الاحتجاجات الطلابية في أميركا... باع طويل من التغيير

طلاب من جامعة كولومبيا يتظاهرون في الحديقة الغربية للجامعة (أ.ف.ب)
طلاب من جامعة كولومبيا يتظاهرون في الحديقة الغربية للجامعة (أ.ف.ب)
TT

الاحتجاجات الطلابية في أميركا... باع طويل من التغيير

طلاب من جامعة كولومبيا يتظاهرون في الحديقة الغربية للجامعة (أ.ف.ب)
طلاب من جامعة كولومبيا يتظاهرون في الحديقة الغربية للجامعة (أ.ف.ب)

تثير أخبار التحركات الطلابية داخل الجامعات الأميركية، دعماً للفلسطينيين ورفضاً لما يتعرّض له قطاع غزة، الاهتمام حول العالم.

وليست هذه المظاهرات شكلاً جديداً من أشكال احتجاج طلاب الجامعات، بل هي أحدث حلقة في سلسلة من الاحتجاجات المستمرة منذ عقود، والتي أشعلها النشاط السياسي، وتحول بعضها إلى أعمال عنف وسط حملات قمع الشرطة؛ بحسب تقرير لصحيفة «يو إس إيه توداي».

ورغم أن ظروف كل احتجاج كانت مختلفة عن الأخرى، فإن المضمون كان واحداً: شباب يطالبون بتغييرات في جامعاتهم أو في العالم، وغالباً ما تصاعدت مظاهراتهم إلى اشتباكات مع السلطات؛ وفقاً للصحيفة.

نصب الطلاب خياماً على شكل دائرة خلال مسيرة لـ«حماية فلسطين» في حرم جامعة تكساس بأوستن (إ.ب.أ)

وأبرزت الصحيفة أربعة أحداث هزت الجامعات الأميركية.

وعادت بالأحداث إلى وقت تصاعدت فيه اعتصامات حرية التعبير بسرعة إلى مسيرات حاشدة، و«تحوّلت المظاهرات المناهضة لحرب فيتنام إلى مميتة، وانتهاء احتجاجات الحقوق المدنية الأميركية بتوقيفات جماعية».

وقالت الصحيفة الأميركية، إن جامعة كولومبيا، التي تقع اليوم في قلب موجة الاحتجاجات، شهدت أحداثاً مماثلة من قبل، بما في ذلك خلال حرب فيتنام في عام 1968، حين دفعت هذه المظاهرات، الجامعة إلى إنهاء أبحاث الحرب السريّة ووقف التجنيد العسكري، من بين تغييرات أخرى.

وأشارت إلى أن «المتظاهرين اليوم يحملون تغييرات محددة في أذهانهم»، والتي غالباً ما تنطوي على سحب الاستثمارات من إسرائيل، مستشهدين بمقتل أكثر من 34 ألف فلسطيني في غزة وسط القصف الإسرائيلي والهجوم البري.

وأضافت أنّه بينما تتفاعل سلطات الحرم الجامعي بسرعة، معربة عن مخاوف تتعلق بالسلامة واستدعاء الشرطة لتفريق المعسكرات، «فمن غير الواضح ما إذا كانت الاحتجاجات الحالية ستؤثر على الحرب بين إسرائيل و(حماس) أم لا».

لكنّها من جهة ثانية، استعرضت أربعة احتجاجات جامعية، وحاولت الخروج بخلاصة ما إذا استطاعت تحقيق أهدافها أم لا.

1- جامعة كاليفورنيا - بيركلي: حريّة التعبير في الستينات

في عام 1964، احتج الطلّاب على القيود التي فرضتها الجامعة على الأنشطة السياسية وحرية التعبير خلال حركة الحقوق المدنية وحرب فيتنام.

من احتجاجات بيركلي عام 1966(bettmann archive)

ونقلت الصحيفة عن كارين آيشينغر من مركز حرية التعبير في جامعة تينيسي الوسطى، أنه «في أعقاب المشاعر الكارثية المناهضة للشيوعية خلال الخمسينات من القرن الماضي، سنّت الجامعات العامة في كاليفورنيا كثيراً من اللوائح التي تحدّ من الأنشطة السياسية للطلاب. ومُنع الطلاب الذين شاركوا في أنشطة سياسية داخل أو خارج الحرم الجامعي من دخول الحرم الجامعي».

وما حدث عام 1964 كان عبارة عن اعتصامات ومظاهرات صغيرة، تصاعدت إلى سلسلة من المسيرات والاحتجاجات واسعة النطاق للمطالبة بالحقوق الدستورية الكاملة في الحرم الجامعي، بحسب آيشينغر. ونتيجة لذلك، ألقت الشرطة المحلية القبض على ما يقرب من 800 طالب.

وكان احتجاج الطلاب في النهاية لصالحهم، وألغت الجامعة السياسات التي من شأنها تقييد محتوى الخطاب أو الدعوة، بحسب الصحيفة.

2- جامعة ولاية كينت - أوهايو: حرب فيتنام عام 1970

حدث الاحتجاج الجامعي الأكثر فاعلية ضدّ حرب فيتنام في جامعة ولاية كينت في أوهايو في مايو (أيار) 1970، عندما بدأ الطلاب في الاحتجاج على حرب فيتنام والغزو الأميركي لكمبوديا في حرمهم الجامعي في 2 مايو، وبعد يومين، فتح الحرس الوطني النار على بحر من المتظاهرين المناهضين للحرب والمارة. ما أدّى إلى مقتل أربعة شبان وإصابة آخرين، وفق التقرير.

إطلاق النار على طلاب جامعيين غير مسلحين في جامعة ولاية كينت بشمال شرقي أوهايو على يد الحرس الوطني بولاية أوهايو 4 مايو 1970 (بريتانيكا)

وعن الحادثة أشار التقرير إلى ما كتبه جيري لويس وتوماس هينسلي في مقال لجامعة ولاية كينت بقولهما: «كان تأثير إطلاق النار دراماتيكياً... أطلق هذا الحدث إضراباً طلابياً على مستوى البلاد، ما أجبر مئات الكليات والجامعات على إغلاق أبوابها».

وأكّدا أنّ عمليات إطلاق النار أثّرت أيضاً على السياسة الوطنية.

3- كليّة ولاية جاكسون في ميسيسيبي: التمييز العنصريّ عام 1970

بعد أيام من إطلاق النار في ولاية كينت، فتحت الشرطة النار على سكن جامعي في كلية ولاية جاكسون في ولاية ميسيسيبي، وهي مدرسة تضمّ أغلبيّة من الطلاب ذوي البشرة السمراء، وفق التقرير، الذي أشار إلى أن الطلاب من ذوي البشرة السمراء هناك كانوا يحتجّون على التمييز العنصري، بما في ذلك الطريقة التي يُعاملهم بها السائقون البيض الذين يقودون سياراتهم بسرعة في الحرم الجامعي.

في 15 مايو 1970 كانت الشرطة قد أطلقت مئات الرصاصات على ألكسندر هول، ما أسفر عن مقتل طالبين وإصابة 12 آخرين، وبعد أن حاول موظفو الدولة إزالة الأدلة على إطلاق النار، انضمّ طلاب كلية ميلسابس إلى طلاب ولاية جاكسون في سدّ مدخل السكن في 20 مايو 1970.

هذه الصورة الأرشيفية بتاريخ 15 مايو 1970 تظهر النوافذ المليئة بالرصاص بسكن ألكسندر هول وهو خاص بالطالبات بكلية جاكسون ستيت في جاكسون بولاية ميسوري بعد مقتل طالبتين أميركيتين من صاحبات البشرة السمراء (أ.ب)

ونتيجة لهذا الحادث، ألغت الكلية تخرجها بسبب أعمال القتل والاضطرابات، ونقلت الصحيفة كذلك عن شبكة «إن بي سي» أن الجامعة كرّمت، في حفل تخرج عام (2021) 74 من الطلاب الذين لم يتمكنوا من المشي على المسرح في عام 1970.

وتحدث التقرير أيضاً عن أن ربيع عام 1970 شهد «أول إضراب طلابي عام في تاريخ الولايات المتحدة، حيث قام طلاب من أكثر من 400 كلية وجامعة بإلغاء الدراسة احتجاجاً على غزو كمبوديا، وقضية ولاية كينت، ومقتل اثنين من الطلاب السود في جاكسون، واستمرار الحرب في فيتنام».

وهذه الوقائع تستند إلى مؤرخ النشاط الطلابي الأستاذ المساعد أنغوس جونستون، في كلية هوستوس المجتمعية في جامعة مدينة نيويورك، بقوله عنه بعد هذه الأحداث: «كانت هناك فترة حوالي 30 عاماً، من غير المرجح فيها، أن تكون هناك توقيفات جماعية داخل الجامعات حتى في حالة احتلال المباني الإدارية».

4- على الصعيد الوطنيّ: مناهضة الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا عام 1985

نوع آخر من الاحتجاجات شهدته الجامعات الأميركية عام 1985، عندما أراد الطلاب في جميع أنحاء البلاد أن تقطع كلياتهم علاقاتها مع الجماعات التي تدعم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وكانت جامعة كولومبيا مرة أخرى في مركز الحركة، حيث إنّ الطلّاب بقيادة التحالف من أجل «جنوب أفريقيا حرّة» في جامعة كولومبيا حاصروا المبنى الإداري للجامعة هاملتون هول ما أدّى إلى أوّل حملة تجريد ناجحة في الجامعة.

ونقل التقرير عن أستاذ التاريخ في جامعة كانساس دانييل فاربر، الذي درس النشاط الأميركي، أن عمليات القمع ضدّ المتظاهرين خلال هذه الفترة كانت أقل، بسبب «الإحراج بين النخب في الولايات المتحدة لتواطئهم مع حكومة جنوب أفريقيا البيضاء».

وفي ذلك العهد أصبحت جامعة كولومبيا واحدة من أوائل الكليات التي قررت سحب استثماراتها والأعمال التجارية مع جنوب أفريقيا، وحذت حذوها 155 جامعة.

كما أصدر الكونغرس الأميركي القانون الشامل لمكافحة الفصل العنصريّ في عام 1986، والذي يهدف إلى منع التجارة والاستثمارات الجديدة بين البلاد وجنوب أفريقيا.

فردان من شرطة أوستن يقتادان طالبة خلال مسيرة لـ«حماية فلسطين» في حرم جامعة تكساس بأوستن (إ.ب.أ)

استناداً إلى دروس التاريخ ما مستقبل الاحتجاجات الجامعية في أميركا؟

بعد هذا السرد التاريخيّ تحدث التقرير عن مستقبل الاحتجاجات الجامعية في الولايات المتحدة، وقال خبراء حرية التعبير: «يجب على الطلاب الاستمرار في الاحتجاج السلمي في أماكن الحرم الجامعي المفتوحة لتجنب الصراع».

وأوضح مدير الدفاع عن حقوق الحرم الجامعي في مؤسسة الحقوق الفردية والتعبير أليكس موري، أنه يحث الجامعات على «البقاء محايدة في أوقات الاضطرابات، وعدم استدعاء السلطات، ما لم تتحول المظاهرة إلى أعمال عنف».

وأشار إلى أن الاحتجاج السلمي هو السمة المميزة لمناخ التعبير الصحي في حرم الجامعات الأميركية، وقد كان كذلك منذ عقود، سواء أكانت حركة حرية التعبير في بيركلي، أم الطلاب الذين يحتجون على حقبة حرب فيتنام أو الحقوق المدنية.

وقال: «لقد شعرت أجيال من الطلاب بشغف تجاه بعض القضايا، وتُعدّ الأماكن المفتوحة في الحرم الجامعي أماكن رائعة لدعم وجهات نظرهم».


مقالات ذات صلة

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

الولايات المتحدة​ صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم تبدو المنطقة أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد مجدداً، ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال بل نقله من الجو إلى البحر.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)

أميركا تُصنف بعض منتجات الماريغوانا على أنها مُخدر أقل خطورة

قال تود بلانش، القائم بأعمال وزير العدل الأميركي، إن الوزارة تعيد تصنيف الماريغوانا المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء على أنها ‌مُخدر أقل خطورة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب) p-circle

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

بدأت تتكشف تدريجياً ملامح الأضرار الواسعة التي خلّفتها الضربات الأميركية – الإسرائيلية داخل إيران، وسط قيود صارمة على تدفق المعلومات من داخل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم سفن وقوارب تظهر في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تقرير يكشف: إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تستغرق 6 أشهر

أفاد تقرير نقلته صحيفة «إندبندنت» بأن عملية تطهير مضيق هرمز بالكامل من الألغام التي يُعتقد أن إيران زرعتها قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية دونالد ترمب (أ.ف.ب)

مبعوث ترمب يطلب من «فيفا» استبدال إيران بإيطاليا في كأس العالم 2026

طلب مبعوث بارز للرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» استبدال إيران بإيطاليا في كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد من جديد؛ ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال فعلياً بل نقل الاشتباك من الجو إلى البحر.

فبينما تواصل باكستان مساعيها لعقد جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران من دون موعد محدد حتى الآن، يزداد وضوحاً أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد تفصيل عسكري أو اقتصادي، بل أصبحت أداة التفاوض الأهم في يد إيران، وأداة الضغط الأوضح في يد الولايات المتحدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز تحول داخلي إيراني بالغ الدلالة: صعود «الحرس الثوري» من شريك في القرار إلى مركز ثقله الفعلي، وفق ما يرى مراقبون.

المعطيات المتوافرة حتى الخميس 23 أبريل (نيسان) تشير إلى أن إسلام آباد لم تنجح بعد في تثبيت موعد للجولة الثانية، رغم استمرار الاتصالات الباكستانية مع الطرفين. ونقلت وكالة «رويترز» في وقت سابق عن الخارجية الباكستانية أنه لم تتحدد مواعيد بعد لجولة ثانية، ثم عادت قبل يومين لتنقل الموقف الإيراني نفسه تقريباً: لا تاريخ جديداً قبل الاتفاق على «إطار تفاهم».

كما رحّب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بتمديد وقف النار بطلب من بلاده، فيما قال وزير الداخلية محسن نقوي، بعد لقائه القائمة بالأعمال الأميركية ناتالي بيكر، إنه يأمل «تقدماً إيجابياً» من إيران.

العقدة الأساسية

طريق خالٍ يقود إلى «المنطقة الحمراء» التي تعقد فيها جولات التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين في إسلام آباد (أ.ف.ب)

لكن استمرار المسعى الباكستاني لا يعني أن المسار السياسي يتقدم فعلاً. فالعقدة الأساسية، وفق محللين، لم تعد فقط في تفاصيل الملف النووي أو الضمانات الأمنية، بل في ترتيب الأولويات بين الطرفين. واشنطن تريد إبقاء الحصار البحري قائماً حتى تتلقى عرضاً إيرانياً «موحداً»، بينما تعدّ طهران أن التفاوض تحت الحصار ليس تفاوضاً، بل إملاء.

هذا ما يجعل الوساطة الباكستانية حتى الآن أقرب إلى منع الانهيار الكامل منها إلى إنتاج اختراق نوعي. فإسلام آباد تحافظ على قناة التواصل، لكنها لا تملك وحدها كسر التناقض الرئيسي، وهو أن أميركا تريد استخدام الهدنة لتعظيم الضغط، وإيران تريد استخدام هرمز لتعظيم كلفة هذا الضغط.

التحول الأكثر أهمية داخل إيران، كما أظهر تقرير مفصل لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، هو أن القيادة الفعلية في ملفات الحرب والتفاوض والأمن انتقلت إلى جماعة متماسكة من قادة «الحرس الثوري» والدوائر المحيطة بهم، فيما يدير المرشد الجديد مجتبى خامنئي المشهد بصورة أقرب إلى «رئيس مجلس إدارة» لا إلى مرشد يتمتع بالهيمنة التي كان يملكها والده.

ويخلص تقرير الصحيفة، المستند إلى مقابلات واسعة مع مسؤولين وشخصيات إيرانية، إلى أن القادة العسكريين في إيران باتوا أصحاب الكلمة الأثقل في تقرير الاستراتيجية، وأنهم هم الذين دفعوا نحو تشديد المقاربة في البحر، كما أنهم هم الذين قبلوا تكتيكياً، بهدنة مؤقتة وبقنوات تفاوض خلفية حين رأوا أنها تخدم ميزان القوة.

ويقول محللون إن هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من التخبط الظاهر في الرسائل الإيرانية، إذ ليست المشكلة أن القرار مفقود، بل إن مركزه تبدّل. فبدلاً من هرمية دينية - سياسية صارمة، ثمة الآن قيادة أمنية - عسكرية جماعية ترى الحرب والتفاوض وإدارة الاقتصاد، حلقات في معركة بقاء واحدة.

لذلك لم يعد ممكناً فهم موقف طهران من المفاوضات بعيداً عن منطق «الحرس الثوري»، المتمثل في أن أي تسوية يجب أن تُبقي لإيران ورقة ردع فعلية، وأهم هذه الأوراق اليوم ليست الخطاب الآيديولوجي ولا حتى البرنامج النووي وحده، بل القدرة على شلّ الملاحة في مضيق هرمز، أو تنظيمها بشروط إيرانية.

هرمز منصة مساومة

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

المضيق اليوم ليس مغلقاً بالكامل بالمعنى التقني، لكنه معطّل تجارياً. ووصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية الوضع بأنه انتقال من الحرب الجوية إلى «مأزق خانق» في هرمز، مع بقاء وقف النار هشاً واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

ووفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد انخفضت حركة السفن عبر المضيق من نحو 130 سفينة يومياً قبل الحرب إلى مستويات متدنية جداً، بينما تواصل إيران مهاجمة أو اعتراض السفن، بما يبقي حرية الملاحة اسماً بلا مضمون.

كما نقل عن بيانات ملاحية أن 187 سفينة فقط عبرت منذ بدء الإغلاق، أي بمعدل 4 سفن يومياً، مقارنة بأكثر من 130 عادةً. وهذا ما يجعل طهران تشعر بالنجاح وربما الانتصار في هذه الحرب. كما أنها لا تحتاج إلى إغلاق محكم كي تنتج الأثر نفسه، ويكفي أن تجعل المرور ممكناً على نحو استثنائي، أو أن يخضع للخوف والانتظار والمخاطرة، ما يعني أن المضيق يتحول إلى أداة ضغط عالمية.

ولهذا أيضاً يحمل حديث مسؤول إيراني عن تلقي «أول إيرادات» من رسوم عبور المضيق دلالة سياسية أكثر منها مالية.

وتريد إيران تثبيت فكرة أن هرمز بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها، وأن ثمن إعادة تدفق التجارة يمر عبر صفقة سياسية لا عبر مجرد ترتيبات أمنية.

إطلاق النار على الزوارق

قوارب وسفن تبحر في مضيق هرمز بالقرب من سلطنة عُمان (رويترز)

في المقابل، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب منع ترسخ الانطباع بأن إيران، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما زالت تمسك بالمضيق. لذلك صعّد خطابه حين قال إنه أمر البحرية الأميركية بـ«إطلاق النار» على أي زورق يزرع ألغاماً في هرمز.

وأضاف أنه أمر بزيادة جهود كسح الألغام إلى ثلاثة أضعاف، بحسب تغريدة له على منصته «تروث سوشيال».

هذا الخطاب لا يستهدف طهران فقط، بل أيضاً الرأي العام الأميركي وخصومه الإعلاميين، في ظل تقارير شككت في سرعة استعادة القوات الأميركية السيطرة البحرية الكاملة، وكذلك قدرات إيران العسكرية التي ما تزال تمتلكها.

ومن هنا جاءت حساسية تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الذي قال إن البنتاغون أبلغ الكونغرس في جلسة مغلقة بأن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق نحو ستة أشهر. وأحدثت هذه الرواية صدمة سياسية لأنها تناقض سردية الحسم السريع. لكن متحدثاً باسم البنتاغون نفى لاحقاً، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عدة، أن يكون تقييم الأشهر الستة حكماً نهائياً أو «ممكناً» بالصيغة التي عُرض بها، وهاجم ما سماه «انتقائية» التسريبات من الإحاطة السرية، ما تسبب لاحقاً في سحب الصحيفة لتقريرها.

عملياً، لا يحسم هذا السجال السؤال العسكري بقدر ما يكشف السؤال السياسي: إذا كانت واشنطن واثقة تماماً من قدرتها على تأمين المضيق سريعاً، فلماذا لا تزال الشركات والسفن تتصرف كما لو أن الخطر قائم؟

معادلة الحصار

المأزق الحالي يمكن اختصاره بمعادلة واحدة، وهي أن أميركا تحاصر الموانئ الإيرانية لتخنق الاقتصاد وتدفع طهران إلى تقديم تنازلات؛ وإيران تخنق هرمز لتُظهر أن حصارها ليس مجانياً على العالم.

وحذرت «وول ستريت جورنال» من أن استمرار هذا الوضع يرفع أخطار تباطؤ اقتصادي عالمي حاد، مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، بينما أشارت «نيويورك تايمز» إلى أن إيران، رغم الخسائر العسكرية الكبيرة، ما زالت تحتفظ بقدرة كافية لردع الملاحة التجارية وإبقاء المضيق رهينة مساومة.

وفي الوقت نفسه، أشار قائد القيادة الأميركية المركزية «سنتكوم»، براد كوبر، إلى وجود مروحيات «أباتشي» في محيط المضيق غرضها «إظهار الوجود والردع» وحماية تدفق التجارة، وهو اعتراف ضمني بأن الردع لم يتحول بعد إلى سيطرة مريحة ومكتملة.

لهذا، لا يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات، إن عُقدت في إسلام آباد، ستكون مجرد استئناف روتيني، بل ستكون اختباراً لما إذا كان الطرفان مستعدين فعلاً لتعديل هذه المعادلة.

فطهران، في ظل صعود «الحرس الثوري» ستدخل أي تفاوض وهي أكثر ميلاً إلى ربط كل تنازل برفع ملموس للحصار. وواشنطن في ظل حاجة ترمب إلى إظهار القوة وعدم التراجع، ستسعى إلى تثبيت أن الهدنة ليست مكافأة لإيران، بل فرصة أخيرة لها.


الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
TT

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

في ظل الجدل المتصاعد بشأن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في كثير من الولايات الأميركية، أمر قاضٍ في فيرجينيا بمنع المصادقة على نتائج استفتاء لترسيم جديد يصب في مصلحة الديمقراطيين بالولاية، ونقل الجمهوريون المعركة إلى فلوريدا، في محاولة لإعادة التوازن مع خصومهم قبل أشهر من الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأدى فوز الديمقراطيين في استفتاء فيرجينيا إلى منحهم أفضلية في خريطة يمكن أن تمنح حزبهم 4 مقاعد إضافية في الانتخابات النصفية التي تجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكان الجمهوريون حصلوا على مكاسب بعد سلسلة إجراءات بدأوها العام الماضي في تكساس، بطلب من الرئيس دونالد ترمب. ومنذ ذلك الحين، تحول «التلاعب» بالدوائر الانتخابية، وهي ممارسة راسخة في البلاد كل 10 سنين، حرباً بين الحزبين الرئيسيين.

حاكم فلوريدا رون دي سانتيس خلال اجتماع في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)

وبعدما أعاد الجمهوريون رسم خريطة الدوائر الانتخابية في تكساس لإضافة 5 مقاعد جمهورية محتملة، ردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا بإعادة رسم خريطة ولايتهم لإضافة 5 مقاعد ديمقراطية محتملة. كما أعادت 3 ولايات أخرى؛ هي ميسوري ونورث كارولاينا وأوهايو، رسم خرائطها لإضافة مقاعد جمهورية محتملة.

والآن، احتفل الديمقراطيون بنتيجة فيرجينيا، التي منحتهم خريطة جديدة لمجلس النواب بمقعد واحد مضمون للجمهوريين. ويتألف وفد الولاية في الكونغرس من 11 عضواً، هم حالياً 6 ديمقراطيين و5 جمهوريين. وعلى الصعيد الوطني، تعادل الديمقراطيون بشكل شبه تقريبي مع الجمهوريين في معركة إعادة رسم الدوائر الانتخابية.

اللجوء إلى القضاء

في المقابل، أمل الجمهوريون أن تُبطل المحكمة العليا في فيرجينيا نتيجة الاستفتاء. وقبل الوصول إلى تلك النقطة، أعلن الرئيس ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» أن الاستفتاء «مزور». وكتب: «فلنرَ ما إذا كانت المحاكم ستُصلح هذه المهزلة التي تُسمى: العدالة».

وأصدر القاضي في محكمة مقاطعة تازويل جاك هيرلي قراراً بمنع مسؤولي الولاية من المصادقة على نتيجة الاستفتاء واستخدام الخرائط الجديدة. وكتب أن المحكمة «تُعلن أن كل الأصوات المؤيدة أو المعارضة للتعديل الدستوري المقترح في الانتخابات الخاصة المقررة في 21 أبريل (نيسان) 2026، باطلة».

وعلى الأثر، قال وزير عدل الولاية؛ الديمقراطي جاي جونز، إن مكتبه «سيقدم استئنافاً فورياً» ضد الحكم. وكتب في بيان: «أدلى ناخبو فيرجينيا بأصواتهم، وينبغي ألا يمتلك قاضٍ ناشطٌ حقَّ النقض على تصويت الشعب».

وإذا ما تأكدت نتيجة الاستفتاء، فإنه يبدو أن أمام الجمهوريين فرصاً متضائلة لتوجيه ضربة قوية أخرى في معارك التلاعب بالدوائر الانتخابية. إحدى هذه الفرص، في فلوريدا، تنطوي على مخاطر جسيمة.

فرغم أن حاكم فلوريدا، الجمهوري رون دي سانتيس، أشار إلى نقص مُتصوَّر في تعداد السكان بوصف ذلك مبرراً لرسم خرائط جديدة، فإن أي إعادة تقسيم للدوائر في الولاية ستواجه على الأرجح طعوناً قضائية. كما أن الدوائر الجديدة ذات الميول الجمهورية قد تشتت الناخبين الجمهوريين بشكل كبير؛ مما يُعرض بعض شاغلي المناصب لخطر أكبر بفقدان مقاعدهم.

وأصابت نتائج الاستفتاء الجمهوريين بالإحباط، فتحركوا سريعاً لإعادة رسم الخريطة الانتخابية في فلوريدا، حيث يسيطرون على منصب الحاكم ويتمتعون بأكثرية ساحقة في المجلس التشريعي. لكنّ ثمة شكوكاً متصاعدة داخل الحزب بشأن استراتيجيته الأوسع. وقال المستشار الجمهوري ستيوارت فيرديري: «أنفق الطرفان مئات الملايين من الدولارات للعودة إلى نقطة البداية، وعموماً، انتهى الأمر بخسارة الجمهوريين».

تحذير من المخاطر

رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال حملة انتخابية في فيرجينيا (رويترز)

وأفاد خبير الاستطلاعات جون كوفيلون؛ الذي عمل مع مرشحين جمهوريين، بأن «ما يُريد الجمهوريون في فلوريدا فعله محفوفٌ بالمخاطر». وأضاف أن المناخ السياسي الحالي يُشكّل مخاطر خاصة أمام أي تلاعب عدواني بالدوائر الانتخابية يهدف إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

ودعا دي سانتيس المشرعين في الولاية إلى جلسة استثنائية لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية. ولكن قبل أقل من أسبوع من بدء الجلسة، التي أُجّلت، لم يكشف بعدُ عن خريطة جديدة ليعرضها المشرعون. وأبدى مشرعو فلوريدا اهتماماً ضئيلاً بإعادة تقسيم الدوائر، ولا يُتوقع منهم اقتراح خرائط خاصة بهم.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري السابق عن جنوب فلوريدا، كارلوس كوربيلو، إن «كل مبادرات إعادة تقسيم الدوائر هذه ضارة»، محذراً بأن حزبه يُخاطر بإضعاف فرص الجمهوريين في بعض الدوائر، وتقويض الثقة بالديمقراطية الأميركية.

ومع أن فلوريدا قد تستحوذ على معظم الاهتمام على المدى القصير، فإن قضية أمام المحكمة العليا الأميركية قد يكون لها تأثير أكبر بكثير على إعادة تقسيم الدوائر.

فإذا ألغت المحكمة هذا البند تماماً، كما بدا أنها على وشك فعله خلال المرافعات الشفوية، فيمكن أن تحاول ولايات كثيرة إعادة رسم خرائطها بسرعة. وقد يعطي قرار المحكمة العليا دي سانتيس مبرراً آخر لرسم خرائط جديدة في فلوريدا.

ومع ذلك، فإنه لا يزال من غير الواضح متى ستُصدر المحكمة حكمها في هذه الدورة، التي تنتهي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو (تموز) المقبلين، علماً بأن صدور حكم متأخر، بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية في عشرات الولايات، سيصعب على كثير من الولايات رسم خرائط جديدة قبل الانتخابات النصفية.

وعلق الناطق الأسبق باسم البيت الأبيض (في عهد الرئيس جورج دبليو بوش)، آري فليشر: «إذا كنت ستخوض معركة، فعلى الأقل انتصر فيها». وأضاف أن «الطرف الآخر سيرد دائماً. كل هذا كان متوقعاً ويمكن تجنبه. ما كان ينبغي لنا أن نبدأ هذه المعركة».


أميركا تُصنف بعض منتجات الماريغوانا على أنها مُخدر أقل خطورة

تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)
تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)
TT

أميركا تُصنف بعض منتجات الماريغوانا على أنها مُخدر أقل خطورة

تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)
تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل الأميركي في مؤتمر صحافي (أ.ب)

قال تود بلانش، القائم بأعمال وزير العدل الأميركي، ​اليوم الخميس، إن الوزارة تعيد تصنيف الماريغوانا المعتمَدة من إدارة الغذاء والدواء والمرخصة من قِبل الولايات، على أنها ‌مُخدر أقل خطورة.

ولا ‌يضفي ​هذا ‌الإعلان شرعية ​على استخدام الماريغوانا في أنحاء الولايات المتحدة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفي منشور على منصة «إكس»، كتب بلانش أن وزارة العدل «تعيد وبأثر فوري تصنيف الماريغوانا المعتمدة من ‌إدارة ‌الغذاء والدواء، ​والماريغوانا المرخصة من ‌قِبل الولايات، من (مخدرات) ‌الجدول الأول إلى الجدول الثالث».

وقالت الوزارة، في بيان، إنها بدأت أيضاً ‌جلسة استماع عاجلة للنظر في إعادة تصنيف الماريغوانا على نطاق أوسع.

ويمثل قرار إعادة تصنيف الماريغوانا أحد أهم التغييرات في السياسة الاتحادية المتبَعة مع الماريغوانا منذ عقود، بما سيُزيل الحواجز أمام البحث في الاستخدام ​المحتمل ​لها.