بايدن يرتكب مزيداً من الهفوات مع تصاعد القلق بشأن ترشحه للانتخابات الرئاسية

 الرئيس الأميركي جو بايدن يعقد مؤتمرا صحافيا في قمة حلف شمال الأطلسي 2024 في 11 يوليو 2024 في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يعقد مؤتمرا صحافيا في قمة حلف شمال الأطلسي 2024 في 11 يوليو 2024 في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ف.ب)
TT

بايدن يرتكب مزيداً من الهفوات مع تصاعد القلق بشأن ترشحه للانتخابات الرئاسية

 الرئيس الأميركي جو بايدن يعقد مؤتمرا صحافيا في قمة حلف شمال الأطلسي 2024 في 11 يوليو 2024 في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يعقد مؤتمرا صحافيا في قمة حلف شمال الأطلسي 2024 في 11 يوليو 2024 في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ف.ب)

أصرَّ الرئيس الأميركي جو بايدن على أنه سيترشَّح مجدداً لولاية رئاسية جديدة ويهزم خصمه الجمهوري ترمب، لكنه ارتكب هفوات إضافية تُعزز القلق حيال قدراته على تولِّي المنصب، حسبما أفادت به «وكالة الصحافة الفرنسية».

وارتكب بايدن هفوة، الخميس، خلال قمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في واشنطن بتقديمه نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أنه «الرئيس بوتين»، قبل أن يُصحح خطأه، في انتكاسة جديدة للمرشح الديمقراطي الذي يتعرض لضغوط متزايدة للانسحاب من السباق الرئاسي بسبب مخاوف بشأن صحته الذهنية.

وقال بايدن (81 عاماً) مخاطباً الحاضرين في القمة: «والآن، أترك الكلام لرئيس أوكرانيا الذي يتمتع بقدر كبير من الشجاعة والتصميم. سيداتي، سادتي، إليكم الرئيس بوتين». لكن سرعان ما صحح بايدن هفوته قائلاً إن زيلينسكي «سيهزم الرئيس بوتين»، مضيفاً: «إن تركيزي منصبّ بشدة على هزيمة بوتين».

وأكد بايدن الذي يتعرض لضغوط من أجل دفعه إلى الانسحاب من السباق الرئاسي، الخميس، أنه يعتبر نفسه المرشح «الأكثر كفاءة» لمواجهة ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال في مؤتمر صحافي بعد قمة «حلف شمال الأطلسي»: «أعتقد أنني الشخص الأكثر كفاءة للترشح للرئاسة. لقد هزمتُه مرة وسأهزمه مجدداً. أنا لا أفعل ذلك من أجل (الحفاظ) على إرثي. أنا أفعل ذلك لإنهاء العمل الذي بدأتُه».

وأضاف بايدن: «خضعتُ لثلاثة فحوص عصبية مكثفة ومتواصلة» أجراها طبيب أعصاب، كان آخرها «في فبراير (شباط)»، وتُظهر «أنني في حالة جيدة». وتابع: «أنا بخير. قُدراتي العصبية يجري اختبارها يومياً» من خلال «القرارات التي أتخذها كل يوم».

وشدد على «أهمية تهدئة المخاوف» المتعلقة بترشحه للرئاسة، قائلاً: «أنا مصمم على أن أكون مرشحاً، لكنني أعتقد أنه من المهم تهدئة المخاوف»، في وقت يحتدم الجدل بشأن حالته الصحية.

وارتكب بايدن هفوة جديدة، الخميس، عندما قدَّم نائبته، كامالا هاريس، باسم «نائبة الرئيس ترمب».

ورداً على سؤال عما إذا كان بإمكان هاريس التغلب على ترمب إذا قرر الرئيس الديمقراطي عدم الترشح مجدداً، قال بايدن: «لم أكن لأختار نائبة الرئيس ترمب لتكون نائبة للرئيس إذا لم أكن أعتقد منذ البداية أنها مؤهلة لتكون رئيسة... لهذا السبب اخترتُها».

وشدد بايدن على أن الولايات المتحدة «لا يمكنها الانسحاب» من دورها الريادي في العالم. وقال: «سَلَفي أوضح أنه ليس ملتزماً» تجاه «الناتو»، وذلك في هجوم مباشر شنه ضد ترمب الذي سيواجهه في الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر.

وأشار بايدن إلى أن حلفاء الولايات المتحدة أخبروه في قمة «حلف شمال الأطلسي» بأن ولاية رئاسية جديدة لترمب ستكون «كارثة». وقال إنه «لم أسمع أياً من حلفاء أميركا الأوروبيين يأتون إلى الولايات المتحدة ويقولون: (جو، لا تترشح)». وأضاف أنه ما يسمعهم يقولونه هو: «عليكَ أن تفوز. لا يُمكنكَ السماح لهذا الرجل بالتقدم. سيكون كارثة».

وأكد بايدن أنه سيبقى مستعداً للتعامل مع الرئيسَين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ حتى خلال فترة ولاية ثانية، قائلاً: «أنا مستعد للتعامل معهما الآن، وبعد ثلاث سنوات من الآن... لا يوجد أي زعيم عالمي لستُ مستعداً للتعامل معه».

من جهة ثانية، أعلن بايدن أن إدارته تحرز تقدماً نحو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، بعد 9 أشهر على النزاع الذي اندلع إثر هجوم حركة «حماس» غير المسبوق على إسرائيل.

وقال الرئيس الأميركي: «هذه قضايا صعبة ومعقَّدة. لا تزال هناك ثغرات يجب سدُّها. نحن نحرز تقدماً. الاتجاه إيجابي، وأنا مصمم على إنجاز هذا الاتفاق ووضع حد لهذه الحرب التي يجب أن تنتهي الآن».

وسخر ترمب، الخميس، من المؤتمر الصحافي الذي عقده بايدن، وارتكب خلاله زلة لسان. وقال على شبكته «تروث سوشيال»: «عمل جيد يا جو»!

وكان هذا أول مؤتمر صحافي يعقده بايدن منذ مناظرته الكارثية ضد ترمب، وهو حدث قد يحدد مصير ترشحه للرئاسة.

واتجهت أنظار العالم نحو الرئيس البالغ 81 عاماً خلال قمة الأطلسي في واشنطن، بينما يحاول تهدئة الدعوات المتزايدة من حزبه الديمقراطي إلى التنحي بسبب سنه وصحته.

والأخطاء التي ارتكبها بايدن قد تزيد بشكل كبير من عدد الديمقراطيين الذين سيحضّونه على الانسحاب من السباق الرئاسي.

الأربعاء، دعا الممثل جورج كلوني المؤيد لبايدن، الرئيس الأميركي إلى الانسحاب من السباق الرئاسي، بعد أسابيع فقط على تنظيم حملة لجمع التبرعات للرئيس.

كما دعته شخصيات بارزة في الحزب، مثل رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، إلى «اتخاذ قرار»؛ ما يعني ضمناً أن القرار الذي اتخذه (أي البقاء في السباق) ليس بالضرورة الخيار الصحيح.

وأفاد موقع «أكسيوس»، الأربعاء، بأن زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر أخبر المانحين سراً بأنه منفتح على فكرة استبدال بايدن.

لكن في بيان أصدره مكتبه مساء الأربعاء، قال شومر إنه يدعم بايدن، وإنه «مصمم على ضمان هزيمة دونالد ترمب في نوفمبر».

وعقد بايدن مؤتمرات صحافية منفردة أقل من أسلافه، ولم يظهر في الفترة الأخيرة إلا بشكل مشترك مع قادة أجانب، مع أسئلة مقتضبة.

ويضاف إلى ذلك عدم إجراء مقابلات؛ ما دفع المنتقدين إلى اتهام البيت الأبيض بإخفاء تأثير تقدم أكبر رئيس أميركي في السن عن الجمهور.

«مدمر»

بدأت المخاوف حيال سن بايدن وصحته تظهر عندما بدا فاتراً وغير متماسك في أحيان كثيرة خلال المناظرة التلفزيونية ضد ترمب (78 عاماً).

ويسعى حلفاء «الناتو» إلى الحصول على طمأنة بشأن قدرات بايدن القيادية، فيما يتخوفون من أن تتسبب عودة ترمب الانعزالي بمشكلات للحلف.

وقال بايدن إن أداءه السيئ خلال المناظرة يعود إلى إصابته بنزلة برد شديدة، والإرهاق الناجم من السفر، بعد أسبوعين من الرحلات الخارجية.

لكن كلوني كتب في مقال بصحيفة «نيويورك تايمز»، الأربعاء، أن العلامات كانت موجودة من قبل، وذلك في احتفال لجمع التبرعات أُقيم في 15 يونيو (حزيران) في لوس أنجليس شارك في استضافته مع الممثلة جوليا روبرتس.

وأوضح: «من المدمر أن أقول ذلك، لكن جو بايدن الذي كنت معه قبل 3 أسابيع في حفلة جمع التبرعات لم يكن بايدن نفسه عام 2010؛ لم يكن حتى جو بايدن الذي كان عام 2020. لقد كان الرجل الذي رأيناه جميعاً في المناظرة».

وأضاف كلوني أن بايدن قد يخسر الانتخابات الرئاسية، كما قد يخسر الديمقراطيون غرفتَي الكونغرس.

ويصر بايدن على أنه سيمضي قدماً في ترشحه. ومع ضمانه أصوات الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية، لا توجد طريقة لإجباره على التنحي.

لكن «نيويورك تايمز» ذكرت الأربعاء أن بعض الشخصيات الديمقراطية المهمة مثل بيلوسي يحاولون اتباع نهج مختلف، مخاطبة جانبه العقلاني، بدل استفزاز عناده الذي طبع مسيرته السياسية.

وتُعد نائبته، كامالا هاريس، المرشحة الأوفر حظاً لتحل مكانه إذا تنحى، لكن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تحصل قبل مؤتمر الحزب الديمقراطي المقرر في أغسطس (آب) بشيكاغو.


مقالات ذات صلة

أميركا تتهم شركات صينية بنسخ «غير مشروع» لتقنيات ذكاء اصطناعي

تكنولوجيا اتهم مسؤولون أميركيون 6 شركات صينية بالاستفادة من متغيّرات لنماذج الذكاء الاصطناعي أميركية الصنع لتدريب منتجاتها في مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر (رويترز)

أميركا تتهم شركات صينية بنسخ «غير مشروع» لتقنيات ذكاء اصطناعي

اتهمت الحكومة الأميركية، الثلاثاء، شركات صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، بنسخ تقنيات بشكل غير مشروع من شركات أميركية متخصصة في نفس المجال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس إقليم «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو) - (رئاسة إقليم أرض الصومال على إكس)

زيارة عرو الأولى لواشنطن... «أرض الصومال» يبحث عن مكاسب دبلوماسية

تتواصل الزيارة الأولى لرئيس الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو) إلى واشنطن، وسط مساعٍ لنيل اعتراف جديد بالإقليم.

محمد محمود (القاهرة )
العالم صورة مركّبة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

بوتين وترمب أجريا اتصالاً هاتفياً «صريحاً للغاية»

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً هاتفياً «صريحاً للغاية» مع نظيره الأميركي دونالد ترمب عقب زيارة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو المدير الفني لمنتخب أميركا (أ.ب)

بوكيتينو: يجب على المنتخب الأميركي أن يغير عقليته

أكد الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو، المدير الفني لمنتخب أميركا، على ضرورة تغير عقلية وعادات لاعبي المنتخب مع بداية ولايته الثانية كمدرب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا نظام صواريخ «هيمارس» التابع للجيش الأميركي يطلق النار خلال تمرين بالذخيرة الحية ضمن مناورات بين الجيشين الأميركي والفلبيني (أ.ف.ب)

السويد تعلن شراء منظومات «هيمارس» بقيمة 730 مليون دولار

أعلنت الحكومة السويدية الاثنين أنها تعتزم شراء منظومات راجمات صواريخ من طراز «هيمارس» أميركية الصنع بقيمة سبعة مليارات كرونة؛ أي ما يعادل 730 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)

ترمب يشيد بفوز اليمين المتطرف في ألمانيا

عدد من قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين غداة فوز حزبهم بالانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)
عدد من قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين غداة فوز حزبهم بالانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)
TT

ترمب يشيد بفوز اليمين المتطرف في ألمانيا

عدد من قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين غداة فوز حزبهم بالانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)
عدد من قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين غداة فوز حزبهم بالانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، بفوز اليمين المتطرف في ألمانيا الأحد معتبرا أنها «أمسية جيدة جدا» لـ«الحزب الشعبوي» في إشارة إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي تصدر بفارق كبير نتائج انتخابات محلية.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشال»: «يا للروعة! لقد حظي الحزب الشعبوي في ألمانيا بأمسية جيدة جدا. لقد سئموا أخيرا من القواعد المريعة المتعلقة بالهجرة والتي ألحقت أضرارا جسيمة بألمانيا. إنهم يشهدون صعودا قويا ولن يسمحوا لأحد بالاستخفاف بهم بعد الآن!».


روبيو: الولايات المتحدة ستواصل استهداف الناقلات الإيرانية

 وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً للصحافيين خلال زيارة لكولومبيا (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً للصحافيين خلال زيارة لكولومبيا (رويترز)
TT

روبيو: الولايات المتحدة ستواصل استهداف الناقلات الإيرانية

 وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً للصحافيين خلال زيارة لكولومبيا (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً للصحافيين خلال زيارة لكولومبيا (رويترز)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إن الولايات المتحدة ستواصل استهداف ناقلات إيرانية بضربات انتقامية، فيما أفادت القيادة المركزية الأميركية بأنها دمرت خمس سفن إيرانية.

وقال روبيو لصحافيين خلال زيارة لكولومبيا: «تواصل إيران محاولاتها لضرب السفن الأميركية، وفي كل مرة تقدم فيها على ذلك أو تحاول القيام به، ستخسر ناقلات، وأعتقد أنكم سترون ذلك مجددا اليوم».

وذكرت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أنها «دمرت خمس ناقلات نفط خام إيرانية في 8 سبتمبر (ايلول)، وذلك بعد أن استهدف «الحرس الثوري» الإيراني سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية بصواريخ باليستية مرتين خلال اليومين الماضيين. نجحت السفينة الحربية الأميركية في تفادي محاولات الهجوم الإيرانية وواصلت دورياتها في المياه الإقليمية، دون وقوع أي إصابات في صفوف الأفراد الأميركيين».


ترمب يثير أزمة دبلوماسية جديدة مع آيسلندا

وزيرة الخارجية الآيسلندية أورغيردور كاترين غونارسدوتير تتحدث خلال مؤتمر صحافي في ريكيافيك يوم 30 أغسطس 2026 (أ.ب)
وزيرة الخارجية الآيسلندية أورغيردور كاترين غونارسدوتير تتحدث خلال مؤتمر صحافي في ريكيافيك يوم 30 أغسطس 2026 (أ.ب)
TT

ترمب يثير أزمة دبلوماسية جديدة مع آيسلندا

وزيرة الخارجية الآيسلندية أورغيردور كاترين غونارسدوتير تتحدث خلال مؤتمر صحافي في ريكيافيك يوم 30 أغسطس 2026 (أ.ب)
وزيرة الخارجية الآيسلندية أورغيردور كاترين غونارسدوتير تتحدث خلال مؤتمر صحافي في ريكيافيك يوم 30 أغسطس 2026 (أ.ب)

استدعت آيسلندا السفير الأميركي في ريكيافيك بيلي لونغ، بعد أن نشر الرئيس دونالد ترمب خريطة بدت فيها الجزيرة، إلى جانب كندا وغرينلاند والمكسيك وأميركا الوسطى ومنطقة الكاريبي، مغطاة بألوان العلم الأميركي، وتحمل كامل المساحة اسم «الولايات المتحدة الأميركية»، في أحدث أزمة دبلوماسية يثيرها الرئيس مع دولة حليفة بسبب الحدود والسيادة.

وقالت وزيرة الخارجية الآيسلندية، أورغيردور كاترين غونارسدوتير، إنها استدعت السفير الذي تولى مهامه رسمياً، الشهر الماضي، بينما أكّدت وزارة الخارجية أن الجانب الآيسلندي أبلغه بصورة واضحة أن المنشور غير لائق على الإطلاق، ولم يرفق ترمب الصورة التي نشرها على منصته «تروث سوشال»، مساء الاثنين، بأي تفسير، كما لم تقدم وزارة الخارجية الأميركية أو البيت الأبيض توضيحاً فورياً بشأن المقصود منها، لكن الخريطة يصعب فصلها عن نمط أصبح سمة واضحة في الولاية الثانية لترمب، وهي إعادة طرح قضايا كانت تبدو خارج حدود السياسة الأميركية التقليدية، من السيطرة على غرينلاند وقناة بنما، إلى حديثه المتكرر عن كندا بوصفها الولاية الأميركية الـ51، وصولاً إلى تغيير أسماء جغرافية والدخول في مواجهات تجارية مع أقرب حلفاء واشنطن.

الخريطة الأميركية «تتغيّر»

خريطة نشرها الرئيس ترمب على منصة «تروث سوشال» أثارت غضب الحلفاء

استهدف الرئيس ترمب آيسلندا هذه المرة، فلم يسبق أن احتلت الجزيرة موقعاً مماثلاً لغرينلاند في أجندة ترمب الخارجية، وإن كان اسمها قد دخل الجدل سابقاً. وكان السفير لونغ قد أثار انتقادات قبل توليه منصبه عندما مازح أعضاء في الكونغرس بشأن تحول آيسلندا إلى الولاية الـ52، قبل أن يعتذر ويؤكد أن حديثه كان مزاحاً. كما خلط ترمب أكثر من مرة بين اسمي آيسلندا وغرينلاند خلال حديثه عن طموحاته في القطب الشمالي؛ ولهذا لا توجد حتى الآن أدلة على أن الإدارة تخطط فعلياً للاستحواذ على آيسلندا، لكن المشكلة بالنسبة إلى حكومة ريكيافيك هي أن المزاح الجغرافي يأتي من رئيس دولة حليفة، وفي لحظة أصبحت فيها مطالب ترمب بشأن أراضي دول أخرى جزءاً حقيقياً من السياسة الخارجية الأميركية.

سياسة ترمب في غرينلاند

حينما أثار الرئيس ترمب إعجابه بجزيرة غرينلاند ورغبته في ضمها للولايات المتحدة، أخذ الحلفاء الأوروبيون الأمر في البداية بنوع من التعجب والسخرية والاستنكار، لكن إصرار ترمب بأن الولايات المتحدة تحتاج إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي وتلويحه باستخدام القوة للحصول عليها، جعل الحلفاء يأخذون كلام ومنشورات ترمب على محمل الجد.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس وزراء غرينلاند آنذاك موتي بي إيغيدي لدى افتتاح مكتب المفوضية الجديد في نوك بغرينلاند في مارس 2024 (أ.ف.ب)

لكن ضغوط ترمب على الدنمارك وحلف «الناتو»، أدت إلى نتيجة عكسية؛ فقد تحركت أوروبا والدنمارك لتعزيز ارتباطهما بغرينلاند. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأسبوع الماضي، ضخ استثمارات بقيمة 200 مليون يورو، لمشروعات تشمل المعادن والطاقة والاتصالات، بينما خصصت الدنمارك مليارات الدولارات لتعزيز الدفاع في القطب الشمالي.

من بنما إلى كندا

المنطق نفسه اتبعه الرئيس ترمب في تصريحاته عن قناة بنما؛ فقد تعامل معها ليس بوصفها مجرد ممر دولي، وإنما بوصفها أصلاً استراتيجياً ينبغي ألا تسمح واشنطن بوقوعه تحت نفوذ منافسين، خصوصاً الصين.

وبذلك أعاد إلى السياسة الأميركية مفهوماً قديماً يقوم على أن السيطرة على الممرات البحرية والموانئ والمواقع الجغرافية الحيوية جزء من الأمن القومي. أما كندا، فقد جمع معها بين الضغط السياسي والاقتصادي؛ فبعد حديثه المتكرر عن جعلها الولاية الـ51، دخل البلدان في مواجهة تجارية اتسعت اليوم مع بدء تطبيق رسوم كندية انتقامية على بضائع أميركية بقيمة 20 مليار دولار، بعد انهيار المفاوضات التجارية. وهدد ترمب أيضاً برفع الرسوم على السيارات الكندية إلى 50 في المائة.

ماذا يريد ترمب؟

يقول المحللون إن خطاً واحداً يربط هذه النزاعات حيث تتحول الأرض والممرات والتجارة والموارد، في رؤية ترمب، إلى أوراق تفاوض في معركة إعادة توزيع القوة، ويوضحون أنه ليس ضرورياً أن يكون هدف ترمب النهائي ضم كل الأراضي التي يتحدث عنها؛ فالقاعدة التفاوضية التي ميزت ترمب منذ دخوله السياسة تقوم على البدء بمطلب يبدو غير قابل للتحقيق، ورفع تكلفة رفضه، ثم استخدام ما يخلقه من صدمة للحصول على تنازل أصغر وأكثر واقعية.

ويرى خبراء أميركيون أن الخرائط الاستفزازية التي ينشرها ترمب لا يمكن فصلها عن تحول أوسع في رؤيته لمكانة الولايات المتحدة في العالم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرتدي قبعة حركة «ماغا» في مطار موريستاون بنيو جيرسي (أ.ب)

ويقدم المحللون تفسيراً لخريطة ترمب الأخيرة يتجاوز فكرة الضم الحرفي، فالرئيس يستخدم الجغرافيا والخرائط لإظهار المجال الذي يريد أن تكون فيه الولايات المتحدة القوة المهيمنة، بينما يترك الغموض حول نواياه وسيلة للضغط على الحلفاء والخصوم وانتزاع تنازلات منهم. ففي غرينلاند، قد يكون الهدف العملي توسيع الوجود العسكري الأميركي والوصول إلى المعادن الاستراتيجية ومنع الصين وروسيا من تعزيز نفوذهما في القطب الشمالي، حتى إذا لم تصبح الجزيرة أميركية. وفي بنما، الهدف الأكثر واقعية هو تقليص النفوذ الصيني حول القناة وضمان حرية الحركة الأميركية. أما في كندا والمكسيك، فإن التهديدات والرسوم تستخدم لانتزاع تنازلات تجارية وأمنية. ووفقاً لذلك، فإن المبالغة ليست دائماً خللاً في استراتيجية ترمب وإنما هي جزء منها.