قبة أميركا الذهبية... مشروع طموح يواجه تحديات سياسية ومادية

تقديرات بتجاوز تكلفته 500 مليار دولار على مدى 20 عاماً

ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
TT

قبة أميركا الذهبية... مشروع طموح يواجه تحديات سياسية ومادية

ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)

في مطلع الأسبوع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مشروع القبة الذهبية الأميركية، وهو نظام دفاع جوي متقدّم ضد مجموعة واسعة من الأسلحة المعادية، من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات إلى الصواريخ الأسرع من الصوت والصواريخ الجوالة، مروراً بالمسيّرات.

تكلفة المشروع، بحسب ترمب، تصل إلى 175 مليار دولار، ومن المتوقّع أن يكتمل بناؤه بعد قرابة ثلاثة أعوام، أي بحلول نهاية عهده، ليتناغم مع العهد الذهبي الذي وعد به. لكن المنتقدين يلوحون بتكلفة باهظة قد تتخطى 500 مليار دولار على مدى العشرين عاماً المقبلة، بالإضافة إلى تحديات تقنية وسياسية لتنفيذ المشروع، الذي قارنه البعض بما وُصف بمشروع «ستار وارز» أي حرب النجوم، في عهد الرئيس السابق رونالد ريغان منذ أكثر من أربعين عاماً.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أهمية القبة الذهبية، ووظائفها، وأسباب تأسيسها، بالإضافة إلى الصعوبات والتحديات التي تواجهها.

ما القبة الذهبية؟

وزير الدفاع بيت هيغسيث برفقة السيناتورين كيفن كرامر ودان سوليفان في البيت الأبيض يوم 20 مايو (إ.ب.أ)

بمجرد الإعلان عن مشروع القبة الذهبية، بدأت المقارنة بينه وبين نظام القبة الحديدية الإسرائيلي. لكن دايف دي روش، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية والبروفسور في جامعة الدفاع الوطني، يرى أن القبة الذهبية أكبر بكثير وأكثر تعقيداً من منظومة القبة الحديدية؛ لأنها في جوهرها نظام مكوّن من عدة أنظمة صُمّم لاعتراض الصواريخ.

ورجّح دي روش أن يعتمد التطبيق النهائي للقبة الذهبية على دمج عدد من الأنظمة الحالية مثل «الباتريوت»، و«الثاد»، وأنظمة الاعتراض الأرضية، وأجهزة الاستشعار الفضائية. وأشار إلى أن العنصر الجديد هو دمج كل هذه الأنظمة، ثم الرغبة في إدخال أنظمة اعتراض في الفضاء، عبر أسلحة موجّهة. وفسر قائلاً: «حالياً، إذا نظرنا إلى مسار الصواريخ التي تصعد إلى الفضاء ثم تعود، فسوف نلاحظ أن معظم وسائل الاعتراض لدينا تركز على الصواريخ الموجودة هنا على الأرض، وهي تكلف ملايين الدولارات، وليست فعالة بالطريقة التي نأمل بها. أعتقد أن التطوير المرتقب سيكون في الأسلحة الفضائية التي تعترض الصواريخ في الفضاء، باستخدام أشعة الليزر. هذه الأسلحة لن تكلف الملايين، بل آلاف الدولارات فقط لكل عملية اعتراض».

من ناحيته، يصف هيوغو لاول، مراسل صحيفة «ذي غارديان»، إعلان ترمب بالناجح في ظاهره؛ إذ كانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها برنامج القبة الذهبية تطوراً ملموساً. إلا أن لاول أشار إلى غياب التفاصيل الكافية المتعلقة بنطاق المشروع، وأهدافه الدقيقة، معتبراً أن البنتاغون عرض ثلاثة خيارات على الرئيس خلال الأسابيع الماضية أطلق عليها الخطة الفضية والذهبية والبلاتينية، ولم يكن واضحاً من خلال الإعلان ما هو الخيار الذي اعتمد عليه ترمب. لكنه أضاف: «ما نناقشه عموماً يعكس الواقع، وهو أن البرنامج سيكون مزيجاً من قدرات موجودة على الأرض، ستعمل بالتوازي مع تقنيات جديدة. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار إعلان الرئيس خطوة ناجحة».

ويشدّد جون ميلز، المسؤول السابق في الأمن القومي والسيبراني في وزارة الدفاع والكولونيل المتقاعد في الجيش الأميركي وكبير الباحثين في مركز السياسة الأمني، على أهمية نظام القبة الذهبية، مشيراً إلى أن المناقشات حول نظام دفاعي ضد الصواريخ الباليستية بدأت منذ أوائل الستينات حين كان الجدل دائماً يركّز على نقطتين: «الأولى هي أنه لا يمكن الرد على رصاصة برصاصة، والثانية هي أن التكلفة باهظة جداً».

لكن ميلز قال إن هذا تغير في عام 2024، تحديداً بعد الهجمات الإيرانية بالصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وصواريخ الكروز على إسرائيل، حين تحققت نسبة نجاح شبه كاملة في صدّها بفاعلية قاربت 100 في المائة. وأضاف: «لقد كان ذلك إنجازاً مذهلاً فاجأ الجميع، حتى الدول التي شاركت في التّصدي لتلك الهجمات. ما رأيناه كان شبكة متكاملة من عدة دول تعاونت مع بعضها البعض للرد على الهجمات الإيرانية. وأثبت ذلك أن من الممكن بالفعل إصابة رصاصة برصاصة، وبدرجة عالية من الثقة، وبتكلفة أصبحت معقولة أكثر وهي النقطة الأهم».

واعتبر ميلز أن ما أشار إليه ترمب بأن النظام سيعمل ضد أسلحة في الفضاء يُلمّح إلى خروقات من روسيا والصين لمعاهدة الفضاء لعام 1967، والتي تمنع وجود أي أسلحة في الفضاء.

تهديدات خارجية

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يشرف على إطلاق صاروخ في كوريا الشمالية في 8 مايو 2025 (رويترز)

ويوافق دي روش على أن التهديدات المحدقة بالولايات المتحدة تتزايد، ويخُصّ بالذكر 4 دول؛ هي روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران. ولفت دي روش إلى أن أميركا تمتلك حالياً عدداً محدوداً جداً من أنظمة الاعتراض الأرضية في ألاسكا وكاليفورنيا، وهي أنظمة قادرة على التعامل مع تهديدات قادمة عبر المحيط الهادئ، «أي بالدرجة الأولى من كوريا الشمالية، وربما إلى حد ما من الصين». لكنه يضيف: «الصين كما يبدو، تعمل على مضاعفة ترسانتها النووية والصاروخية بنسبة أربع مرات. كما لا نمتلك حالياً أي نظام دفاعي قادر على التصدي لصواريخ تأتي من روسيا. وقد كنّا مخطئين في تقديرنا لروسيا على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، حيث إن التهديد الروسي أكبر بكثير مما كنا نتصور».

ولهذا السبب، يرى ميلز أن نظاماً مثل القبة الذهبية ضروري للتصدي لهذه التهديدات، خاصة أنّ الولايات المتحدة ليس لديها نظام دفاع جوي أو صاروخي داخلي شامل يغطي أراضيها. وأضاف: «صحيح أن هناك بعض المواقع المجهّزة بقدرات محدودة، لكنها لا تُعدّ نظاماً متكاملاً وشاملاً مثل القبة الذهبية المقترحة، والتي يُفترض أن تغطي كامل الأراضي الأميركية بشكل فعال».

ويعتبر ميلز أن هذا التوجه بدأ بالتبلور لدى نجاح عملية التصدي للصواريخ الإيرانية في عام 2024، حين ساهمت أجهزة الاستشعار الفضائية والأرضية في هذا النجاح، إلى جانب الهجمات السيبرانية المنسقة التي عطّلت عمليات الإطلاق على المنصات الإيرانية قبل انطلاقها. وأضاف: «هذا يظهر كيف تعمل منظومة متكاملة تضم الفضاء، والأرض، والفضاء السيبراني».

حرب النجوم

منظومة القبة الحديدية تتصدى لصواريخ من قطاع غزة في 20 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وفيما توقع الرئيس الأميركي انتهاء العمل بهذه المنظمة بعد نحو ثلاث سنوات، أي قبل نهاية عهده، يشكك الكثيرون بهذا التقييم، الذي يصفه لاول بـ«الطموح». ويشير إلى دراسة أجراها البنتاغون أظهرت إمكانية تنفيذ عرض تجريبي أو اختباري خلال ثلاث سنوات، قائلاً إن وزارة الدفاع أبلغت البيت الأبيض بعدم توقّع نتائج كبيرة أو إنجازات ملموسة خلال السنوات الثلاثة المقبلة. ويرى لاول أن السؤال الأبرز يتمحور حول ما إذا كانت التكنولوجيا المطلوبة جاهزة عندما يدخل النظام حيّز التنفيذ، وإلا فإنه سوف يواجه مصير ما عُرف بمشروع «ستار وارز» في عهد الرئيس السابق رونالد ريغان.

وقال: «ما نراه الآن هو مشروع طموح، وربما يعكس صدى أفكار ريغان. وأعتقد أننا ما زلنا على بُعد ثلاث، أو أربع، أو حتى خمس أو عشر سنوات من إنهائه. البيت الأبيض نفسه لا يملك تصوراً دقيقاً بعد عن القدرات التكنولوجية التي ستكون متاحة عند إطلاق النظام فعلياً».

ويعارض ميلز فكرة المقارنة مع مشروع ريغان، مشيراً إلى أن تقدم التقنيات بشكل كبير. وأضاف: «في هذه المرحلة، لم يعد من المنطقي القلق من الجوانب التقنية، حيث إن نسبة كبيرة من هذه القدرات أصبحت مؤكدة ومجربة. نعم، هناك دائماً حاجة إلى تحسينات، وسيظل أي نظام يحتوي على نقاط ضعف، لكن هذه التكنولوجيا أثبتت كفاءتها».

من ناحيته، يُقدّر دي روش حصول نوع من «الافتتاح التجريبي» بحلول نهاية إدارة ترمب. ويفسر: «سيكون الأمر أشبه بافتتاح مطار جديد يعمل فيه مدرّج واحد فقط. بمعنى آخر، تشغيل جزئي يُمكن تقديمه على أنه إنجاز». ورجّح دي روش أن يكون نحو 80 في المائة من الأنظمة المندرجة تحت «القبّة الذهبية» قيد التشغيل الكامل حينها، فيما سيكون المتبقي منها في مراحل الاختبار أو النشر الأولي والتقييم. لكنه أضاف: «إذا تحدثنا عن تحقيق قدرة اعتراض متكاملة تماماً بين الفضاء والأرض، فهذا أمر سيستغرق وقتاً أطول - على الأرجح نحو عشرين عاماً - قبل أن نصل إلى منظومة متكاملة كاملة النضج في هذا المجال».

تحديات سياسية

سيبتّ الكونغرس في تمويل مشروع القبة الذهبية الذي دفع به ترمب (أ.ف.ب)

لم يواجه مشروع ريغان تحديات تقنية فحسب، بل تحديات سياسية جمة في التمويل من الكونغرس الأميركي، وهذا ما يتخوف منه البعض في إطار استكمال مشروع ضخم من هذا النوع.

وفيما شمل مشروع الموازنة، الذي أقرّه مجلس النواب، مبلغ 25 مليار دولار للبدء بالقبة الذهبية، فإن لاول أشار إلى أن تقديرات البنتاغون هي أن هذا المبلغ لن يُغطّي سوى تكاليف البحث والتطوير، في وقت قدّر فيه مكتب الموازنة في الكونغرس، وهو طرف محايد غير حزبي، الكلفة الإجمالية بـ530 مليار دولار أو أكثر. وأضاف: «إذا لم يتمكن الجمهوريون من توفير هذا التمويل، أو إذا لم يُدرج البنتاغون هذه المبالغ في الموازنات المقبلة، فإن ملامح مشروع القبة الذهبية قد تتغير بشكل كبير».

واعتبر لاول أنه سيكون من الصعب على المحافظين من الحزب الجمهوري في الكونغرس الاستمرار في تمويل هذا النوع من البرامج، خاصة في ظل وجود أعضاء من «تجمّع الحرية» المحافظ داخل مجلس النواب الذين يعارضون التوسّع في الإنفاق العسكري. كما توجد عقبات أخرى داخل السلطة التنفيذية نفسها، تحديداً في مكتب الإدارة والموازنة الذي يطالب قادته بخفض سقف الإنفاق الدفاعي، سواء في مشروع الميزانية الأساسي أو في مشروع المصالحة المالية.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

حتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة) أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد دونالد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان p-circle

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

رافقت ​القوات الجوية الباكستانية المفاوضين الإيرانيين إلى بلادهم بعد أن حضروا في إسلام آباد محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا Brazilian President Luiz Inacio Lula da Silva (Photo by Evaristo Sa / AFP) p-circle

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

 

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

 


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».