بايدن أمام «فرصة فريدة» بغياب الـ4 الكبار... وزيلينسكي يسرق الأضواء

«الشرق الأوسط» ترصد ضعف الأمم المتحدة وسط صعود مجموعات الـ7 والـ20 و«بريكس»

مقر الأمم المتحدة في نيويورك (إ.ب.أ)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك (إ.ب.أ)
TT

بايدن أمام «فرصة فريدة» بغياب الـ4 الكبار... وزيلينسكي يسرق الأضواء

مقر الأمم المتحدة في نيويورك (إ.ب.أ)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك (إ.ب.أ)

بعيد انتهاء الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الـ71 للجمعية العامة للأمم المتحدة في خريف 2016، كانت الحرب السورية في أوج استعارها. يومها، تساءل مسؤولون فرنسيون عما إذا كانت المعارك الضارية في مدينة حلب «بمثابة مقبرة للأمم المتحدة». تأتي اجتماعات هذه السنة للدورة السنوية الـ78 لأكبر محفل دولي على الإطلاق بمخاوف مضاعفة، بسبب التداعيات الهائلة الناجمة عن حرب أوكرانيا.

نظراً لدورها المحوري في هاتين الحربين، يبدو لبعض الدبلوماسيين الغربيين أن أفعال روسيا تدق المسمار تلو الآخر في نعش الأمم المتحدة في القرن الحادي والعشرين، كما أجهزت ألمانيا النازية على دور عصبة الأمم في القرن العشرين. غير أن المسؤولين الروس يسخرون من هذا التشبيه الغربي.

غيابات لافتة

ويعكس الغياب اللافت لزعماء الدول الكبرى مكامن الضعف التي أصابت الأمم المتحدة خلال العقد الأخير. فإذا كان الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ ليسا من الرواد السنويين للمنبر الرخامي الأخضر الشهير تحت القبّة العالية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فقد انضمّ إلى لائحة الغياب هذا العام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكذلك رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، ليبقى الرئيس الأميركي جو بايدن وحيداً من ممثلي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

بوتين لدى استقباله شي في الكرملين مارس 2023 (د.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» من دبلوماسي فرنسي أن «جدول أعمال ماكرون مزدحم في سبتمبر (أيلول)، إذ يستقبل الملك تشارلز الثالث في أولى زياراته بوصفه عاهلا بريطانيا لفرنسا، بعد تأجيل رحلته بسبب الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها باريس ومدن أخرى»، فضلاً عن أن «الرئيس الفرنسي سيلتقي أيضاً البابا فرنسيس في مرسيليا في 22 سبتمبر (أيلول)».

وفي كسر لتقليد عريق أيضاً، يغيب سوناك عن افتتاح الجمعية العامة، ليكون أول زعيم بريطاني يفعل ذلك منذ عقد من الزمن. وسيترأس نائب رئيس الوزراء البريطاني أوليفر دودن ووزير الخارجية جيمس كليفرلي الوفد البريطاني في هذه المناسبة الكبرى.

ويسلط غياب بعض الزعماء الأكثر نفوذاً عن الأسبوع الرفيع المستوى في نيويورك، الضوء على التحديات التي تواجهها المنظمة للحفاظ على مكانتها بوصفها المنتدى المتعدد الأطراف لمعالجة التحديات العالمية. وقال رئيس مركز العدالة العالمية أكيلا راداكريشنان إنه «مع مدى انقسام كل شيء في الأمم المتحدة هذه الأيام، يمكن للجمعية العامة للأمم المتحدة أن تصير مساحة للاستعراض أكثر من كونها مساحة لأي دبلوماسية ذات معنى».

وليس أدل على ذلك أن الأمم المتحدة حددت قبل ثماني سنوات مجموعة من الأهداف الطموحة لمعالجة قضايا الفقر العالمي، والمساواة بين الجنسين، وتغير المناخ، وغيرها من الهموم العالمية الملحة بحلول عام 2030، ولكن حتى الآن لا يزال العالم بعيداً للغاية عن تحقيق هذه الأهداف.

تعددية وتوازن

ورغم ذلك، يقلل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من شأن غياب زعماء رئيسيين عن هذه المناسبة، ويرى أن «الأمر الأهم هو ضمان الالتزامات» الخاصة بالمنظمة الدولية. ويبدأ غوتيريش الأسبوع الرفيع المستوى، الاثنين، بقمة حول التنمية، آملاً في مواصلة التركيز على تحقيق الأهداف البعيدة المنال لمساعدة البلدان الأكثر حاجة.

الأمين العام للأمم المتحدة برفقة الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو خلال «قمة 77 والصين» بهافانا (أ.ف.ب)

وقال قبل أيام: «سنجتمع في وقت تواجه فيه البشرية تحديات هائلة - من حالة الطوارئ المناخية المتفاقمة، إلى تصاعد النزاعات، وأزمة تكلفة المعيشة العالمية، وتزايد عدم المساواة، والاضطرابات التكنولوجية الهائلة»، مضيفاً أن «الناس يتطلعون إلى زعمائهم لإيجاد وسيلة للخروج من هذه الفوضى. ولكن في مواجهة كل هذا وأكثر، تقوض الانقسامات الجيوسياسية قدرتنا على الاستجابة». وأقر بأن «عالماً متعدد الأقطاب آخذ في الظهور»، ويرى أن «التعددية القطبية يمكن أن تكون من عوامل التوازن. ولكنها يمكن أن تؤدي أيضاً إلى تصاعد التوترات والتشرذم وما هو أسوأ من ذلك».

تعكس تصريحات مثل هذه قلق غوتيريش من تلاشي صلة الأمم المتحدة في عالم لم يعد يشبه مرحلة إنشائها عام 1945.

رئيس الصين شي جينبينغ ونظيره البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي خلال قمة «بريكس» الشهر الماضي (أ.ف.ب)

ثمة أشكال أخرى أصغر، ولكن أكثر فاعلية عبر تكتلات مثل «مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى» (الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان)، و«مجموعة العشرين للدول الغنية» (الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا والهند والمملكة العربية السعودية وكندا وأستراليا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا والبرازيل والأرجنتين والمكسيك وجنوب أفريقيا وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية)، و«مجموعة البريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا).

يمكن أن تكون التعددية القطبية من عوامل التوازن لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تصاعد التوترات والتشرذم

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش

«فرصة فريدة»

غير أن غياب بعض أكبر المدافعين عن مبادئ الأمم المتحدة ومواثيقها والنظام الدولي القائم على القواعد منذ الحرب العالمية الثانية، لا يعني على الإطلاق أن الرئيس بايدن سيخطف كل الأضواء من هذا الحدث الاستثنائي على الساحة الدولية. وهو من دون شك سيغتنم «الفرصة الفريدة» التي تحظى بها بلاده التي تستضيف المقر الرئيسي للمنظمة الدولية من أجل الاجتماع مع زعماء العالم لمناقشة ما سمته الناطقة باسم البيت الأبيض كارين جان - بيار «التعاون في التعامل مع التهديدات التي يتعرض لها الأمن والسلام الدوليان، وتعزيز الرخاء العالمي، وحماية حقوق الإنسان»، في إشارة إلى التحديات الكثيرة التي يواجهها النظام الدولي، ولا سيما بسبب محاولة روسيا كسر الأحادية الأميركية - الغربية التي طبعت التوازنات الدولية الكبرى مع انهيار الاتحاد السوفياتي في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بالإضافة إلى الصعود الكبير لنفوذ الصين، ليس فقط لمحيطها الإقليمي، بل أيضاً في مجمل أنحاء العالم، حيث كانت للولايات المتحدة اليد الطولى سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

حضور زيلينسكي

يأخذ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حيزاً واسعاً من الاهتمام بين الزعماء الـ140 الذين أعلنوا أنهم سيتوافدون إلى نيويورك للمشاركة في المناقشات العامة الرئيسية، بدءاً من صباح الثلاثاء، في وقت يشهد فيه العالم أزمات لا تعد ولا تحصى، وانقسامات حادة متزايدة، ليس فقط على الاستقطابات في شأن حرب أوكرانيا، بل أيضاً على تداعيات الدعم الضخم الذي يلقاه زيلينسكي بصورة رئيسية من الولايات المتحدة والدول الغربية، وسط سعي بلدان أخرى مثل الصين والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل إلى اتخاذ مواقف شبه حيادية، مع عدم ارتياح بعض البلدان النامية حيال تقديم الدول الغنية مليارات الدولارات لأوكرانيا، في وقت تؤثر فيه الحرب أيضاً على الفقراء مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وأزمة المناخ وعدم المساواة والحصول على التمويل اللازم للعمليات الإنسانية.

زيلينسكي أثناء مخاطبته الكونغرس الأميركي في ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

مع ذلك، سيكون زيلينسكي موضع حفاوة وتكريم من الحلفاء، ولا سيما عندما يتوقع أن يجلس على مسافة خطوات من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال جلسة يعقدها مجلس الأمن الأربعاء، على أن يتوجه بعدها صاحب القميص الزيتي إلى واشنطن لزيارة البيت الأبيض و«كابيتول هيل» بهدف استدرار المزيد من الدعم في الكونغرس لأوكرانيا.

وقال مدير شؤون الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية ريتشارد غاون إنه رغم تسليط الأضواء عليه في اجتماعات الأمم المتحدة، فعلى زيلينسكي أن «يتعامل بحذر» لئلا يتحول حضوره لـ«أزمة دبلوماسية».

نتنياهو ورئيسي

مقابل هذه الحفاوة الأميركية بالرئيس الأوكراني، بدا من اللافت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يحظى بمثل هذه الدعوة إلى البيت الأبيض من بايدن، الذي سيكتفي حالياً بالاجتماع معه للمرة الأولى منذ إعادة انتخاب زعيم الليكود على هامش الجمعية العامة في نيويورك. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان إن بايدن سيجلس مع نتنياهو الأربعاء «لمناقشة مجموعة من القضايا الثنائية والإقليمية التي تركز على القيم الديمقراطية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ورؤية لمنطقة أكثر استقراراً وازدهاراً وتكاملًا (…) بالإضافة إلى مقارنة الملاحظات حول المواجهة الفعالة لإيران وردعها».

نتنياهو وبايدن يتحدثان على هامش منتدى «دافوس» الاقتصادي في 21 يناير 2016 (أ.ب)

وسيحضر الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أيضاً في الوقت الذي تكمل فيه طهران صفقة سجناء مع واشنطن، من دون توقع حصول أي لقاء بين بايدن ورئيسي.

الجنوب العالمي

وسط هذا الحشد، يذكّر غاون بأن زعماء مثل الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي سيجتمع أيضاً مع بايدن «أوضحوا تماماً أنهم يعتقدون أن الوقت حان للدبلوماسية»، متوقعاً «قدراً كبيراً من التواصل بين الأوكرانيين ودول الجنوب العالمي».

ومن هذا المنطلق، يتوقع أيضاً بذل دبلوماسية مكثفة حول هايتي، إذ من المقرر أن تؤدي الاجتماعات إلى إعادة إطلاق الجهود من أجل إرسال قوة دولية إلى الدولة الفقيرة التي مزقها عنف العصابات. بينما يترقب كثيرون من يمثل الدول المضطربة في كثير من مناطق العالم، ولا سيما في أفريقيا التي شهد بعض بلدانها انقلابات عسكرية، مثل الغابون والنيجر وبوركينا فاسو ومالي، بالإضافة إلى النزاع الدامي في السودان، وأزمة الهجرة في أميركا الوسطى، والكثير من الكوارث المرتبطة بالمناخ.

عرض ضوئي في سماء نيويورك يحذر من تداعيات التغيرات المناخية عشية اجتماعات الجمعية العامة (رويترز)

ورغم الإحباط السائد عند كثير من الدبلوماسيين الدوليين، يصر المندوب الإستوني الدائم لدى الأمم المتحدة رين تامسار على أن «الأمم المتحدة لا تزال في قلب التعددية والنظام القائم على القواعد، ومع ذلك فإن الانطباع الذي يحصل عليه المرء من مجلس الأمن على وجه الخصوص هو أنه لم يعد ملائماً تماماً للغرض منه بعد الآن». ورأى أن «هذا الواقع الصارخ يقوض بشكل مباشر صدقية المجلس، وكذلك الأمم المتحدة وسلطتها».

ومثله يشكك كثير من المسؤولين والخبراء في قدرة الأمم المتحدة على التكيف مع الأوقات المتغيرة، مستذكرين قول الأمين العام الثاني للأمم المتحدة داغ همرشولد إن «الأمم المتحدة لم تنشأ من أجل نقلنا إلى الجنة، بل من أجل إنقاذنا من الجحيم».

وعلى هذا الوقع، لا تزال الأمم المتحدة بمثابة مكان مهم لكي تسمع الدول الصغيرة أصواتها للدول الكبيرة. وتعدّ قمتها السنوية مقياساً مهماً لما يهدف زعماء العالم إلى معالجته في السنوات المقبلة، واختباراً حاسماً لما إذا كانت الأمم المتحدة قادرة على إحياء الزخم في أهدافها الطموحة للتنمية المستدامة.

ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة من أن تلاقي الأمم المتحدة يوماً قريباً يشبه ما آلت إليه عصبة الأمم التي أُنشئت قبل أكثر من مائة عام بعيد الحرب العالمية الأولى، بسبب مزيج من الفشل والعجز عن إحلال الأمن والسلم الدوليين، بدءاً من سوريا، ووصولاً إلى أوكرانيا، وأخيراً في السودان.


مقالات ذات صلة

مجلس الأمن يصوت السبت على قرار باستخدام القوة لحماية الملاحة في مضيق هرمز

شؤون إقليمية جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

مجلس الأمن يصوت السبت على قرار باستخدام القوة لحماية الملاحة في مضيق هرمز

يصوّت مجلس الأمن، السبت، على مشروع قرار هدفه تفويض استخدام القوة «الدفاعية» لحماية الملاحة في مضيق هرمز وتحريرها من الهجمات الإيرانية.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة في 11 فبراير الماضي (حكومة «الوحدة»)

تساؤلات ليبية حول توظيف تقرير أممي للضغط على أطراف الصراع

أثار تقرير أممي مسرّب حالة من الجدل في ليبيا دفعت عدداً من المهتمين إلى تساؤلات تتعلق بدلالة تسريبه قبل اعتماده رسمياً، وهل سيوظف أداةَ ضغطٍ لانتزاع تنازلات؟

جاكلين زاهر (القاهرة)
الخليج جاسم البديوي خلال تقديمه إحاطة رفيعة المستوى بمجلس الأمن الدولي في نيويورك الخميس (مجلس التعاون الخليجي)

رفض خليجي لرهن استقرار المنطقة للفوضى

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن دول المجلس لا تقبل التفريط في أمنها والمساس بسيادة أراضيها، أو أن يكون استقرار منطقتها رهينة للفوضى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وأنطونيو غوتيريش (وزارة الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان وغوتيريش يستعرضان الجهود حول تطورات المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تطورات أوضاع المنطقة وتداعياتها، واستعرضا الجهود الدولية حيالها

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي مركبات تابعة لـ«يونيفيل» تسير على أحد الطرق الرئيسية بجنوب لبنان 27 مارس 2026 (رويترز)

باريس تندد بـ«ترهيب غير مقبول» لقوات حفظ السلام الفرنسية في لبنان

قالت وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون الجيش أليس روفو، الأربعاء، إن قوات حفظ السلام الفرنسية العاملة في لبنان تعرّضت «لترهيب غير مقبول على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (باريس)

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)

تتسارع التحركات الدولية لمعالجة تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز، في وقت تتباين فيه المقاربات بين طرح عسكري دفاعي مباشر، كما فعلت أوكرانيا، والدفع نحو تنسيق سياسي - أمني أوسع، كما برز في التقارب الفرنسي - الكوري الجنوبي، والاجتماع الدولي الذي استضافته لندن، الخميس.

وبينما تشكك باريس وعواصم أوروبية أخرى في واقعية أي تدخل عسكري لفتح الممر الحيوي، تستعدّ لندن لاستضافة اجتماع لـ«مخططين عسكريين»، الأسبوع المقبل، لبحث خيارات تشمل إزالة الألغام وتوفير قوة طمأنة للسفن التجارية، ضمن مقاربة متعددة المراحل قد لا تُفعّل قبل وقف إطلاق النار.

عرض زيلينسكي

عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مساهمة بلاده في جهود إعادة فتح المضيق، مؤكداً استعداد كييف لتقديم دعم دفاعي يستند إلى خبرتها في تأمين الملاحة في البحر الأسود بعد الغزو الروسي. وقال إن بلاده قادرة على توفير تقنيات تشمل اعتراض الطائرات المسيّرة، ومرافقة السفن، والحرب الإلكترونية، مشيراً إلى أن إعادة فتح المضيق قد تتطلب أيضاً مزيجاً من أنظمة الدفاع الجوي، وقوافل بحرية محمية، وقدرات تشويش متقدمة لضمان سلامة العبور. وأضاف أن أوكرانيا «مستعدة للمساعدة في كل ما يتعلق بالدفاع».

ويأتي الطرح الأوكراني في ظل مساعٍ من كييف لتفادي تراجع موقعها على الأجندة الدولية مع تحوّل التركيز نحو حرب الشرق الأوسط، ومحاولة توظيف خبرتها العسكرية في مواجهة أنماط تسليح مشابهة لتلك التي تستخدمها إيران، لا سيما الطائرات المسيّرة التي اكتسبت القوات الأوكرانية خبرة واسعة في التصدي لها، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، كما يأتي ذلك بعد جولة قام بها زيلينسكي في عدد من دول الشرق الأوسط، شملت توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي في إطار سعيه لتعزيز حضور بلاده كشريك أمني في المنطقة.

باريس تفضّل الدبلوماسية

في المقابل، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمّة جمعته بنظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، التركيز على المسار الدبلوماسي؛ حيث اتفق الجانبان على تنسيق الجهود للمساهمة في إعادة فتح المضيق، وتخفيف تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وأكد الزعيمان ضرورة ضمان أمن خطوط الملاحة، دون الخوض في تفاصيل عملياتية. وشدد ماكرون على أهمية بلورة إطار دولي لخفض التصعيد، معتبراً أن اللجوء إلى عملية عسكرية لفتح المضيق «غير واقعي»، وهو موقف يعكس تبايناً مع دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي حضّ الحلفاء، خصوصاً في آسيا، على الاضطلاع بدور أكبر في تأمين الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وكان الرئيس الفرنسي قد وصف خيار السيطرة العسكرية على المضيق بأنه «غير واقعي»، محذراً من مخاطر التصعيد، وتعريض السفن لهجمات محتملة.

إجماع دولي

وجاءت هذه المواقف غداة اجتماع عبر الفيديو، نظّمته لندن، الخميس، وجمع 40 دولة شدّدت على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط». ورأى وزراء خارجية هذه الدول، التي لم تشمل الولايات المتّحدة، أن إغلاق المضيق من جانب إيران يُشكّل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي» وانتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة وقانون البحار.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن المجتمع الدولي أظهر «تصميماً واضحاً» على ضمان حرية العبور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، كما يكتسب المضيق أهمية خاصة لنقل مواد حيوية، مثل الأسمدة؛ ما يجعله عنصراً أساسياً في دعم سلاسل الغذاء، خصوصاً في أفريقيا.

وحدّد المشاركون 4 محاور رئيسية للتحرك المشترك: أولاً، زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة، لإيصال رسالة واضحة ومنسقة إلى إيران بضرورة السماح بالمرور الحرّ وغير المقيّد، ورفض فرض أي رسوم على السفن. ثانياً، بحث إجراءات اقتصادية وسياسية منسقة، بما فيها العقوبات، في حال استمرار إغلاق المضيق. ثالثاً، العمل مع المنظمة البحرية الدولية للإفراج عن آلاف السفن والبحّارة العالقين، وإعادة حركة الشحن. رابعاً، إقامة ترتيبات مشتركة لتعزيز الثقة في الأسواق والعمليات التشغيلية، عبر التنسيق مع شركات الشحن والهيئات المعنية لضمان تدفق المعلومات بشكل متماسك وفي الوقت المناسب.


أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
TT

أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)

أصبح بابا الفاتيكان، البابا ليو، في ‌مايو (أيار) الماضي أول زعيم أميركي للكنيسة الكاثوليكية العالمية، لكنه تجنّب في الغالب خلال الأشهر العشرة الأولى من ولايته الإدلاء بتعليقات بشأن بلده الأم، ولم يذكر الرئيس دونالد ترمب علناً ولو مرة واحدة، لكن هذا زمن ولّى.

ففي الأسابيع القليلة الماضية، ​أصبح البابا منتقداً حاداً للحرب مع إيران. وذكر اسم ترمب، لأول مرة علناً، يوم الثلاثاء في نداء مباشر حضّ فيه الرئيس على إنهاء الصراع الآخذ في التوسع.

وهذا تحوّل مهم في اللهجة والنهج، قال خبراء إنه يُشير إلى رغبة البابا في أن يكون ثقلاً موازناً أمام ترمب وأهداف سياسته الخارجية على الساحة العالمية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال ماسيمو فاغولي، وهو أكاديمي إيطالي يتابع الفاتيكان من كثب: «لا أعتقد أنه يريد أن يُتهم الفاتيكان بالتساهل مع سياسات ترمب لأنه أميركي».

وحضّ البابا ليو، المعروف بحرصه الشديد على اختيار كلماته، ترمب على إيجاد «مخرج» لإنهاء الحرب، مستخدماً مصطلحاً عامياً أميركياً يفهمه الرئيس ومسؤولو الإدارة.

وقال فاغولي، الأستاذ في كلية ترينيتي في دبلن، «عندما يتحدث (البابا ‌ليو)، يكون دائماً ‌حذراً... لا أعتقد أن ذلك كان مصادفة».

وقال الكاردينال بليز كوبيتش، ​وهو ‌حليف مقرب ​للبابا ليو، لوكالة «رويترز»، إن البابا يتبنى نهج سلسلة طويلة من الباباوات الذين حثوا قادة العالم على الابتعاد عن الحرب.

وأوضح: «ففي الوقت الحالي، يستمع الأميركيون والعالم الناطق باللغة الإنجليزية بأسره إلى الرسالة بلغة مألوفة لهم».

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر يتحدث للصحافيين (رويترز)

البابا: الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنون حروباً

قبل يومين من مناشدة ترمب مباشرة، قال البابا ليو إن الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنّون الحروب، وتصبح «أيديهم ملطخة بالدماء»، في تصريحات قوية بشكل غير معتاد بالنسبة لبابا كاثوليكي.

وفسر معلقون كاثوليك محافظون تلك التعليقات على أنها موجهة إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي استخدم كلمات مسيحية لتبرير الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران، والتي أشعلت الحرب.

وأدت هذه التصريحات ‌إلى أحد الردود الأولى المباشرة من إدارة ترمب على تعليق للبابا ‌ليو. فقد قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، عندما سُئلت عن تصريحات ​البابا: «لا أعتقد أن هناك أي مشكلة في ‌دعوة قادتنا العسكريين أو الرئيس للشعب الأميركي للصلاة من أجل أفراد جيشنا».

وقالت ماري دينيس، الزعيمة السابقة ‌لحركة السلام الكاثوليكية الدولية «باكس كريستي»، إن تعليقات البابا ليو الأحدث ونداءه المباشر لترمب «انعكاس لقلب محطم بسبب العنف الذي لا هوادة فيه».

وأضافت: «هو يمد يده إلى جميع الذين أرهقهم هذا العنف المتواصل، ويتوقون إلى قيادة شجاعة».

البابا يُصعّد انتقاداته منذ أسابيع

واستهدف البابا ليو في السابق سياسات ترمب المتشددة تجاه الهجرة، متسائلاً عما إذا كانت تتماشى مع تعاليم الكنيسة ‌المؤيدة للحق في الحياة. وفي تلك التعليقات، التي أثارت انتقادات حادة من الكاثوليك المحافظين، امتنع عن ذكر اسم ترمب أو أي مسؤول في الإدارة بشكل مباشر.

وأجرى البابا تغييراً كبيراً في قيادة الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول)، إذ أقال الكاردينال تيموثي دولان من منصب رئيس أساقفة نيويورك. وخلف دولان، الذي يُعدّ من أبرز المحافظين بين الأساقفة الأميركيين، رجل دين غير معروف نسبياً من إلينوي، هو رئيس الأساقفة رونالد هيكس.

وصعّد البابا من انتقاداته للحرب على إيران على مدار أسابيع.

وقال في 13 مارس (آذار) إن القادة السياسيين المسيحيين الذين يشنون الحروب يجب أن يذهبوا للاعتراف ويقيموا ما إذا كانوا يتبعون تعاليم المسيح. وفي 23 مارس (آذار)، قال البابا إن الغارات الجوية العسكرية عشوائية، ويجب حظرها.

وقال الكاردينال مايكل تشيرني، أحد كبار المسؤولين في الفاتيكان، إن صوت البابا له وزن على الصعيد العالمي؛ لأنه «بوسع الجميع أن يدركوا أنه يتحدث... من أجل الصالح العام، ومن أجل جميع الناس، خصوصاً الضعفاء».

وتابع: «صوت البابا ليو الأخلاقي موثوق به، والعالم يريد بشدة أن يؤمن بأن السلام ممكن».

وبدأ البابا ليو، الخميس، 4 أيام ​من الفعاليات في الفاتيكان التي تسبق «عيد القيامة» ​يوم الأحد عندما سيلقي صلاة خاصة ورسالة من شرفة كاتدرائية القديس بطرس.

وخطاب «عيد القيامة» من أكثر الفعاليات التي تحظى بمتابعة دقيقة على جدول أعمال الفاتيكان، وغالباً ما يستغله البابا لإطلاق نداء دولي مهم.


روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.