البيت الأبيض بين النفوذ السياسي والتفضيل العائلي

هل تلعب المحسوبية دوراً في قرارات العفو والتعيينات؟

بايدن وترمب في لقاء جمعهما في البيت الأبيض في 13 نوفمبر 2024 (أ.ب)
بايدن وترمب في لقاء جمعهما في البيت الأبيض في 13 نوفمبر 2024 (أ.ب)
TT

البيت الأبيض بين النفوذ السياسي والتفضيل العائلي

بايدن وترمب في لقاء جمعهما في البيت الأبيض في 13 نوفمبر 2024 (أ.ب)
بايدن وترمب في لقاء جمعهما في البيت الأبيض في 13 نوفمبر 2024 (أ.ب)

عفو تاريخي أصدره الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، وهو في طريقه لمغادرة البيت الأبيض، بحق نجله المدان هنتر. قرار أثار بلبلة وارتباكاً في صفوف حزبه الديمقراطي، خصوصاً أنه أتى بعد تعهدات من الرئيس بعدم اتخاذ خطوة من هذا النوع، وولّد تساؤلات حول ازدواجية المعايير، خصوصاً أن بايدن نفسه اتّهم خصمه الرئيس المنتخب دونالد ترمب بالمحسوبية العائلية، وإعطاء أفرادها معاملة تفضيلية.

وفي الجهة المقابلة لبايدن وقراره، تعيينات رئاسية عائلية هذه المرة من قبل ترمب، على رأسها نسيبه رجل الأعمال مسعد بولس في منصب مستشار رفيع للشؤون العربية والشرق الأوسط، ما سلّط الضوء أكثر على موضوع تشابك السياسة والعائلة في الولايات المتحدة، وتحديداً في البيت الأبيض.

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» ازدواجية المعايير في قرارات من هذا النوع، وتداعيات العفو عن هنتر على بايدن بشكل خاص، والرئاسة بشكل عام، إضافة إلى تعيينات ترمب العائلية، وما إذا كان القانون الأميركي يفصل المحسوبية العائلية عن النفوذ السياسي.

عفو «مزدوج المعايير»

بايدن ونجله في المؤتمر الوطني الديمقراطي 19 أغسطس 2024 (رويترز)

رغم تعهده بعدم اتخاذ خطوة من هذا النوع، أصدر بايدن عفواً شاملاً عن نجله في جرائم أدين بها، وأخرى لم تطرح حتى بعد في المحاكم، بدءاً من عام 2014، في خطوة أثارت ردود أفعال شاجبة من أقرب المقربين إليه.

ويشير نايل ستانيدج، كاتب الرأي في صحيفة «ذي هيل» إلى أن قرار بايدن كان مفاجئاً؛ لأنه كان تحولاً كاملاً عن الموقف السابق الذي أبداه هو والمتحدثون باسمه، قائلاً: «كان الناس يعلمون أن هناك احتمالاً ضئيلاً لهذا العفو، ولهذا السبب كان يُسأل الرئيس والمتحدثة الإعلامية وغيرهما عن هذا الموضوع، لكن عند السؤال، كانوا يجيبون ببساطة بـ(لا)، فلم يكونوا غامضين، ولم يحاولوا التهرّب من السؤال، بل أجابوا بـ(لا). ثم في الأيام الأخيرة لرئاسته، أصبح الجواب (نعم)، وأعتقد أن التخلي المفاجئ عن الموقف السابق كان مفاجئاً».

أما جيفري جاكوبوفيتش، رئيس مجموعة «مكافحة الاحتكار والمنافسة»، والمحامي السابق في لجنة التجارة الفيدرالية، فقد عَدّ العفو في هذه الحالة طبيعياً، لأن «كل أب سيعفو عن ابنه»، مشيراً إلى أن هنتر كان سيواجه أحكاماً غير عادلة بالسجن لأنه ابن الرئيس. وعن تغيُّر مواقف بايدن في هذا الشأن قال جاكوبوفيتش: «ماذا لديه ليخسره بعد الانتخابات؟ أعتقد أن هذا ما ينظر إليه الآن وقد انتهى عهده»، لذا عفا عن ابنه.

وتحدّث جاكوبوفيتش عن سوابق تاريخية أخرى في هذا الإطار، فذكر رؤساء آخرين أصدروا عفواً عن أقاربهم، مثل بيل كلينتون، الذي عفا عن أخيه، وترمب الذي عفا عن والد صهره جاريد كوشنر.

أثار قرار العفو عن هنتر انتقادات شديدة من قبل المقربين لبايدن (رويترز)

لكن جون مالكوم، مدير مركز «الدراسات القانونية والقضائية» في مؤسسة «هيرتاج»، والمدعي العام الفيدرالي السابق، فقد وصف قرار العفو بالسابقة، مشيراً إلى أن بايدن «لم يقل الحقيقة حين قال إنه لن يعفو عن ابنه»، وفسّر قائلاً: «لم يكن يريد أن يقوم بذلك قبل الانتخابات، لأن ذلك قد يؤثر على فرص إعادة انتخابه، وعلى فرص انتخاب كامالا هاريس عندما انسحب»، كما عَدّ مالكوم أن القرار لا يمكن مقارنته بقرارات العفو الرئاسي السابقة، لأنه «وباستثناء واحد، وهو عفو جيرالد فورد عن ريتشارد نيكسون، لطالما كان العفو مرتبطاً بجريمة معينة» مضيفاً: «كان يستطيع العفو عن ابنه بتهمة السلاح، والتي تمت إدانته بها من قِبَل هيئة محلفين، وبتهمة الضرائب التي اعترف بالذنب بها. لكنه لم يفعل. عفا عنه وعن أي جريمة فيدرالية قد يكون ارتكبها بين 1 يناير (كانون الثاني) 2014 و1 ديسمبر (كانون الأول) 2024... أي فترة زمنية تمتد لأكثر من عقد، ولن أكون متفاجئاً مطلقاً إن قام بايدن من الآن حتى 20 يناير بالعفو عن شقيقه جيمس، إضافة إلى أعضاء آخرين من عائلته».

وهنا يوجه ستانيدج انتقادات حادة لبايدن في قرار العفو، مشيراً إلى أن قراراً من هذا النوع يدعم حجة ترمب بأن الديمقراطيين يتدخلون مباشرة بسير النظام القضائي، ويعد ستانيدج أن ما جرى مثال على ازدواجية المعايير؛ لأنه يعود إلى مبدأ التدخل في النظام القضائي، فيقول: «في الحقيقة، هذه هي النقطة الأساسية بالنسبة لي. أفهم أنه يمكننا مناقشة أو تقديم الحجج عما إذا كان يجب مقاضاة أي مواطن آخر أم لا، ارتكب الجرائم نفسها التي ارتكبها هنتر بايدن؛ لكن المشكلة هي أنه في السياسة أو في أي مجال آخر، إذا اعتمدت طريق الأخلاقيات العالية، فيجب أن تعتمدها دائماً، وينبغي أن تفي بهذه المعايير. وبرأيي المشكلة التي يواجهها الرئيس بايدن أنه غيّر مبادئه».

ترمب والتعيينات العائلية

ترمب ومسعد بولس في حدث انتخابي في ولاية ميشيغان 1 نوفمبر 2024 (رويترز)

ومقابل قرار العفو العائلي، قرارات هذه المرة من ترمب لتعيينات تقع في خانة القرابة، أبرزها مسعد بولس والد صهر ترمب بوصفه مستشاراً رفيعاً للشؤون العربية والشرق الأوسط، وشارلز كوشنر، والد صهره الآخر جاريد في منصب سفير أميركي لدى فرنسا. فهل يخرق ترمب الأعراف والتقاليد في هذه التعيينات؟ يقول جاكوبوفيتش إن تعيينات عائلية من هذا النوع لا تخرق القانون، مشيراً إلى تعيينات رئاسية أخرى مماثلة مثل تعيين جون كيندي لأخيه في منصب وزير العدل خلال إدارته.

لكن جاكوبوفيتش يعقب قائلاً: «يصبح الأمر غير اعتيادي من حيث عدد هذه التعيينات، وهناك مَن ينتقد تعيينات ترمب قائلين بأن هؤلاء ليسوا مؤهلين لاستلام هذه المناصب؛ غير أن ما يبحث عنه ترمب هو الولاء»، وهنا يشدد مالكوم على أن الرؤساء يحق لهم إحاطة أنفسهم، وتلقي النصائح من أشخاص يثقون بهم، و«الولاء لا يعد سيئاً بالضرورة إلا في الحالات المتطرفة».

ويذكر بأن ترمب في إدارته الثانية أصدر تعيينين عائليين فقط، هما بولس وكوشنر، مشيراً إلى أن الأخير يجب أن يمر بعملية المصادقة في مجلس الشيوخ لمساءلته. من ناحيته يسلط ستانيدج الضوء على «أن السياسة هي مسألة مظاهر، وأن صورة التصرف غير اللائق، أو على الأقل تفضيل الأشخاص الذين تعرفهم شخصياً، هي ليست بالصورة الرائعة» على حد تعبيره. ويضيف: «بالطبع إذا احتدم الجدل على مسائل جوهرية، وأثبت هؤلاء المعينون بطريقة أو بأخرى عدم قدرتهم على التعامل معها، ففي هذه الحالة أتوقع أن تصبح الانتقادات أكثر حدة مما تكون عليه عادةً».

ويذكّر جاكوبوفيتش بدرجة أخرى من الرقابة إذا لم تتطلب التعيينات مصادقة الشيوخ عليها، وهو تدقيق من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، لأن هذه التعيينات تتطلب حصولهم على تصريحات أمنية، ما يضعهم في موقع مساءلة إضافية في حال وجود تشكيك في خلفياتهم ومصالحهم. ويشدد جاكوبوفيتش على أن التعيينين العائليين في إدارة ترمب الثانية هما في غاية الأهمية، لأنها تشمل «مناطق من العالم مشتعلة نوعاً ما حالياً، فهي مناطق مهمة جداً، وسياسياً نحتاج إلى شخص يملك خبرة كبيرة هناك».

المحسوبية العائلية والنفوذ السياسي

تشارلز كوشنر والد صهر ترمب المُعين في منصب سفير لدى فرنسا (أ.ب)

وفي إطار التعيينات العائلية، يذكر البعض بقانون المحسوبية العائلية للعام 1967، والذي يمنع المسؤولين من تعيين أقاربهم في مناصب حكومية معينة. لكن مالكوم يشير إلى أن الصلاحيات الرئاسية واسعة في هذا الإطار، ويفسر قائلاً: «إن رئيس الجمهورية هو رأس السلطة التنفيذية، ويحق له تعيين أو تلقي النصائح من أي شخص يريده»، مشيراً إلى أن قانون المحسوبية لا ينطبق على الرئيس، لكنه يشدد على وجود قوانين أخرى تمنع إبرام اتفاقيات مالية مع الأقارب الذين سيستفيدون من الأموال الحكومية للحرص على المساءلة.

وهنا يقارن جاكوبوفيتش ما بين الشركات الخاصة والحكومة الفيدرالية فيما يتعلق بالتعيينات العائلية، فيقول: «صحيح أن هناك بعض الشركات التي تحظر المحسوبية، وشركات أخرى تحظر العلاقات بين الموظفين، وهذا أمر موجود ومفهوم في القطاع الخاص، ويعتمد على مكان العمل. لكن الحكومة مختلفة... ويتمتع الرؤساء بحرية القيام بما يريدون في هذا الإطار مع وجود التدقيق والإشراف، كما ينبغي على الأشخاص أن يكونوا مؤهلين».

في المقابل يثير ستانيدج نقطة مختلفة، فيقول بلهجة حادة: «ما هو غريب بالنسبة لي أن الولايات المتحدة، التي دائماً ما تعزز فكرة أنه لا أحد فوق القانون، تقوم بمنح رئيسها صلاحيات كثيرة، مثل القدرة على رفع الأشخاص فوق القانون، من خلال العفو عنهم بشأن جرائم أو اعتداءات تمت إدانتهم بها. يبدو أن هذا يتعارض مع المبدأ الأساسي الذي يفتخر به كثير من الأميركيين».


مقالات ذات صلة

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

ترمب: إلغاء زيارة المبعوثين إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب مع إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه طلب من مبعوثيه إلغاء زيارة إلى باكستان، كانت مرتقبة في إطار استكمال المباحثات مع إيران بوساطة باكستانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

يعكس الجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي نفوذ ماركو روبيو لدى الرئيس ترمب، ويُوفّر له سبيلاً للتأثير على سياسات البيت الأبيض.

مايكل كراولي (واشنطن)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

يحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء اليوم (السبت)، للمرة الأولى عشاء مراسلي وسائل الإعلام المعتمدين في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».


ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء اليوم (السبت)، للمرة الأولى عشاء مراسلي وسائل الإعلام المعتمدين في البيت الأبيض، ولكن خلافاً لما جرت عليه العادة، لن يشارك في اللقاء أيّ ممثل فكاهي يُدلي -وفقاً للتقليد المتبّع- بتعليقات ونكات عن الرئيس الأميركي، فيما يُتوقع أن يسود الحفل شيء من التشنج، نظراً إلى العلاقة المتوترة بينه وبين الصحافة، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستعاضت رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تنظّم هذا اللقاء السياسي-الإعلامي الكبير عن الحضور المعتاد لممثل فكاهي بدعوة «الساحر» المختص في قراءة الأفكار أوز بيرلمان.

ومنذ عودته إلى السلطة، دأب ترمب على مهاجمة الصحافة بلا هوادة، سواء في تصريحاته أو من خلال الدعاوى القضائية، في موازاة اتساع نفوذ حلفائه في المشهد الإعلامي، وهو ما يتجلى مثلاً في صفقة استحواذ «باراماونت سكايدانس» المملوكة لعائلة إليسون المقرّبة منه على «وارنر براذرز ديسكفري». وتملك هذه العائلة أيضاً قناة «سي بي إس».

وعمد البيت الأبيض، وكذلك وزارة الدفاع (البنتاغون)، إلى تقييد وحتى في بعض الحالات إلغاء تصاريح دخول وسائل إعلام عريقة، فيما تعاملت على نحو مختلف مع معلّقين مؤيدين لحركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا).

وتثير الدعوة الموجهة إلى الرئيس الذي وصف الصحافيين بأنهم «أعداء الشعب» استياء لدى هيئات تحرير وسائل الإعلام في واشنطن، وتتداول الأوساط الإعلامية رسالة مفتوحة وقّعها مئات الصحافيين وعدد من الجمعيات.

«التعبير بقوة»

وتدعو الرسالة أعضاء رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تجنّبت إلى الآن المواجهة المفتوحة مع ترمب، إلى «التعبير بقوة في مواجهة الرجل الذي يحاول تقويض التقليد العريق لصحافة مستقلة».

ودرج ترمب خلال ولايته الرئاسية الأولى على مقاطعة هذا العشاء، خلافاً لجميع أسلافه منذ عشرينات القرن الفائت، الذين كانوا يحرصون على المشاركة فيه.

وكتب على شبكته «تروث سوشيال»، مبرراً هذه المقاطعة: «لقد كانت الصحافة قاسية جداً معي».

وأفادت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت بأن الخطاب الذي يلقيه الرئيس، البالغ 79 عاماً، خلال هذا العشاء سيكون «مسلّيا جداً».

وتوقع أستاذ التواصل في جامعة كنساس، روبرت رولاند، أن يثير ترمب أمام الصحافيين «مآخذه» على الإعلام. ورأى الأكاديمي أن قرار الرئيس الأميركي المشاركة يدل على أنه «يشعر بأنه لا يُمس».

وهذا العشاء الذي يحضره مئات الصحافيين ومديرو المؤسسات الإعلامية مع ضيوفهم من الأوساط السياسية والاقتصادية يُنظَّم كل عام في نهاية أبريل (نيسان)، ويُخصَّص ريعه لتمويل منح وجوائز.

دائرة مغلقة

ويشدد المدافعون عن هذا العشاء السنوي على كونه بمثابة احتفاء بحرية الصحافة. لكنّ هذه الأمسية تعرّضت أيضاً لانتقادات تمحورت على فكرة كونها تعبيراً عن ثقافة الدوائر المغلقة والتواطؤ.

وعلّقت مجلة «ذي أتلانتيك» بأن عشاء المراسلين «كان دائماً مزعجاً»، لكنه هذه السنة «محرج جداً». أما صحيفة «نيويورك تايمز» فقررت قبل سنوات تغطية الحدث من دون المشاركة فيه.

وكان أسلاف ترمب يُصغون بهدوء إلى خطاب لاذع يلقيه الممثل الفكاهي الضيف، ثم كان الرئيس نفسه يلقي كلمة زاخرة بالنكات يسخر فيها من نفسه.

أما ترمب الذي لا يتوانى عن إذلال خصومه، لكنه لا يحتمل أن يتعرّض هو نفسه للسخرية، فطالته خلال حضوره العشاء عام 2011 بصفته ضيفاً «لسعات» وجهها إليه الرئيس الأسبق باراك أوباما.

أوباما

فقد سخر أوباما بإسهاب يومها من رجل الأعمال العقاري الذي لم يكن تبوّأ بعد سدّة السلطة.

ونفى ترمب مراراً أن يكون قد قرر في تلك الليلة خوض سباق الوصول إلى البيت الأبيض بدافع الانتقام، كما يتردد في واشنطن.

واستخدم أوباما يومذاك كل ما أُوتي من قدرات خطابية، ليهزأ من نزعة ترمب إلى نشر نظريات المؤامرة، ومنها تلك التي تشكك في أصول وجنسية أول رئيس أسود للولايات المتحدة.

كذلك سخر الرئيس الديمقراطي في المناسبة نفسها من ولع مقدّم البرامج التلفزيونية السابق بالترويج لذاته وبالاستعراض.

وقال أوباما: «قولوا ما تشاءون عن السيد ترمب، لكنه سيأتي بالتغيير إلى البيت الأبيض»، عارضاً صورة للمقر الرئاسي الشهير، وقد تحول إلى فندق وكازينو مبهر يحمل علامة ترمب.

وخلال ولايته الثانية، غطى الرئيس الجمهوري البيت الأبيض بزخارف مذهّبة ورخامية، وعلّق فيه لوحات تحمل صورته، وأطلق مشروع بناء قاعة احتفالات ضخمة.


مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

أعلن الجيش الأميركي، الجمعة، أنه قتل شخصين في ضربة استهدفت قاربا يشتبه بتهريبه المخدرات، ما يرفع عدد ضحايا حملة واشنطن ضد «إرهابيي المخدرات» في أميركا اللاتينية إلى 182 قتيلا على الأقل.

وقالت القيادة العسكرية الجنوبية الأميركية في بيان على منصة «إكس»، أنها نفذت «ضربة عسكرية قاتلة على سفينة تشغلها منظمات مصنفة إرهابية».

أضافت «أكدت المعلومات الاستخباراتية أن السفينة كانت تعبر طرق تهريب مخدرات معروفة في شرق المحيط الهادئ، وأنها كانت تشارك في عمليات تهريب مخدرات»، مكررة العبارات نفسها التي تستخدمها لوصف العشرات من هذه العمليات منذ بدء الحملة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكان مسؤولون عسكريون أميركيون قد أعلنوا عن سبع ضربات مماثلة على الأقل في أبريل (نيسان*، ليصل إجمالي عدد القتلى في هذه العمليات إلى 182 على الأقل، وفقا لإحصاءات وكالة الصحافة الفرنسية.

ولم تقدم إدارة ترمب أي دليل قاطع على تورط القوارب التي تستهدفها في تهريب المخدرات، ما يثير الجدل حول شرعية هذه العمليات.

ويقول خبراء في القانون الدولي ومنظمات حقوقية، إن هذه الضربات ترقى على الأرجح إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ يبدو أنها تستهدف مدنيين لا يشكلون تهديدا مباشرا على الولايات المتحدة.