أرمينيا تستعد للانتخابات البرلمانية وسط بحر من «التعقيدات القوقازية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في قصر الإليزيه بباريس يوم 8 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في قصر الإليزيه بباريس يوم 8 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

أرمينيا تستعد للانتخابات البرلمانية وسط بحر من «التعقيدات القوقازية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في قصر الإليزيه بباريس يوم 8 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في قصر الإليزيه بباريس يوم 8 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

تستعد أرمينيا لانتخابات برلمانية حاسمة في يونيو (حزيران) 2026، يقول مراقبون إنها قد تحدد ما إذا كانت الدولة القوقازية الصغيرة ستواصل توجهها نحو الغرب، أم ستعود عن هذا المسار تحت ضغط موسكو وأرمن الشتات. ولا شك في أن رئيس الوزراء نيكول باشينيان سيحتاج إلى دعم أوروبا والولايات المتحدة، لإبقاء بوصلة سياسته الخارجية ثابتة.

وقد وصل الصحافي السابق إلى السلطة بعدما قاد «ثورة مخملية» عام 2018، وهي في الواقع سلسلة من الاحتجاجات الجماهيرية التي أدت إلى استقالة رئيس الوزراء سيرج سركسيان. وبعد ذلك، تولى باشينيان (50 عاماً) رئاسة الوزراء، واستمر في منصبه بعد فوز حزبه «العقد المدني» في الانتخابات البرلمانية عام 2021. وتعرض الرجل لهجوم وحملة انتقادات واسعة، واتُّهم بالخيانة بعد هزيمة أرمينيا العسكرية في مواجهة أذربيجان في حرب كاراباخ (أرتساخ) عام 2020، وحصلت احتجاجات شعبية ضده، وتفاقم الأمر عام 2023 عندما سقطت كاراباخ بعد هجوم خاطف للجيش الأذربيجاني، أدى إلى خروج الأرمن من هذا الجيب الجبلي الواقع ضمن أراضي أذربيجان.

عرض عسكري في باكو عاصمة أذربيجان يوم 8 نوفمبر 2025 احتفالاً بمرور 5 سنوات على الانتصار في حرب كاراباخ عام 2020 (أ.ب)

وبينما يسعى باشينيان لإرساء السلام والاستقرار مع الجارة أذربيجان، يمضي قدماً في تنفيذ خطة إنشاء «الجمهورية الرابعة»، وبناء «أرمينيا الحقيقية» -وفق شعاره الانتخابي- أي إعادة فتح حدود البلاد، وخفض الاعتماد على روسيا، وتوسيع علاقات يريفان الخارجية والاقتصادية، عبر التطبيع مع خصميها التقليديين: أذربيجان وتركيا.

وفي أغسطس (آب) 2025، حقق باشينيان أول نجاح كبير ضمن هذا المسار، عبر التوصل إلى اتفاق إطار مع أذربيجان، في اجتماع عُقد بالبيت الأبيض، برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

غير أن باشينيان يواجه معارضة شرسة؛ خصوصاً من «الدياسبورا الأرمنية»، وكذلك من موسكو التي بقيت حاضنة لأرمينيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، قبل تغير الحال مع تغير الحكم في يريفان.

وفي السياق، كتب الصحافي البريطاني المتخصص في شؤون منطقة القوقاز، توماس دي وال، أن «هاتين القوتين (الشتات الأرمني وموسكو) اتخذتا وجهاً واحداً الأسبوع الماضي»، عندما استضاف المعلِّق الأميركي اليميني تاكر كارلسون، المعروف بميوله المؤيدة للكرملين، ناريغ كارابتيان (ابن شقيق الملياردير صاموئيل كارابتيان المحتجز في أرمينيا بتهم عدة، في انتظار محاكمته) الذي هاجم باشينيان واتهمه بتقويض القيم التقليدية للمجتمع الأرمني، وبـ«نسيان التاريخ» وتسليم البلاد لتركيا.

يرى دي وال في هذا الموقف وغيره انعكاساً للنهج الإقليمي الأوسع للكرملين، و«تضخيماً للرسالة التي تستخدمها موسكو في مختلف أنحاء شرق أوروبا: الغرب (المنحطّ) يسعى لنشر الفوضى وتدمير القيم الدينية التقليدية». غير أن الكاتب يشير في الوقت نفسه إلى أن مكانة روسيا في أرمينيا «تدهورت بشدّة خلال السنوات الخمس الماضية»، وأنّ فئات واسعة من المجتمع الأرمني تبدّل مزاجها في السنتين الماضيتين، ولم تعد تَنشد إلا السلام الإقليمي وتحقيق الازدهار الداخلي، ولا سيما بعد سقوط كاراباخ في 2023.

ولعل هذا الشعور العام في البلاد قد يساعد باشينيان على مواجهة تحدٍّ أساسي رَمَته في وجهه أذربيجان: تعديل دستور أرمينيا لإزالة الإشارات غير المباشرة إلى تحقيق الوحدة مع كاراباخ (لا حدود بين الجيب وأرمينيا) قبل الإبرام النهائي لاتفاق الإطار، وتحويله إلى معاهدة بين البلدين. ويتطلّب هذا التعديل الدستوري إجراء استفتاء وطني منفصل عن الانتخابات البرلمانية.

في المقابل، يبقى التحدي الأبرز مع تركيا، الداعمة الأولى لأذربيجان، والتي لم تنجح بعد في إزالة رواسب التاريخ «الصعب» بينها وبين الأرمن. وبالتالي تتسم العلاقة بين أرمينيا وتركيا بالتعقيد، فلا علاقات دبلوماسية بين البلدين، والحدود مغلقة منذ عام 1993 تضامناً من تركيا مع حليفتها أذربيجان خلال حرب كاراباخ الأولى، علماً بأن أنقرة اعترفت باستقلال أرمينيا عام 1991. ومع ذلك، المفاوضات بين الجانبين قائمة لتطبيع العلاقات بشكل كامل. وهو أمر لن يحصل إلا بتسوية رواسب الإبادة الأرمنية التي لا تعترف تركيا بحصولها، وبتسوية وضع إقليم ناختشيفان الأذري المعزول ضمن الأراضي الأرمينية.

أهمية القوقاز

تنبع أهمية منطقة القوقاز من موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين أوروبا وآسيا، ولدورها في أمن الطاقة الإقليمي، من خلال توفير ممرَّات لنقل النفط والغاز عبر بحر قزوين. وتشكل المنطقة مسرحاً للتنافس الجيوسياسي بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران، فضلاً عن كونها منطقة تعجُّ بصراعات مزمنة، الأمر الذي يجعل استقرارها مسألة بالغة الأهمية للأمن الدولي.

تشمل المنطقة جغرافياً جورجيا وأرمينيا وأذربيجان، بالإضافة إلى أجزاء من روسيا وتركيا وإيران. ومعلوم أن أذربيجان منتجة للنفط والغاز الطبيعي، وفي أرضها مخزون احتياطي معتَبر من المادتين (النفط: 7 مليارات برميل، والغاز: 3 تريليونات متر مكعب).

تاريخياً، تعود الأهمية الاستراتيجية للقوقاز إلى عهد الإمبراطورية الروسية، التي رأت فيها حاجزاً في وجه النفوذ العثماني. وفي أوائل القرن التاسع عشر، غزت الإمبراطورية الروسية منطقة شمال القوقاز الواقعة جنوبها مباشرة، لإقامة منطقة عازلة واسعة بين موسكو والإمبراطورية العثمانية.

ولم يتراجع الاهتمام الروسي بالمنطقة في العهد الشيوعي، فكانت جورجيا وأذربيجان وأرمينيا جزءاً من الاتحاد السوفياتي.

على مدى السنوات، حاول الروس والأوروبيون الغربيون فرض هوية محدَّدة في منطقة شديدة التنوع والتعقيد. وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، اندلعت حرب بين روسيا وجورجيا عام 2008، ولئن كان الصراع قصيراً فإنه خلّف عواقب كبيرة؛ خصوصاً في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، المنطقتين الانفصاليتين المواليتين لموسكو.

وكانت هذه ذروة للنزاع الذي بدأ بعد «ثورة الورود» المؤيدة للغرب في جورجيا عام 2003، وطموح جورجيا الساعية للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهو ما رأت فيه روسيا تهديداً مباشراً لأمنها.

انتهت حرب 2008 بانتصار سريع لروسيا، فانسحبت القوات الجورجية من المنطقتين الانفصاليتين. وتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بوساطة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، في 12 أغسطس. عقب ذلك، اعترفت روسيا رسمياً باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهي خطوة رفضها المجتمع الدولي. ولا تزال روسيا تحتفظ بوجود عسكري في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وبالتالي لا يزال الصراع «مجمّداً».

اشتباك بين الشرطة ومتظاهرين في يريفان صيف 2022 (أرشيفية- رويترز)

من سيفوز؟

بالعودة إلى أرمينيا، لا بد من وضع مجريات التطورات السياسية فيها في إطار الصورة الكبرى للصراع العالمي، إنما بأوراق اقتراع محلية. فهل ستكون نتيجة الانتخابات البرلمانية حاسمة؟

ثمة انتقادات واسعة لما يُزعَم أن السلطة تقوم به من توقيفات احترازية لمعارضيها، وتضييق على حرية الإعلام، وتخوف من منع بعض المرشحين من خوض الانتخابات. وثمة تخوف أوسع في هذه الحالة من فوز باشينيان، واقتناعه بأن الناخبين أطلقوا يده ليفعل ما يشاء.

وثمة اعتقاد مقابل بأن الرجل يجب أن يبقى في السلطة ليواصل «تحرير» أرمينيا من رواسب التاريخ الثقيل، ونقلها إلى العالم العصري.

وأخيراً ثمة من يتوقع ألا تسفر الانتخابات عن توجُّه حاسم، بحيث تبقى البلاد ساحة للتجاذب الإقليمي والدولي الذي سيعرقل كل محاولات تحقيق النموّ والتنمية.


مقالات ذات صلة

55 ناقلة عبرت هرمز خلال الأسبوع

شؤون إقليمية سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة سواحل دولة عُمان... 22 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

55 ناقلة عبرت هرمز خلال الأسبوع

أفادت بيانات شركة «كيبلر» لتتبّع حركة الشحن البحري حتى صباح الاثنين، بعبور ما مجموعه 55 سفينة سلع الممرّ المائي الاستراتيجي بين 11 و17 مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

ذكر مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح أن المفوضية ستضطر إلى تسريح مزيد من الموظفين وإجراء إصلاحات عاجلة في ظل انخفاض التمويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل خلال حلقة نقاش بعنوان «على الرغم من كل شيء: هل هناك أمل لأوروبا؟»... بمهرجان «Re:Publica 2026» في برلين 18 مايو 2026 (إ.ب.أ)

ميركل: على أوروبا استخدام ثقلها الدبلوماسي لإنهاء الحرب في أوكرانيا

صرّحت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، الاثنين، بأن على أوروبا أن تبذل مزيداً من الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أفريقيا أم تساعد أطفالها على غسل أيديهم قبل دخول مستشفى كيشيرو في جزء من تدابير الوقاية من «إيبولا» بجمهورية الكونغو الديمقراطية 18 مايو 2026 (أ.ف.ب)

«إيبولا» و«هانتا» يدفعان أفريقيا للحديث عن «السيادة الصحية» مع تراجع دعم المانحين

يشكّل تفشٍ جديد وخطير لفيروس «إيبولا» في الكونغو وأوغندا أحدث حالة طوارئ صحية تدفع الحكومات الأفريقية إلى محاولة التحرر من الاعتماد على المانحين العالميين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج لقاء سابق بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي في الرياض (واس)

السعودية ومصر تناقشان جهود خفض التصعيد في المنطقة

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره المصري الدكتور بدر عبد العاطي، مساعي بلديهما المشتركة لخفض التصعيد في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تقرير: شي أبلغ ترمب أن بوتين «قد يندم» على غزو أوكرانيا

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

تقرير: شي أبلغ ترمب أن بوتين «قد يندم» على غزو أوكرانيا

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)

قال الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال محادثاتهما الأسبوع الماضي، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يندم في نهاية المطاف على غزو أوكرانيا، وفق تقرير أوردته صحيفة «فاينانشال تايمز».

وحسب أشخاص مطلعين على التقييم الأميركي للقمة التي عُقدت في بكين، جاءت تصريحات شي خلال محادثات موسعة تناولت الحرب في أوكرانيا، وشملت اقتراحاً من ترمب بأن تتعاون الولايات المتحدة والصين وروسيا ضد المحكمة الجنائية الدولية.

وبدت تعليقات شي بشأن قرار بوتين شن الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022 أكثر صراحة من مواقفه السابقة، إذ قال مصدر مطلع على اجتماعاته مع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إن شي لم يكن قد قدم سابقاً تقييماً مباشراً لبوتين أو للحرب.

ويأتي ذلك فيما يستعد بوتين للوصول إلى الصين الثلاثاء لعقد قمة مع شي، بعد أربعة أيام فقط من استضافة الرئيس الصيني لترمب.

وكان بوتين قد أطلق غزوه لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، بعد ثلاثة أسابيع من زيارته إلى الصين وإعلان «شراكة بلا حدود» مع شي. وتأتي زيارته الحالية بعد 25 عاماً من توقيع الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين مع بوتين معاهدة الصداقة الصينية-الروسية.

ولم ترد السفارة الصينية في واشنطن على طلب للتعليق، فيما رفض البيت الأبيض التعليق أيضاً. كما نشرت إدارة ترمب مذكرة حول قمة بكين، لكنها لم تتضمن أي إشارة إلى المحادثات المتعلقة ببوتين أو الحرب في أوكرانيا.

وخلال القمة، اقترح ترمب أيضاً أن تتعاون الولايات المتحدة والصين وروسيا في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية، لافتاً إلى أن مصالحها متقاربة، وفقاً للمطلعين على المحادثات.

وسبق لإدارة ترمب أن عبّرت عن معارضتها الشديدة للمحكمة الجنائية الدولية، متهمة إياها بتسييس القضايا وإساءة استخدام السلطة وتجاوز السيادة الأميركية.

وجاءت تعليقات شي بشأن بوتين في وقت تحولت فيه الحرب الروسية على أوكرانيا إلى حالة جمود بعد أربع سنوات، خصوصاً مع تزايد فاعلية الضربات بالطائرات المسيّرة التي تنفذها كييف ضد القوات والأهداف الروسية.

وكانت إدارة بايدن قد اتهمت الصين مراراً بتزويد روسيا بمواد مزدوجة الاستخدام تساعدها في مواصلة حربها على أوكرانيا، فيما أثارت إدارة ترمب المخاوف نفسها ولكن بوتيرة أقل.

وقال النائب الأميركي الديمقراطي بريندان بويل إن الأوكرانيين «أعادوا ابتكار أساليب الحرب بالطريقة نفسها التي غيّرت بها الحرب العالمية الأولى شكل الحروب في القرن الحادي والعشرين»، مضيفاً أن حرب الطائرات المسيّرة أصبحت اليوم القاعدة وتعيد تشكيل مفهوم القتال.

ونفذت أوكرانيا، الأحد، ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع قرب موسكو، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنها «مبررة بالكامل»، وذلك بعد هجوم جوي روسي قياسي على كييف الأسبوع الماضي.

وجاءت الضربات بعد وقف إطلاق نار لثلاثة أيام كان ترمب قد توسط فيه، مما أتاح لبوتين تنظيم عرض «يوم النصر» السنوي من دون خطر هجمات أوكرانية بالمسيّرات.


بعد «إيبولا» و«هانتا»... خبراء يحذّرون من أزمات صحية أشد خطورة

مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

بعد «إيبولا» و«هانتا»... خبراء يحذّرون من أزمات صحية أشد خطورة

مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

حذر خبراء من أن العالم أصبح أقل قدرة على الصمود في مواجهة تفشي الأمراض المعدية، في وقت تسابق فيه السلطات الصحية في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا الزمن لاحتواء تفشي فيروس «إيبولا».

ووفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان»، قال «المجلس العالمي لمراقبة التأهب»، في تقرير نُشر أمس الاثنين، إن «تفشي الأمراض المعدية لا يصبح أكثر تكراراً فحسب، بل أكثر تدميراً أيضاً»، محذراً من أن مخاطر الجوائح تتسارع بوتيرة تفوق الاستثمارات المخصصة للاستعداد لها، وأن «العالم لم يصبح أكثر أماناً بشكل فعلي بعد».

وأضاف التقرير أن احتمالات تفشي الأمراض تزداد بسبب أزمة المناخ والنزاعات المسلحة، فيما تتقوّض الجهود الجماعية بفعل الانقسامات الجيوسياسية والمصالح التجارية.

ويُعدّ المجلس العالمي لمراقبة التأهب مجموعة خبراء أُنشئت عام 2018 من قِبل البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية عقب أول تفشٍّ واسع النطاق لـ«إيبولا» في غرب أفريقيا، وقبيل جائحة «كوفيد-19».

ويأتي التقرير في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بتفشي فيروس «هانتا» على متن سفينة سياحية، وبعد يوم من إعلان حالة طوارئ صحية دولية إثر وفاة ما لا يقل عن 87 شخصاً بسبب «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية.

«الصحة العالمية»: أزمات تتفاقم عالمياً

وقال المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال افتتاح جمعية الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة في جنيف، إن التفشيين «ليسا سوى أحدث الأزمات في عالمنا المضطرب».

وقالت ممثلة منظمة الصحة العالمية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، آن أنسيا، لوكالة «رويترز»، إن المنظمة استنزفت مخزونها من معدات الحماية في العاصمة كينشاسا خلال الاستجابة لتفشي «إيبولا»، وإنها تُعد طائرة شحن لجلب إمدادات إضافية من مستودع في كينيا.

عاملون في منظمة الصحة العالمية يجهزون إمدادات طبية ومعدات الطوارئ لدعم المناطق المتضررة من تفشي «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

كما أعلنت منظمتا «لجنة الإنقاذ الدولية» و«أطباء بلا حدود» أنهما أرسلتا فرقاً للمشاركة في مواجهة التفشي.

ومن المقرر أن تستضيف منظمة الصحة العالمية اجتماعاً علمياً عاجلاً الجمعة، يجمع كبار الخبراء لتجميع المعلومات المتوافرة عن الفيروس وتحديد أولويات الأبحاث وتطوير اللقاحات والفحوصات والأدوية.

وفي جنيف، قال مدير مركز سياسات وسياسات الصحة العالمية في جامعة جورج تاون، البروفسور ماثيو كافانا، إن خفض المساعدات ربما أسهم في جعل العالم «يحاول اللحاق بمرض بالغ الخطورة».

وأضاف: «لأن الفحوصات المبكرة بحثت عن سلالة خاطئة من (إيبولا)، حصلنا على نتائج سلبية خاطئة وخسرنا أسابيع من وقت الاستجابة. وبحلول الوقت الذي أُطلق فيه الإنذار، كان الفيروس قد انتقل بالفعل عبر طرق نقل رئيسية وعبر الحدود».

وتابع: «هذه الأزمة لم تحدث من فراغ. فعندما تسحب مليارات الدولارات من منظمة الصحة العالمية وتفكك برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية على الخطوط الأمامية، فإنك تدمر نظام المراقبة المفترض أن يكتشف هذه الفيروسات مبكراً. ونحن نشهد الآن العواقب المباشرة والقاتلة للتعامل مع الأمن الصحي العالمي بوصفه نفقات يمكن الاستغناء عنها».

«تقدم غير مسبوق»

وجد تقرير المجلس العالمي لمراقبة التأهب أن التقنيات الجديدة، بما في ذلك منصات اللقاحات الحديثة مثل «الحمض النووي الريبوزي المرسال» (mRNA)، شهدت «تقدماً غير مسبوق»، مع استثمار مليارات الدولارات في الاستعداد للجوائح والاستجابة لها.

لكن التقرير أشار إلى أن العالم «يتراجع» في إجراءات مثل ضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والفحوصات والعلاجات. وخلال تفشيات «جدري القردة» الأخيرة، استغرق وصول اللقاحات إلى الدول الأفريقية المتضررة نحو عامين، وهو أبطأ حتى من المدة التي استغرقتها لقاحات «كوفيد-19»، التي بلغت 17 شهراً.

وحذّر المجلس من أن تفشيات الأمراض أضعفت الثقة بالحكومات والحريات المدنية والمعايير الديمقراطية، وهو ما تفاقم بسبب الاستجابات المسيسة والهجمات على المؤسسات العلمية. وأضاف أن آثار ذلك استمرت حتى بعد انتهاء الأزمات، مما جعل المجتمعات «أقل قدرة على الصمود أمام الطوارئ المقبلة».

وقالت الرئيسة المشاركة للمجلس والرئيسة الكرواتية السابقة، كوليندا غرابار كيتاروفيتش: «العالم لا يفتقر إلى الحلول. لكن من دون الثقة والعدالة، لن تصل هذه الحلول إلى الأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليها».

إمدادات طبية مكدّسة داخل مستودع تابع لمنظمة الصحة العالمية في نيروبي بكينيا (أ.ب)

وقالت إن «القادة السياسيين والقطاع الصناعي والمجتمع المدني لا يزال بإمكانهم تغيير مسار الجاهزية العالمية، إذا حوّلوا تعهداتهم إلى تقدم ملموس وقابل للقياس قبل وقوع الأزمة المقبلة».

وفشلت الدول في الالتزام بالموعد النهائي لإبرام اتفاقية الجوائح قبل انعقاد جمعية الصحة العالمية هذا الأسبوع في جنيف، بعد خلافات بشأن ضمانات الوصول إلى الفحوصات الطبية واللقاحات والعلاجات مقابل مشاركة المعلومات حول أي مسببات أمراض تظهر داخل أراضيها.

ودعا «المجلس العالمي لمراقبة التأهب» القادة السياسيين إلى إنشاء آلية دائمة ومستقلة لمراقبة مخاطر الجوائح، وإتمام اتفاقية الجوائح لضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والفحوصات والأدوية، بالإضافة إلى توفير التمويل اللازم لتعزيز الجاهزية والاستجابة السريعة لتفشي الأمراض.

وقالت الرئيسة المشاركة للمجلس، وزيرة الصحة السابقة في بوتسوانا، جوي فومافي: «إذا استمر تآكل الثقة والتعاون فستصبح جميع الدول أكثر عرضة للخطر عند وقوع الجائحة المقبلة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

ذكر مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح أن المفوضية ستضطر إلى تسريح مزيد من الموظفين، وإجراء إصلاحات عاجلة في ظل انخفاض التمويل والمساعدات الخارجية، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال للدول الأعضاء في رسالة اطلعت عليها «رويترز»، إن المفوضية «ليس لديها خيار»؛ لأنها تتوقع أن تقل الأموال المتاحة هذا العام بنحو 15 في المائة عن 2025 لتصل إلى ما يزيد قليلاً على ثلاثة مليارات دولار. وأعلنت المفوضية بالفعل عن إلغاء آلاف الوظائف العام الماضي.

ويأتي هذا الإعلان في الوقت الذي يستمر فيه عدد النازحين بسبب الحروب والاضطهاد حول العالم في الارتفاع. وتعمل المفوضية مع الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في أوكرانيا والسودان ودول أخرى تعاني من الصراعات.

وقال صالح في الرسالة التي تحمل تاريخ 15 مايو (أيار): «يتضح على نحو كبير أن وضعنا المالي المتوقع لهذا العام يتطلب منا اتخاذ بعض الخطوات العاجلة».