اختبار «تشات جي بي تي كانفاس»: تحسينات جذرية وصعوبات التطوير

الغلبة تبقى لتطبيقات الكتابة المجرّبة القديمة

اختبار «تشات جي بي تي كانفاس»: تحسينات جذرية وصعوبات التطوير
TT

اختبار «تشات جي بي تي كانفاس»: تحسينات جذرية وصعوبات التطوير

اختبار «تشات جي بي تي كانفاس»: تحسينات جذرية وصعوبات التطوير

يمكننا القول إن كلمة «تشات» في اسم «تشات جي بي تي» (ChatGPT)، توجز بدقة أحد الأسباب الرئيسة وراء التأثير الهائل للمساعد المدعوم بالذكاء الاصطناعي الذي طرحته شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI)؛ إذ استعنا بالكومبيوترات والهواتف للدخول في دردشات مع آخرين طيلة سنوات... على الأقل، منذ ظهور «AOL Instant Messenger». وعليه، فإن إجراء دردشة مع برنامج، بالاعتماد على واجهة مشابهة إلى حد كبير، قد لا يبدو قفزة ذهنية كبرى.

ومع ذلك، فإن تركيز «تشات جي بي تي» على مسألة الدردشة ربما يشكل عثرة في طريقه بصورة ما، وذلك لأنه ليس من الممكن التعبير عن جميع المهام التي يحتاج إليها المرء، في صورة حوار مباشر بين طرفين.

من الدردشة إلى الكتابة

على سبيل المثال، تتطلب مهمة الكتابة تقنية أشبه بمعالج للكلمات، مع توفير مساحة واسعة لصياغة النص، والقدرة على إدخال التعديلات التي ترغب فيها. وهذه الحاجة لا تتغير لمجرد أنه تصادف تعاونك، في إنجاز مهمة الكتابة، مع مساعد يعمل بالذكاء الاصطناعي.

حديثاً، أطلقت «أوبن إيه آي» نسخة جديدة من «تشات جي بي تي» تضع في حسبانها هذا السيناريو. وحملت النسخة الجديدة اسم «تشات جي بي تي 4 أو» الذي يضم برنامج «كانفاس» (ChatGPT 4o with Canvas)، ما يُعدّ خياراً جديداً أمام المشتركين بقائمة نماذج «تشات جي بي تي بلس»، وهي قائمة جرى تصميمها مع وضع مسألة الكتابة والترميز في الاعتبار.

وللوهلة الأولى، قد يبدو الأمر أشبه بالشكل المعتاد لـ«تشات جي بي تي»، لكن إذا طلبت من هذا التطبيق كتابة شيء ما، ربما يقرر وضع النتائج داخل نافذة مستند كبيرة، ونقل الدردشة إلى اليسار. وإذا طرحت طلبات أخرى، فسيقوم بتحديث النافذة، بدلاً من البدء من جديد. ويتيح لك التطبيق تحرير النص بنفسك، أو تشغيل مستند فارغ وإدخال مواد خاصة بك، مثل شيء ترغب في تلخيصه. وهناك كذلك خيارات لصقل النص النثري، والتحقق من القواعد النحوية، وضبط مستوى القراءة، وتقصير النص أو إطالته.

تحسينات وصعوبات

وفيما يخص مهام الذكاء الاصطناعي المعتمدة بشدة على النصوص، يعمل «كانفاس» على إدخال تحسينات جذرية على واجهة «تشات جي بي تي» التقليدية. ومع ذلك، يبدو الأمر، حتى هذه اللحظة، غير مكتمل بعد، لا سيما أنني لم أتمكن من تشغيل أجزاء كبيرة منها في «سفاري» عبر جهاز «ماك» أو «آيباد». وفي مرحلة ما، التهم التطبيق على نحو غير مفهوم أجزاء من النص سبق أن لصقتها (لحسن الحظ، يمكنك العودة إلى نسخ سابقة).

ويمكن للبرنامج كذلك استخدام أدوات أساسية، على الأقل، للتعامل مع المستندات التي تنشئها، مثل القدرة على إعادة تسميتها ورؤيتها جميعاً في مكان واحد.

نظرياً، يسهم «كانفاس» في جعل «تشات جي بي تي» أقرب، من حيث الواجهة والوظائف، إلى أداة «غوغل إيه آي» المعروفة باسم «نوتبوك إل إم» (NotebookLM). يُذكر أن هذه الأداة أُطلقت أواخر العام الماضي، وتُعتبر أداة بحثية جرى تعزيز أدائها لخدمة الكتَّاب الذين تتضمن أعمالهم مواد مرجعية - ملفات نصية، مثل نصوص مقابلات وصفحات ويب وملفات «بي دي إف»، وحتى الملفات الصوتية. وبمجرد أن تدخل هذه العناصر في التطبيق، سيوجزها لك، ويجيب عن أسئلتك حولها، بل يقترح عليك أسئلة ينبغي لك طرحها.

مقارنات مع أدوات «غوغل»

بوجه عام، فإن كثيراً مما يمكنك إنجازه بالاعتماد على «نوتبوك إل إم»، يمكنك إنجاز نتائج قريبة منها بالاعتماد على أي روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا يسعني إلا أن أبدي إعجابي بجودة ملخصاته، وقدرته على تحديد الحقائق ذات الصلة بسرعة أكبر مما يمكنني تحديده بنفسي. ومثلما الحال مع «تشات جي بي تي» مع «كانفاس»، تبقى الجوانب غير ذات الصلة المباشرة بالذكاء الاصطناعي غير مكتملة تماماً: مثلاً، بالتأكيد أتمنى لو أن باستطاعتي إعادة ترتيب الملاحظات التي أدوِّنها. ورغم ذلك، فهي مُدرَجة في القائمة القصيرة لأدوات الذكاء الاصطناعي التي تركت تأثيراً حقيقياً على إنتاجيتي.

من ناحية أخرى، أشعر بالمتعة أكثر من شعوري بتلقي مساعدة، عندما أعتمد على ميزة «أوديو أوفير فيو» (Audio Overview) الجديدة بتطبيق «نوتبوك إل إم»، التي تنتشر على نطاق واسع بالوقت الحالي. امنح هذه الميزة بعض الوقت، وسرعان ما ستجدها تبتكر محاكاة «بودكاست»، من بطولة اثنين من المضيفين الآليين يناقشان أي موضوع تتولى تحميله على التطبيق. وفي الواقع، تبدو درجة ثرثرتهما على المستوى البشري مذهلة، رغم أن جوهر الدردشة ربما يميل للسطحية، وقد يبدو حماسهما المصطنع تجاه أي شيء يتحدثان عنه مضحكاً. (على سبيل التجربة، أنشأت «بودكاست» ناقشا خلاله شعور المرء في أثناء مشاهدته طلاء يجف. واتضح لي أن الأمر رائع!).

إنجاز تكنولوجي متميز

وبصورة عامة، أرى أن «أوديو أوفير فيو» إنجاز تكنولوجي مذهل ومثير للاهتمام. وقد نجح بإغرائي لدرجة أنني قضيت نصف يوم في ضخ مواد بداخله فقط لمعاينة ما ستتمخض عنه في النهاية. ومع ذلك، يبدو البرنامج غير مناسب داخل تطبيق مخصص للبحث الجاد. في الواقع، بدا الأمر لي أقرب إلى ندوة جادة حول علم المكتبات، استعان القائمون عليها بساحر لاستعراض مهاراته في خفة اليد المرتبطة بالكتب؛ الأمر الذي ربما يكون نذيراً ينبه إلى أن «نوتبوك» بدأ يفقد بوصلة مساره.

تحديات نضوج التطبيقات الذكية

أما المخاطرة الأكبر المرتبطة بكل من «نوتبوك إل إم» و«تشات جي بي تي 4 أو» المزود بـ«كانفاس»؛ فهي أن أياً منهما لن يبلغ مرحلة النضج، ثم يبقى بالجوار.

الحقيقة أن «غوغل» (التي تصف «نوتبوك إل إم» بأنه «تجريبي») لها تاريخ أسطوري في التخلي عن منتجاتها - حتى عن البعض الرائع المحبوب منها. أما «أوبن إيه آي»، التي تقول إن «كانفاس» بمرحلة تجريبية، فمشغولة للغاية بمهام كبرى على نطاق شديد الاتساع، على نحو يجعل من المستحيل معرفة أين سينتهي المطاف بـ«كانفاس» في خضم أولوياتها الكثيرة.

تطبيقات الكتابة المعتادة

كل هذا يجعلني أشعر بامتنان أكبر تجاه تطبيقين أثبتا جدارتهما بمرور الوقت، وأجدهما لا غنى عنهما، بعد أن قررتُ التوقف عن استخدام «أفيرنوت» (Evernote)، العام الماضي، أتولى الآن تدوين ملاحظاتي باستخدام تطبيق لطيف يعمل على أجهزة «ماك» و«آيباد» و«آيفون»، يعرف باسم «بير» (Bear).

وفيما يتعلق بمشروعات الكتابة، التي تتضمن مواد بحثية وتتجاوز بضعة مئات من الكلمات، استخدم نسخة من «سكريفينر» (Scrivener) تناسب «آيباد» - وهو تطبيق يتمتع بشعبية أسطورية في صفوف كتاب الأنماط الطويلة من الكتابة.

وإضافة لكونهما ممتازين، ثمة عنصر مشترك آخر بين «بير» و«سكريفينر»: أنهما منتجان رائدان لشركتين صغيرتين للغاية. وكلاهما مدروس ومركَّز ومكتمل الميزات على نحو غالباً ما يتحقق عندما تكون أنظار الشركة المطورة مركزة على بضعة منتجات، وتسعى الشركة لأن تكون هذه المنتجات جديرة بالمال الذي يجري دفعه مقابلها.

يُذكر أنه لا يوجد لدى أي من «بير» و«سكريفينر» استخدامات واضحة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ولست واثقاً مما إذا كان ذلك يعكس قراراً مدروساً من جانب مبتكريهما، أو مجرد نتيجة لنقص في الموارد. إلا أن هذا الأمر يزعجني، فقط لأنه قد يأتي اليوم الذي تجد الشركات المطورة الصغيرة نفسها عاجزة عن المنافسة بمجال الذكاء الاصطناعي على نحو يهدد بقاءها، في مواجهة «أوبن إيه آي» و«غوغل».

ومع هذا ينبغي الانتباه هنا إلى أن «بير» و«سكريفينر» تحديداً على وشك نيل بعض وظائف الذكاء الاصطناعي، دون أدنى مجهود من جانبهما، وذلك لأن ميزات الذكاء الاصطناعي الجديدة من «آبل»، المقرر طرحها، تتضمن العديد من أدوات الكتابة، التي ستتاح عبر أنظمة «آي أو إس»، و«آيباد»، و«ماك»، بما في ذلك خيارات لإعادة الكتابة ومراجعة النصوص وتلخيصها وتنسيقها. وفي حين أنها لا تحاكي الجوانب الأكثر طموحاً من «كانفاس» و«نوتبوك إل إم»، فإنها ستوفر لكل تطبيق يتضمن مدخلات نصية مستوى أساسياً من قدرات الذكاء الاصطناعي.

وآمل أن يتجاوز «تشات جي بي تي» مع «كانفاس» و«نوتبوك إل إم» وضعهما الراهن باعتبارهما نماذج أولية.

وأرى أنه مثلما الحال مع كثير من منتجات الذكاء الاصطناعي التوليدي، يتميز الاثنان بالفعل بأداء مذهل، لكن هذا لا يكفي لضمان استمرارهما.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»



«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
TT

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)

تعتزم شركة الإلكترونيات والتكنولوجيا الأميركية «أبل» دخول سوق أجهزة المنزل الذكي يوم 13 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد تأخير طويل، بما يُمثل توسعاً حيوياً لمحفظة منتجات الشركة تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد جون تيرنوس، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحسب مصادر مطلعة، فإن الجهاز الرئيسي في استراتيجية حزمة المنزل الذكي يحمل الاسم الكودي «جيه 490». كما تُخطط «أبل» للإعلان عن أول تحديث لجهاز «هوم بود ميني» منذ طرحه عام 2020، وأول إصدار جديد من جهاز الاستقبال الرقمي للتلفزيون منذ 2022.

وذكرت وكالة «بلومبرغ» أن هذا يُمثل اختباراً مبكراً ومهماً بالنسبة لتيرنوس، الذي تولى منصبه في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي.

وتنظر الشركة إلى مجال تجهيزات المنزل الذكي باعتباره فرصة مربحة وإحدى مبادرات «الشيء الكبير القادم» الشهيرة لدى «أبل». في الوقت نفسه، فإن «أبل» واجهت سابقاً صعوبة في تحقيق حضور قوي في هذا القطاع، متخلفة بذلك عن شركتي «أمازون» و«غوغل».

كما تُعد هذه المنتجات واجهة لاستعراض قدرات المساعد الرقمي «سيري» الجديد المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وهي تقنية عكفت الشركة على تطويرها منذ سنوات. وقد واجه طرح النسخة المحدثة من «سيري» تأخيرات عديدة، ومن شأن أجهزة المنزل الذكي أن تُسلط الضوء على جهود «أبل» للحاق بالركب أخيراً في مجال الذكاء الاصطناعي.

ووفقاً لمصادر -طلبت عدم الكشف عن هويتها، نظراً لعدم الإعلان عن المنتجات رسمياً- سيتخذ جهاز التحكم المركزي للمنزل «هوم هب» شكل شاشة مربعة يبلغ حجمها نحو 6 بوصات، مع توفر إصدارات يمكن تثبيتها على الحائط أو وضعها على الأسطح المستوية.

في الوقت نفسه، ستحتفظ الإصدارات الجديدة من جهازي «هوم بود ميني» و«أبل تي في» بتصميماتها الحالية، لكنها ستحتوي على معالجات أسرع لدعم نماذج ذكاء اصطناعي أقوى في «سيري».


الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعرف الإنسان إلى درجة توقُّع ما سيفكر فيه أو يختاره في موقف لم يواجهه من قبل؟ حاول باحثون من جامعة كولومبيا الأميركية اختبار هذه الفكرة عبر إنشاء «توائم رقمية» لأشخاص حقيقيين، لكن النتائج كشفت عن أن الطريق إلى استنساخ السلوك البشري رقمياً لا يزال طويلاً.

500 سؤال لبناء «التوأم»

شملت الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس أدفانسس» Science Advances، نحو 1800 شخص، أجاب كل منهم عن أكثر من 500 سؤال تناولت الشخصية والقدرات المعرفية والتفضيلات الاقتصادية والتحيزات، إلى جانب معلومات ديموغرافية واجتماعية، وفق ما نقلته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

واستخدم الباحثون هذه البيانات لتغذية نموذج لغوي كبير بهدف إنشاء «توأم رقمي» لكل مشارك. وبعد ذلك، خضع الأشخاص الحقيقيون ونسخهم الرقمية ﻟ19 مجموعة جديدة من الاختبارات، تضمّنت 164 إجابة وسلوكاً، بهدف معرفة قدرة الذكاء الاصطناعي على توقُّع تصرفاتهم في مواقف جديدة.

مئات المعلومات لم تحسّن دقة المحاكاة

للوهلة الأولى، بدت النتائج مشجعة، إذ سجّل النموذج الذي امتلك البيانات الكاملة درجة 0.748 على مقياس يقارن إجاباته بإجابات البشر.

لكن المفاجأة كانت أن نموذجاً لم يحصل إلا على 14 معلومة ديموغرافية أساسية عن كل شخص سجل 0.746، فيما حقق نموذج لم يتلقَّ أي معلومات شخصية 0.734.

وبذلك، أظهرت الدراسة أن تزويد الذكاء الاصطناعي بمئات المعلومات عن الشخص لم يجعله أكثر قدرة بصورة ملحوظة على تقليد سلوكه، مقارنة بنموذج لم يحصل إلا على معلومات أساسية عنه. كما أظهرت المقارنة أن قدرة «التوأم الرقمي» على محاكاة الاختلافات الفردية بين الأشخاص بقيت ضعيفة.

نسخ أكثر نمطية من البشر

وكشفت الدراسة عن أن الذكاء الاصطناعي يميل إلى «تسوية» الاختلافات بين الأشخاص. فمن أصل 164 مؤشراً، كانت إجابات التوائم الرقمية أقل تنوعاً من إجابات البشر في 154 منها.

ما مال النموذج إلى تصنيف الأشخاص وفق خصائص عامة، مثل العمر والتعليم والدخل والآراء، والتعامل معهم على أساس الصورة النمطية للمجموعة التي ينتمون إليها، بدلاً من محاكاة السمات الفردية لكل شخص.

وأظهرت النسخ الرقمية أيضاً ثقة أكبر بالتكنولوجيا مقارنة بالأشخاص الحقيقيين، وكانت أكثر تقبلاً لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقييم المتقدمين إلى الوظائف، كما اعتبرت أن استخدام بيانات الأشخاص عبر الإنترنت لبناء ملفات تعريفية عنهم أقل مساساً بالخصوصية.

يد روبوتية أمام شاشة تحمل رمز الذكاء الاصطناعي في صورة تعبيرية عن محاولات تطوير نماذج رقمية قادرة على محاكاة السلوك البشري (رويترز)

«مرآة مشوهة»

ومن المفارقات أن أحد أسباب فشل المحاكاة كان أن الذكاء الاصطناعي أكثر معرفة وعقلانية في بعض الاختبارات من البشر الذين يُفترض أن يقلّدهم. فالإنسان يخطئ ويقع في التحيّزات وقد يتخذ قرارات غير عقلانية، بينما مال النموذج إلى الإجابات الصحيحة والمنطقية.

وتشير النتائج إلى أن بناء نسخة رقمية وفية للإنسان يتطلب محاكاة ما يعرفه وما يجهله، وحتى أخطائه وتناقضاته.

ورغم الآمال باستخدام هذه التوائم مستقبلاً في الأبحاث الاجتماعية والنفسية واختبار سلوك المستهلكين، خلصت الدراسة إلى أنها، في وضعها الحالي، أقرب إلى «مرآة مشوهة» للإنسان منها إلى نسخة حقيقية عنه.


«بلوتوث» داخل الجسم... غرسات طبية صغيرة تتبادل الإشارات عبر الأنسجة

تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
TT

«بلوتوث» داخل الجسم... غرسات طبية صغيرة تتبادل الإشارات عبر الأنسجة

تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)

طوّر مهندسون في معهد جورجيا للتكنولوجيا «جورجيا تك» نظاماً جديداً للاتصال بين الأجهزة الطبية القابلة للارتداء والغرسات المزروعة داخل الجسم، من خلال استخدام أنسجة الجسم نفسها قناة لنقل الإشارات. ويتيح النظام الذي أطلق عليه الباحثون اسم «سوانز»، لمستشعر في جزء من الجسم أن يرسل إشارة إلى جهاز علاجي في مكان آخر، دون الحاجة إلى اتصال مباشر أو قرب بينهما.

وتركز الدراسة، التي نُشرت في دورية «العلوم»، على بناء شبكة من أجهزة صغيرة يمكن أن تعمل معاً داخل الجسم وعلى سطحه، بحيث تكتشف تغيراً بيولوجياً في موقعٍ ما ثم تطلق استجابة علاجية في موقع مختلف، مثل تحفيز عصب أو تشغيل جهاز مزروع.

وتكمن الفكرة الأساسية في الاستفادة من الموصلية الأيونية الطبيعية لأنسجة الجسم، بدلاً من الاعتماد على تقنيات لا سلكية تقليدية، مثل «Bluetooth» أو «NFC».

ويقول الباحثون إن الإشارات اللاسلكية التقليدية لا تنتقل بكفاءة كبيرة عبر الجسم، كما أنها تحتاج إلى هوائيات وطاقة إضافية، وهو ما يزيد حجم الغرسات ويحدّ من المدة التي يمكن أن تعمل خلالها.

أما «SWANS» فيرسل نبضات كهربائية صغيرة عبر الأنسجة، ويمكن برمجة كل غرسة للاستجابة فقط لنبضات بجهد وزمن محددين، ما يسمح بتوجيه الإشارة إلى الجهاز المطلوب داخل الشبكة.

ويرى الفريق أن هذه البنية تتيح فصل مكان الاستشعار عن مكان العلاج. فبدلاً من وضع المستشعر والجهاز العلاجي في وحدة واحدة، يمكن وضع كل منهما في الموقع الأنسب وظيفياً، ثم تمرير الإشارات بينهما عبر أنسجة الجسم.

يختبر الباحثون شبكة منخفضة الطاقة تسمح لأجهزة طبية صغيرة بتبادل الإشارات عبر أنسجة الجسم نفسها (جورجيا تك)

غرسات بحجم أقل من 3 ملليمترات

ساعد انخفاض متطلبات الطاقة على تصغير حجم الأجهزة بصورة كبيرة. ووفق الباحثين، يمكن تصنيع غرسات يقلّ حجمها عن 3 ملليمترات، ما يجعلها صغيرة بما يكفي لزرعها باستخدام حقنة.

وتعتمد هذه الأجهزة على مكونات إلكترونية سلبية تستهلك قدراً ضئيلاً للغاية من الطاقة أثناء الانتظار، ثم تستيقظ فور وصول الإشارة المطلوبة لتنفيذ المهمة المحددة.

وفي الاختبارات، قدَّر الفريق أن جهازاً علاجياً صغيراً يجري تشغيله مرة واحدة يومياً، يمكن أن يعمل لنحو عام قبل الحاجة لاستبداله. كما ذكر الباحثون أن النبضات الكهربائية المستخدمة لم تُحدث ضرراً في عينات الأنسجة التي اختبروها.

تجربة للتحكم في الحركة

اختبر الفريق النظام في تجربة على جرذ، حيث ربط شبكة من المستشعرات والواجهات العصبية عبر الجسم. واستطاع مستشعرٌ اكتشاف حركة إحدى القوائم الأمامية، ثم أرسل إشارة عبر الأنسجة إلى جهاز آخر حفّز عضلة في القائمة الخلفية وأدى إلى انقباضها؛ في محاولة لمحاكاة جزء من نمط المشي الطبيعي. كما أظهرت التجربة أن عدداً من الأجهزة يمكن أن يعمل ضِمن شبكة واحدة، دون الحاجة لأسلاك مباشرة بينها أو إلى محاذاة دقيقة.

البيانات الصغيرة داخل الجسم

لا يهدف «سوانز» إلى نقل كميات كبيرة من البيانات عبر الأنسجة، فالتصميم مخصص لإشارات صغيرة وبسيطة، مثل تحديد وجود أو غياب حدث معين أو إرسال أمر تشغيل أو إيقاف.

أما عمليات التحليل الأكبر أو تبادل كميات كبيرة من البيانات، فيمكن تنفيذها بواسطة جهاز خارجي قابل للارتداء يعمل كمركز للشبكة، حيث يجمع قراءات الغرسات ويقرر متى ينبغي تفعيل إجراء علاجي معين.

ويعني ذلك أن النظام لا يحاول استبدال كل أشكال الاتصال اللاسلكي، بل يخصص قناة منخفضة الطاقة للتنسيق بين الأجهزة المزروعة والقابلة للارتداء.

صُممت الغرسات لتكون صغيرة جداً ومنخفضة الاستهلاك ويمكن لبعضها أن يكون بحجم يسمح بزرعه باستخدام حقنة (جورجيا تك)

نحو علاج إلكتروني مُنسّق

يرى الفريق أن أحد الاستخدامات المستقبلية المحتملة يتمثل في بناء أنظمة علاجية آلية موزعة عبر الجسم، بحيث ترصد المستشعرات التغيرات البيولوجية ثم تطلق استجابة مناسبة في الوقت والمكان المطلوبين.

وذكر أليكس أبرامسون، الأستاذ المساعد بكلية الهندسة الكيميائية والجزيئية الحيوية في «جورجيا تك» والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن الهدف هو السماح بوضع أجهزة الاستشعار حيث تكون أكثر قدرة على التقاط الإشارة البيولوجية، ووضع المحفزات أو الأجهزة العلاجية حيث تكون أكثر فاعلية، دون الحاجة إلى أن تكون متجاورة.

ويشير الباحثون إلى أن هذا النوع من الشبكات قد يدعم مستقبلاً تطبيقات في الطب الإلكتروني الشخصي، حيث تعمل عدة أجهزة صغيرة بصورة منسقة، بدلاً من الاعتماد على غرسة واحدة تقوم بجميع الوظائف.

شبكة تحاكي منطق الجهاز العصبي

استلهم الفريق فكرة النظام جزئياً من الطريقة التي ينسّق بها الجهاز العصبي عمل أجزاء مختلفة من الجسم، مع اختلاف واضح في آلية التنفيذ. ويلفت الباحثون إلى أن القدرة على ربط عدة مستشعرات ومحفزات موزعة في أماكن مختلفة، بما في ذلك مواقع عميقة داخل الجسم مثل المعدة، قد تفتح المجال أمام أنظمة علاجية أكثر تخصصاً وأقل اعتماداً على أجهزة كبيرة أو وصلات خارجية.

ولا تزال التقنية في مرحلة بحثية، وقد أُثبتت في تجارب مخبرية وحيوانية، وليس كمنظومة علاجية معتمَدة للاستخدام البشري. وتتركز الخطوات المقبلة على تطوير الشبكة واختبار كيفية عمل عدد أكبر من الأجهزة معاً، وصولاً إلى تطبيقات يمكن فيها تنسيق الاستشعار والعلاج بصورة أكثر استقلالية داخل الجسم.