رحيل كيسنجر مهندس «الدبلوماسية»... و«الخراب»

قال إن «حماس» تستحق «بعض العقوبة»... وروسيا «تهاجم» النظام الدولي

TT

رحيل كيسنجر مهندس «الدبلوماسية»... و«الخراب»

دونالد ترمب مستقبلاً هنري كيسنجر في المكتب البيضوي بالبيت الأبيض عام 2017 (رويترز)
دونالد ترمب مستقبلاً هنري كيسنجر في المكتب البيضوي بالبيت الأبيض عام 2017 (رويترز)

لم يترك هنري كيسنجر حجراً لم يقلبه في الدبلوماسية الناجحة عالمياً. لكنه واجه طيلة عمره المديد تهمة «هندسة الخراب» في العديد من بلدان العالم، بما في ذلك لبنان عربياً، وتشيلي والأرجنتين في أميركا الجنوبية، وفيتنام وكمبوديا في آسيا، وصولاً إلى بلدان عدة في أفريقيا.

ولولا هذه وتلك، ما كان نجم كيسنجر ليلمع منذ أكثر من نصف قرن، ثم يطبع اسمه على السياسة الخارجية الأميركية، وربما الغربية عموماً. ظلّ مهندسو الدبلوماسية الأميركية عبر الحزبين الجمهوري والديمقراطي يعودون إليه حتى أيامه الأخيرة. يقول كثيرون إنه ترك أثراً عميقاً لا يزال حيّاً حتى في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة.

كيسنجر لدى حضوره فعالية أكاديمية في برلين عام 2010 (د.ب.أ)

بقي كيسنجر، الذي تمم عمره بمائة عام في 27 مايو (أيار) الماضي، مرجعاً دولياً كبيراً - على غرار كتابه «الدبلوماسية» لعام 1994 - في القضايا الكبرى حتى أيامه الأخيرة. في عمره المائة، سافر إلى الصين حيث صنع أحد اختراقاته التاريخية قبل نصف قرن. تحدث كثيراً عن غزو روسيا لأوكرانيا ومستقبل أوروبا. كان له رأي مسموع في أثر الذكاء الاصطناعي على العلاقات الدولية.

صنع كيسنجر «أيقونة» نفسه أيضاً في الشرق الأوسط، حيث كانت «الدبلوماسية المكوكية» التي اعتمدها كوزير للخارجية الأميركية خلال الحرب العربية - الإسرائيلية لعام 1973 بمثابة الحجر الأساس ليس فقط لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، بل أيضاً لاحتكار الولايات المتحدة رعاية ما صار الآن عملية السلام المترنحة بين الفلسطينيين والعرب من جهة، والإسرائيليين من الجهة الأخرى.

كيسنجر رفقة الرئيس الأميركي جو بايدن عام 2007 وكان بايدن حينها رئيساً للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ (أ.ب)

على أثر هجمات «حماس» الصاعقة ضد المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بغزة، قال كيسنجر إن هذا «العمل العدواني الصريح» يجب أن يقابل بـ«بعض العقوبة»، محذراً من احتمال حدوث تصعيد خطير في المنطقة. وأضاف أن «الصراع في الشرق الأوسط ينطوي على خطر التصعيد وإدخال دول عربية أخرى تحت ضغط الرأي العام»، مشيراً إلى العبر من «حرب يوم الغفران»، التسمية الإسرائيلية لـ«حرب أكتوبر (تشرين الأول)» العربية عام 1973. رأى أن الهدف الحقيقي لـ«حماس» ومؤيديها «لا يمكن إلا أن يكون تعبئة العالم العربي ضد إسرائيل والخروج عن مسار المفاوضات السلمية»، من دون أن يستبعد أن تتخذ إسرائيل «إجراءات» ضد إيران، إذا تأكدت أن لها يداً في الهجوم. واعتبر أن غزو روسيا لأوكرانيا وهجوم «حماس» ضد إسرائيل يمثلان «هجوماً أساسياً على النظام الدولي».

معرفة كيسنجر بالسعودية والخليج

في حوار طويل أجراه الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز مع كيسنجر، خلال إعداد الأول لأطروحة الدكتوراه في جامعة أكسفورد بعنوان «إيران والسعودية والخليج 1968 - 1971»، أظهر الدبلوماسي الأميركي أن معرفته بالسعودية والخليج «كانت غير مؤثرة في سياسات مجلس الأمن القومي في الخليج». بل إنه اعترف بعدم اطلاعه ومعرفته بالتفاصيل المتعلقة بهذه المنطقة ومعرفته بـ«مسار العلاقات السعودية الإيرانية في حقبة الشاه».

وذكر الأمير فيصل بن سلمان، أمير منطقة المدينة المنورة الحالي، في كتابه: «يعتبر كثر أن سياسة مجلس الأمن القومي في الخليج تأثرت بكيسنجر إلى حد كبير». ولكن «تبدو هذه النظرة غير دقيقة، إذ إن كيسنجر نفسه أجاب عند سؤاله عن التصور الذي يملكه حول الخليج عام 1969: ليس لدي تصور، مضيفاً: أجهل مسار العلاقات السعودية - الإيرانية، الأولوية بالنسبة إلي هي إخراج السوفيات من الشرق الأوسط».

السياسة الواقعية

في عيد ميلاده المائة في مايو (أيار) الماضي، سألت «الشرق الأوسط» عدداً من الأكاديميين والدبلوماسيين الذين أعادوا إليه الفضل في إنشاء العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، بثمن ابتعاد الأخيرة عن المنظومة الشيوعية التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، مؤسساً مع ذلك لعقيدة التوازن بين القوى الدولية.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل كيسنجر في بكين خلال زيارته للصين في 20 يوليو 2023 (أ.ب)

كما في عمله الأكاديمي من جامعة هارفرد التي تخرج فيها عام 1954 بشهادة الدكتوراه، اعتنق كيسنجر مذهب «السياسة الواقعية» الذي ابتكره الكاتب الألماني لودفيك فون روشو في القرن التاسع عشر لتقديم الاعتبارات والظروف المعينة في العمل السياسي والدبلوماسي، مقدماً إياه على اتباع نهج آيديولوجي ومفاهيم أخلاقية. واستطاع كيسنجر، المولود يهودياً في ألمانيا، قبل أن يلجأ مع عائلته إلى الولايات المتحدة عام 1938 هرباً من حكم النازيين بقيادة أدولف هتلر، ليس فقط أن يدخل عالم السياسة الأميركية، بل أيضاً أن يصير أولاً مستشاراً للأمن القومي عام 1969، ثم وزيراً للخارجية عام 1973 في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، وبقي في منصبه الأخير حتى مطلع عام 1977، في عهد الرئيس جيرالد فورد الذي خلف نيكسون عام 1974 على أثر فضيحة «ووترغيت».

على رغم كل المآخذ، تقدم هنري كيسنجر إلى صفوف أنصار «السياسة الواقعية» البارزين خلال القرن العشرين، مثل مهندس الحرب الباردة جورج كينان، ومهندس إعادة توحيد ألمانيا هانس ديتريش غينشر، بالإضافة إلى سياسيين مثل الرئيس الفرنسي شارل ديغول.

كان لديه الكثير ليحتفل به في عيد ميلاده المائة.

اختراق تاريخي

غاب كيسنجر، وبقي كتابه «الدبلوماسية» مرجعاً رئيسياً. لكن الدبلوماسي الذي أحدث عام 1973 زلزالاً جيوسياسياً في العلاقات الدولية عندما نجحت جهوده لعقد قمة بين الرئيس نيكسون والزعيم الصيني ماو تسي تونغ، لا يزال الرجل المحبوب عند الزعماء الصينيين الحاليين، وبينهم الرئيس شي جينبينغ. كما لا يزال أثره باقياً في الشرق الأوسط لدوره في الوساطة من أجل وقف النار بين مصر وسوريا من جهة، وإسرائيل من الجهة الأخرى، مما أتاح لاحقاً عقد اتفاقات كامب ديفيد للسلام بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن.

كيسنجر (وسط) يناقش دينغ تشياو بينغ (يمين) خلال عشاء عام 1974 (غيتي)

رداً على سؤال من «الشرق الأوسط»، أجاب أستاذ التاريخ في جامعة «فاندربيلت» البروفسور توماس شوارتز بأن «كيسنجر كان مؤثراً بشكل غير عادي على السياسة الخارجية الأميركية»، إذ إن كثيرين ممن عملوا معه أو رافقوه، مثل برنت سكوكروفت الذي عمل مستشاراً للأمن القومي في عهدي الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب، ووزير الخارجية سابقاً لورانس إيغلبرغر (في عهد جورج بوش الأب أيضاً)، ووزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس (خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن)، وغيرهم «صاغوا مكانة أميركا في العالم بعد فترة طويلة من تولي (كيسنجر) منصب وزير الخارجية».

ولا يزال من اللافت أن كيسنجر بمقاربته «الواقعية» التي «لا تحظى دائماً بشعبية»، دفعت حتى الرئيس السابق باراك أوباما إلى الادعاء بأنه تعامل مع القضايا الدولية على هذا المنوال.

«سيد اللعبة»

في الوقت ذاته، رأى الموفد الخاص للأمم المتحدة إلى لبنان سابقاً، تيري رود لارسن، أن كيسنجر شخصية «فريدة تماماً في عالم الدبلوماسية المعاصرة» لأنه يعد «أحد أبرز الباحثين عالمياً في العلاقات الدولية والدبلوماسية»، مضيفاً أن «أعماله في هذا المجال كأكاديمي رائعة للغاية»، فضلاً عن أنه «الرقم واحد بصفته دبلوماسياً عاملاً في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية». وقال لارسن لـ«الشرق الأوسط» إن كيسنجر «حقق إنجازاً هائلاً»، مشيراً أولاً إلى العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وثانياً إلى دبلوماسيته في الشرق الأوسط. وأكد أن «أوراق اعتماد (كيسنجر) الأكاديمية، وأوراق اعتماده بوصفه دبلوماسياً عاملاً جعلته (يجمع مزيجاً لا يوجد عند أي شخص آخر، كونه الأفضل في المجالين)». واغتنم مناسبة بلوغ كيسنجر مائة عام ليشيد به وبخدمته «طوال حياته من أجل السلام والأمن الدوليين».

«الإنجاز الحاسم» عربياً

يتفق رود لارسن، الذي كان الوسيط الرئيسي في اتفاقات أوسلو لعام 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تماماً مع وكيل وزارة الخارجية الأميركية سابقاً مارتن إنديك الذي عمل مبعوثاً أميركياً للسلام في الشرق الأوسط، وألف أخيراً كتاباً بعنوان «هنري كيسنجر، سيد اللعبة وفن دبلوماسية الشرق الأوسط».

كيسنجر والسادات في القاهرة في 16 يناير 1974 (أ.ب)

ويعرض إنديك في كتابه بشكل شامل ومفصل لما يعتبره البعض «الإنجاز الأكثر حسماً وأهمية» لكيسنجر، الذي انخرط في «دبلوماسية مكوكية» إثر «حرب أكتوبر» عام 1973، فتوصل إلى ترتيب ثلاث اتفاقيات لفك ارتباط بين إسرائيل ومصر من جهة، وإسرائيل وسوريا من جهة ثانية، كما ساعد ثالثاً في وضع الأساس لـ«السلام في الشرق الأوسط». وكرس إنديك كتابه لدور كيسنجر الحاسم في الشرق الأوسط، واصفاً إياه بأنه «مفاوض لامع لا يكل»، كان «هدفه إقامة توازن ثابت للقوى» في الشرق الأوسط من خلال «التلاعب الماهر بخصومات القوى المتنافسة».

غير أن السرديات التأريخية التي اعتمدها مارتن إنديك اعتمدت إلى حد كبير على الأرشيفين الأميركي والإسرائيلي، بالإضافة إلى المقابلات المباشرة له مع كيسنجر وآخرين من أصحاب الشأن. لم تتح له فرصة الوصول إلى الأرشيفين المصري والسوري وغيرهما في المنطقة العربية. وعلى رغم أنه عمل مع الرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما، وكان ينتقد سياسة الرئيس السابق دونالد ترمب في الشرق الأوسط، قارن إنديك «اتفاقات إبراهيم» للتطبيع بين عدد من الدول العربية وإسرائيل بنجاح كيسنجر في التعامل مع الرئيس السوري حافظ الأسد، مقابل فشل إدارة كلينتون في التوصل إلى معاهدة سلام سورية - إسرائيلية، وكذلك إنجاز كيسنجر في مفاوضات سيناء الثانية التي أدت إلى أول انسحاب إسرائيلي كبير من الأراضي العربية المحتلة، وعزز العلاقات الجديدة للولايات المتحدة مع مصر، مقابل إخفاق إدارة أوباما في تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على أساس حل الدولتين.

وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر ورئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير يتحدثان بعد عشاء للأعضاء اليهود في الكونغرس، ليلة الأحد 4 نوفمبر، 1977، في نيويورك (أ.ب)

بدوره، يؤكد البروفسور شوارتز لـ«الشرق الأوسط» أن «دور كيسنجر في الشرق الأوسط كان حاسماً للغاية»، معتبراً أن «أحد أهم موروثاته (يتمثل) في وضع الأساس» لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، مما «أزال التهديد الأكبر لوجود إسرائيل وأقام تحالفاً أقوى بكثير (للولايات المتحدة) مع إسرائيل». وذهب أيضاً إلى اعتبار أن «اتفاقات إبراهيم هي أيضاً إرث من نهج كيسنجر».

ومع ذلك يعتقد إنديك أن كيسنجر «أضاع فرصة» في أوائل عام 1974 لمشاركة العاهل الأردني الملك حسين في عملية السلام بطريقة تسمح للأردن (بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية) بتمثيل الفلسطينيين. وهو انتقد تردد كيسنجر إلى حدٍّ سمح لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بالحصول على «دعم عربي رئيسي تمثل بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد» للشعب الفلسطيني، خلال قمة الرباط لعام 1974.

«الواقعية تتلاشى»

يبدو مدير الأمم المتحدة لدى معهد الأزمات الدولية، ريتشارد غاون، أكثر تشكيكاً بما صنعه كيسنجر، معتبراً أن «العالم الذي حاول صوغه في السبعينات من القرن الماضي ينهار». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مشاريع الاستراتيجية الكبرى لكيسنجر كانت الانفراجة مع روسيا، والانفتاح على الصين»، مضيفاً أن «الولايات المتحدة عالقة الآن في مواجهة مع القوتين». وقال إنه «بمعنى ما، كان هدف كيسنجر هو استبدال المواجهة الآيديولوجية بسياسة واقعية بين القوى العظمى»، لأنه «رأى أن السياسة الواقعية أكثر استقراراً». لكن «نحن الآن في عالم تتلاشى فيه روح الواقعية». واعتبر أيضاً أن «العديدين من منتقدي كيسنجر سيتذكرون دوره في أزمات مثل حرب بنغلاديش، عندما غضت واشنطن الطرف عن الفظائع» التي ارتكبت هناك. ومع ذلك عبر غاون عن اعتقاده بأنه «لا يزال في إمكاننا التعلم من إحساسه بالواقعية».

حتى القضايا المعاصرة

يعتقد البعض أنه ما كان لهنري كيسنجر أن يمنح جائزة نوبل للسلام عام 1973، إلا لأنه أراد استخدام ما يسمى «ورقة الصين»، لموازنة قوة الاتحاد السوفياتي، وفقاً لما قاله شوارتز، الذي لاحظ أيضاً أن ذلك حصل «في وقت كانت فيه القوة النسبية لكل منهما مختلفة تماماً عما هي اليوم»، مضيفاً أن «كيسنجر أدرك أن الصين ستضطلع بدور مهم في النظام الدولي».

كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك في 21 سبتمبر 2023 (د.ب.أ)

وعلى رغم أن كثيرين اعتقدوا أن «التكامل الاقتصادي للصين سيؤدي إلى ديمقراطية سياسية»، رأى أن كيسنجر «ظل مقتنعاً بأن الولايات المتحدة والصين يمكنهما الوصول إلى نوع من التوازن» بين قوتيهما.

وكان كيسنجر علامة فارقة في الشؤون الدولية المعاصرة، مستنداً إلى نشأة الدبلوماسية الأوروبية في القرن التاسع عشر، ولاعباً كبيراً في القرن العشرين، ومؤسساً لنهج لا يزال باقياً في القرن الحادي والعشرين.

 



ترمب يستحضر حكماً عمره 150 عاماً لإنهاء «حق المواطنة بالولادة»

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يستحضر حكماً عمره 150 عاماً لإنهاء «حق المواطنة بالولادة»

احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)
احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثّمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك - 28 يناير 2026 (أ.ف.ب)

​تستعد المحكمة العليا الأميركية للنظر، في 1 أبريل (نيسان)، في واحدة من أكثر القضايا الدستورية إثارة للجدل بالولايات المتحدة، تتعلق بمستقبل مبدأ منح الجنسية الأميركية تلقائياً لكل من يولد على الأراضي الأميركية.

وتدافع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن خطتها لإنهاء هذا النظام بالاستناد إلى تفسير دستوري قديم، وإلى حكم قضائي يعود إلى أكثر من 150 عاماً، كان قد استُخدم في الأصل لمنع السكان الأصليين في أميركا، المعروفين تاريخياً باسم «الهنود الحمر»، من الحصول على الجنسية الأميركية.

ومن المقرر أن تستمع المحكمة العليا، الأربعاء، إلى المرافعات الشفهية في القضية، التي تركز على تفسير «بند المواطنة» في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، وهو أحد أهم النصوص الدستورية التي أُقرت بعد الحرب الأهلية عام 1868 عقب إلغاء العبودية. وينص هذا البند على أن «جميع الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة، أو الذين اكتسبوا جنسيتها بالتجنس، والخاضعين لولايتها القضائية، يعدّون مواطنين في الولايات المتحدة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعى منذ الأيام الأولى من ولايته إلى تشديد القيود على الهجرة (أ.ف.ب)

ومنذ أكثر من قرن ونصف قرن، كان التفسير السائد لهذا النص أنه يمنح الجنسية الأميركية لأي شخص يولد داخل الولايات المتحدة تقريباً، بغض النظر عن الوضع القانوني لوالديه. ويستثنى من ذلك فقط عدد محدود من الحالات؛ مثل الأطفال المولودين لدبلوماسيين أجانب، أو لأفراد قوات عسكرية معادية تحتل الأراضي الأميركية. لكن إدارة ترمب تسعى إلى إعادة تفسير هذا النص الدستوري، مركزة على عبارة «الخاضعين لولايتها القضائية» الواردة في التعديل الرابع عشر.

ويقول مسؤولو الإدارة إن هذه العبارة لا تنطبق على أطفال المهاجرين الذين دخلوا الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، ولا على أطفال المقيمين مؤقتاً مثل حاملي تأشيرات العمل أو الدراسة.

وبناء على هذا التفسير، ترى الإدارة أن هؤلاء الأطفال لا ينبغي أن يحصلوا تلقائياً على الجنسية الأميركية، بمجرد ولادتهم داخل البلاد.

ويرى مؤيدو هذا التوجه أن نظام «حق المواطنة بالولادة» يشجع الهجرة غير الشرعية؛ إذ يعتقد بعض المهاجرين أن إنجاب طفل في الولايات المتحدة يمنح العائلة لاحقاً فرصة للبقاء في البلاد بصورة قانونية.

العودة إلى حكم تاريخي

وفي دفاعها عن هذا التفسير، استشهدت إدارة ترمب بحكم قضائي يعود إلى عام 1873 في قضية عُرفت باسم «قضايا المسالخ» (Slaughter-House Cases). وفي ذلك الحكم، فسرت المحكمة العليا عبارة «الخاضعين لولايتها القضائية» بشكل ضيق، معتبرة أن هناك فئات لا تنطبق عليها هذه العبارة، ومن بينها - في ذلك الوقت - السكان الأصليون في أميركا الذين كانوا يعيشون ضمن قبائل تتمتع بدرجة من الاستقلال عن الحكومة الفيدرالية.

متظاهرون يواجهون عناصر وكالة الجمارك والهجرة «آيس» في مينيابوليس - 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وبناء على هذا التفسير، لم يُعدّ الأميركيون الأصليون مواطنين تلقائياً رغم ولادتهم داخل الأراضي الأميركية، ولم يحصلوا على الجنسية الكاملة إلا لاحقاً عبر قانون أصدره الكونغرس عام 1924. وتقول إدارة ترمب إن هذا الحكم يثبت أن التعديل الرابع عشر لم يكن يهدف إلى منح الجنسية لكل شخص يولد في الولايات المتحدة من دون استثناء.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أبيجيل جاكسون، في بيان لها: «تحظى المحكمة العليا بفرصة مراجعة (بند المواطنة) الوارد في التعديل الرابع عشر للدستور، وإعادة المعنى الأصلي للمواطنة في الولايات المتحدة إلى سياقه العام الأولي». وأضافت: «ستكون لهذه القضية تداعيات هائلة على أمن جميع الأميركيين».

جدل دستوري

غير أن عدداً من الخبراء القانونيين يعارضون هذا التفسير بشدة، ويقولون إن المحكمة العليا حسمت المسألة بالفعل في حكم شهير صدر عام 1898 في قضية «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم آرك»، حيث أقرت المحكمة أن أي شخص يولد على الأراضي الأميركية يعد مواطناً، حتى لو كان والداه من المهاجرين غير المواطنين.

تستمع المحكمة العليا الأربعاء إلى المرافعات الشفهية في القضية التي تركز على تفسير «بند المواطنة» في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي (أ.ب)

ومنذ أول يوم له بعد عودته إلى منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025، أصدر ترمب توجيهات للوكالات الفيدرالية بعدم الاعتراف بجنسية الأطفال المولودين في الولايات المتحدة، الذين ليس لديهم على الأقل أحد الوالدين مواطناً أميركياً أو مقيماً دائماً قانونياً، يُعرف أيضاً بحامل «البطاقة الخضراء». وأصدر أمراً تنفيذياً حينها بعنوان «حماية معنى وقيمة المواطنة الأميركية»، الذي يعد واحداً من أكثر من 500 تغيير في السياسات التي أقرّتها الإدارة، ووصفت بأنها من بين أوسع القيود المفروضة على الهجرة في التاريخ الأميركي الحديث.

ويرى منتقدو خطة ترمب أن إعادة فتح هذا الملف قد تقود إلى تغيير جذري في أحد أهم المبادئ القانونية بالولايات المتحدة. وقال عدد من أساتذة القانون الدستوري إن حق المواطنة بالولادة أصبح جزءاً أساسياً من النظام الدستوري الأميركي منذ أكثر من قرن، وإن تغييره قد يتطلب تعديلاً دستورياً وليس مجرد تفسير جديد للنص.

أميركي بلا جنسية

يأتي هذا الجدل في سياق أوسع من السياسات التي تبنتها إدارة ترمب لتشديد القيود على الهجرة، وهي قضية تعدّ من أبرز الملفات السياسية في الولايات المتحدة؛ فقد جعل ترمب من مكافحة الهجرة غير الشرعية محوراً رئيسياً في برنامجه السياسي، مؤكداً أن نظام المواطنة بالولادة «يشجع الهجرة غير النظامية ويستغل ثغرات القانون». في المقابل، تقول منظمات حقوقية ومدافعون عن حقوق المهاجرين، إن إلغاء هذا النظام قد يؤدي إلى ظهور فئة كبيرة من الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة، لكنهم بلا جنسية واضحة.

وينتظر أن يكون قرار المحكمة العليا في هذه القضية مفصلياً، إذ قد يحدد مستقبل أحد أقدم المبادئ الدستورية في الولايات المتحدة؛ فإذا تبنت المحكمة تفسير إدارة ترمب، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في نظام الجنسية الأميركي. أما إذا رفضت هذا التفسير، فسيظل مبدأ المواطنة بالولادة قائماً كما هو منذ أكثر من قرن. وفي كلتا الحالتين، يرى مراقبون أن القضية تعكس عمق الانقسام السياسي في الولايات المتحدة حول ملف الهجرة، وهو انقسام يتوقع أن يبقى في صلب النقاش السياسي الأميركي لسنوات مقبلة.


ترمب يخيّر إيران: التوصل لاتفاق أو تدمير محطات الطاقة وآبار النفط وجزيرة خرج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يخيّر إيران: التوصل لاتفاق أو تدمير محطات الطاقة وآبار النفط وجزيرة خرج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

​وجَّه الرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، اليوم (الاثنين)، تحذيراً جديداً إلى إيران بضرورة فتح مضيق هرمز، وإلا ‌فإنها ستواجه ‌هجمات ​أميركية ‌على ⁠آبار ​النفط ومحطات الكهرباء.

وكتب ⁠ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «لقد تحقق تقدم ⁠كبير، ولكن إذا ‌لم ‌يتم ​التوصل ‌إلى اتفاق ‌قريباً لأي سبب كان، وهو ما سيحدث على الأرجح، ‌وإذا لم (يُفتح) مضيق هرمز فوراً، ⁠فسننهي (إقامتنا) ⁠الجميلة في إيران عبر تفجير جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج، ومحوها تماماً».

وأضاف: «سيكون هذا انتقاماً لجنودنا وغيرهم ممن قتلتهم إيران خلال 47 عاماً من (عهد الإرهاب) الذي فرضه النظام السابق». ومساء أمس (الأحد) صرَّح ترمب للصحافيين بأن على إيران أن تُطيع مطالب الولايات المتحدة، وإلا «فلن تكون لها دولة». وفي إشارة إلى اليورانيوم الإيراني، قال الرئيس الأميركي: «سيُعطوننا الغبار النووي».

ويدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنفيذ عملية عسكرية معقدة، لاستخراج نحو ألف رطل (450 كيلوغراماً) من اليورانيوم من داخل إيران، وفق ما أفاد به مسؤولون أميركيون، في خطوة تنطوي على مخاطر كبيرة، وقد تتطلب بقاء قوات أميركية داخل الأراضي الإيرانية أياماً.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن المسؤولين قولهم إن ترمب لم يتخذ قراراً نهائياً بعد، وإنه يدرس المخاطر التي قد يتعرض لها الجنود الأميركيون. ولكن الرئيس الأميركي لا يزال منفتحاً على الفكرة عموماً، وفقاً للمسؤولين؛ لأنها قد تساعد في تحقيق هدفه الرئيسي المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي.


تقرير: صاروخ أميركي جديد استُخدم في قصف صالة رياضية ومدرسة بإيران

صورة مقتبسة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية للصاروخ
صورة مقتبسة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية للصاروخ
TT

تقرير: صاروخ أميركي جديد استُخدم في قصف صالة رياضية ومدرسة بإيران

صورة مقتبسة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية للصاروخ
صورة مقتبسة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية للصاروخ

كشف خبراء أسلحة وتحليل أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن صاروخاً باليستياً أميركياً حديث التطوير استُخدم في هجوم استهدف صالة رياضية ومدرسة ابتدائية قرب منشأة عسكرية في مدينة لامرد جنوب إيران، في اليوم الأول من الحرب مع إيران.

وأفاد مسؤولون محليون، نقلت عنهم وسائل إعلام إيرانية، بأن هذا الهجوم وهجمات أخرى مجاورة في لامرد، أسفرت عن مقتل 21 شخصاً على الأقل.

ووقع الهجوم في 28 فبراير (شباط)، في اليوم نفسه الذي استهدف فيه صاروخ «توماهوك» أميركي مدرسة في مدينة ميناب، على بعد مئات الأميال، ما أسفر عن مقتل 175 شخصاً. إلا أن هجوم لامرد استخدم سلاحاً لم يُختبر في القتال من قبل.

وقد تحققت صحيفة «نيويورك تايمز» من مقاطع فيديو لهجومين في لامرد، بالإضافة إلى لقطات من آثار الهجمات. وتوصلت -بعد الاستعانة بخبراء الذخائر- إلى أن خصائص السلاح والانفجارات والأضرار تتطابق مع صاروخ باليستي قصير المدى يُسمى «صاروخ الضربة الدقيقة» (PrSM)، وهو مصمم للانفجار فوق هدفه مطلقاً شظايا معدنية قاتلة.

وأظهرت مقاطع فيديو وتحليلات ميدانية أن الانفجار حدث فوق المباني مباشرة، ما تسبب في أضرار واسعة وثقوب منتشرة في الموقعين نتيجة الشظايا. كما أظهرت الصور دماراً في الصالة الرياضية وأضراراً كبيرة داخل المدرسة، بما في ذلك نوافذ محطمة وآثار حريق ودماء.

ورغم وجود موقع تابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بجوار المكان، لم يتأكد مما إذا كان هو الهدف المباشر للهجوم؛ خصوصاً أن المنشآت المدنية كانت منفصلة عنه منذ سنوات طويلة، وكانت تُستخدم بشكل واضح من قبل المدنيين، بما في ذلك الأطفال وفريق كرة طائرة نسائي.

أول استخدام للصاروخ

ووفقاً لبيان صحافي صادر عن الجيش الأميركي، لم يكتمل اختبار النموذج الأولي لـ«صاروخ الضربة الدقيقة» إلا في العام الماضي.

وفي الأول من مارس (آذار)، نشرت القيادة المركزية الأميركية مقطع فيديو لإطلاق الصاروخ خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى من الحرب.

وبعد أيام، صرَّح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، بأن «صاروخ الضربة الدقيقة» استُخدم في القتال لأول مرة. وقد روَّج الجيش لهذا الظهور الأول.

ونظراً لحداثة السلاح، يصعب تحديد ما إذا كانت ضربات لامرد متعمدة، أم ناتجة عن خلل في التصميم أو التصنيع، أم أنها كانت نتيجة اختيار غير مناسب للهدف.

ومن جانبه، قال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية، في بيان لصحيفة «نيويورك تايمز» يوم السبت: «نحن على علم بالتقارير ونجري تحقيقاً فيها. القوات الأميركية لا تستهدف المدنيين عشوائياً، على عكس النظام الإيراني».

وحسب التقارير، فإن من الضحايا لاعبات كرة طائرة كنَّ يتدربن داخل الصالة، كما وثَّقت وسائل إعلام محلية مقتل أطفال كانوا في المدرسة، ما أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة الهجوم ودقة الأسلحة المستخدمة.

بالإضافة إلى الصالة الرياضية والمدرسة، يُحتمل أن يكون موقع ثالث قد استُهدف في الهجوم.

وذكرت تقارير نشرتها صحيفة «التلغراف» ووسائل إعلام أخرى، أن مركزاً ثقافياً قد استُهدف، ولكن لم يتسنَّ التحقق من ذلك بشكل مستقل.