كومبيوترات محمولة بتقنيات الذكاء الاصطناعي

تصمم بـ«وحدات المعالجة العصبية»

كومبيوترات محمولة بتقنيات الذكاء الاصطناعي
TT

كومبيوترات محمولة بتقنيات الذكاء الاصطناعي

كومبيوترات محمولة بتقنيات الذكاء الاصطناعي

خلال الأسابيع القليلة الماضية، أصدرت شركات «ديل»، و«إتش بي»، و«سامسونغ»، و«لينوفو»، وغيرها من شركات تصنيع أجهزة الكومبيوتر الشخصي ما يقرب من عشرة أجهزة كومبيوتر محمولة جديدة تعمل بنظام «ويندوز»، جميعها مزودة بمعالجات وميزات الذكاء الاصطناعي، التي تطلق عليها شركة «مايكروسوفت» اسم أجهزة «Copilot» وذلك في إشارة إلى برنامج الدردشة الآلي الخاص بها «Copilot AI». ومن المتوقع أن نرى كثيراً من هذه الأجهزة هذا العام، سواء عبر الإنترنت أو في متاجر البيع بالتجزئة.

ويقول كريس فيلازكو المحلل التقني إنه مع الأسعار التي تبدأ من 999 دولاراً، فإنه يمكن أن تبدو بعض هذه الأنواع الجديدة من أجهزة الكومبيوتر المحمولة صفقة مغرية، سواء بالنسبة للناس العاديين أو للطلاب الذين سيذهبون إلى المدارس والجامعات هذا الخريف.

ولكن بعد اختبار كل من جهاز «Surface Laptop» من شركة «مايكروسوفت»، وجهاز «Yoga Slim 7x» من شركة «Lenovo»، فإنه يبدو وجود شيء واحد واضح، وهو أن السبب الرئيسي الذي يجعل الكومبيوتر الشخصي الذي يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي مناسباً لك قد لا يكون له أي علاقة بتقنية الذكاء الاصطناعي نفسها على الإطلاق.

كومبيوترات مدعمة بالذكاء الاصطناعي

إليك ما يجب أن تعرفه عن هذه الأجهزة الجديدة قبل أن تتجه إلى شراء أحدها.

- وحدة المعالجة العصبية. وهي جوهر الكومبيوتر الشخصي المدعم بتقنية الذكاء الاصطناعي. ويشير هذا التعبير إلى جهاز كومبيوتر مزود بمعالِج يحتوي على جزء متخصص يسمى NPU، أو وحدة المعالجة العصبية neural processing unit (التي لديها بنية تحاكي الشبكة العصبية للدماغ البشرية، إذ تعالج كميات هائلة من البيانات في آن واحد، وتؤدي تريليونات العمليات في الثانية الواحدة، وكل هذا باستخدام طاقة أقل)، والتي تم تصميمها لتشغيل ميزات الذكاء الاصطناعي على جهاز الكومبيوتر الخاص بك بشكل مباشر.

فكر في الأمر بهذه الطريقة: تخيل أنك عدت إلى مرحلة الدراسة مرة أخرى، وأنك في حاجة ماسة إلى الحصول على المساعدة في بعض المسائل الحسابية، ومن الممكن أن تحاول حلها بنفسك. لكن الخطوة الذكية هي الاستعانة بصديق مهووس بالرياضيات لمساعدتك في حساب هذه الأرقام، وفي هذه الحالة، فإن هذا الصديق هو وحدة المعالجة العصبية، إلا أنه بدلاً من المساعدة في إجراء العمليات الحسابية، فإنه سيقوم بإجراء كل ما تطلبه منه وبسرعة هائلة.

وعلى الرغم من أن الكومبيوترات الجديدة لا تبدو جديدة، فإن الإصدار الحالي من أجهزة الكومبيوتر «Copilot» من «مايكروسوفت» يختلف تماماً عن إصدار أجهزة الكومبيوتر التي تعمل بنظام «ويندوز»، والتي استخدمتها من قبل. ويرجع الفضل في ذلك إلى اختيار رقائق جديدة رائعة، إذ تستخدم أجهزة الكومبيوتر هذه معالجات من «Qualcomm» بدلاً من «Intel» أو «AMD»، وهو ما يعني أنها تعمل بشكل مختلف قليلاً. ويعد هذا أمراً جيداً بشكل عام، لكن هناك بعض الجوانب السلبية سنتحدث عنها في وقت لاحق.

فوائد الذكاء الاصطناعي للمستخدم

ما الذي يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي من أجلي؟ إليك ما يمكنك أن تتطلع إليه... من الميزات الأكثر استخداماً إلى الأقل استخداماً.

- تأثيرات الاستوديو لكاميرا الويب الخاصة بك: صحيح أن بعض أجهزة الكومبيوتر التي تعمل بنظام التشغيل «ويندوز 11» تحتوي على هذه الميزة بالفعل، والتي يمكنك استخدامها لطمس الخلفية أثناء إجراء مكالمات الفيديو، لكن «مايكروسوفت» قامت بتعديل هذه الميزة في أجهزة الكومبيوتر «Copilot» لتشمل وجود أداة تجعل العين تبدو كما لو أنك كنت تنظر للأمام مباشرة، وذلك حتى أثناء إلقاء نظرة خاطفة على الجانب لقراءة ملاحظاتك بصوت عالٍ.

هل يبدو الأمر غريباً بعض الشيء؟ ربما، لكنني لا أعتقد أن أي شخص على الطرف الآخر من المكالمات بالفيديو التي أجريها عبر تطبيق «زووم» قد لاحظ الأمر حتى الآن.

رفيق الدردشة الآلي

- رفيق الدردشة الآلي: يعد برنامج «Copilot chatbot» من «مايكروسوفت» جزءاً بالفعل من نظام التشغيل «ويندوز 11»، ولكن الآن بات يمكنك الضغط على زر مخصص على لوحة المفاتيح للبدء في التحدث معه، إلا أن الأمر لا يختلف كثيراً عن التحدث إليه عبر مواقع الويب العادية، حتى أنه في بعض الأحيان، يكون «Copilot» أقل قدرة في هذه الأجهزة مما كان عليه في السابق.

ويمكنك في أجهزة الكومبيوتر التي تعمل بنظام التشغيل «ويندوز 11»، والتي لا تحتوي على مثل هذه الرقائق الجديدة المتقدمة، أن تطلب من «Copilot» التفاعل مع بعض إعدادات جهاز الكومبيوتر الخاص بك، فعلى سبيل المثال، يمكنك أن تطلب منه التبديل إلى الوضع الداكن أو ضبط المؤقتات، لكن كل هذا اختفى تماماً من أجهزة الكومبيوتر الشخصية «Copilot» ، وهو ما سيكون أمراً مُحبِطاً لأي شخص كان يأمل في أن يتمكن والداه من الطلب من الذكاء الاصطناعي القيام بضبط أجهزة الكومبيوتر الخاصة بهما بدلاً من الاتصال به مراراً وتكراراً للسؤال عن كيفية القيام بذلك.

ترجمة حية ومساعدة محبي الرسم

- التسميات التوضيحية والترجمات الحية: تماماً مثل ميزة تأثير الاستوديو، فإنه يمكن لبعض أجهزة الكومبيوتر التي تعمل بنظام «ويندوز 11» إنشاء تسميات توضيحية live captions بشكل مباشر لأي صوت يتم تشغيله. ومن المفترض أن هذه الميزة ستقوم بترجمة الصوت من 44 لغة مختلفة إلى الإنجليزية بسرعة، أو على الأقل هذه هي الفكرة، لكنها في أفضل حالاتها، تكون الترجمات بلغة رسمية بعض الشيء.

- المساعدة الفنية بواسطة تقنية الذكاء الاصطناعي: إذا كانت مهاراتك في تطبيق «MS Paint» أو «الرسام» من «مايكروسوفت» غير كافية، فيمكنك الآن استخدام أداة الإنشاء المشارك في تطبيق «Paint» للمساعدة، كل ما عليك هو شرح ما تريد أن تراه، واستخدام الفرش والألوان المعتادة لتوجيه الذكاء الاصطناعي، وصحيح أنها ميزة مثيرة حقاً، ويمكن أن يعتاد الأطفال على استخدامها، لكنها بعيدة كل البُعد عن أن يتم النظر إليها باعتبارها ميزة ضرورية.

كما يمكنك أيضاً تحويل الأمر بشكل كامل إلى الذكاء الاصطناعي باستخدام ميزة «Image Creator»، باستثناء أنه يجب أن تكون متصلاً بالإنترنت ولديك حساب على «مايكروسوفت» للقيام بذلك، إلا أنه يمكنك، بدلاً من ذلك، أن تطلب من تطبيق الدردشة الآلي «تشات جي بي تي» القيام بذلك نيابة عنك من البداية.

- الاسترجاع Recall. كان من المفترض أن تكون هذه الأداة، التي تقوم بالحصول على لقطات الشاشة لكل ما تقوم به على جهاز الكومبيوتر الخاص بك حتى تتمكن تقنية الذكاء الاصطناعي من مساعدتك في تذكر الأمور، هي الميزة الرئيسية لأجهزة الكومبيوتر «Copilot» هذه، لكن، للأسف، هذه الميزة لم تصل إلى هذه الأجهزة بعد؟ وقد اندلعت موجة من الاستنكار من قبل الباحثين في مجال الأمن الذين اكتشفوا أن الميزة تم تفعيلها بشكل تلقائي، وأن البيانات الحساسة ربما يتم تخزينها بشكل غير آمن، مما دفع شركة «مايكروسوفت» إلى إيقاف هذه الميزة.

اقتناء الأجهزة الجديدة

أخيراً، هل تستحق أجهزة كومبيوتر التي تعمل بالذكاء الاصطناعي الشراء؟ يمكن أن تكون كذلك، حتى لو كانت الميزات المتعلقة بتقنية الذكاء الاصطناعي مخيبة للآمال.

إذن ونظراً للرقائق التي ستجدها في أجهزة كومبيوتر «Copilot» هذه، فإنه يمكنك أن تتوقع أداء ممتازاً بشكل حقيقي للبطارية، فعلى سبيل المثال فإن جهاز «Surface Laptop» (بسعر يبدأ من 999 دولاراً أميركياً) بعد تجربته، واستخدامه طوال يوم كامل في الكتابة وإجراء مكالمات بالفيديو وتجربة الألعاب وتحرير الصور، فإنه كان غالباً ما يكون هناك ما بين 20 إلى 30 في المائة من الشحن المتبقي قبل أن إغلاقه ليلاً. أما في الأيام التي تقضيها غالباً في تصفح الويب، فإن بالإمكان استخدام الكومبيوتر المحمول لمدة ثماني ساعات متواصلة دون حتى الوصول إلى نسبة الـ50 في المائة.

وهذا أمر رائع بالنسبة لجهاز كومبيوتر محمول يعمل بنظام «ويندوز»، لأنك لن تشعر بالقلق بشأن البطارية. وبدا جهاز «Surface Laptop» ذو المواصفات العالية، ذا أداء سريع، وكان مستجيباً في معظم الأوقات تقريباً، لأن بعض الأشياء ببساطة لم تعمل.

ويمكننا أن نلقي باللوم على الرقاقة المُستخدمة في الجهاز، فجميع التطبيقات التي استخدمت على أجهزة الكومبيوتر التي تعمل بنظام «ويندوز» تم تصميمها على أساس واحد، أو بنية أساسية واحدة، ولكن رقائق «Qualcomm» تستخدم أساساً مختلفاً، وهذا يعني أن بعض التطبيقات التي قد ترغب في استخدامها قد لا تعمل في هذه الأجهزة الجديدة بعض الأحيان. وكان هذا في الغالب يتعلق بالألعاب.

وإذا كان الاستخدام الأساسي يتمثل في استخدام متصفح الويب، فلا داعي للقلق كثيراً، ولكن إذا كنت تعتمد على أي تطبيقات أو أدوات مساعدة تعمل بنظام التشغيل «ويندوز»، وخاصة القديمة منها التي قد لا تتمكن من تحديثها، فإنك ستحتاج إلى الانتظار قليلاً قبل شراء جهاز كومبيوتر المحمول «Copilot» حتى تتمكن من التأكد من أن البرامج التي تحتاجها تعمل بالطريقة الصحيحة.

وقد واجهت شركة «أبل» مشاكل مماثلة في التطبيقات عندما قامت بالانتقال إلى استخدام رقائق «أبل سيليكون» في الأجهزة الخاصة بها في عام 2020، لكنها باتت تعمل بشكل جيد الآن، والآن باتت «مايكروسوفت» وشركاؤها في وضع مماثل، لكن حتى من دون أدوات الذكاء الاصطناعي الرائعة، فإنه لا يمكن إنكار أن ما يُسمى أجهزة كومبيوتر الشخصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي جيدة في الأشياء المهمة، وأنها ستتحسن بمرور الوقت.



بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.


من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
TT

من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

شهد القطاع المالي في السعودية تحولاً رقمياً سريعاً خلال فترة زمنية قصيرة. ففي أقل من عقد، انتقل الاقتصاد من الاعتماد الكبير على النقد إلى مرحلة أصبحت فيها نحو 80 في المائة من معاملات التجزئة إلكترونية. لكن هذا الإنجاز لا يمثل نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً.

يرى محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش» أن قطاع التقنية المالية في المملكة دخل نقطة تحول حاسمة. ويشرح خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إذا قارنَّا السعودية بأسواق كانت تُعدّ رائدة في (الفنتك) أي التكنولوجيا المالية قبل خمس سنوات، نجد أن أجزاءً من المملكة قد لحقت بها، بل وتفوقت عليها في مجال المدفوعات. لكن المرحلة المقبلة لم تعد تتعلق بالتبنّي، بل بالتنفيذ».

محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش»

ازدهار الواجهة الأمامية... وحدوده

التحوُّل الذي تحقق حتى الآن كان واضحاً للمستخدمين كمحافظ رقمية ومدفوعات سلسة وخدمات مالية أكثر سهولة. لكن خلف هذه الواجهة، لا تزال عملية التحول العميق غير مكتملة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم الزخم الكبير حوله، فإن استخدامه في المؤسسات المالية لا يزال يتركز في تطبيقات سطحية.

يقول عويضة إنه «في معظم الحالات، لا يزال الذكاء الاصطناعي غير مدمج في الوظائف الأساسية مثل إدارة الاحتيال واتخاذ قرارات الائتمان والاكتتاب أو الأتمتة التشغيلية». وغالباً ما يُستخدم في واجهات المحادثة أو الخدمات البسيطة. ويرجع ذلك ليس إلى نقص الطموح، بل إلى البنية التحتية.

فالأنظمة الأساسية القديمة، إلى جانب تعدد منصات الموردين، تجعل من الصعب دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات. ومن دون بيانات موحدة وبنية حديثة، تبقى القدرات المتقدمة محدودة. وهذا يخلق مفارقة واضحة، حيث يمكن إطلاق المنتجات بسرعة، لكن يصعب توسيع نطاقها بكفاءة.

التنفيذ... التحدي الحقيقي

مع نضوج السوق، تغيَّر نوع التحدي. فالإطار التنظيمي واضح، والطلب قوي والبنية الرقمية متوفرة، لكن العائق أصبح في التنفيذ اليومي. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 84 في المائة من المؤسسات المالية في السعودية تخطط لتحديث بنيتها التحتية خلال العام المقبل، مما يعكس إدراكاً واسعاً لطبيعة التحدي. ويظهر هذا التحدي بوضوح في مجال التمويل، حيث لا تزال أكثر من 60 في المائة من المؤسسات تعتمد بالكامل على أنظمة قديمة، بينما تتجاوز نسبة الاعتماد على الموردين الخارجيين 87 في المائة. ولا يقتصر أثر ذلك على البطء التشغيلي، بل يمتد إلى النتائج نفسها. ويشير عويضة إلى وجود «فجوة بين سرعة إطلاق المنتجات وسهولة تطويرها أو توسيعها. وفي كثير من الحالات، تفوّت المؤسسات بالفعل فرصاً تجارية لأن أنظمتها الأساسية لا تواكب النمو».

تلعب الأطر التنظيمية الواضحة والكفاءات البشرية دوراً أساسياً في دعم الابتكار وبناء قطاع مالي أكثر كفاءة ونضجاً (شاترستوك)

التجزئة... التكلفة الخفية للنمو

تمثل التجزئة أحد أبرز التحديات في هذه المرحلة. فأكثر من 73 في المائة من المؤسسات تعتمد بشكل كبير على شركاء خارجيين لإطلاق المنتجات وتحديثها. ورغم أن هذا النموذج ساعد على تسريع الابتكار، فإنه أدَّى أيضاً إلى زيادة التعقيد. ويوضح عويضة أن «الاعتماد على عدد كبير من الموردين المتخصصين يزيد من عبء التنسيق، ويبطئ التنفيذ، ويُشتّت المسؤوليات». ولا يقتصر الأمر على الكفاءة، بل يمتد إلى الحوكمة والامتثال والأمن. فعندما تكون الأنظمة مفككة، يصبح تطبيق معايير موحدة أكثر صعوبة، وتتوزع المسؤولية عبر أطراف متعددة، ما يزيد من تعقيد إدارة المخاطر. والنتيجة هي أن الابتكار يحدث في جيوب منفصلة، دون أن يمتد بشكل متكامل داخل المؤسسة.

البيانات... من عائق إلى محرك

في قلب هذه التحديات، تقف البيانات. في كثير من المؤسسات، تكون البيانات موزعة عبر أنظمة متعددة ومكررة وتُعالج يدوياً أو تصل متأخرة. وهذا لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يحد من الإمكانات. ويؤدي ذلك برأي عويضة إلى «تقيد كل شيء». وهذا ينعكس مباشرة على القدرة على تطبيق تقييم المخاطر في الوقت الحقيقي والتسعير الديناميكي والخدمات المالية المخصصة. كما يفسر محدودية استخدام الذكاء الاصطناعي في الوظائف الأساسية.

في المقابل، عندما تُبنى الأنظمة على نماذج بيانات موحدة، يتغير المشهد بالكامل. ويفسر عويضة: «عندما تعمل المؤسسات على نماذج بيانات موحدة وطبقات تحكم مشتركة، يتضاعف الابتكار. يمكن تسعير المنتجات بشكل ديناميكي، وتقييم المخاطر فورياً، وإتاحة خدمات جديدة عبر واجهات برمجية دون زيادة المخاطر التشغيلية». وفي هذا السياق، لم تعد «الخدمات المفتوحة» (Open Banking) مفهوماً مستقبلياً، بل واقعاً ناشئاً، وإن كان لا يزال مقيداً بتجزئة البنية التحتية.

نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على تكامل الأنظمة والكفاءات البشرية وليس على إطلاق منتجات جديدة فقط (شاترستوك)

التنظيم... عامل تمكين لا قيد

من أبرز نقاط القوة في السوق السعودية وضوح الإطار التنظيمي. وينوه عويضة «بتوفير الأطر الواضحة من البنك المركزي السعودي بيئة تمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة، بدلاً من العمل بحذر ضمن تجارب معزولة». كما ساهمت مبادرات مثل «البيئات التجريبية التنظيمية» (sandbox) في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار.

والتحدي في المرحلة المقبلة سيكون الحفاظ على هذا التوازن أي تحقيق السرعة دون التفريط في الضوابط. فمع تطور السوق، يتغير دور الشركاء التقنيين حيث لم يعد المطلوب تقديم أدوات منفصلة، بل دعم شامل يشمل الحوكمة والامتثال والأمن والتشغيل.

وينصح عويضة «بأن يقلل الشركاء التعقيد، لا أن يزيدوه». كما يبرز هنا مفهوم الانضباط المعماري، إذ إن غياب تصميم تقني متماسك يجعل حتى أفضل الأدوات غير قادرة على تحقيق القيمة المرجوة.

الكفاءات البشرية والملكية

يشدد عويضة على أهمية وضوح المسؤوليات إذ لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تقود المرحلة المقبلة. ويضيف خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»: «تفشل التقنيات المتقدمة عندما تكون المسؤولية موزعة بين فرق أو موردين أو وظائف مختلفة». المؤسسات الناجحة هي التي تحقق تكاملاً بين فرق الأعمال والتقنية والتشغيل، مع قدرة على اتخاذ القرار بسرعة. وفي الوقت نفسه، تمثل تنمية الكفاءات في السعودية، ضمن «رؤية 2030»، ميزة استراتيجية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر تأثير التطور المالي على القطاع نفسه بل على «طريقة انتقال الأموال وتوزيع رأس المال وتصميم المنتجات المالية تحدد سرعة تطور الاقتصادات» كما يرى عويضة. ويتابع: «عندما تصبح الأنظمة المالية أكثر كفاءة، يتسارع الابتكار في مختلف القطاعات».

كيف تبدو مرحلة النضج؟

في المرحلة المقبلة، لن يُقاس نجاح القطاع بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. يتصور عويضة بيئة يمكن فيها إطلاق منتجات مالية متوافقة خلال أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر التنظيمية أو التشغيلية. كما ستلعب الأتمتة دوراً محورياً في تقليل الأعباء التشغيلية. ويصرح: «عندما تُزال القيود، فإن أفضل المنتجات لا تُخطط دائماً... بل تظهر تلقائياً».

لم تعد قصة «الفنتك» في السعودية تتعلق باللحاق بالركب. ففي كثير من المجالات، وصلت بالفعل إلى مستويات عالمية. المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية... تنفيذ فعَّال وتوسع المستدام وبناء أنظمة تدعم الابتكار المستمر.