. فالنسخة التي تنتجها الآلة تكون أحياناً أفضل ببساطة. فعندما أوكلت شركة التأمين «أولستيت» (Allstate) مهمة صياغة المراسلات المتعلقة بمطالبات التأمين - والتي تبلغ نحو 50 ألف رسالة يومياً - إلى تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي، جاءت الرسائل التي كتبتها الآلة أكثر وضوحاً، وأقل استخداماً للمصطلحات المعقدة، وأكثر تعاطفاً مقارنة بتلك التي كان يرسلها الموظفون البشر.

علاوة على ذلك، أصبح تفويض المهام للذكاء الاصطناعي - بشكل متزايد - هو الاستجابة العقلانية الوحيدة المتاحة للموظفين الذين يغرقون في طوفان من المراسلات الإلكترونية. وكان تقرير «مايكروسوفت» لعام 2025 حول اتجاهات العمل، قد كشف عن أن الموظف العادي يتلقى 117 رسالة بريد إلكتروني و153 رسالة عبر تطبيق «تيمز» (Teams) يومياً. ومن المنطقي - بل وقد يزيد من إنتاجية الموظفين - تفويض جزء من هذا العبء إلى الذكاء الاصطناعي.

لكن تفويض المحادثات لا يعني ترك الأمر دون ضوابط أو معايير؛ ففي الواقع، مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في التواصل بين الأفراد، تزداد أهمية حوكمة هذه المحادثات. إذ يضع صعود الذكاء الاصطناعي المؤسسات أمام تساؤلات لم تكن سياساتها تتوقعها من قبل: ما هي المحادثات التي يمكن تفويضها؟ وما هي الالتزامات التي قد تفرضها الآلة علينا؟ ومن يملك ما يُقال في هذه المحادثات؟

3 ركائز أساسية لمواجهة التحديات

هناك ثلاث ركائز أساسية تهم المؤسسات لمواجهة هذا التحدي: تحديد ما لا يجب تفويضه مطلقاً، والعمل على أن يكون أي تفويض آخر خطوة مدروسة ومقصودة، وإعادة تحديد ملكية التبادلات التي يتم تفويضها بالكامل.

1. تحديد ما لا يجب تفويضه مطلقاً

لقد قضى الفيديو على نجوم الإذاعة والآن يقضي الذكاء الاصطناعي على عملية تقييم الأداء. ففي عام 2024، صرحت مديرة سابقة في شركة «دروب بوكس» (Dropbox) لموقع «أكسيوس» بأنها استخدمت «تشات جي بي تي» لكتابة تقييمات الأداء الخاصة بموظفيها. وحديثاً في فبراير (شباط) الماضي أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن أعداداً متزايدة من المديرين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإجراء تقييمات الأداء.

ولا يقتصر الأمر على مبادرات فردية فحسب، بل هو توجّه مؤسسي أيضاً؛ فكما نوقش في مقال حديث بمجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، قامت شركات مثل «سيتي» (Citi) و«جي بي مورغان» (JPMorgan) و«مجموعة بوسطن الاستشارية» (BCG) بتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تدعم صياغة تقييمات الأداء.

لقد سبق لي القول بأن بعض الأنشطة القيادية - ومن بينها تقييم الأداء - تستمد قيمتها من التفاعل البشري الكامل. فعملية التقييم تكتسب أهميتها لأن مديرك قد قيّم أداءك خلال العام بالفعل؛ والأخبار السيئة تُنقل بأسلوب إنساني؛ لأن شخصاً ما اختار إيصالها بنفسه؛ والتوجيه والإرشاد ينجح لأن شخصاً تحترمه قد خصص لك أثمن موارده (وقته). لذا؛ فإن تفويض مثل هذه الأنشطة للذكاء الاصطناعي لا يجعل سير العمل أكثر كفاءة، بل يقضي على القيمة التي كان من المفترض أن يولدها هذا العمل.

وعليه، يتعين على كل مؤسسة رسم «خط بشري» فاصل: تحديد المحادثات التي تعتمد قيمتها على العنصر البشري، وضمان بقائها بشرية بالكامل (بنسبة 100 في المائة). أما ما عدا ذلك، فيمكن تفويضه شريطة أن يتم ذلك بشكل مدروس ومقصود. وهنا يأتي دور الركيزة الثانية.

2. توخّي الدقة والوعي عند التفويض

أي التعامل مع التفويض بوعي وقصد. يجب أن يتحرك التفويض ضمن نطاق متدرج. ففي أحد طرفيه نجد العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي: حيث تقوم أنت بالإنشاء وتتولى الآلة الصقل والتحسين. وفي مرحلة تالية نجد التفويض للذكاء الاصطناعي: حيث تتولى الآلة صياغة المسودة، في حين تكتفي أنت بإلقاء نظرة سريعة عليها ثم إرسالها.

أما في الطرف الأقصى، فنجد التمثيل بواسطة الذكاء الاصطناعي: حيث يتولى وكيلك الذكي إدارة التفاعل بالكامل، وقد لا تطلع عليه أنت إطلاقاً.

من السهل الانزلاق عبر هذا النطاق دون إدراك ذلك. على سبيل المثال، تستخدم إحدى الوسيطات العقارية - سلطت صحيفة «فاينانشال تايمز» الضوء على تجربتها - أداة ذكاء اصطناعي لإدارة تسعة صناديق بريد إلكتروني. ورغم أن هذه الأداة توفر عليها ساعات من العمل أسبوعياً، فإنها تعترف قائلة: «أحياناً، أقع في خطأ السماح للآلة بالتفكير نيابة عني».

لا تكمن المشكلة في كون الذكاء الاصطناعي يفكر نيابة عنها؛ فهذا هو جوهر التفويض، وغالباً ما يكون التفويض هو الخيار الصائب. إلا أن المشكلة تكمن في حدوث ذلك دون اتخاذ قرار واعٍ بشأنه. فالتفويض المقصود والمختار يتضمن عملية تسليم واضحة للمهام: أنت تدرك ما تنازلت عنه، وبالتالي تعرف كيف تجب إدارته. أما التفويض الناتج من الانزلاق التلقائي، فلا يتضمن أي عملية تسليم أو توضيح للمسؤوليات.

وعند تعميم هذا الأمر على القوى العاملة بأكملها، يتحول سمةً تنظيمية عامة. فعندما يفقد الأفراد ارتباطهم الحقيقي بما يصدر عنهم من أقوال، تعجز المؤسسة عن معرفة ما يُقال باسمها أو مدى تدخل التقدير البشري في تلك الأمور.

وفيما يتعلق بكل ما يقع خارج نطاق التدخل البشري المباشر، فإن مهمة الحوكمة لا تتمثل في تقييد التفويض، بل في جعله أمراً مرئياً وواضحاً. لذا؛ ضع قاعدة بسيطة لفرق العمل لديك: حدّدوا بدقة موقعكم على نطاق التفويض، واحرصوا على أن تكون المؤسسة على دراية بذلك أيضاً.

3. امنح وكلاءك تفويضاً محدداً... وعيّن لهم مسؤولاً بشرياً

يروي تقرير لوكالة «بلومبرغ» قصة مسؤول تنفيذي في شركة ناشئة، حيث خرج وكيله الذكي المنزلي عن السيطرة وبدأ في مراكمة تكاليف بقيمة 100 دولار ساعة تلو الأخرى؛ ولم يتم تدارك الموقف إلا حين لاحظ المسؤول بالصدفة تنبيهات الفواتير في صندوق بريده.

لا يكمن الحل في مراجعة كل رسالة يرسلها الوكيل الذكي؛ فهذا من شأنه أن يقضي على الغرض الأساسي من استخدامه. بل يكمن الحل في إعادة بناء ما كان يوفره عنصر الرقابة البشرية سابقاً. ويتطلب ذلك تحديداً ثلاثة أمور:

* أولاً، التفويض المحدد: اتخاذ قرار صريح بشأن ما يمكن للوكيل الذكي الالتزام به نيابة عنك؛ كترتيب اجتماع أو تحديد موعد للتسليم، مثلاً، مع استبعاد الالتزام بأي أسعار أو تكاليف مالية.

* ثانياً، الاحتواء والضبط: لا تعتمد كلياً على التزام الوكيل الذكي بالتعليمات؛ فالتعليمات بالنسبة للوكيل ليست سوى نصوص إضافية؛ إنه يتبعها تماماً كما يتبع كل شيء آخر؛ في الغالب، وإن لم يكن دائماً. تكمن الضوابط الفعلية والمهمة خارج نطاق «الوكيل» (البرمجية الذكية)، بل في الأنظمة التي يتفاعل معها: كبطاقة دفع مالي ذات سقف إنفاق صارم، أو بيانات اعتماد تتيح الوصول إلى التقويم دون مجلد العقود، أو بوابات اعتماد تحيل المبادلات ذات الأهمية الكبيرة إلى عنصر بشري قبل إبرام أي اتفاق.

*وثالثاً، وجود «مالك»: أي شخص محدّد يتحمل المسؤولية عن تصرفات الوكيل في جميع الأحوال.

حوكمة طبقة التواصل

تُشكّل الركائز المذكورة أعلاه المبادئ الأساسية التي ينبغي أن توجّه حوكمة طبقة التواصل الجديدة داخل المؤسسات. وإليك أربع خطوات عملية يمكنك اتخاذها فوراً للبدء في تحويل هذه المبادئ إلى ممارسات حوكمة فعلية في مؤسستك:

* راجع مواضع التواصل المباشر بين أنظمة الذكاء الاصطناعي. حدّد وارسم خريطة للمبادلات التي تتم داخل مؤسستك، حيث تكون الأطراف المتواصلة أنظمة ذكاء اصطناعي من الجانبين؛ فقد تفاجئك النتائج.

* حدّد الخط الفاصل للبشر. اجمع فريق القيادة وحدّد ما بين ثلاث إلى خمس محادثات تعتمد قيمتها كلياً على الحضور البشري. أعلن أنها محادثات مقتصرة على البشر فقط، ووضّح الأسباب.

* صنّف أنماط التواصل. اختر فريقاً واحداً واطلب من أعضائه تصنيف اتصالاتهم لمدة أسبوع وفق الفئات التالية: تواصل بشري خالص، أو تواصل مدعوم بالذكاء الاصطناعي، أو مفوّض للذكاء الاصطناعي، أو تمثيل بواسطة الذكاء الاصطناعي. من شبه المؤكد أن واقعك الحالي يقع في نقطة أبعد على هذا الطيف مما تعتقد.

* امنح تفويضاً لوكيل ذكاء اصطناعي واحد. بالنسبة لحالة استخدام محددة لوكيل واحد، دوّن الأمور التي يمكنه الالتزام بها بشكل مستقل، وضع الضوابط الفعلية خارج نطاق الوكيل (مثل سقف الإنفاق، وصلاحيات الوصول المحدودة، وبوابات الاعتماد)، وحدد الشخص المسؤول عن مخرجاته. سيصبح هذا النموذج بمثابة القالب الذي يمكنك تطويره وتطبيقه على الحالات اللاحقة.

* مجلة «فاست كومباني»


مقالات ذات صلة

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تكنولوجيا تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تُقدم «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» للعمل المستمر عبر التطبيقات مع حوسبة سحابية وصلاحيات وضوابط لإدارة المهامّ تلقائياً.

نسيم رمضان (لندن)
الولايات المتحدة​ سيرفر في أحد مراكز البيانات (بيكسلز)

السلطات الأميركية توقف رجلاً بتهمة تهريب خوادم متطورة إلى الصين

أعلنت وزارة العدل الأميركية توقيف رجل بتهمة تهريب خوادم حاسوب تزيد قيمتها على 300 مليون دولار إلى الصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني

يكشف تقرير «PwC» اتساع مخاطر الذكاء الاصطناعي سيبرانياً مقابل استمرار غموض المسؤولية وتفاوت الجاهزية رغم زيادة الميزانيات والاستثمار في الحماية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تدفقات الأسهم العالمية تتواصل للأسبوع الثاني رغم ارتفاع عوائد السندات

اجتذبت صناديق الأسهم العالمية تدفقات نقدية للأسبوع الثاني على التوالي، مدفوعة بالتفاؤل بشأن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وتراجع حدة التضخم في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مسؤول بالمركزي الأوروبي: ارتفاع العوائد يحد من انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم

قال أولي رين، محافظ البنك المركزي الفنلندي، يوم الجمعة، إن أسعار الطاقة تقترب من السيناريو «السلبي» الذي وضعه البنك المركزي الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
TT

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

يبدو أن وكيل «دوتس» الجديد من «أوبن إيه آي» لا يحتاج إلى انتظار سؤال جديد كي يبدأ العمل، فالفكرة الأساسية تقوم على وكيل دائم يمكن تكليفه بهدف، وربطه بالتطبيقات التي يحتاج إليها، وتركه يواصل تنفيذ المهامّ في الخلفية، حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم.

فقد أعلنت الشركة عن «Dots»، خلال مؤتمرها للمطورين في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، وقدّمتها بوصفها نقلة من نموذج الذكاء الاصطناعي الذي يجيب عن الطلبات إلى نظام يستطيع متابعة مشروعات مفتوحة، والعمل عليها على مدار الساعة.

وتعتمد الخدمة على نموذج «GPT-6 Astra»، ويملك كل «دوتس» جهاز كمبيوتر سحابياً خاصاً به ومتصفحاً مستقلاً، مع إمكان الاتصال بأكثر من 4 آلاف تطبيق عبر منظومة الإضافات التابعة للشركة.

كما يمكن للمستخدم تكليف «دوتس» بمشروع ثم العودة إليه لاحقاً، بينما يواصل الوكيل العمل على مهامّ أخرى، في الوقت نفسه. كما يستطيع المستخدم التواصل معه عبر «شات جي بي تي» و«سلاك» و«تيمز»، مع احتفاظ الوكيل بالسياق بين هذه القنوات. وتقول «أوبن إيه آي» إن الرسائل النصية ستُضاف لاحقاً.

كيف ستستخدم التقنية؟

في تطوير البرمجيات، يمكن للوكيل متابعة ملاحظات العملاء، وتحديد الأخطاء المتكررة، وبناء الإصلاحات واختبارها قبل تقديمها للمراجعة. وفي العمل البحثي، يستطيع إعادة تشغيل التحليلات عند وصول بيانات جديدة وتحديث الرسوم والنتائج. أما في صناعة المحتوى، فيمكنه تحليل نص مقابلة واستخراج مقاطع مناسبة وتجهيز ملاحظات وصياغة منشورات للسوشيال ميديا قبل إرسالها للموافقة.

وتشير الشركة إلى حالة، خلال الاختبارات المبكرة، لاحظ فيها أحد الوكلاء أن مستخدماً نسي إصدار فاتورة لإحدى الجهات، فجهّزها ثم أرسلها بعد حصوله على الموافقة.

تطرح «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» بوصفها أنظمة دائمة يمكنها مواصلة العمل على المهام حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم (الشركة)

جهاز سحابي خاص بالوكيل

أحد الاختلافات التقنية في «Dots» هو أن الوكيل لا يعمل فحسب داخل نافذة دردشة، بل يحصل على بيئة حوسبة سحابية خاصة يستطيع استخدامها لتصفح المواقع وتشغيل الأدوات المرتبطة به.

ويمكن للمستخدم فتح جهاز الوكيل السحابي في أي وقت، لمشاهدة ما يقوم به، كما تسمح الخدمة، عند منح الإذن، بربط الوكيل بحاسوب المستخدم نفسه، بينما يظل الجهاز الشخصي منفصلاً افتراضياً عن بيئة الوكيل، ما لم يقرر المستخدم خلاف ذلك.

ويضع ذلك «دوتس» ضِمن سباق أوسع بين شركات الذكاء الاصطناعي لتطوير وكلاء دائمين، بدلاً من المساعدات التي تبدأ عملها وتُنهيه داخل جلسة واحدة. ووصفت «رويترز» الإطلاق بأنه جزء من توسع «أوبن إيه آي» في سوق الوكلاء المستقلين، في مواجهة منتجات منافِسة؛ من بينها «ميوز» من «ميتا».

العمل في الخلفية... ضمن حدود

تمنح فكرة الوكيل الدائم النظام وصولاً أوسع إلى التطبيقات والبيانات، ولذلك خصصت «أوبن إيه آي» جانباً من الإعلان للضوابط والصلاحيات. فعندما يعمل «دوتس» بصورة استباقية في الخلفية، تقول الشركة إنه يستخدم التطبيقات المرتبطة به في وضع للقراءة فقط، ما يمنعه في هذه الحالة من إرسال الرسائل أو تغيير المحتوى داخل التطبيقات أو التحكم في المتصفح والحاسوب. ويمكن للمستخدم أيضاً تحديد إجراءات مسموح بها مسبقاً، أو اشتراط الموافقة قبل تنفيذها، أو منعها تماماً.

وتخضع بعض الإجراءات لمراجعة تلقائية، لتحديد ما إذا كان يمكن تنفيذها مباشرة أم تحتاج إلى موافقة المستخدم. وتبقى مهامّ حساسة معينة، مثل تغيير كلمات المرور، بيد المستخدم نفسه. كما تؤكد الشركة أن «Dots» قد ترتكب أخطاء، وتوصي بمراجعة الأعمال ذات العواقب المهمة.

تأتي هذه الضوابط مع تصاعد النقاش حول مخاطر الأنظمة القادرة على اتخاذ إجراءات بصورة مستقلة. وذكرت «أكسيوس» أن الإطلاق يضع وعود السلامة لدى الشركة أمام اختبار جديد؛ لأن التحدي لم يعد متعلقاً فحسب بما قد يقوله النموذج، بل بما قد يفعله عندما يحصل على أدوات وصلاحيات للعمل.

تعتمد الخدمة على صلاحيات وضوابط تحدد ما يستطيع الوكيل فعله مع الحاجة لموافقة المستخدم قبل بعض الإجراءات الحساسة (الشركة)

وكلاء متخصصون داخل الشركات

لا تقتصر خطة «أوبن إيه آي» على وكيل شخصي واحد، فالشركة تختبر أيضاً «دوتس» متخصصة للمؤسسات، يكون لكل منها هوية وصلاحيات خاصة وربط مباشر بأنظمة الشركة.

وتشمل الاستخدامات التي جُرّبت داخل «أوبن إيه آي» المشتريات، ومعالجة الفواتير، والتسويق عبر البريد الإلكتروني، ودعم العملاء والعقود التجارية، كما تعمل الشركة مع «مايكروسوفت» لدمج هذه الوكلاء مع أدوات الحوكمة والأمن في «Agent 365».

ويجري طرح «Dots» تدريجياً لمشتركي «برو» و«بيزنس بريميوم» في الأسواق المؤهلة، مع نسخة تجريبية للمؤسسات عند تفعيلها من مسؤولي بيئة العمل.

ويبدأ المستخدم حالياً بوكيل رئيسي واحد، بينما تتحدث «أوبن إيه آي» عن مرحلة لاحقة يمكن فيها لفِرق كاملة من الوكلاء العمل معاً نيابة عن المستخدم.

وبهذا تنتقل المنافسة في الذكاء الاصطناعي إلى سؤال مختلف عن جودة الإجابة وحدها: إلى أي مدى يمكن للنظام أن يتذكر السياق، ويواصل العمل، ويتصرف عبر تطبيقات متعددة، دون أن يحتاج المستخدم إلى توجيه كل خطوة؟ وهذه هي المساحة التي تحاول «Dots» دخولها.


روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
TT

روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)

طوّر مهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT» روبوتاً سبّاحاً فائق النحافة يعتمد على طبقة واحدة من الخلايا العضلية الحية لتوليد الحركة، في تصميم يهدف إلى تقليل حجم الروبوتات الحيوية الهجينة، وتحسين كفاءتها مقارنة بالأنظمة التي تعتمد على كتل عضلية ثلاثية الأبعاد أكبر حجماً.

الروبوت الذي يصفه الباحثون بأنه رقيق إلى حد يشبه الورق، مبني على هيكل من مادة هلامية يبلغ طوله وعرضه تقريباً حجم قطعة من العلكة. وينقسم الهيكل إلى جزأين يعملان كزعانف، تغطي كل واحدة منهما طبقة من الخلايا العضلية الحية أرق من شعرة الإنسان. وقد عُدلت هذه الخلايا وراثياً بحيث تنقبض عندما تتعرض للضوء.

الحركة بالضوء بدلاً من المحركات

عندما يسلط الباحثون الضوء على إحدى الزعانف، تنقبض الخلايا العضلية الموجودة على سطحها؛ ما يؤدي إلى حركة كافية لدفع الروبوت عبر الماء. ويمكن تغيير اتجاه السباحة وسرعتها عبر التحكم في أي زعنفة تُضاء، وتوقيت نبضات الضوء الموجهة إليها.

وفي الاختبارات، تمكن الروبوت من السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة. وبلغت سرعته القصوى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة، وهي سرعة محدودة مقارنة بالسباحين السريعين، لكنها أظهرت أن طبقة عضلية شديدة الرقة تستطيع إنتاج قوة كافية لتحريك جسم كامل داخل الماء.

وتقول ريتو رامان، الأستاذة المشاركة في الهندسة الميكانيكية في «MIT» وإحدى مؤلفي الدراسة، إن الحركة في الماء تتطلب قوة أكبر من الحركة في الهواء؛ ما يجعل قدرة الروبوت على السباحة بهذا الحجم والسمك مؤشراً على القوة التي يمكن أن تنتجها البنية العضلية المستخدمة.

تتحرك زعانف الروبوت عند تعريض الخلايا العضلية للضوء ما يسمح بالتحكم في اتجاه السباحة وسرعتها من دون استخدام محركات تقليدية (الجامعة)

تقليل حجم الروبوتات الحيوية

تجمع الروبوتات الحيوية الهجينة بين مواد صناعية وأنسجة أو خلايا حية لتوليد الحركة، إلا أن كثيراً من التصاميم السابقة اعتمد على كتل ثلاثية الأبعاد من العضلات المزروعة مخبرياً؛ ما يتطلب أعداداً كبيرة من الخلايا، ويؤدي إلى أجهزة أكثر سماكة وتعقيداً.

أما التصميم الجديد، فيعتمد على طبقة رقيقة جداً من العضلات، وهو ما يمكن أن يقلل كمية الخلايا المطلوبة، ويتيح تصنيع روبوتات أبسط وأخف وزناً وأكثر كفاءة في الحركة. ويصف الفريق النظام بأنه أول مثال على روبوت عضلي ثنائي الأبعاد شديد الرقة قادر على الحركة الذاتية. ويرى الباحثون أن الأنسجة الحية تقدم خصائص يصعب تحقيقها باستخدام مكونات ميكانيكية تقليدية فقط، فهي لينة وقادرة على الاستجابة لبيئتها، ويمكن أن تتمتع بقدرات على إصلاح نفسها.

البحث عن «هيكل» مناسب للعضلات

لم يكن التحدي مقتصراً على زراعة الخلايا، بل شمل أيضاً تطوير قاعدة تستطيع تحويل انقباضاتها الصغيرة إلى حركة مفيدة؛ فقد اعتمد الفريق في أعمال سابقة على مادة الفيبرين، وهي مادة هلامية شديدة الليونة، لكنه وجد أنها يمكن أن تنكمش بسرعة عند تعرضها لقوة العضلات؛ ما يقلل كفاءة نقل القوة؛ لذلك اختبر الباحثون تركيبات مختلفة من مادة «GelMA» المستخدمة في هندسة الأنسجة، مع تغيير صلابتها وسمكها وشكل الأخاديد الموجودة على سطحها.

وأظهرت التجارب أن الأخاديد ذات الشكل الأقرب إلى القنوات المربعة ساعدت الخلايا على الاصطفاف بصورة أفضل. وكلما زاد انتظام الخلايا، كان اندماجها في ألياف عضلية أقوى وأكثر تنسيقاً، كما وجد الفريق أن الطبقة الهلامية بسماكة نحو نصف مليمتر توفر توازناً مناسباً بين خفة الوزن والقدرة على دعم العضلات في أثناء انقباضها.

«تدريب» العضلات قبل الاستخدام

عمل الباحثون أيضاً على تقوية العضلات نفسها عبر سلسلة من نبضات الضوء، في عملية شبيهة بالتدريب، بهدف زيادة قدرتها على الانقباض. وبعد تحسين المادة الحاملة وترتيب الخلايا، صمم الفريق الروبوت بزعنفتيه، مع أخاديد على الجانبين تسمح للخلايا العضلية بالنمو في اتجاهات منظمة. وعند تشغيل الزعنفتين معاً، يتحرك الروبوت إلى الأمام، بينما يسمح تشغيل زعنفة واحدة بتغيير الاتجاه.

تطبيقات محتملة في البيئات الحساسة

لا يزال التصميم في مرحلة بحثية مبكرة، ويقول الفريق إن الخطوة التالية تتمثل في تحسين شكل الجسم لزيادة سرعة السباحة وكفاءتها، لكن الباحثين يرون أن الروبوتات الحيوية الهجينة الرقيقة قد تكون مناسبة مستقبلاً للمهام التي تتطلب أجهزة لينة وصغيرة داخل بيئات لا تتلاءم معها الروبوتات التقليدية، مثل مراقبة بعض البيئات المائية الحساسة أو استكشاف مناطق هشة لا تتحمل أجهزة صلبة أو كبيرة. ونُشرت الدراسة في دورية «Advanced Functional Materials»، بينما تلقى المشروع دعماً جزئياً من مكتب البحوث البحرية الأميركي.


الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني... والشركات تختلف على من يتحمل المسؤولية

أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)
أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني... والشركات تختلف على من يتحمل المسؤولية

أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)
أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)

مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، لم تعد المخاطر مرتبطة فقط بما يمكن أن تفعله النماذج أو الوكلاء، بل أيضاً بمن يتحمل المسؤولية عندما يقع خلل أمني أو تتخذ الأنظمة إجراءات غير متوقعة. ويظهر تقرير «Global Digital Trust Insights 2027» الصادر عن «PwC» أن الشركات لا تزال بعيدة عن التوصل إلى نموذج موحد لتوزيع هذه المسؤولية، رغم ارتفاع الإنفاق على الأمن السيبراني وتسارع إدخال الذكاء الاصطناعي في العمليات.

الاستطلاع الذي شمل 3934 من قادة الأعمال والتكنولوجيا في 71 دولة ومنطقة، كشف أن 84 في المائة من مسؤولي الأمن والمالية يتوقعون زيادة ميزانيات الأمن السيبراني خلال الأشهر الـ12 المقبلة، مقارنة بـ78 في المائة في العام السابق. كما أدرج 58 في المائة الذكاء الاصطناعي ضمن أبرز أولويات الإنفاق السيبراني، في مؤشر على انتقاله من أداة لتحسين الإنتاجية إلى عنصر أساسي في استراتيجيات الحماية وإدارة المخاطر.

من المسؤول عن مخاطر الذكاء الاصطناعي؟

أحد أبرز ما كشفه التقرير هو غياب الاتفاق داخل المؤسسات حول الجهة التي يفترض أن تتحمل مسؤولية مخاطر الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً مع صعود الأنظمة الوكيلية القادرة على اتخاذ إجراءات وتنفيذ مهام بدرجات متفاوتة من الاستقلالية.

وأفاد 29 في المائة من المشاركين بأن المسؤولية ينبغي أن تقع على عاتق رئيس تقنية المعلومات أو رئيس التكنولوجيا أو الوظيفة التقنية، فيما رأى 26 في المائة أنها من اختصاص قائد أو إدارة مستقلة للذكاء الاصطناعي. واختار 17 في المائة رئيس أمن المعلومات أو فرق الأمن السيبراني، فيما قال 11 في المائة إن المسؤولية غير واضحة لأنها موزعة بين أكثر من وظيفة داخل المؤسسة.

وفي المقابل، بدأت بعض المؤسسات بالفعل في إنشاء أدوار تنظيمية مخصصة، إذ أظهر الاستطلاع أن 33 في المائة منها عيّنت مسؤولين أو أنشأت وظائف مرتبطة مباشرة بقيادة الذكاء الاصطناعي، من بينها مناصب تنفيذية أو أدوار على مستوى مجالس الإدارة.

لكن وصول الموضوع إلى المستويات العليا لا يعني أن الحوكمة أصبحت مستقرة. فقد أفاد 47 في المائة فقط بأن الأمن السيبراني أصبح بنداً دائماً على جدول أعمال مجلس الإدارة، فيما تشير «PwC» إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي يفرض حاجة أكبر إلى وضوح المساءلة وتحديد من يملك القرار عند وقوع حادث أو فشل في الضوابط.

تكشف الدراسة أن ارتفاع الإنفاق لا يعني اكتمال الجاهزية إذ لا تزال خطط الاستمرارية والاستعداد للتهديدات الكمية متفاوتة بين المؤسسات (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي هدف للهجمات أيضاً

لا تقتصر المفارقة على استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة دفاعية، إذ أصبح هو نفسه هدفاً متزايداً للهجمات. وأفاد نصف قادة الأمن تقريباً بأن الهجمات التي تستهدف أنظمة الذكاء الاصطناعي تأتي ضمن التهديدات التي يشعرون بأقل قدر من الاستعداد لمواجهتها.

وتشمل المخاطر التي يبرزها التقرير هجمات موجهة ضد النماذج والأنظمة الوكيلية، إضافة إلى العبث بالبيانات أو التأثير في سلوك الأنظمة. وأظهرت بيانات مرتبطة بالدراسة أن 53 في المائة أشاروا إلى اختراق شبكات آلية ذاتية التشغيل باعتباره من المخاطر التي تثير القلق، فيما ذكر 52 في المائة الهجمات العدائية على أنظمة الذكاء الاصطناعي، والنسبة نفسها تقريباً بالنسبة إلى تسميم البيانات.

وتكتسب هذه المخاطر وزناً أكبر مع انتقال الذكاء الاصطناعي من دور المساعد إلى أنظمة تستطيع الوصول إلى التطبيقات والبيانات واتخاذ خطوات داخل مسارات العمل، ما يعني أن ضعفاً في الصلاحيات أو الهوية أو الحوكمة قد ينتقل أثره من إنتاج إجابة خاطئة إلى تنفيذ إجراء فعلي داخل المؤسسة.

حذر من الوكلاء المستقلين

في الوقت الذي تزداد فيه خطط استخدام الذكاء الاصطناعي للدفاع السيبراني، لا تزال المؤسسات متحفظة تجاه منح الوكلاء صلاحيات كاملة. وأظهر التقرير أن 22 في المائة فقط سيوافقون على منح وكلاء الذكاء الاصطناعي استقلالية كاملة لتنفيذ إجراءات دفاعية.

وترتبط هذه الحيطة، حسب «PwC»، بعوامل من بينها الثقة في التقنية، والمساءلة، ونقص الخبرات القادرة على مراقبة الأنظمة المستقلة. وفي هذا السياق، ترى الشركة أن توسيع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الأمن يحتاج إلى حوكمة واضحة وإشراف بشري وآليات تحدد حدود ما يستطيع النظام فعله من دون تدخل مباشر.

ويعكس ذلك معادلة جديدة داخل فرق الأمن السيبراني؛ فالمؤسسات تريد الاستفادة من سرعة الذكاء الاصطناعي وقدرته على تحليل كميات كبيرة من البيانات والاستجابة للتهديدات، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بمنع أن يتحول النظام الدفاعي نفسه إلى مصدر لمخاطر جديدة.

يضع التقرير الذكاء الاصطناعي في صدارة أولويات الأمن السيبراني مع توقع معظم المؤسسات زيادة ميزانيات الحماية خلال العام المقبل (أدوبي)

الميزانيات ترتفع... لكن الجاهزية ليست كاملة

ارتفاع الميزانيات لا يعني بالضرورة وصول المؤسسات إلى مستوى متقدم من الجاهزية. فحسب التقرير، 39 في المائة فقط لديها خطة استمرارية رسمية ومطبقة بصورة كاملة تتعامل تحديداً مع المخاطر السيبرانية، رغم توسع استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

كما أن الاستعداد للتهديدات المستقبلية ما زال متفاوتاً. ففي مجال التشفير المقاوم للحوسبة الكمية، أظهرت بيانات التقرير أن 21 في المائة فقط من المؤسسات نفذت بالفعل إجراءات أمنية مقاومة للتهديدات الكمية، ما يعكس أن جزءاً كبيراً من السوق لا يزال في مراحل مبكرة من الاستعداد لهذا التحول.

وتوضح الأرقام أن زيادة الاستثمار تأتي بالتوازي مع اتساع نطاق المسؤوليات؛ إذ لم تعد فرق الأمن مطالبة فقط بحماية الشبكات والبيانات والخدمات السحابية، بل أصبحت تحتاج أيضاً إلى حماية النماذج والبيانات التدريبية والوكلاء والهويات الرقمية الجديدة التي تعمل داخل المؤسسات.

من أداة دفاع إلى ملف حوكمة

تلخص «PwC» التحول بأن الذكاء الاصطناعي أصبح يعمل على جانبي معادلة الأمن السيبراني. فهو يوسع سطح الهجوم ويخلق أنواعاً جديدة من المخاطر، لكنه في الوقت نفسه يوفر أدوات يمكن استخدامها للكشف والاستجابة والحماية بدرجات أعلى من الأتمتة. ولهذا ترى الشركة أن القيمة الفعلية لا تتوقف على تبني التقنية، بل على بناء الثقة والحَوْكمة والإشراف البشري اللازم لاستخدامها بصورة مسؤولة.

وبينما تستعد المؤسسات لزيادة الإنفاق، يظل السؤال موجهاً حول من يمتلك القرار عندما يصبح وكيل ذكاء اصطناعي قادراً على الوصول إلى الأنظمة والبيانات واتخاذ إجراءات دفاعية أو تشغيلية.

أرقام الاستطلاع تشير إلى أن الشركات بدأت إنشاء أدوار وآليات جديدة للإجابة عن هذا السؤال، لكن توزيع المسؤولية بين التكنولوجيا والأمن وقيادة الذكاء الاصطناعي لم يستقر بعد.