فضيحة فساد في الكونغرس الأميركي

مساعٍ نادرة لطرد النائب الجمهوري جورج سانتوس

سانتوس يتحدث مع الصحافيين في مبنى الكابيتول في 28 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
سانتوس يتحدث مع الصحافيين في مبنى الكابيتول في 28 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

فضيحة فساد في الكونغرس الأميركي

سانتوس يتحدث مع الصحافيين في مبنى الكابيتول في 28 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
سانتوس يتحدث مع الصحافيين في مبنى الكابيتول في 28 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

فضيحة جديدة تهز أروقة الكونغرس، بطلها هذه المرة النائب الجمهوري جورج سانتوس الذي يواجه احتمال الطرد من المجلس التشريعي في خطوة نادرة الحدوث في التاريخ الأميركي.

فسجلّ سانتوس، الذي يمثل مقاطعة نيويورك الثالثة في مجلس النواب، بات مشبعاً بالفضائح المتعلقة بالفساد، التي أدت إلى توجيه وزارة العدل الأميركية تهماً بحقه، وإصدار لجنة النزاهة في مجلس النواب تقريراً صارخاً عن ممارساته غير القانونية من الاحتيال والكذب إلى غسيل الأموال وسرقة الأموال الفيدرالية.

ورغم كل هذه المعطيات التي يسعى الحزب الجمهوري لاحتوائها عبر إقناع سانتوس بالاستقالة، رفض الأخير رفضاً تاماً الانصياع لهذه المطالبات، فوقف في قاعة مجلس النواب متحدياً زملاءه وقال: «سأكون واضحاً، وأقول هذا لإدراج تصريحي في سجل المجلس: لن أقدم استقالتي».

هذا يعني أن أعضاء المجلس سيضطرون لمواجهة الأمر الواقع والتصويت فعلياً لطرد زميل لهم في سابقة محرجة للمجلس بشكل عام، وللجمهوريين بشكل خاص.

سانتوس يتحدث مع الصحافيين في مبنى الكابيتول في 28 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

سوابق تاريخية

فمنذ الحرب الأهلية، طرد مجلس النواب اثنين فقط من أعضائه، بعد إدانتهما بجنح. أول مرة كانت في عام 1980 عندما تمت إدانة النائب الديمقراطي مايكل مايرز بتهم الرشوة والتآمر، وصوّت أعضاء مجلس النواب لصالح طرده من منصبه. والمرة الثانية في عام 2002 عندما طرد المجلس النائب الديمقراطي جايمس ترافيكانت بعد إدانته بتهم الرشاوى والتهرب الضريبي.

وينفي سانتوس التهم الموجهة ضدّه داعياً زملاءه إلى الانتظار إلى ما بعد صدور قرار قضائي بإدانته للنظر في احتمال طرده. وهذا كان توجه معظم الأعضاء الجمهوريين، الذين رفضوا دعم مساعي طرده حتى بعد توجيه التهم ضده من قبل المدعين الفيدراليين في نيويورك، فلم يتمكن داعمو طرده من حشد ثلثي الأصوات اللازمة لإقراره، فصوت 179 فقط لصالح الطرد مقابل معارضة 213. لكن المعادلة تغيّرت بعد تقرير شامل للجنة النزاهة في المجلس المعنية بالتحقيق بممارسات أعضائه، يدين أفعال سانتوس ويقول إنها «تمسّ بمكانة الكونغرس وتؤثر على سمعته»، الأمر الذي أدى إلى إعلان عدد كبير من النواب عن تغيير موقفهم ودعمهم لمساعي الطرد، ما يعني أن المسألة مسألة وقت فقط قبل إخلاء مقعد سانتوس، وإجراء انتخابات استثنائية لشغر المقعد، بحسب قوانين المقاطعة.

سانتوس يغادر محكمة فدرالية في نيويورك بعد توجيه التهم بحقه في 10 مايو 2023 (إ.ب.أ)

وكان المدعون الفيدراليون في نيويورك وجهوا 23 تهمة بحق سانتوس تتراوح ما بين النصب على المانحين، والكذب على لجنة الانتخابات الفيدرالية، والحصول على فوائد البطالة بشكل غير قانوني، على أن تتم محاكمته في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.

وقد واجه سانتوس موجة من الانتقادات منذ عام 2022 بعد انتخابه، إذ تسربت أنباء عن أنه كذب بشأن تعليمه وتاريخه المهني، وردد روايات مغلوطة عن ارتباط عائلته بضحايا الهولوكست.


مقالات ذات صلة

الديمقراطيون يعوّلون على حرب إيران لقلب المعادلة الانتخابية

الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين بمؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الديمقراطيون يعوّلون على حرب إيران لقلب المعادلة الانتخابية

وضعت حرب إيران الجمهوريين في موقع دفاعي فيما منحت الديمقراطيين فرصة غير متوقّعة لشن هجوم مُكثّف وممنهج على أداء الإدارة

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بتصريحات للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض بتاريخ 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ترمب يثور غضباً من حكم قضائي بوقف بناء صالة الاحتفالات بالبيت الأبيض

انفجر الرئيس ترمب غضباً بعد أن أصدر القاضي الاتحادي ريتشارد ليون أمراً قضائياً يوقف بناء صالة الاحتفالات في الجناح الشرقي من البيت الأبيض

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ازدحام خانق في مطار «جون إف كيندي» في نيويورك يوم 23 مارس 2026 (د.ب.أ)

انقسام حزبي حول «آيس» يُعمّق أزمة المطارات الأميركية ويُعرقل التسوية

يعوّل الديمقراطيون على استمرار وحدة صفهم في مواجهة تصاعد الضغوط لإنهاء الإغلاق الجزئي، الذي بدأ منتصف الشهر الماضي بسبب اعتراضهم على ممارسات «آيس».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طوابير طويلة داخل مطار أتلانتا بجورجيا في 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

انفراجة في تمويل وزارة الأمن القومي الأميركية

بدأت بوادر الحلحلة تظهر في أزمة تمويل وزارة الأمن القومي، فبعد أن انعكست آثارها على المطارات الأميركية يبدو أن ترمب غيّر من موقفه الرافض للتسوية مع الديمقراطيين

رنا أبتر (واشنطن)

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء في القضية المعروفة بـ«ترمب ضد باربارا»، في سياق حرصه على الأمر التنفيذي الذي أصدره في 20 يناير (كانون الثاني) 2025؛ يوم توليه السلطة رسمياً، حيث يسعى إلى إعادة تفسير البند الأول من التعديل الرابع عشر للدستور، الذي يمنح «حق الجنسية بالولادة» لكل من يولد على الأراضي الأميركية.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (أ.ف.ب)

وتمثل المرافعات لحظة فارقة في تاريخ أميركا الدستوري؛ فهل ستظل «الجنسية بالولادة» ركيزة للهوية الأميركية، أم أن التفسير الأصلي سيفتح الباب لإعادة رسم مفهوم «من هو أميركي»، مما يعني أن قرار المحكمة العليا قد يعيد تشكيل سياسات الهجرة لعقود قادمة، ويختبر قدرة المحكمة على الحفاظ على مصداقيتها وسط انقسام سياسي حاد.

وقد تجاوزت المرافعات مجرد مناقشة قانونية فنية، لتصبح مواجهة فلسفية عميقة بين التفسير الأصلي للدستور الذي تتبناه إدارة ترمب، وبين التمسك بالسوابق القضائية الراسخة التي تحمي النص الصريح للتعديل.

ومع أن المحكمة لم تصدر قرارها النهائي بعد، فإن الجلسة كشفت عن انقسامات عميقة بين القضاة التسعة، وأثارت شكوكاً جدية حول قوة الحجج التي قدمتها الإدارة، خاصة بعد هزيمة ترمب القضائية السابقة في قضية الرسوم الجمركية.

محتجون يرفعون يافطة «مولودون في أميركا - مواطنون» (رويترز)

جوهر الجدل

يعتمد الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب على تفسير التعديل الرابع عشر في الدستور، حيث يعتبر ترمب الأطفال المولودين لمهاجرين غير شرعيين أو زائرين مؤقتين لا يخضعون لـ«الاختصاص الكامل» للولايات المتحدة. ويدافع محامو الإدارة عن أن هذا التفسير يعيد «المعنى الأصلي» للتعديل الصادر بعد الحرب الأهلية لمنح الجنسية لأبناء فترة العبودية، وليس لأبناء «الأجانب غير الخاضعين للسيادة الأميركية»؛ مستعيناً بحكم قضائي عمره أكثر من 150 عاماً.

أما المدعون بقيادة الاتحاد الأميركي للحريات المدنية فيؤكدون أن هذا الأمر التنفيذي ينتهك سابقة حكم قضائي له 128 عاماً، وهو «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم أرك» لعام 1898، الذي أكد الجنسية التلقائية بالولادة بغض النظر عن وضع الوالدين (باستثناء أبناء الدبلوماسيين).

اتجاهات القضاة التسعة

رغم أن المرافعات لم تنتهِ بعد، فإن أسئلة القضاة ومواقفهم السابقة تسمح برسم خريطة واضحة للاتجاهات المحتملة للحكم المتوقع صدوره في يوليو (تموز) المقبل؛ فالجناح المحافظ (6 قضاة) برئاسة جون روبرتس رئيس المحكمة يُعرف بتوازنه المؤسساتي، وغالباً ما يميل إلى الحفاظ على استقرار المحكمة وتجنب القرارات الراديكالية، وقد يكون «الصوت المتأرجح» الذي يخشى من تداعيات إلغاء سابقة عمرها قرن على ملايين المواطنين.

أما القاضي كلارنس توماس فيعد أبرز الداعين للتفسير الأصلي، حيث يرى في حجج الإدارة فرصة لتصحيح «خطأ تاريخي» ويُتوقع أن يدعمها بقوة. ويعرف عن القاضي صامويل أليتو أنه شخص محافظ صلب، أبدى في قضايا سابقة شكوكاً في التوسع في حقوق المهاجرين. ومن المرجح أن يصوت لصالح ترمب.

الفريق القانوني لاتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

أما القاضي نيل غورسوش فهو نصير التفسير النصي والأصلي، وسيكون من أقوى الداعمين لإعادة تفسير «الاختصاص». القاضي بريت كافانو يعد شخصاً محافظاً معتدلاً نسبياً، لكنه يولي أهمية كبيرة للاستقرار القانوني، وقد يتردد إذا شعر أن القرار سيؤدي إلى فوضى إدارية. أما القاضية إيمي كوني باريت فهي أستاذة قانون سابقة وصارمة، ومن المتوقع أن تدعم الرؤية الأصلية للتعديل الرابع عشر.

الجناح الليبرالي (3 قضاة): تتزعمه القاضية سونيا سوتومايور، وهي أكثر القضاة دفاعاً عن الحقوق المدنية. وصفت محاولات تقييد الجنسية سابقاً بأنها «انتهاك صارخ» للدستور. كما ركزت القاضية إيلينا كاغان على السياق التاريخي الواسع للتعديل. ومن المتوقع أن تقدم حججاً قانونية قوية ضد الأمر التنفيذي.

أما أحدث القضاة كيتانجي براون جاكسون التي عينها الرئيس السابق جو بايدن فهي ترى في النص الدستوري ضمانة للشمول، وستكون صوتاً معارضاً حاداً، ويُتوقع أن ينتهي الأمر بانقسام 6 - 3 أو 5 - 4 لصالح المحافظين، لكن صوت روبرتس قد يحدد ما إذا كان القرار سيكون واسع النطاق أم محدوداً.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (رويترز)

ويخشى المحللون أن يؤدي أي قرار يؤيد ترمب إلى إلقاء ظلال على جنسية ملايين الأميركيين المولودين بعد 1898م، مما يفتح الباب أمام دعاوى قضائية جماعية وفوضى إدارية.

ومن المتوقع صدور القرار النهائي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو 2026، مع نهاية الدورة القضائية الحالية. ويُعبّر مسؤولو الإدارة عن قلق حقيقي من أن يتحول هذا الملف إلى «هزيمة قضائية ثانية» بعد الحكم الذي أبطل سياسات ترمب الجمركية الواسعة في فبراير (شباط) الماضي. وكان ترمب قد هاجم المحكمة على منصة «تروث سوشيال» معتبراً الحكم السابق «يفتقر للولاء»، ويخشى أن تكرر المحكمة السيناريو ذاته في ملف الهجرة؛ الركيزة الأساسية لشعبيته.


بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واصفاً إياه بـ«نمر من ورق» بعد فشله في دعم جهود واشنطن العسكرية في حربها ضد إيران، في خطوة قد تقلب موازين الحلف.

وقال ترمب، خلال المقابلة، إن الولايات المتحدة لم تحصل على الدعم الكافي من الحلفاء و«الناتو لم يكن هناك من أجلنا» في الأزمة الأخيرة، معتبراً أن خطوة الانسحاب لم تعد مجرد فرضية وإنما هي خيار جاد يدرس تنفيذه.

وتأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949، ويضم حالياً 32 دولة. ويستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: ردع التوسع السوفياتي سابقاً، ومنع عودة النزعات العسكرية القومية في أوروبا، وتعزيز التكامل السياسي الأوروبي.

وقد وقّعت الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، معاهدة واشنطن في أبريل (نيسان) 1949، والتي لا تزال تشكّل أساس الحلف حتى اليوم.

كيف تفجر الخلاف بين ترمب و«الناتو»؟

الخلاف تفجّر أساساً بسبب الحرب على إيران، إذ عبّر ترمب عن غضبه من رفض دول أوروبية الانخراط في العمليات العسكرية أو دعمها لوجيستياً، بما في ذلك رفض استخدام القواعد العسكرية أو المجال الجوي. واعتبر أن الحلفاء «لم يكونوا إلى جانب الولايات المتحدة» عندما احتاجت إليهم، رغم ما وصفه بسجل طويل من الدعم الأميركي لأمن أوروبا.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، فإن إدارة ترمب ترى أن «الناتو» أصبح عبئاً غير متوازن، حيث تتحمل واشنطن الجزء الأكبر من الدفاع عن أوروبا من دون مقابل كافٍ.

وبرز هذا الخلاف بشكل حاد بعد رفض الحلفاء المشاركة في تأمين مضيق هرمز خلال الحرب، وهو ما اعتبره ترمب «اختبار ولاء» فشل فيه الحلف.

إلى جانب ذلك، فإن التوتر ليس جديداً، إذ تؤكد تقارير أميركية أن ترمب ينتقد الحلف منذ سنوات بسبب مسألة الإنفاق الدفاعي، معتبراً أن الدول الأوروبية لا تدفع ما يكفي مقابل الحماية الأميركية. ومع تصاعد الخلافات الحالية، تحوّل هذا الانتقاد إلى تشكيك أوسع في جدوى التحالف نفسه وإمكانية استمرار التزام الولايات المتحدة به، بحسب «واشنطن بوست».

هل يمكن لواشنطن الانسحاب من «الناتو»؟

لكن رغم تلويح ترمب بالانسحاب من الحلف، فإن ذلك يواجه قيوداً قانونية. إذ ينص «قانون تفويض الدفاع الوطني» لعام 2024 على منع أي رئيس من الانسحاب من «الناتو» من دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو إصدار قانون من الكونغرس، وفق تقرير نشرته مجلة «التايم».

إلا أن خبراء قانونيين أشاروا بحسب المجلة إلى أن هذه القيود ليست محكمة تماماً، إذ قد يحاول الرئيس الالتفاف عليها بالاستناد إلى صلاحياته في السياسة الخارجية.

ورأى خبراء أن ترمب قد يعتبر الانسحاب ضرورياً للأمن القومي، مستنداً إلى صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة. لكن ذلك قد يؤدي إلى مواجهة دستورية بين السلطة التنفيذية والكونغرس، وربما إلى نزاع قضائي.

كما أشار الخبراء إلى سوابق تاريخية، مثل انسحاب الرئيس جيمي كارتر من معاهدة دفاع مشترك مع تايوان، لكنهم أكدوا أن الوضع الحالي أكثر تعقيداً.

تداعيات محتملة على الحلف

بالمقابل، حذر محللون من أن مجرد طرح فكرة انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» يضر بالحلف، إذ يقوّض الثقة بين أعضائه ويضعف مبدأ الدفاع المشترك، كما قد يشجع خصوم الغرب ويؤثر على خطط الأمن الأوروبية، حتى لو لم يتم الانسحاب فعلياً، بحسب «التايم».

ويحذر خبراء من أن مجرد التلويح بالانسحاب يسبب بالفعل أضراراً ملموسة، إذ يضعف الثقة داخل التحالف ويخلق حالة من عدم اليقين في التخطيط العسكري الأوروبي، حتى من دون تنفيذ الخطوة فعلياً. ويرجّح كثير من المحللين أن النتيجة الأقرب على المدى القريب هي «ناتو أكثر أوروبية» مع استمرار التوتر مع واشنطن، بدلاً من انهيار كامل للحلف.

كذلك، تشير تقارير من وسائل إعلام أميركية ودولية مثل «رويترز» و«أسوشييتد برس» إلى أن أي انسحاب أميركي من «الناتو» سيُحدث صدمة استراتيجية عميقة للحلف، إذ تعتمد بنية التحالف بشكل كبير على القدرات العسكرية والقيادية للولايات المتحدة.

فواشنطن تمثّل العمود الفقري لقوة الردع داخل الحلف، خصوصاً في مواجهة روسيا، وأي انسحاب سيؤدي إلى إضعاف مبدأ «الدفاع المشترك» وتقويض الثقة بين الدول الأعضاء، وهو ما قد يحدّ من قدرة «الناتو» على الردع ويشجع خصوم الغرب على اختبار تماسكه.

التأثير لن يقتصر على «الناتو»

في المقابل، ترى تقارير أميركية أن التأثير لن يقتصر على «الناتو» فقط، بل سيطول الولايات المتحدة نفسها، إذ قد تفقد شبكة النفوذ العسكري الواسعة التي يوفرها الحلف، بما في ذلك القواعد العسكرية الأوروبية التي تتيح لها «إسقاط القوة» عالمياً بسرعة وتكلفة أقل. كما أن تراجع الالتزام الأميركي قد يدفع أوروبا إلى بناء منظومة دفاعية مستقلة، ما يعني تراجع الدور القيادي لواشنطن داخل النظام الأمني الغربي.


الديمقراطيون يعوّلون على حرب إيران لقلب المعادلة الانتخابية

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين بمؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين بمؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الديمقراطيون يعوّلون على حرب إيران لقلب المعادلة الانتخابية

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين بمؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين بمؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وضعت حرب إيران الجمهوريين في موقع دفاعي، فيما منحت الديمقراطيين فرصة غير متوقّعة لشن هجوم مُكثّف وممنهج على أداء إدارة دونالد ترمب، في موسم انتخابي سيحسم مصير الحزبين في الكونغرس. ومع ارتفاع الأسعار وانخفاض حاد في دعم الأميركيين لهذه الحرب، رصّ الديمقراطيون صفوفهم ووحّدوا رسالتهم مركزين على تأثير هذه الحرب «الاختيارية» على حد وصفهم على حياة الأميركيين وتكاليف معيشتهم.

وتُعدّ هذه الاستراتيجية مختلفة عن سابقاتها، حين كان الحزب ينهال بالانتقادات على الرئيس الأميركي دونالد ترمب من دون التركيز على الملفات والقضايا التي تشغل بال الناخب الأميركي الذي يكترث بشكل أساسي بقدرته المعيشية.

رص الصف الديمقراطي

يسعى الحزب الديمقراطي جاهداً إلى توظيف قرار ترمب خوض الحرب، وإصرار الجمهوريين على دعمه، في استراتيجية انتخابية «هجومية» تركز على الاقتصاد. وهو البند الأبرز الذي يتصدر اهتمامات الناخب الأميركي، الذي لا يكترث كثيراً بالسياسات الخارجية.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر مع عدد من أعضاء حزبه أمام الكونغرس يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لكن الطريق أمام الحزب الديمقراطي لا يزال طويلاً، إذ تشير الأرقام إلى أن 74 في المائة من الأميركيين ما زالوا يعتقدون أن الديمقراطيين في الكونغرس لديهم «أولويات خاطئة» حسب استطلاع نشرته شبكة «سي إن إن»، ما يعني أن القيادات الديمقراطية ستحتاج إلى رسم استراتيجية أكثر وضوحاً وتوجيه أعضاء الحزب لاعتمادها.

تراجع شعبية ترمب

ترمب مع رئيس مجلس النواب ماسك جونسون في مؤتمر للجمهوريين 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تظهر أرقام الاستطلاعات تدهوراً حاداً في شعبية ترمب التي وصلت إلى 31 في المائة، فيما عد ثلثي الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع أن سياسات ترمب أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد؛ وذلك في تراجع بـ10 نقاط من شهر يناير (كانون الثاني). وقال 27 في المائة من المستطلعين فقط إنهم يوافقون على تعاطي ترمب مع التضخم.

أرقام لا تُبشر الجمهوريين بالخير، وقد تسلّم الديمقراطيين فوزاً في أحد مجلسي الكونغرس، أو كليهما، في الانتخابات النصفية. لكن الحزب الجمهوري يعول على أن هناك ما يكفي من الوقت قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) لتصحيح المسار.

أما الديمقراطيون فيعززون من وضعهم الهجومي، إذ بدأ عدد من المنظمات الانتخابية بتمويل حملات دعائية ضخمة ضد مرشحين جمهوريين داعمين للحرب. على سبيل المثال، خصص صندوق votevets مبلغ 250 ألف دولار في حملة دعائية ضد النائب الجمهوري ديريك فان أوردن في ولاية ويسكنسن، على غرار منظمات أخرى في ولايات مختلفة.

وفيما حافظ الجمهوريون بأغلبيتهم حتى الساعة على وحدة الصف في دعمهم لترمب، إلا أنهم يحبسون أنفاسهم بانتظار الوصول إلى خط النهاية الذي سيرسمه الرئيس الأميركي في هذه الحرب. فثمن غضب الناخب الأميركي منهم سيكون باهظاً في صناديق الاقتراع.