اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك... وتحذيرات من تفاقم العنف السياسي والانقسام في أميركا

ترمب وصفه بـ«شهيد الحقيقة والحرية» وأمر بتنكيس الأعلام في أنحاء الولايات المتحدة لمدة أسبوع حداداً عليه

مؤسس منظمة «نقطة تحول الولايات المتحدة» تشارلي كيرك يصل لإلقاء كلمة أمام المرشح الجمهوري للرئاسة الرئيس السابق دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي بمركز توماس وماك 24 أكتوبر 2024 في لاس فيغاس (أ.ب)
مؤسس منظمة «نقطة تحول الولايات المتحدة» تشارلي كيرك يصل لإلقاء كلمة أمام المرشح الجمهوري للرئاسة الرئيس السابق دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي بمركز توماس وماك 24 أكتوبر 2024 في لاس فيغاس (أ.ب)
TT

اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك... وتحذيرات من تفاقم العنف السياسي والانقسام في أميركا

مؤسس منظمة «نقطة تحول الولايات المتحدة» تشارلي كيرك يصل لإلقاء كلمة أمام المرشح الجمهوري للرئاسة الرئيس السابق دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي بمركز توماس وماك 24 أكتوبر 2024 في لاس فيغاس (أ.ب)
مؤسس منظمة «نقطة تحول الولايات المتحدة» تشارلي كيرك يصل لإلقاء كلمة أمام المرشح الجمهوري للرئاسة الرئيس السابق دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي بمركز توماس وماك 24 أكتوبر 2024 في لاس فيغاس (أ.ب)

تواصل السلطات الأميركية التعامل مع حيثيات عملية القتل للمؤثر المحافظ الشاب تشارلي كيرك حليف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكبير الذي اغتيل بالرصاص، الأربعاء، خلال فعالية عامة في حرم جامعة فيو بولاية يوتا.

وأعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كاش باتيل، أنّ السلطات الأميركية أوقفت المشتبه به في عملية الاغتيال خلال فعالية جامعية. وقال باتيل عبر منصة «إكس» إنّ «المشتبه به في إطلاق النار المروّع الذي أودى بحياة تشارلي كيرك، الأربعاء، هو قيد الاحتجاز. سنوافيكم بمعلومات إضافية حالما يمكننا ذلك».

اتهم ترمب خطاب «اليسار الراديكالي» بالمساهمة في مقتل كيرك، الذي وصفه بأنه «شهيد الحقيقة والحرية». لم تهدأ وسائل الإعلام الأميركي ومنصات التواصل الاجتماعي من الحديث عن اغتيال الناشط اليميني كيرك (31 عاماً) والذي أصيب برصاصة في رقبته أثناء إلقاء كلمة في حرم الجامعة على مرأى ومسمع من طلبة الجامعة. وانتشرت فيديوهات لحظات الاغتيال والرعب والذعر الذي انتاب الطلبة هرباً من المكان.

وشكَّل الحادث لحظة فارقة من الاستقطاب المتزايد في الولايات المتحدة، وتصاعد العنف السياسي الذي يستهدف شخصيات من اليمين واليسار. وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في بيان نشره البيت الأبيض قائلاً: «لقد توفي تشارلي كيرك العظيم، بل الأسطوري»، ووصف مقتله بأنه لحظة عصيبة لأميركا. وحصلت تغريدة الرئيس ترمب على أكثر من 10 ملايين متابعة في أقل من ساعة، وفي تغريدة أخرى دعا ترمب إلى تنكيس جميع الأعلام الأميركية حتى مساء الأحد.

وفي خطاب مصوَّر من المكتب البيضاوي قال ترمب إن «انتقادات الليبراليين للمحافظين مسؤولة بشكل مباشر عن الإرهاب الذي نشهده في بلادنا اليوم، ويجب أن يتوقف فوراً»، وربط ترمب مقتل كيرك بهجمات أخرى وقعت على شخصيات سياسية جمهورية ومحاولة اغتياله في بنسلفانيا العام الماضي وإطلاق النار على النائب الجمهوري ستيف سكاليز من لويزيانا.

لقطة شاشة من مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر الناشط اليميني الأميركي والمعلق تشارلي كيرك حليف الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يتحدث خلال حدث في جامعة يوتا فالي (رويترز)

وتدفقت التعازي على منصات التواصل وطغت المطالبات بالمحاسبة والانتقام من العنف اليساري وتحدث الرؤساء الأميركيون السابقون، والسياسيون والمشرعون والصحافيون والنشطاء والمؤثرون والحركات الشبابية اليمينية، واصفين الاغتيال بأنه فصل من فصول خطاب الكراهية الموجَّه للرئيس ترمب وحركة «ماغا» وموجة من موجات العنف السياسي المتزايد بوتيرة سريعة في أميركا وزلزال سياسي.

وتسارعت حملة شعواء ألقت باللوم على الحزب الديمقراطي واليساريين، ووصفهم البعض بالإرهابيين المتطرفين، وطالب البعض الآخر بملاحقتهم بصفتهم تهديداً للأمن القومي. وعلى الجانب الآخر، كانت منشورات يسارية تكشف عن أن كيرك نال ما يستحقه مما عدّه البعض مظهراً فاضحاً للاستقطاب السياسي الحاد، حتى أن جريدة مثل «نيويورك تايمز» أشارت إلى مخاوف من أن البلاد على شفا حرب أهلية.

من هو تشارلي كيرك

سطع نجم تشارلي كيريك، المولود عام 1993 في شيكاغو، في أوساط اليمين المحافظ بعد أن قام في عام 2012 بتأسيس منظمة «عودة الولايات المتحدة الأميركية» واجتذب جمهوراً من ملايين المعجبين المحافظين المتحمسين؛ ليصبح أحد أبرز الأصوات اليمينية المساندة أفكار الرئيس ترمب وتيار «ماغا».

ونجح كيرك بمواهبه الخطابية في استقطاب طلبة الجامعات بخطاب معادٍ لليسار الثقافي، متهماً اليساريين بالسيطرة على الجامعات بأفكار تهدد المجتمع. وتخصص كيرك في المناظرات ومواجهة خصومه الليبراليين بخطاب حاد ولاذع. وقدم برامج إذاعية وبودكاست تروج للقضايا المحافظة والمؤيدة لترمب، وعُرف عنه تصريحاته المثيرة للجدل في معارضته القوية لأفكار اليسار التي تطالب بتشديد السيطرة على الأسلحة، وفي معارضته للإجهاض وحقوق المثليين، ورفض سياسات المناخ وتروجيه للقومية المسيحية المحافظة المناهضة بشدة لأفكار الحزب الديمقراطي الليبرالية. واتخذ كيرك موقفاً معادياً للقضية الفلسطينية، وكان من المدافعين بقوة عن إسرائيل وسياساتها القمعية.

الرئيس دونالد ترمب يصافح المنسق تشارلي كيرك خلال منتدى «الجيل القادم للبيت الأبيض» في مبنى أيزنهاور التنفيذي بمجمع البيت الأبيض في واشنطن الخميس 22 مارس 2018 (أ.ب)

عدّه البعض إمبراطورية سياسية وإعلامية للترويج للأفكار المحافظة، وأهم شخصية في الحركة اليمينية الأميركية.

وقد اقترب كيرك من دونالد ترمب خلال ولايته الرئاسية الأولى، وخلال الحملة الانتخابية لعب كيرك دوراً بارزاً في تعبئة صفوف الشباب لصالح التصويت للرئيس ترمب واعترف ترمب بدوره بأنه كان الإنجاز الأكبر لحملته، وكان كتابه «عقيدة ماغا» الأكثر مبيعاً في عام 2020.

ويشير محللون إلى أن كيرك حظي بمكانه لم تحظَ بها شخصيات من العيار الثقيل من المشرعين الجمهوريين. ويقال إن كيرك هو من شجع ترمب على اختيار جي دي فانس لمنصب نائب الرئيس، وكان حاضراً بانتظام في منتجع ترمب في ما لارغو في فلوريدا، وشارك أحياناً في اجتماعات حول اختيارات محتملة لأعضاء مجلس الوزراء. وكانت هناك تكهنات بأن كيرك أحد الوجوه المرشحة لخوض سباق الانتخابات الرئاسية القادمة لمنصب نائب الرئيس إذا خاض فانس السباق الرئاسي المقبل.

غضب وإدانة

تم تنكيس العَلم الأميركي أمام البيت الأبيض بواشنطن العاصمة بعد إطلاق النار على الناشط اليميني تشارلي كيرك حليف الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما أدى إلى وفاته في فعالية بجامعة يوتا فالي 10 سبتمبر 2025 (رويترز)

أثار الاغتيال موجة من ردود الفعل على مستوى الطيف السياسي، مؤكداً انقسام الخطاب الأميركي.

نعى المحافظون كيرك بصفته «شهيداً من أجل الحقيقة والحرية»، وأعلن الرئيس ترمب في رسالة مصورة أن «اليسار المتطرف» يتحمل مسؤولية شيطنة شخصيات مثل كيرك، مقارناً إياهم بـ«النازيين وأسوأ مرتكبي جرائم القتل الجماعي في العالم». وقال ستيفن بانون، مستشار ترمب وأحد أبرز الأصوات في حركة «ماغا»، إن كيرك كان ضحية الحرب السياسية الدائرة في الولايات المتحدة، في حين صعّد إيلون ماسك، مالك شركة «إكس» من حدة خطابه، قائلاً بصراحة: «اليسار هو حزب القتل».

وأدان الديمقراطيون، بمن فيهم الرئيس السابق باراك أوباما ونائبة الرئيس كامالا هاريس، هذا العمل ووصفوه بأنه «عنف حقير» لا مكان له في ديمقراطيتنا، مؤكدين على الوحدة ضد سفك الدماء السياسي. ووصف حاكم ولاية كاليفورنيا، جافين نيوسوم، الحادث بأنه «مقزز، حقير، ومُدان»، بينما أكد حاكم ولاية ماريلاند، ويس مور، أن «العنف السياسي غير مقبول أبداً».

إلا أن التعازي من كلا الحزبين سرعان ما تلاشت. ففي الكونغرس، تحولت لحظة الصمت على روح كيرك فوضى، حيث اتهمت النائبة الجمهورية، آنا بولينا لونا، الديمقراطيين بالتسبب في الهجوم، وقوبلت باستياء ودعوات مضادة للسيطرة على الأسلحة.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت ردود الفعل استقطاباً. واحتفل بعض الناشطين من ذوي الميول اليسارية بوفاة كيرك بتعليقات مثل «آمل أن تكون الرصاصة سليمة» أو سخروا من عائلته؛ ما أثار إدانة واسعة النطاق.

موجة عنف متصاعد

ويقول المحللون إن اغتيال كيرك ليس حادثاً معزولاً، بل هو جزء من موجة عنف سياسي متصاعدة في الولايات المتحدة، مدفوعةً بتفاقم الاستقطاب منذ انتخابات عام 2016. ومن الأمثلة الحديثة محاولتان فاشلتان لاغتيال ترمب، واغتيال رئيسة مجلس النواب الفخرية في ولاية مينيسوتا، ميليسا هورتمان، وهجوم مزعوم على قصر حاكم ولاية بنسلفانيا، جوش شابيرو، وهجمات على شخصيات ديمقراطية.

أثار مقتل شارلي كيرك توقعات مشؤومة باضطرابات مدنية تضافرت مع الغضب من السياسات المقيدة للهجرة والتحولات الثقافية وزيادة حدة التوترات وتزايد جرائم الكراهية وتحذيرات من تحول الاستقطاب عداوة مميتة.

وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى بوادر أزمة سياسية نتيجة الاستقطاب المتزايد وزيارة وتيرة العنف السياسي، وحذَّرت من دخول الولايات المتحدة إلى مرحلة أكثر خطورة ونقلت عن نيوت غينغريتش الرئيس الجمهوري السابق لمجلس النواب تحذيره من حرب أهلية ثقافية جارية وخلافات عميقة وانقسامات حزبية مع تسامح الرأي العام مع العنف السياسي.

وأشار موقع «سيمافور» إلى أن إرث كيريك سيشكل مستقبل الحزب الجمهوري، بينما كتب جورج باكر بمجلة «ذا أتلانتك» إن مقتله مأساة لعائلته وكارثة للولايات المتحدة في ظل أجواء من الجنون والكراهية على الصعيد الوطني، محذراً من تزايد مستويات العنف السياسي.


مقالات ذات صلة

رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

الولايات المتحدة​ رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)

رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

أقالت رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز الخميس وزير خارجيتها مانويل توفار لحضوره اجتماعاً أمنياً إقليمياً برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عُقد في نيويورك.

«الشرق الأوسط» (سان خوسيه)
شؤون إقليمية قبة مبنى «الكابيتول»... مقر «الكونغرس» الأميركي (رويترز)

مجلس الشيوخ يرفض تشريعاً يحد من صلاحيات ترمب في حرب إيران

رفض مجلس الشيوخ الأميركي، اليوم الخميس، بفارق ضئيل، تشريعاً قاده الديمقراطيون يهدف إلى وقف ‌الحرب ‌مع إيران ‌ما ⁠لم يصدر تفويض ⁠بالعمليات القتالية من الكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية نتانياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

نتانياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

هاجم نتنياهو منتقدي إسرائيل أمام الأمم المتحدة، بعد انسحاب عشرات المندوبين من كلمته، ودافع عن سياسات بلاده تجاه إيران وغزة والضفة وسوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يعقد اجتماعاً في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

إردوغان: «واثق» من حصول تركيا على مقاتلات «إف-35»

أبدى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ثقته بعودة تركيا إلى برنامج المقاتلات الأميركية «إف-35»، لافتاً إلى أنه ينتظر من واشنطن اتخاذ خطوات «ملموسة» لتحقيق ذلك.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

زيارة نتنياهو السريعة إلى نيويورك تعكس توتر العلاقات بين إسرائيل وأميركا

يَظهر ‌جلياً اختلافٌ واضحٌ هذا العام بين الزيارة القصيرة على غير المعتاد التي سيجريها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، وزيارة العام الماضي...

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
TT

رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)

أقالت رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز، الخميس، وزير خارجيتها مانويل توفار لحضوره اجتماعاً أمنياً إقليمياً برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عُقد في نيويورك، من دون إبلاغها بذلك.

دونالد ترمب

وقالت فرنانديز إنه كان ينبغي أن تشارك هي في اجتماع دول «درع الأميركتين» المناهض لكارتلات المخدرات، وإن إخفاق توفار في التشاور معها تسبب في «ضرر استراتيجي كبير».


عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)

استمع أعضاء مجلس الأمن لتحذيرات الرؤساء التنفيذيين لعمالقة الذكاء الاصطناعي؛ «أوبن إيه آي» سام ألتمان، و«أنثروبيك» داريو أموداي، و«هاغينغ فايس» كليمان دولانغ، من تطور بوتيرة يمكن أن تتجاوز قريباً قدرة الدول والشركات والمؤسسات على تنظيمها أو إدارة أخطارها الوجودية المحتملة على البشر.

عُقدت هذه الجلسة غير المألوفة على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بدعوة من فرنسا التي تتولى رئاسة مجلس الأمن للشهر الحالي، وبعد أيام من استنتاج لجنة علمية تابعة للأمم المتحدة أن الحادثة التي وقعت في الصيف، حين اخترقت برامج الذكاء الاصطناعي قيد التقييم في «أوبن إيه آي» أنظمة «هاغينغ فايس» نفسها، لا تقدم أي ضمانات بأن البشر قادرون على إبقاء هذه البرامج تحت السيطرة بشكل موثوق.

وأكّد ألتمان أن الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحول جذري في العلوم والطب والتعليم والاقتصادات، لكنه استدرك محذّراً من أن الأنظمة المستقلة بشكل متزايد يمكن أن تتحرك بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات والمؤسسات على فهمها أو السيطرة عليها. وقال إنه «ينبغي تصميم الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، لا لمجرد زيادة سرعة الآلات».

وإذ لم يتجاهل الأخطار، أضاف ألتمان أن «أي شيء بهذه القوة يثير الرهبة»، مشدداً على أن «هذه اللحظة تستدعي حذراً شديداً».

«دولة العباقرة»

حدّد ألتمان نمطين رئيسيين للفشل؛ الأول هو فقدان السيطرة تماماً على مستقبل الذكاء الاصطناعي. وثانياً، هناك تركز السلطة حيث «لا ينبغي لأي فرد أو شركة أو دولة أن تتمكن من استخدام أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي لفرض رؤيتها للعالم على الآخرين»، كاشفاً أن «أوبن إيه آي» أبطأت التطوير من جانب واحد سابقاً بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

ودعا إلى وضع معايير «تُصاغ من خلال عمليات ديمقراطية ومن حكومات مسؤولة أمام شعوبها» تشمل القدرات، وتقييم المخاطر، والضمانات، والإبلاغ عن الحوادث.

الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان يقدم إحاطة لمجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي (الأمم المتحدة)

ثم قدّم أموداي إحاطة عرَضَ فيها وتيرة التقدم بعبارات صادمة، قائلاً: «قبل أربع سنوات، كان (برنامج الذكاء الاصطناعي) بالكاد يستطيع كتابة سطر واحد من التعليمات البرمجية أو حل مسألة رياضية بسيطة في المرحلة الثانوية. أما اليوم، فهو يكتب معظم التعليمات البرمجية في «أنثروبيك» ويحل مسائل رياضية عالمية شهيرة لم تُحلّ من قبل».

وأضاف أن هذا المسار «لا يحتاج إلا إلى الاستمرار لفترة وجيزة، سنة أو سنتين، وربما أقل» للوصول إلى ما سماه «دولة من العباقرة في مراكز البيانات».

«خطر على البشرية»

كان أموداي صريحاً بالقدر نفسه في شأن الأخطار، فحدَّد فئتين؛ الأولى تتعلّق بسوء الاستخدام، «على سبيل المثال، إساءة استخدام الإرهابيين البيولوجيين لـ(برامج الذكاء الاصطناعي) لصنع أسلحة بيولوجية». أما الفئة الثانية فتتعلق بفقدان السيطرة، مشيراً إلى مسائل «بالغة الخطورة لدرجة أنني أعتقد أنها مسائل مهمة لهذا المجلس، وليس فقط لوزارات الاقتصاد أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات».

وزاد: «أعتقد أنه إذا أُديرت بشكل سيئ، فقد يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً على البشرية جمعاء».

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي متحدثاً عبر الشاشة مع أعضاء مجلس الأمن بنيويورك (الأمم المتحدة)

كذلك، قال أموداي إن شركته «ستبطئ وتيرة العمل بالقدر اللازم... لكن بغض النظر عما نفعله، فإن إدارة هذه المخاطر، في نهاية المطاف، أكبر من أي شركة بمفردها، ولها نطاق صناعي وعالمي».

الدفاع قبل الهجوم

بدوره، عرَضَ دولانغ دراسة حالة واقعية، إذ كشفت شركته، في يوليو (تموز) الماضي، عن هجوم إلكتروني شنّه عليها وكيل ذكاء اصطناعي مستقل. واستخلص ثلاثة دروس؛ أولاً، هناك حاجة لمزيد من الشفافية على مستوى الصناعة. وجادل ثانياً بأن الخطر الأساسي لا يكمن في قدرات هذه التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في توزيعها غير المتكافئ. وقال إن «الخطر الأكبر ليس الذكاء الاصطناعي القوي، بل في عدم تكافئه بين المهاجمين والمدافعين، والشركات الكبرى وبقية العالم، والدول القوية وبقية دول العالم».

وأشار ثالثاً إلى حادثة أخرى أظهرت كيف يمكن لتغطية الذكاء الاصطناعي أن تثير مخاوف الجمهور بلا داعٍ «من خلال تأطيرها بصورة بشرية واستخدامها صوراً خيالية علمية».

وخلال المداولات بين أعضاء المجلس، شبّه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي ترأس الاجتماع، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بكل من الحاسوب الخيالي في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» وبداية العصر الذري. وقال: «كما كانت الحال مع الذرة آنذاك، يجب على المجتمع الدولي، الآن، تنظيم الذكاء الاصطناعي لتحقيق أقصى استفادة من إمكاناته وتجنب أسوأ العواقب».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يترأس اجتماع مجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي (الأمم المتحدة)

وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند: «يخبرنا قادة التكنولوجيا بوضوح تام أنه لا يمكن ترك منع الكوارث من الوقوع في العالم لهم وحدهم. لا يمكننا تجاهلهم لأنهم على حق».

غير أن مستشار البيت الأبيض للشؤون العلمية، مايكل كراتسيوس، رأى أن «المخاوف بشأن التحكم في الذكاء الاصطناعي ليست مُبرراً لوقف تطويره أو تقييده بهيكل حوكمة عالمي جديد». وأضاف: «نريدكم، أنتم حلفاؤنا وشركاؤنا، أن تشاركوا في فوائد هذه التكنولوجيا».

وفي ظل المنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، حذّر المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو كونغ من «التكتل في تحالفات ضيقة في قطاع التكنولوجيا، وإجبار الدول الأخرى على الانحياز لأحد الطرفين»، مما يُمكّن قوى عظمى لم يُسمِّها مما سماه «الهيمنة الرقمية».

اختراق نظام حكومي

تزامنت الجلسة مع كشف الحكومة الأسترالية عن نجاح وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة «أوبن إيه آي» في الوصول بصورة غير مصرَّح بها إلى نظام حكومي في يوليو (تموز) الماضي، في واقعةٍ وصفتها الحكومة بأنها الأولى المعروفة التي يتمكَّن فيها وكيل للذكاء الاصطناعي من اختراق أنظمة تكنولوجيا المعلومات الحكومية في البلاد.

ووصل الوكيل في 18 يوليو إلى بوابة «خدمة تقارير إحصاءات ميديكير» التابعة لوزارة الصحة، وهي منصة متاحة للعامة تستضيف بيانات مجمعة عن الإنفاق الصحي وإعانات الأدوية، وتُستخدم على نطاق واسع من جانب الباحثين والأكاديميين. وأكدت الحكومة أن المعلومات الشخصية لم تكن من بين البيانات التي جرى الوصول إليها.

وقالت شركة «أوبن إيه آي» إنها راجعت أنشطة شملت عدداً من الإدارات الحكومية الأسترالية، واكتشفت أن نماذجها «اتخذت إجراءات لم تكن مقصودة». وأبلغت الشركة الحكومة الأسترالية بالحادثة في 10 سبتمبر (أيلول)، وفق رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، الذي انتقد تأخرها في الكشف عن الاختراق. وأُغلقت البوابة بعد الحادثة، ونُقلت البيانات إلى أنظمة أكثر أماناً، وفق وزيرة الخدمات الحكومية كاتي غالاغر.


البيت الأبيض يرفع حظر دخول مؤسسات إعلامية بعد أمر قضائي

لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

البيت الأبيض يرفع حظر دخول مؤسسات إعلامية بعد أمر قضائي

لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلن البيت الأبيض اليوم (الخميس) أنه أعاد دخول الصحافيين من المؤسسات الإعلامية «إم إس ناو» و«سي إن إن» و«بوليتيكو»، بعد أن اعتبر ​القاضي الاتحادي تيم كيلي أن الحظر الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هذه المؤسسات «غير دستوري على الأرجح»، وأمر بإعادة دخولهم فوراً. وجاءت إعادة السماح لهم بالدخول في منتصف اليوم بعد ساعات قليلة عمتها الفوضى، عندما استمر منع الصحافيين من دخول البيت الأبيض.

ودفع ذلك المؤسسات الثلاث إلى طلب جلسة استماع فورية ‌أمام القاضي كيلي، ‌الذي أصدر قراره خلال الليل. وأمر ​كيلي، ‌في ⁠إطار ​دعوى قضائية ⁠أقامتها المؤسسات الإعلامية يوم الاثنين بوقف حظر ترمب 14 يوماً في قضية تتعلق بحرية الصحافة استمرت على مدار الأسبوع الماضي في قاعة المحكمة ومقر البيت الأبيض.

ورأى كيلي أن سحب تصاريح دخول البيت الأبيض من الصحافيين «من المرجح أن يكون انتهك حقوقهم الدستورية في الإجراءات القانونية الواجبة».

لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)

وأبدى ⁠القاضي، الذي عيّنه ترمب في 2017 خلال ‌ولايته الرئاسية الأولى، أيضاً شكوكاً ‌بشأن الحجج المتعلقة بالأمن القومي ​التي ساقتها وزارة العدل ‌لتبرير الحظر، مشيراً إلى أن ترمب نفسه قال إن ‌هذا الإجراء جاء بسبب ما ذهب الرئيس إلى أنها تغطية إعلامية كاذبة أو سلبية.

وبعد ساعات من إصدار كيلي أمره، أبلغت المؤسسات الإعلامية الثلاث القاضي بأن الحظر لا يزال سارياً، ‌وطلبت عقد جلسة استماع عاجلة. وقالت «بوليتيكو» إن تصاريح مراسلها صودرت. وأفادت مراسلة لـ«إم إس ناو» ⁠بأنها ⁠مُنعت من دخول البيت الأبيض. وقالت «سي إن إن» إن بعض موظفيها مُنعوا من الدخول أيضاً.

ورداً على ذلك، قالت ميكا ستوبريتش، مديرة العمليات الصحافية في البيت الأبيض، في مذكرة قدمتها إلى المحكمة، إن البيت الأبيض بدأ عملية إعادة تسليم البطاقات الصحافية للصحافيين المتضررين من القرار في الساعة 7:25 صباحاً، وإن «فريق الصحافة في البيت الأبيض وضع البطاقات عند بوابة الدخول ليتسلمها الصحافيون في نحو الساعة 9:55 صباحاً». وبعد تلقي إفادة ستوبريتش، رفض ​القاضي طلب المؤسسات الإعلامية عقد ​جلسة استماع طارئة، لكنه منحها فرصة لإبلاغه بأي تطورات في وقت لاحق من اليوم.