قبة أميركا الذهبية... مشروع طموح يواجه تحديات سياسية ومادية

تقديرات بتجاوز تكلفته 500 مليار دولار على مدى 20 عاماً

ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
TT

قبة أميركا الذهبية... مشروع طموح يواجه تحديات سياسية ومادية

ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)

في مطلع الأسبوع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مشروع القبة الذهبية الأميركية، وهو نظام دفاع جوي متقدّم ضد مجموعة واسعة من الأسلحة المعادية، من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات إلى الصواريخ الأسرع من الصوت والصواريخ الجوالة، مروراً بالمسيّرات.

تكلفة المشروع، بحسب ترمب، تصل إلى 175 مليار دولار، ومن المتوقّع أن يكتمل بناؤه بعد قرابة ثلاثة أعوام، أي بحلول نهاية عهده، ليتناغم مع العهد الذهبي الذي وعد به. لكن المنتقدين يلوحون بتكلفة باهظة قد تتخطى 500 مليار دولار على مدى العشرين عاماً المقبلة، بالإضافة إلى تحديات تقنية وسياسية لتنفيذ المشروع، الذي قارنه البعض بما وُصف بمشروع «ستار وارز» أي حرب النجوم، في عهد الرئيس السابق رونالد ريغان منذ أكثر من أربعين عاماً.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أهمية القبة الذهبية، ووظائفها، وأسباب تأسيسها، بالإضافة إلى الصعوبات والتحديات التي تواجهها.

ما القبة الذهبية؟

وزير الدفاع بيت هيغسيث برفقة السيناتورين كيفن كرامر ودان سوليفان في البيت الأبيض يوم 20 مايو (إ.ب.أ)

بمجرد الإعلان عن مشروع القبة الذهبية، بدأت المقارنة بينه وبين نظام القبة الحديدية الإسرائيلي. لكن دايف دي روش، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية والبروفسور في جامعة الدفاع الوطني، يرى أن القبة الذهبية أكبر بكثير وأكثر تعقيداً من منظومة القبة الحديدية؛ لأنها في جوهرها نظام مكوّن من عدة أنظمة صُمّم لاعتراض الصواريخ.

ورجّح دي روش أن يعتمد التطبيق النهائي للقبة الذهبية على دمج عدد من الأنظمة الحالية مثل «الباتريوت»، و«الثاد»، وأنظمة الاعتراض الأرضية، وأجهزة الاستشعار الفضائية. وأشار إلى أن العنصر الجديد هو دمج كل هذه الأنظمة، ثم الرغبة في إدخال أنظمة اعتراض في الفضاء، عبر أسلحة موجّهة. وفسر قائلاً: «حالياً، إذا نظرنا إلى مسار الصواريخ التي تصعد إلى الفضاء ثم تعود، فسوف نلاحظ أن معظم وسائل الاعتراض لدينا تركز على الصواريخ الموجودة هنا على الأرض، وهي تكلف ملايين الدولارات، وليست فعالة بالطريقة التي نأمل بها. أعتقد أن التطوير المرتقب سيكون في الأسلحة الفضائية التي تعترض الصواريخ في الفضاء، باستخدام أشعة الليزر. هذه الأسلحة لن تكلف الملايين، بل آلاف الدولارات فقط لكل عملية اعتراض».

من ناحيته، يصف هيوغو لاول، مراسل صحيفة «ذي غارديان»، إعلان ترمب بالناجح في ظاهره؛ إذ كانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها برنامج القبة الذهبية تطوراً ملموساً. إلا أن لاول أشار إلى غياب التفاصيل الكافية المتعلقة بنطاق المشروع، وأهدافه الدقيقة، معتبراً أن البنتاغون عرض ثلاثة خيارات على الرئيس خلال الأسابيع الماضية أطلق عليها الخطة الفضية والذهبية والبلاتينية، ولم يكن واضحاً من خلال الإعلان ما هو الخيار الذي اعتمد عليه ترمب. لكنه أضاف: «ما نناقشه عموماً يعكس الواقع، وهو أن البرنامج سيكون مزيجاً من قدرات موجودة على الأرض، ستعمل بالتوازي مع تقنيات جديدة. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار إعلان الرئيس خطوة ناجحة».

ويشدّد جون ميلز، المسؤول السابق في الأمن القومي والسيبراني في وزارة الدفاع والكولونيل المتقاعد في الجيش الأميركي وكبير الباحثين في مركز السياسة الأمني، على أهمية نظام القبة الذهبية، مشيراً إلى أن المناقشات حول نظام دفاعي ضد الصواريخ الباليستية بدأت منذ أوائل الستينات حين كان الجدل دائماً يركّز على نقطتين: «الأولى هي أنه لا يمكن الرد على رصاصة برصاصة، والثانية هي أن التكلفة باهظة جداً».

لكن ميلز قال إن هذا تغير في عام 2024، تحديداً بعد الهجمات الإيرانية بالصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وصواريخ الكروز على إسرائيل، حين تحققت نسبة نجاح شبه كاملة في صدّها بفاعلية قاربت 100 في المائة. وأضاف: «لقد كان ذلك إنجازاً مذهلاً فاجأ الجميع، حتى الدول التي شاركت في التّصدي لتلك الهجمات. ما رأيناه كان شبكة متكاملة من عدة دول تعاونت مع بعضها البعض للرد على الهجمات الإيرانية. وأثبت ذلك أن من الممكن بالفعل إصابة رصاصة برصاصة، وبدرجة عالية من الثقة، وبتكلفة أصبحت معقولة أكثر وهي النقطة الأهم».

واعتبر ميلز أن ما أشار إليه ترمب بأن النظام سيعمل ضد أسلحة في الفضاء يُلمّح إلى خروقات من روسيا والصين لمعاهدة الفضاء لعام 1967، والتي تمنع وجود أي أسلحة في الفضاء.

تهديدات خارجية

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يشرف على إطلاق صاروخ في كوريا الشمالية في 8 مايو 2025 (رويترز)

ويوافق دي روش على أن التهديدات المحدقة بالولايات المتحدة تتزايد، ويخُصّ بالذكر 4 دول؛ هي روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران. ولفت دي روش إلى أن أميركا تمتلك حالياً عدداً محدوداً جداً من أنظمة الاعتراض الأرضية في ألاسكا وكاليفورنيا، وهي أنظمة قادرة على التعامل مع تهديدات قادمة عبر المحيط الهادئ، «أي بالدرجة الأولى من كوريا الشمالية، وربما إلى حد ما من الصين». لكنه يضيف: «الصين كما يبدو، تعمل على مضاعفة ترسانتها النووية والصاروخية بنسبة أربع مرات. كما لا نمتلك حالياً أي نظام دفاعي قادر على التصدي لصواريخ تأتي من روسيا. وقد كنّا مخطئين في تقديرنا لروسيا على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، حيث إن التهديد الروسي أكبر بكثير مما كنا نتصور».

ولهذا السبب، يرى ميلز أن نظاماً مثل القبة الذهبية ضروري للتصدي لهذه التهديدات، خاصة أنّ الولايات المتحدة ليس لديها نظام دفاع جوي أو صاروخي داخلي شامل يغطي أراضيها. وأضاف: «صحيح أن هناك بعض المواقع المجهّزة بقدرات محدودة، لكنها لا تُعدّ نظاماً متكاملاً وشاملاً مثل القبة الذهبية المقترحة، والتي يُفترض أن تغطي كامل الأراضي الأميركية بشكل فعال».

ويعتبر ميلز أن هذا التوجه بدأ بالتبلور لدى نجاح عملية التصدي للصواريخ الإيرانية في عام 2024، حين ساهمت أجهزة الاستشعار الفضائية والأرضية في هذا النجاح، إلى جانب الهجمات السيبرانية المنسقة التي عطّلت عمليات الإطلاق على المنصات الإيرانية قبل انطلاقها. وأضاف: «هذا يظهر كيف تعمل منظومة متكاملة تضم الفضاء، والأرض، والفضاء السيبراني».

حرب النجوم

منظومة القبة الحديدية تتصدى لصواريخ من قطاع غزة في 20 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وفيما توقع الرئيس الأميركي انتهاء العمل بهذه المنظمة بعد نحو ثلاث سنوات، أي قبل نهاية عهده، يشكك الكثيرون بهذا التقييم، الذي يصفه لاول بـ«الطموح». ويشير إلى دراسة أجراها البنتاغون أظهرت إمكانية تنفيذ عرض تجريبي أو اختباري خلال ثلاث سنوات، قائلاً إن وزارة الدفاع أبلغت البيت الأبيض بعدم توقّع نتائج كبيرة أو إنجازات ملموسة خلال السنوات الثلاثة المقبلة. ويرى لاول أن السؤال الأبرز يتمحور حول ما إذا كانت التكنولوجيا المطلوبة جاهزة عندما يدخل النظام حيّز التنفيذ، وإلا فإنه سوف يواجه مصير ما عُرف بمشروع «ستار وارز» في عهد الرئيس السابق رونالد ريغان.

وقال: «ما نراه الآن هو مشروع طموح، وربما يعكس صدى أفكار ريغان. وأعتقد أننا ما زلنا على بُعد ثلاث، أو أربع، أو حتى خمس أو عشر سنوات من إنهائه. البيت الأبيض نفسه لا يملك تصوراً دقيقاً بعد عن القدرات التكنولوجية التي ستكون متاحة عند إطلاق النظام فعلياً».

ويعارض ميلز فكرة المقارنة مع مشروع ريغان، مشيراً إلى أن تقدم التقنيات بشكل كبير. وأضاف: «في هذه المرحلة، لم يعد من المنطقي القلق من الجوانب التقنية، حيث إن نسبة كبيرة من هذه القدرات أصبحت مؤكدة ومجربة. نعم، هناك دائماً حاجة إلى تحسينات، وسيظل أي نظام يحتوي على نقاط ضعف، لكن هذه التكنولوجيا أثبتت كفاءتها».

من ناحيته، يُقدّر دي روش حصول نوع من «الافتتاح التجريبي» بحلول نهاية إدارة ترمب. ويفسر: «سيكون الأمر أشبه بافتتاح مطار جديد يعمل فيه مدرّج واحد فقط. بمعنى آخر، تشغيل جزئي يُمكن تقديمه على أنه إنجاز». ورجّح دي روش أن يكون نحو 80 في المائة من الأنظمة المندرجة تحت «القبّة الذهبية» قيد التشغيل الكامل حينها، فيما سيكون المتبقي منها في مراحل الاختبار أو النشر الأولي والتقييم. لكنه أضاف: «إذا تحدثنا عن تحقيق قدرة اعتراض متكاملة تماماً بين الفضاء والأرض، فهذا أمر سيستغرق وقتاً أطول - على الأرجح نحو عشرين عاماً - قبل أن نصل إلى منظومة متكاملة كاملة النضج في هذا المجال».

تحديات سياسية

سيبتّ الكونغرس في تمويل مشروع القبة الذهبية الذي دفع به ترمب (أ.ف.ب)

لم يواجه مشروع ريغان تحديات تقنية فحسب، بل تحديات سياسية جمة في التمويل من الكونغرس الأميركي، وهذا ما يتخوف منه البعض في إطار استكمال مشروع ضخم من هذا النوع.

وفيما شمل مشروع الموازنة، الذي أقرّه مجلس النواب، مبلغ 25 مليار دولار للبدء بالقبة الذهبية، فإن لاول أشار إلى أن تقديرات البنتاغون هي أن هذا المبلغ لن يُغطّي سوى تكاليف البحث والتطوير، في وقت قدّر فيه مكتب الموازنة في الكونغرس، وهو طرف محايد غير حزبي، الكلفة الإجمالية بـ530 مليار دولار أو أكثر. وأضاف: «إذا لم يتمكن الجمهوريون من توفير هذا التمويل، أو إذا لم يُدرج البنتاغون هذه المبالغ في الموازنات المقبلة، فإن ملامح مشروع القبة الذهبية قد تتغير بشكل كبير».

واعتبر لاول أنه سيكون من الصعب على المحافظين من الحزب الجمهوري في الكونغرس الاستمرار في تمويل هذا النوع من البرامج، خاصة في ظل وجود أعضاء من «تجمّع الحرية» المحافظ داخل مجلس النواب الذين يعارضون التوسّع في الإنفاق العسكري. كما توجد عقبات أخرى داخل السلطة التنفيذية نفسها، تحديداً في مكتب الإدارة والموازنة الذي يطالب قادته بخفض سقف الإنفاق الدفاعي، سواء في مشروع الميزانية الأساسي أو في مشروع المصالحة المالية.


مقالات ذات صلة

ترمب يهاجم ميلوني لعدم دعمها الحرب على إيران

شؤون إقليمية صورة مركبة لترمب وميلوني وجهاً لوجه (أ.ف.ب)

ترمب يهاجم ميلوني لعدم دعمها الحرب على إيران

كان يفترض أن تكون رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني جسر أوروبا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن هذا الجسر ربما يكون بصدد الاحتراق الآن.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجواب رئيس الوزراء في مجلس العموم في لندن 15 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

ستارمر: لن «أرضخ» لضغوط ترمب للانضمام إلى حرب إيران

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنّه لن «يرضخ» للضغوط للانضمام للحرب على إيران، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإلغاء اتفاقية تجارية مع بريطانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية «يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

أميركا تُحكم حصار الموانئ الإيرانية بحاملة طائرات ثالثة

في ما بدا أنه سباق مع الوساطات لإجراء جولة ثانية من المحادثات الأميركية - الإيرانية، أعلن الجيش الأميركي اكتمال الحصار المفروض على إيران عند مضيق هرمز.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يقف فوق وحدة مدفعية تطلق النار باتجاه جنوب لبنان من شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (أ.ب)

مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر يجتمع لبحث إمكانية وقف النار في لبنان

يعقد مجلس ‌الوزراء الإسرائيلي ‌الأمني ​المصغر ‌بقيادة ⁠رئيس ​الوزراء بنيامين نتنياهو اجتماعاً، الأربعاء، لمناقشة إمكانية التوصل ‌إلى وقف لإطلاق النار في ⁠لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
TT

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)

أعلن البيت الأبيض، الأربعاء، أن الولايات المتحدة تجري مناقشات بشأن إجراء جولة مفاوضات ثانية مع إيران في باكستان، وأنها متفائلة بإمكان التوصل إلى اتفاق، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت لوسائل الإعلام: «هذه المناقشات تُجرى (...) ونحن نشعر بالارتياح حيال آفاق التوصل إلى اتفاق». وأضافت أن «من المرجح جداً» أن تُعقَد أي جولة أخرى من المحادثات في إسلام آباد.

ووصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، اليوم، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات لإنقاذ الهدنة الهشة قبل انتهاء صلاحيتها الأسبوع المقبل.

واستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوفد الباكستاني، برئاسة عاصم منير، حسب صور وزّعتها الخارجية الإيرانية.

وأشار التلفزيون الرسمي الإيراني إلى أن الوفد، الذي يضم وزير الداخلية محسن نقوي، يحمل رسالة جديدة من واشنطن إلى طهران، وسيناقش مسألة المفاوضات المستقبلية مع المسؤولين الإيرانيين.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن زيارة الوفد الباكستاني تهدف إلى «تضييق الفجوة» بين إيران والولايات المتحدة للحيلولة دون استئناف الحرب.

وهبطت طائرة عاصم منير في مطار وسط طهران، حيث استقبله عراقجي، وذلك بعدما هدّد مسؤول عسكري إيراني رفيع بوقف التجارة في المنطقة إذا لم ترفع القوات الأميركية حصارها البحري، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الأميركي تطويق الموانئ الإيرانية بالكامل، بما يعكس التوترات التي تلقي بظلالها على الجهود الدبلوماسية.

أتى ذلك بعد ساعات من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار الاتصالات الدبلوماسية، موضحاً أن المشاورات تجري عبر باكستان، وأن طهران «من المرجح» أن تستضيف في اليوم ذاته وفداً باكستانياً.

ونفى بقائي موافقة بلاده على تمديد وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن «جميع التكهنات في هذا الشأن غير قابلة للتأكيد».

وحذّر من أن الحصار البحري على إيران قد يشكل «مقدمة لانتهاك وقف إطلاق النار».


«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
TT

«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

عندما وصفت الصين، يوم الاثنين، الحصار الأميركي للنفط الإيراني المغادر عبر مضيق هرمز بأنه «خطير وغير مسؤول»، شكّل ذلك لمحة سريعة عن التحدي الأخير الذي يواجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب: كيف يمنع نزاع إيران من تقويض انفراجة آخذة في التشكّل مع الصين؟

ومن المتوقع أن يصل ترمب إلى بكين بعد أربعة أسابيع، في زيارة كان يُنظر إليها على أنها جهد مُعدّ بعناية ومنظّم بإحكام لإعادة صياغة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. وكان الرئيس قد أرجأ الرحلة مرة بالفعل، ويؤكد مسؤولو البيت الأبيض أنه لا يوجد نقاش لتأجيلها مجدداً، حتى لو واصلت الولايات المتحدة خنق صادرات النفط الإيرانية. وكان نحو 90 في المائة من هذه الصادرات -أي أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً- تتجه إلى الصين قبل بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

في البداية، التزمت الصين قدراً من الهدوء إزاء العمل العسكري، مدركةً أن الشحنات الموجودة بالفعل في البحر، إلى جانب مخزون كبير من الاحتياطيات الطارئة من النفط، قد تكفيها مؤقتاً. كما تجاهلت مطلب ترمب إرسال سفن حربية للحفاظ على فتح المضيق، واكتفت بدعوات تقليدية للطرفين لخفض التصعيد.

لكن مع بدء الحصار يوم الاثنين، ومع احتمال أن تُمنع سفن شحن ترفع العلم الصيني، وبعضها بطواقم صينية، من المرور بواسطة البحرية الأميركية، تغيّرت النبرة.

«شريعة الغاب»

وأدلى الزعيم الصيني شي جينبينغ بأول تعليق علني له على الحرب يوم الثلاثاء، قائلاً إن العالم لا يمكنه المخاطرة بالعودة إلى «شريعة الغاب». ولم يذكر الولايات المتحدة أو ترمب بالاسم، لكنه أشار خلال اجتماع مع ولي عهد أبوظبي إلى أن «الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي يعني عدم استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا».

وكانت تلك إشارة واضحة إلى ترمب، الذي قال في يناير (كانون الثاني) لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، مضيفاً: «أنا لا أسعى لإيذاء الناس». وأوضح أنه سيكون الحَكَم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله.

من جانبها، اتخذت وزارة الخارجية الصينية، التي تؤدي دورها المعتاد في توجيه الرسائل بين واشنطن وبكين، موقفاً أكثر تشدداً، متهمةً الولايات المتحدة بفرض «حصار موجّه» من شأنه «زيادة المواجهة وتصعيد التوتر، في ظل وقف إطلاق نار هش أصلاً، وتعريض سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز لمزيد من الخطر».

تحفّظ على الانتقاد المباشر

في المقابل، تجنّب ترمب إلى حد كبير توجيه انتقادات حادة، حتى بعدما تبيّن الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما أرسلت شحنة من صواريخ محمولة على الكتف إلى الإيرانيين لاستخدامها في النزاع. وهذه المعلومات غير حاسمة، ولا يوجد دليل على استخدام صواريخ صينية ضد القوات الأميركية أو الإسرائيلية.

وقال ترمب: «أشك في أنهم سيفعلون ذلك»، مضيفاً سريعاً: «إذا ضبطناهم يفعلون ذلك فستُفرض عليهم رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة»، في تهديد اعتاد توجيهه إلى أي دولة تتحدى إرادته. لكنه لم يتابع الموضوع، ربما إدراكاً منه أن أي تهديد بفرض رسوماً جديدة قد يعرقل آماله في إعلان اتفاق تجاري، وهو الهدف الأسهل تحقيقاً في مسار الدبلوماسية بين البلدين.

وقال كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأميركي السابق في عهد الرئيس جو بايدن، ورئيس مجموعة «آسيا غروب» التي أسسها، إن «الرئيس ترمب خلق وضعاً باتت فيه اثنتان من كبرى أولوياته في تعارض مباشر». وأضاف: «الأولى هي مراقبة والتحكم في جميع الشحنات التي تمر عبر المضيق، بما في ذلك شحنات الصين. والثانية هي رغبته في زيارة إيجابية إلى بكين».

محادثات صعبة

كان سفير ترمب لدى الصين، ديفيد بيرديو، في المكتب البيضاوي، مساء الثلاثاء، يناقش الزيارة المرتقبة. وقال مسؤولون في الأمن القومي إنه قبل اندلاع النزاع مع إيران، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت، قد تفاوض على الخطوط العريضة لمبادرات اقتصادية كان البلدان سيعلنانها.

لكن لم يُحرز تقدم يُذكر في القضايا الأمنية الكبرى، حسب مسؤولين أميركيين، بما في ذلك كيفية التعامل مع مستقبل تايوان، أو الترسانة النووية الصينية المتنامية بسرعة، أو تعزيزها العسكري في بحر الصين الجنوبي والمواجهات التي أثارها ذلك مع الفلبين.

ومع تبقي شهر على وصول ترمب إلى بكين، لا يزال من غير الواضح كيف سيُدير الزعيمان نقاشاً حول الحصار -إذا استمر- أو حول استعراض القوة العسكرية الأميركية الذي بدأ بالقبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا، ثم تواصل مع هجوم ترمب على إيران.

لكن هناك مؤشرات قوية على أن الجيش الصيني يراقب من كثب كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لهذين الهجومين. ويبدو أن المسؤولين الصينيين قلقون من السرعة التي جرى بها «شلّ» القيادة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب.

وقال راش دوشي، أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون ومستشار سابق للرئيس جو بايدن في شؤون الصين: «هناك كثير من التكهنات حول ما يمكن أن يعرقل الانفراجة بين الولايات المتحدة والصين ويقوّض القمة». وأضاف: «لم تكن قضايا مثل رقائق الذكاء الاصطناعي أو حتى المعادن النادرة هي العامل الحاسم... لكن قد تكون إيران».

وأشار إلى أن الحصار قد «يخلق ديناميكيات معقدة» في حال حدوث مواجهة بين البحرية الأميركية وسفن تجارية صينية، رغم أن الطرفين يبدوان حريصين على تجنب ذلك. وأضاف أن التقارير عن احتمال دراسة الصين إرسال دعم عسكري فتاك إلى إيران تُؤخذ بجدية من مسؤولين كبار في الكونغرس وأجهزة الاستخبارات.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، تتوجه أنظار المشرعين إلى البيت الأبيض، حيث ينتظر الجميع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة. غير أن مفتاح فهم المواقف يكمن في خلفية المشهد، حيث يراقب الكونغرس عقارب الساعة. فالجمهوريون، الذين يدعمون حتى الآن صلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية ضد إيران، يقرّون بقرب انتهاء مهلة الستين يوماً التي تتيح للإدارة التحرك عسكرياً قبل أن يتدخل الكونغرس ويقول كلمته. وقد ينضمّ الجمهوريون حينها إلى الجهود الديمقراطية المستمرة لتقييد هامش تحرّك ترمب في الحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في مؤتمر صحافي بالكونغرس 14 أبريل 2026 (رويترز)

وهذا ما تحدث عنه السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال: «دخلنا في اليوم الـ45، والآن يجب أن نبدأ بالحديث عن إقرار تفويض استعمال القوة العسكرية في الكونغرس». وتابع: «نحتاج إلى مؤشر واضح حول الوجهة التي تريد الإدارة الذهاب إليها: هل ستصعّد أكثر أم تبدأ بوقف الأعمال العدائية؟».

وتطرقت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تخوض سباقاً حاسماً في ولايتها ماين للحفاظ على مقعدها، إلى مسألة تفويض الحرب، فقالت محذرة: «عند بلوغ عتبة الستين يوماً، أو في حال تم نشر قوات برية، تصبح موافقة الكونغرس ضرورية. حينها لن أصوّت لصالح إقرار هذا العمل العسكري».

مخاطر انتخابية

ويعلم ترمب جيداً المخاطر السياسية الناجمة عن استمرار الحرب، فهو يتحدث باستمرار مع القيادات الجمهورية التي تستعد لانتخابات نصفية حاسمة للحزب وللرئيس. ففوز الديمقراطيين فيها يعني عرقلة أجندة الجمهوريين، وتسليم الديمقراطيين مفتاح عزل ترمب. وفي هذا الإطار عقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مطلع هذا الأسبوع مع رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، ورئيس اللجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس، لرسم الاستراتيجية الانتخابية.

بدأ الكونغرس العد العكسي لإنهاء حرب إيران (رويترز)

ولعلّ ما يؤرق القيادات الحزبية هو التأييد شبه الغائب للحرب في صفوف الناخبين الأميركيين الذين يشعرون بتداعياتها الاقتصادية مع استمرار الأسعار بالارتفاع. وهذا سيكون عاملاً أساسياً يحسم توجهاتهم لدى الإدلاء بأصواتهم في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وقد شعر أعضاء الكونغرس بوطأة الحرب وتأثيرها على الأميركيين خلال إجازتهم الربيعية التي قضوها في ولاياتهم واستمعوا إلى آراء الناخبين. لهذه الأسباب، يبدو أن ترمب يسعى إلى كبح جماح الحرب قبل أن يفقد السيطرة على قاعدته الشعبية من جهة، وأن يفقد ثقة المستقلين الذين عادة ما يحسمون السباقات المتأرجحة في صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، سعى ترمب إلى احتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما قال في مقابلة سابقة إن أسعار الوقود قد تبقى على حالها أو ترتفع قليلاً بحلول انتخابات الكونغرس في نوفمبر. وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، سُجّلت في البيت الأبيض وبُثّت الأربعاء، قال إنه أسيء اقتباسه، مؤكداً رضاه عن مستوى أسعار النفط الحالية عند نحو 92 دولاراً للبرميل. وأضاف: «ستنخفض بشكل كبير جداً فور انتهاء هذا الأمر»، في إشارة إلى الحرب، عادّاً أنها «قد تنتهي قريباً جداً». كما توقّع أن تتراجع أسعار البنزين، التي يبلغ متوسطها حالياً أكثر بقليل من 4 دولارات للغالون، إلى مستويات «أدنى بكثير» بحلول موعد الانتخابات، مؤكداً أن «أسعار الوقود ستنخفض بشكل هائل» فور تسوية النزاع.