«الذكاء الاصطناعي العام»... سيصبح قريباً أذكى من البشر

نظام يؤدي جميع المهام المعرفية التي يقوم بها الإنسان

«الذكاء الاصطناعي العام»... سيصبح قريباً أذكى من البشر
TT

«الذكاء الاصطناعي العام»... سيصبح قريباً أذكى من البشر

«الذكاء الاصطناعي العام»... سيصبح قريباً أذكى من البشر

إليكم بعض الأمور التي أؤمن بها بشأن الذكاء الاصطناعي:

أعتقد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي بدأت على مدى السنوات القليلة الماضية، تتفوق على البشر في عدد من المجالات - على سبيل المثال لا الحصر - وأنها تتحسن يوماً بعد يوم.

«الذكاء الاصطناعي العام»

أعتقد أن شركة أو أكثر من شركات الذكاء الاصطناعي ستزعم قريباً جداً - ربما في عام 2026 أو 2027، وربما هذا العام - أنها ابتكرت «ذكاءً اصطناعياً عاماً»، أو ما يُعرف بـاسم «الذكاء الاصطناعي العام» artificial general intelligence (AGI)، الذي يُعرّف عادةً بأنه «نظام ذكاء اصطناعي عمومي الأغراض، قادر على أداء جميع المهام المعرفية التي يمكن للإنسان القيام بها تقريباً».

كما أعتقد أنه عند الإعلان عن الذكاء الاصطناعي العام، ستدور نقاشات حول تعريفاته ونقاشات حول ما إذا كان يُعدّ ذكاءً اصطناعياً عاماً «حقيقياً» أم لا، لكن هذه النقاشات لن تُهمّ في الغالب، لأن الفكرة الأوسع، وهي أننا نفقد احتكارنا للذكاء البشري، وننتقل إلى عالمٍ يضم أنظمة ذكاء اصطناعي قوية للغاية، ستكون صحيحة.

ترجيح الكفة السياسية والعسكرية

أعتقد أنه خلال العقد المقبل، سيُولّد الذكاء الاصطناعي القوي تريليونات الدولارات من القيمة الاقتصادية، وسيُرجّح كفة ميزان القوة السياسية والعسكرية لصالح الدول التي تُسيطر عليه، وأن معظم الحكومات والشركات الكبرى ترى هذا الأمر بديهياً، كما يتضح من المبالغ الطائلة التي تُنفقها للوصول إلى هذا الهدف أولاً.

لا توجد استعدادات لمواجهة مخاطره

وأعتقد أن معظم الناس والمؤسسات غير مُستعدة تماماً لأنظمة الذكاء الاصطناعي الموجودة اليوم، ناهيك عن الأنظمة الأقوى، وأنه لا توجد خطة واقعية على أي مستوى حكومي للتخفيف من مخاطر هذه الأنظمة أو جني فوائدها.

كما أعتقد أن المشككين المتعصبين في الذكاء الاصطناعي، الذين يُصرّون على أن التقدم مُجرّد وهم، ويرفضون الذكاء الاصطناعي العام باعتباره خيالاً وهمياً، ليسوا مُخطئين في جوهره فحسب، بل يُعطون الناس شعوراً زائفاً بالأمان.

وأعتقد أنه سواء كنت تعتقد أن الذكاء الاصطناعي العام سيكون رائعاً أم سيئاً للبشرية، وبصراحة، قد يكون من السابق لأوانه الجزم بذلك، فإن ظهوره يُثير أسئلة اقتصادية وسياسية وتكنولوجية مهمة لا نملك إجابات عنها حالياً.

أعتقد أن الوقت المُناسب للبدء في الاستعداد للذكاء الاصطناعي العام هو الآن. قد يبدو كل هذا جنوناً. لكنني لم أتوصل إلى هذه الآراء كمُستقبليٍّ مُتفائل، أو مُستثمر يُبالغ في الترويج لمحفظته الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي.

لقد توصلت إليها بصفتي صحافياً قضى وقتاً طويلاً في التحدث إلى المهندسين الذين يبنون أنظمة ذكاء اصطناعي قوية، والمستثمرين الذين يُموّلونها، والباحثين الذين يدرسون آثارها. وقد توصلت إلى الاعتقاد بأن ما يحدث في مجال الذكاء الاصطناعي حالياً أكبر مما يُدركه معظم الناس.

تغير جذري على وشك الحدوث

في سان فرانسيسكو، ليست فكرة الذكاء الاصطناعي العام (AGI) غريبة. يتحدث الناس هنا عن «الشعور بالذكاء الاصطناعي العام»، وقد أصبح بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أذكى من الإنسان هدفاً واضحاً لبعض كبرى شركات وادي السيليكون. ألتقي أسبوعياً بمهندسين ورواد أعمال يعملون في مجال الذكاء الاصطناعي، ويخبرونني أن التغيير - تغيير كبير، تغيير يُحدث تغييراً جذرياً، نوع من التحول لم نشهده من قبل - على وشك الحدوث.

كنت أستهزئ بالفكرة أيضاً. لكنني الآن أعتقد أنني كنت مخطئاً. بعض الأمور أقنعتني بأخذ تقدم الذكاء الاصطناعي على محمل الجد.

الخبراء المطلعون... قلقون

أكثر ما يُربك صناعة الذكاء الاصطناعي اليوم هو أن الأشخاص الأقرب إلى التكنولوجيا، أي الموظفين والمديرين التنفيذيين في مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة، يميلون إلى القلق بشأن سرعة تطورها.

هذا أمرٌ غير مألوف. في عام 2010، عندما كنتُ أُغطي صعود منصات التواصل الاجتماعي، لم يُحذّر أحدٌ في «تويتر» أو «فورسكوير» أو «بينترست» من أن تطبيقاتهم قد تُسبب فوضى مجتمعية. لم يكن مارك زوكربيرغ يختبر «فيسبوك» للعثور على أدلة على إمكانية استخدامه لصنع أسلحة بيولوجية جديدة، أو شنّ هجمات إلكترونية ذاتية التشغيل.

لكن اليوم، يُخبرنا الأشخاص الذين لديهم أفضل المعلومات حول تقدم الذكاء الاصطناعي، أولئك الذين يُطوّرون ذكاءً اصطناعياً قوياً، والذين لديهم إمكانية الوصول إلى أنظمة أكثر تطوراً مما يراه عامة الناس، أن التغيير الكبير وشيك.

قدرات النظم على التآمر والخداع

وتستعد شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة بنشاط لظهور الذكاء الاصطناعي العام، وتدرس خصائص نماذجها التي قد تُثير القلق، مثل قدرتها على التآمر والخداع، تحسباً لأن تصبح أكثر كفاءة واستقلالية.

وقد كتب سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» OpenAI، أن «الأنظمة التي بدأت تُشير إلى الذكاء الاصطناعي العام بدأت تظهر للعيان». وصرح ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة «ديب مايند» في «غوغل»، بأن الذكاء الاصطناعي العام ربما «يبعد (عنّا) ثلاث إلى خمس سنوات».

وأخبرني داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» Anthropic (الذي لا يُحبذ مصطلح الذكاء الاصطناعي العام ولكنه يتفق مع المبدأ العام)، الشهر الماضي، أنه يعتقد أننا على بُعد عام أو عامين من امتلاك «عدد كبير جداً من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتفوق على البشر في كل شيء تقريباً».

ربما يجب علينا تجاهل هذه التوقعات. ففي النهاية، سيستفيد المسؤولون التنفيذيون في مجال الذكاء الاصطناعي من المبالغة في الحديث عن الذكاء الاصطناعي العام، وقد يكون لديهم دوافع للمبالغة.

لكن الكثير من الخبراء المستقلين، بمن فيهم جيفري هينتون ويوشوا بينجيو، وهما من أكثر باحثي الذكاء الاصطناعي تأثيراً في العالم، وبن بوكانان، كبير خبراء الذكاء الاصطناعي في إدارة الرئيس الأميركي السابق بايدن، يُدلون بآراء مماثلة. وكذلك يُدلي بها عدد كبير من الاقتصاديين والرياضيين ومسؤولي الأمن القومي البارزين.

وللإنصاف، فإن بعض الخبراء يشككون في أن الذكاء الاصطناعي العام بات وشيكاً. ولكن حتى لو تجاهلنا كل من يعمل في شركات الذكاء الاصطناعي، أو لديه مصلحة شخصية في النتيجة، فلا يزال هناك ما يكفي من الأصوات المستقلة الموثوقة، التي يستدعي أخذها على محمل الجد.

نماذج الذكاء الاصطناعي تتحسن

بالنسبة لي، يُعدّ الدليل على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم تتحسن بسرعة، بطرق واضحة إلى حد ما لأي شخص يستخدمها، مُقنعاً تماماً مثل آراء الخبراء.

في عام 2022، عندما أصدرت «أوبن إيه آي» برنامج ChatGPT، واجهت نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة صعوبات في العمليات الحسابية الأساسية، وفشلت كثيراً في حل مسائل التفكير المعقدة، وغالباً ما كانت «تهلوس»، أو اختلقت حقائق غير موجودة. كانت روبوتات الدردشة في تلك الحقبة قادرة على إنجاز أشياء مبهرة مع التوجيه المناسب، لكنها لم تستخدم أبداً لأي شيء بالغ الأهمية.

واليوم فإن نماذج الذكاء الاصطناعي أفضل بكثير. إذ إن النماذج المتخصصة تحقق الآن نتائج بمستوى الميداليات في أولمبياد الرياضيات الدولي. وأصبحت النماذج متعددة الأغراض بارعة جداً في حل المشكلات المعقدة لدرجة أننا اضطررنا إلى إنشاء اختبارات جديدة وأكثر صعوبة لقياس قدراتها. ولا تزال الهلوسة والأخطاء الواقعية تحدث، لكنها نادرة في النماذج الأحدث. وتثق العديد من الشركات الآن بنماذج الذكاء الاصطناعي بما يكفي لدمجها في وظائف أساسية تُعنى بالعملاء.

مع تطور هذه الأدوات، فإنها أصبحت مفيدة للعديد من أنواع العمل المعرفي المكتبي. وظهر أن مخرجات البحث العميق في «تشات جي بي تي»، وهي ميزة مميزة تُنتج ملخصات تحليلية معقدة، كانت «على الأقل مماثلة لمتوسط نتائج الباحثين البشريين».

استخداماتي للذكاء الاصطناعي

لقد وجدتُ أيضاً استخداماتٍ عدةً لأدوات الذكاء الاصطناعي في عملي. لا أستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة مقالاتي، بل أستخدمه في أمورٍ أخرى كثيرة، مثل التحضير للمقابلات، وتلخيص الأبحاث، وبناء تطبيقاتٍ مُخصصةٍ لمساعدتي في المهام الإدارية. لم يكن أيٌّ من هذا مُمكناً قبل بضع سنوات. وأجدُ أنه من غير المُمكن لأي شخصٍ يستخدم هذه الأنظمة بانتظامٍ في عملٍ جادٍّ أن يستنتج أنه قد وصل إلى مرحلةٍ من الجمود.

إذا كنتَ تُريد حقاً إدراك مدى تحسُّن الذكاء الاصطناعي أخيراً، فتحدث إلى مُبرمج. إذ وقبل عامٍ أو عامين، كانت أدوات برمجة الذكاء الاصطناعي موجودة، لكنها كانت تهدف إلى تسريع المُبرمجين البشر أكثر من استبدالهم. أما اليوم، فيُخبرني مُهندسو البرمجيات أن الذكاء الاصطناعي يُجري مُعظم البرمجة نيابةً عنهم، وأنهم يشعرون بشكلٍ مُتزايد بأن وظيفتهم هي الإشراف على أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وصرح جاريد فريدمان، الشريك في Y Combinator، وهي شركة تختص بتسريع عمل الشركات الناشئة، أخيراً بأن ربع الدفعة الحالية من الشركات الناشئة المُشاركة في شركته تستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة جميع رموزها البرمجية تقريباً. وأضاف: «قبل عام، كانوا سيبنون منتجاتهم من الصفر، لكن الآن فإن 95 في المائة منها مبني على الذكاء الاصطناعي».

الاستعداد والتأهب هما الأفضل

معظم النصائح التي سمعتها حول كيفية استعداد المؤسسات للذكاء الاصطناعي العام تتلخص في أمور يجب علينا القيام بها على أي حال: تحديث بنيتنا التحتية للطاقة، وتعزيز دفاعاتنا الأمنية السيبرانية، وتسريع إجراءات الموافقة على الأدوية المصممة بالذكاء الاصطناعي، ووضع لوائح لمنع أخطر أضرار الذكاء الاصطناعي، وتعليم مهارات الذكاء الاصطناعي في المدارس، وإعطاء الأولوية للتنمية الاجتماعية والعاطفية على المهارات التقنية التي ستصبح قديمة قريباً. هذه كلها أفكار معقولة، مع أو من دون الذكاء الاصطناعي العام.

يخشى بعض قادة التكنولوجيا من أن تدفعنا المخاوف السابقة لأوانها بشأن الذكاء الاصطناعي العام إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي بشكل صارم للغاية. لكن إدارة الرئيس ترمب أشارت إلى أنها تريد تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي، وليس إبطاءه. ويُنفق الآن ما يكفي من المال لإنشاء الجيل المقبل من نماذج الذكاء الاصطناعي، مئات المليارات من الدولارات، والمزيد في الطريق، لدرجة أنه يبدو من غير المرجح أن تكبح شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة جماحها طواعيةً.

لا أقلق أيضاً بشأن استعداد الأفراد وتأهبهم للذكاء الاصطناعي العام. أعتقد أن الخطر الأكبر يكمن في أن معظم الناس لن يدركوا وجود الذكاء الاصطناعي القوي إلا عندما يواجههم مباشرةً، مُلغياً وظائفهم، أو مُوقعاً إياهم في فخ الاحتيال، أو مُؤذياً إياهم أو أحد أحبائهم.

هذا، تقريباً، ما حدث خلال عصر وسائل التواصل الاجتماعي، عندما فشلنا في إدراك مخاطر أدوات مثل «فيسبوك» و«تويتر» حتى أصبحت ضخمة وراسخة لدرجة يصعب معها تغييرها.

لهذا السبب أؤمن بأهمية أخذ إمكانية الذكاء الاصطناعي العام على محمل الجد الآن، حتى لو لم نكن نعرف بالضبط متى سيظهر أو الشكل الذي سيتخذه.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

علوم هل يمكن للذكاء الاصطناعي صرف الوصفات الطبية؟

هل يمكن للذكاء الاصطناعي صرف الوصفات الطبية؟

مطالبات بمنح الأطباء صلاحية الاعتراض على قراراته ووضع تدابير السلامة اللازمة لحماية المرضى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)

الأسهم الكورية الجنوبية تهبط بأكثر من 2 %... والسلطات تتأهب لاحتواء اضطرابات السوق

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية في تعاملات الأربعاء، وسط تقلبات حادة قادتها أسهم شركات أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (سيول)
العالم شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يدرس خطة طارئة بعد قيود أميركية على نماذج ذكاء اصطناعي

يسعى الاتحاد الأوروبي لحماية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم، بعدما فرضت أميركا مؤقتاً قيوداً على استخدام الأجانب نماذج ذكاء اصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

العجز التجاري الأميركي يتسع في مايو مع ارتفاع واردات السلع الرأسمالية

اتسع العجز التجاري الأميركي بشكل حاد خلال مايو، مدفوعاً بارتفاع واردات السلع الرأسمالية إلى مستوى قياسي، في ظل الطفرة الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

«أوبن إيه آي» تستعد لطرح نموذجها الجديد للذكاء الاصطناعي «GPT-5.6»

سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
TT

«أوبن إيه آي» تستعد لطرح نموذجها الجديد للذكاء الاصطناعي «GPT-5.6»

سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» يحضر فعالية في طوكيو (أرشيفية - رويترز)

أعلنت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الثلاثاء)، أنّها ستطرح نموذجها الجديد «GPT-5.6» للعامّة يوم الخميس، بعد فترة تجريبية اقتصر خلالها استخدامه على عدد محدود من شركائها في الولايات المتحدة.

وقالت الشركة، في بيان عبر «إكس»: «إنّ مجموعة (GPT-5.6) ونماذج (سول) و(تيرا) و(لونا) ستُصبح متاحة للعامة بدءاً من الخميس»، مضيفة: «نبدأ من اليوم إتاحة الوصول المبكر إلى هذه النماذج للمستخدمين حول العالم»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأثار «GPT-5.6» وغيره من نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة، بما في ذلك سلسلة «ميتوس» من شركة «أنثروبيك»، مخاوف بشأن ما يُوصَف بقدرة غير مسبوقة على تحديد ثغرات البرمجيات، أي نقاط الضعف في الشيفرات البرمجية التي يمكن أن يستغلها القراصنة لاختراق أنظمة أو شن هجمات إلكترونية.

وكانت «أوبن إيه آي» أعلنت في أواخر يونيو (حزيران) أنها أتاحت الوصول التجريبي إلى «GPT-5.6» لمجموعة محدودة من الشركاء في الولايات المتحدة فقط نزولاً على طلب واشنطن.

وتتضمّن سلسلة «GPT-5.6» ثلاثة نماذج جديدة: «سول» وهو النموذج الرئيسي للشركة، و«تيرا» المخصص للاستخدامات اليومية، و«لونا» الذي يُعدّ خياراً سريعاً ومنخفض التكلفة.

ونقلت وكالة أنباء «أكسيوس» الأميركية عن مصدر قوله إن إدارة ترمب منحت «أوبن إيه آي» الضوء الأخضر لإطلاق «GPT-5.6» على نطاق واسع، وذلك بعد إجراء اختبارات وعقد اجتماعات بين الشركة ومسؤولين في الحكومة.

وكانت شركة «أنثروبيك»، المنافسة الأبرز لـ«أوبن إيه آي»، أعلنت الأسبوع الماضي أنها ستتيح مجدداً الوصول على مستوى العالم لأقوى نماذجها للذكاء الاصطناعي «فيبل 5» و«ميتوس 5»، بعد أن رفعت الحكومة الأميركية القيود المفروضة على أماكن طرحها.


«ديب سيك» تتجه إلى تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها

تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
TT

«ديب سيك» تتجه إلى تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها

تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)
تعكس الخطوة سعي شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية وسط القيود الأميركية (أ.ف.ب)

تعمل شركة «ديب سيك» الصينية على تطوير شريحة ذكاء اصطناعي خاصة بها، وفق ما نقلته «رويترز» عن مصادر مطلعة، في خطوة تعكس اتجاهاً كبيراً لدى شركات الذكاء الاصطناعي الصينية نحو تقليل الاعتماد على الشرائح الأجنبية، خصوصاً مع استمرار القيود الأميركية على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين.

ولا تزال المبادرة في مراحلها الأولى، حسب التقرير، إذ تعمل الشركة مع شركاء خارجيين، وتوظف مهندسين متخصصين في تصميم الشرائح. وتركز الشريحة المتوقعة على الاستدلال، أي تشغيل النماذج والرد على المستخدمين بعد تدريبها، وليس بالضرورة على تدريب النماذج الضخمة من البداية.

من النماذج إلى العتاد

برزت «ديب سيك» خلال الفترة الماضية بوصفها إحدى أبرز شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، بعدما قدمت نماذج حققت اهتماماً عالمياً بسبب كفاءتها وقدرتها على منافسة نماذج كبيرة بتكاليف تشغيل أقل نسبياً. لكن قصة الذكاء الاصطناعي لم تعد تتعلق بالنموذج وحده، بل بالبنية التي تشغله.

فكلما زاد عدد المستخدمين والتطبيقات، أصبحت تكلفة الاستدلال واستهلاك الطاقة وسرعة الاستجابة عوامل حاسمة. ولذلك تسعى شركات كثيرة إلى تحسين العلاقة بين البرمجيات والشرائح، بحيث تُصمم النماذج بطريقة تستفيد من خصائص العتاد، أو يُطوَّر العتاد نفسه بما يناسب احتياجات النموذج.

بالنسبة إلى «ديب سيك»، قد يمنحها امتلاك شريحة خاصة قدرة أكبر على ضبط الأداء والتكلفة، بدلاً من الاعتماد الكامل على شرائح جاهزة من «إنفيديا» أو «هواوي». لكنه في المقابل يفتح أمامها تحديات هندسية وتصنيعية معقدة.

تستهدف الشريحة مرحلة الاستدلال أي تشغيل النماذج والرد على المستخدمين وليس تدريب النماذج من البداية (رويترز)

خلفية مرتبطة بالقيود الأميركية

تأتي الخطوة في سياق أوسع من التوترات التكنولوجية بين واشنطن وبكين. فقد فرضت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية قيوداً على تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين، ما دفع الشركات الصينية إلى البحث عن بدائل محلية أو تطوير حلول مخصصة.

وكانت «ديب سيك» قد اعتمدت في مراحل سابقة على شرائح «إنفيديا» H800، وهي شرائح صُممت أصلاً للسوق الصينية قبل تشديد القيود الأميركية. كما أفادت «رويترز» في تقارير سابقة بأن نموذج «ديب سيك V4» عُدّل للعمل بكفاءة على شرائح «هواوي» Ascend، في إشارة إلى توسع الاعتماد على العتاد المحلي داخل قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني.

ولا يعني تطوير شريحة خاصة أن «ديب سيك» ستستغني فوراً عن الموردين الحاليين. فتصميم شريحة ذكاء اصطناعي لا يكفي وحده، إذ تحتاج الشركة إلى تصنيعها، وتوفير الذاكرة المتقدمة، وبناء منظومة برمجية قادرة على تشغيل النماذج بكفاءة عليها.

لماذا الاستدلال تحديداً؟

يركز تقرير «رويترز» على أن الشريحة التي تطورها «ديب سيك» موجهة إلى الاستدلال. وهذا اختيار مهم، لأن المرحلة التي تلي تدريب النماذج أصبحت تمثل العبء اليومي الأكبر على شركات الذكاء الاصطناعي. التدريب يحتاج إلى كميات هائلة من القدرة الحاسوبية خلال فترة محددة، لكن الاستدلال يحدث باستمرار مع كل سؤال يطرحه المستخدم أو كل طلب ينفذه التطبيق. ومع اتساع استخدام النماذج في محركات البحث والمساعدات الذكية وخدمة العملاء والبرمجة، تصبح كفاءة الاستدلال عاملاً مباشراً في تكلفة الخدمة وربحيتها.

ويُظهر بحث تقني سابق حول «DeepSeek-V3» أن الشركة ركزت على تحسين كفاءة النماذج عبر تصميمات تراعي قيود العتاد، مثل إدارة الذاكرة والاتصال بين المعالجات وتقليل تكلفة الحسابات. ويعزز ذلك فكرة أن تطوير شريحة مخصصة قد يكون امتداداً طبيعياً لاستراتيجية تربط النموذج بالبنية التي تشغله.

لا تزال الخطوة في مراحلها الأولى وتواجه تحديات كبيرة في التصميم والتصنيع والذاكرة وتكامل البرمجيات (أ.ف.ب)

منافسة داخلية أيضاً

لا تتحرك «ديب سيك» في فراغ، حيث إن السوق الصينية تشهد سباقاً واسعاً في شرائح الذكاء الاصطناعي، تقوده شركات مثل «هواوي» و«علي بابا» و«بايدو» وغير ذلك. وتشير «رويترز» إلى أن «هواوي» أصبحت البديل المحلي الأبرز لـ«إنفيديا» في الصين، خصوصاً عبر سلسلة «أسيند» (Ascend).

لكن اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى على مورد واحد يحمل مخاطر تتعلق بالتوافر والسعر والأداء. لذلك قد تسعى «ديب سيك» إلى بناء خيار خاص بها لاستخدامه في أعباء عمل محددة، أو لتقليل الضغط على سلاسل الإمداد، أو لتحسين تكامل نماذجها مع بيئتها التشغيلية.

وتشير «رويترز» أيضاً إلى أن الشركة تستعد لجولة تمويل كبيرة قد تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات. وإذا تحقق ذلك، فقد يمنحها رأس المال اللازم لدخول مجال يتطلب استثمارات طويلة المدى في التصميم، والاختبار، والبرمجيات، والشراكات التصنيعية.

تحديات أمام الطموح

رغم أهمية الخطوة، فإن تطوير شريحة منافسة في مجال الذكاء الاصطناعي ليس مساراً سهلاً. فالصين لا تزال تواجه قيوداً على الوصول إلى بعض تقنيات التصنيع المتقدمة، ومعدات إنتاج الشرائح، وأنواع من الذاكرة عالية الأداء المطلوبة لتشغيل النماذج الضخمة بكفاءة.

كما أن نجاح الشريحة لا يقاس بالمواصفات النظرية فقط، بل بقدرتها على العمل داخل مراكز البيانات، والتكامل مع أطر البرمجة، وتشغيل النماذج بثبات، وتقديم أداء اقتصادي أفضل من البدائل المتاحة.

لذلك تمثل خطوة «ديب سيك» إشارة استراتيجية أكثر من كونها تحولاً فورياً في السوق. فهي تكشف أن شركات الذكاء الاصطناعي الصينية لم تعد ترى الشرائح مجرد مكون تشتريه من الموردين، بل ذلك جزء من معركة الكفاءة والسيادة التقنية. وفي حال نجحت، قد تنتقل المنافسة من تطوير نماذج أقل تكلفة إلى بناء منظومات كاملة تجمع النموذج والبرمجيات والعتاد في بنية واحدة.


روبوت صغير يحفر الأسنان بدقة تمهيداً لتركيب التيجان

يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
TT

روبوت صغير يحفر الأسنان بدقة تمهيداً لتركيب التيجان

يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)
يهدف المشروع إلى جعل تحضير الأسنان أكثر دقة واتساقاً مع احتمال تقليل عدد زيارات المريض مستقبلاً (الجامعة)

طوّر باحثون في جامعة بازل السويسرية نموذجاً أولياً لروبوت صغير يعمل داخل الفم، بهدف مساعدة أطباء الأسنان في تحضير الأسنان لتركيب التيجان. ولا يقدم المشروع روبوتاً يحل محل الطبيب، بل أداة دقيقة يمكن أن تنفذ جزءاً محدداً من العلاج وفق خطة رقمية مسبقة، بما قد يقلل عدد الزيارات المطلوبة، ويجعل الإجراء أكثر اتساقاً.

النموذج يحمل اسم «مير» (MIR) اختصاراً لـ«Miniature Intraoral Robot» أي «الروبوت الفموي المصغّر». وتقول جامعة بازل إن الجهاز صُمم لإزالة أجزاء محددة من السن بدقة تمهيداً لتركيب تاج، وهي مرحلة تحتاج عادة إلى مهارة عالية، لأن السن يجب أن يُشكّل بطريقة تسمح للتاج بالثبات، والتوافق مع الأسنان المحيطة.

من المسح الرقمي إلى التاج

الفكرة الأساسية تقوم على ربط الروبوت بسير عمل رقمي كامل. في البداية يجري الطبيب مسحاً رقمياً للفم، والسن المراد علاجه. بعد ذلك تُحدد كمية المادة التي يجب إزالتها من السن، ويُصمم التاج رقمياً وفق هذه الخطة. ويمكن أيضاً تصنيع قالب خاص بالمريض لتثبيت الروبوت في مكانه أثناء العلاج.

في العلاجات التقليدية، قد يحتاج تركيب التاج إلى أكثر من زيارة. يزيل الطبيب التسوس، أو الجزء المتضرر، ثم يجهز السن، ويأخذ طبعة، أو مسحاً، ويضع تاجاً مؤقتاً، قبل أن يعود المريض في موعد لاحق لتركيب التاج الدائم. أما التصور الذي يعمل عليه باحثو بازل فيسعى إلى اختصار هذه الخطوات، بحيث يُحضّر السن آلياً وفق التصميم الرقمي، ما يسمح بإنتاج التاج النهائي بشكل أسرع، وربما تقليل الحاجة إلى زيارات إضافية.

لا يستبدل الروبوت طبيب الأسنان بل ينفذ جزءاً ميكانيكياً دقيقاً تحت إشرافه ووفق خطة علاجية مسبقة (الجامعة)

كيف يعمل الروبوت؟

يبلغ حجم النموذج الأولي تقريباً حجم سدادة زجاجة، وهو مصمم ليتسع داخل الفم المفتوح. وتبقى أجزاء التحكم والمحركات خارج الفم، بينما يتحرك الجزء الصغير داخل التجويف الفموي لتنفيذ الحفر، أو البرد المطلوب. وتشير تغطيات متخصصة إلى أن أبعاد الجهاز تبلغ نحو 43 في 26 في 28 مليمتراً، ما يعكس حجم التحدي الهندسي في تصميم روبوت قادر على العمل داخل مساحة ضيقة، وحساسة.

وخلال الاختبارات، عمل الروبوت على تحضير السن على مرحلتين. في المرحلة الأولى استخدم أداة أوسع لإزالة جزء من السطح العلوي للسن. وفي المرحلة الثانية استخدم أداة أدق لتشكيل الجوانب. ويهدف هذا التدرج إلى الوصول إلى الشكل المطلوب لتركيب التاج مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من بنية السن.

أقل من عُشرَي مليمتر

اختُبر الروبوت حتى الآن في ظروف مخبرية على نماذج أسنان مصنوعة من الراتنج الصناعي، وعلى مادة خزفية تحاكي صلابة مينا الأسنان. ووفق النتائج المنشورة، كان هامش الخطأ في تحديد الموضع أقل من 0.2 مليمتر، قبل دمج حساسات موضعية مخصصة في التصميم. ومن المتوقع أن يساعد إدخال هذه الحساسات في تحسين الدقة، وأن يسمح للروبوت بمعرفة الموضع الذي يجب أن يستأنف منه العمل إذا توقف الإجراء، أو انقطع.

هذه الدقة مهمة، لأن تحضير السن للتاج لا يقتصر على إزالة المادة المتضررة، بل يتطلب إنشاء شكل هندسي مناسب يضمن ثبات التاج، وعدم إضعاف السن، والحفاظ على العلاقة الصحيحة مع الأسنان المجاورة، والمقابلة. وكلما كان التحضير أقرب إلى التصميم الرقمي، ازدادت احتمالات تقليل التعديلات اليدوية اللاحقة.

يعتمد الروبوت على خطة رقمية تبدأ بمسح السن وتحديد كمية المادة التي يجب إزالتها (الجامعة)

استقلالية عمل الروبوت

رغم الطابع الآلي للمشروع، لا تشير جامعة بازل إلى أن الروبوت سيعمل مستقلاً عن الطبيب. فالطبيب يظل مسؤولاً عن الفحص، والتشخيص، والتخطيط، وتحديد كمية المادة المراد إزالتها، ومراقبة العلاج. ويقتصر دور الروبوت على تنفيذ جزء ميكانيكي دقيق بناءً على الخطة الرقمية.

ويجعل ذلك المشروع أقرب إلى أدوات الجراحة الروبوتية المساعدة، لا إلى نموذج «طبيب أسنان آلي» يعمل وحده. فالأسنان تختلف بين المرضى، والفم بيئة متحركة، وحساسة، وأي إجراء داخلها يحتاج إلى ضوابط أمان، وتوقف فوري، ومراقبة مستمرة.

تحديات قائمة

لا يزال المشروع في مرحلة البحث، ولم يتحول بعد إلى علاج متاح للمرضى. وتوضح جامعة بازل أن الفريق يواصل العمل على قضايا مثل قوى الحفر، والضجيج، والحساسات، والسلامة، ومدى ملاءمة التقنية للاستخدام السريري. كما يحتاج الانتقال من المختبر إلى العيادة إلى اختبارات أوسع، تشمل ظروف الفم الحقيقية، وحركة المريض، واختلاف شكل الأسنان، واللثة، وتقييم شعور المريض أثناء الإجراء، إضافة إلى المتطلبات التنظيمية، والطبية.

مع ذلك يعكس المشروع اتجاهاً أوسع في طب الأسنان نحو الدمج بين المسح الرقمي، والتصميم بمساعدة الحاسوب، والتصنيع السريع، والروبوتات الدقيقة. وإذا أثبتت التقنية سلامتها وفعاليتها لاحقاً، فقد تجعل تحضير الأسنان للتيجان أكثر دقة، وتقلل الزيارات، وتخفف التفاوت بين الإجراءات اليدوية.