فرضت الولايات المتحدة الخميس عقوبات على أكثر من 150 من الأشخاص والشركات من دول عدة، في أحدث مسعى من إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لحرمان روسيا من الوصول إلى التكنولوجيا والأصول والقنوات المالية التي تغذي سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والحرب الدائرة أوكرانيا. وجاءت هذه العقوبات غداة إعلان إدارة الرئيس جو بايدن أنها «لن تتردد» في فرض مزيد من الجزاءات على روسيا، وكذلك على كوريا الشمالية، أو سواها، إذا وقعتا أي صفقات أسلحة جديدة، في ضوء الاجتماع الذي عقد بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

دول حليفة
وتعد الحزمة الجديدة واحدة من أكبر عقوبات تعلنها وزارتا الخارجية والخزانة الأميركيتان، وهي الأحدث التي تستهدف أشخاصاً وشركات في دول عدة، ولا سيما تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تبيع روسيا تكنولوجيا غربية يمكن استخدامها لتعزيز الجهود الحربية للكرملين. وتشمل العقوبات أيضاً أشخاصاً وشركات في كل من الإمارات العربية المتحدة وجورجيا، بالإضافة إلى روسيا. وتهدف الحزمة أيضاً إلى عرقلة تطوير قطاع الطاقة الروسي ومصادر النقد المستقبلية، بما في ذلك مشاريع الغاز الطبيعي في القطب الشمالي، فضلاً عن التعدين والمصانع التي تنتج وتصلح الأسلحة الروسية. وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة إماراتية أنشئت حديثاً، لأنها توفر الهندسة والتكنولوجيا لمشروع الغاز الطبيعي المسال الروسي في القطب الشمالي، بالإضافة إلى كثير من الشركات الروسية المشاركة في تطويره.

الإنتاج الدفاعي الروسي
وقال رئيس مكتب تنسيق العقوبات بوزارة الخارجية الأميركية جيمس أوبراين إن «الغرض من هذا الإجراء هو تقييد قدرة الإنتاج الدفاعي لروسيا وتقليل السيولة التي يتعين عليها دفعها مقابل حربها».
ويريد الرئيس الروسي أن يؤدي مشروع الغاز الطبيعي المسال الثاني في القطب الشمالي إلى إنتاج المزيد، وجعل روسيا لاعباً أكبر في سوق الطاقة. وفي يوليو (تموز) الماضي، زار بوتين موقع الغاز الطبيعي المسال في أقصى شمال روسيا، وقال إنه سيكون له تأثير إيجابي على «الاقتصاد بأكمله».
وتتضمن الحزمة الأميركية عقوبات على كثير من الشركات التركية والروسية التي تؤكد وزارة الخارجية الأميركية أنها تساعد موسكو في الحصول على المكونات الإلكترونية الأميركية والأوروبية، مثل أشباه الموصلات والمعالجات التي يمكن استخدامها في المعدات المدنية والعسكرية. واستهدفت كذلك شركات تركية قدمت خدمات إصلاح السفن لشركة تابعة لوزارة الدفاع الروسية. ولفت أوبراين إلى أن روسيا قبل الحرب كانت تستورد ما يصل إلى 90 في المائة من حاجاتها الإلكترونية من دول تشكل جزءاً من مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى، لكن العقوبات خفضت هذه النسبة إلى نحو 30 في المائة. وقال إن العقوبات «فعّالة» و«تضع سقفاً لقدرة روسيا الإنتاجية في زمن الحرب»، مضيفاً أن روسيا «تحاول إدارة اقتصاد الإنتاج الكامل في زمن الحرب، ومن الصعب للغاية القيام بذلك من خلال عمليات الشراء العرضية السرية لدفعات صغيرة من المعدات من أماكن مختلفة حول العالم».
صواريخ لعام
ومع ذلك، يعتقد أن روسيا لا تزال لديها احتياطات مالية كبيرة لمواصلة حربها، ويمكنها أن تستورد التكنولوجيا التي تسعى إليها على دفعات صغيرة للحفاظ على إنتاجها الدفاعي. وقال المتخصص في قطاع الدفاع والاقتصاد الروسي في شركة «أكسفورد أناليتيكا» لتحليل المخاطر ريتشارد كونولي إنه «من المحتمل أن تملأ روسيا حقيبة كبيرة بمكونات إلكترونية تكفي لإنتاج صواريخ كروز لمدة عام». ولاحظ أن روسيا تحصل أيضاً على كثير من المكونات الإلكترونية من بيلاروسيا، «لذا، حتى لو قمنا بضرب جميع الشامات، فإن بيلاروسيا ستظل توفر المعدات ما دام (الرئيس البيلاروسي ألكسندر) لوكاشينكو في السلطة».
وأفاد مسؤولون أميركيون بأنه رغم أن تركيا والإمارات العربية المتحدة نددتا بالغزو الروسي لأوكرانيا، فإنهما لم تنضما إلى العقوبات الغربية، وسعتا إلى الحفاظ على العلاقات مع روسيا. وقال أوبراين إنه رغم أن الدول لا تزال تتعامل تجارياً مع روسيا، فإن وزارة الخارجية الأميركية تعتقد أن العقوبات ناجحة، مشيراً إلى أن «طريقة قياس النجاح هي في ساحة المعركة». وقال: «تستطيع أوكرانيا إسقاط معظم ما يطلقه الروس، وهذا يخبرنا بوجود فجوة». وأضاف: «يُظهر لنا حطام ساحة المعركة أن روسيا تستخدم إلكترونيات أقل قدرة أو في بعض الأحيان لا تستخدم أي إلكترونيات على الإطلاق».
ومع ذلك، تقصف روسيا أوكرانيا بهجمات صاروخية متكررة، بما في ذلك هجومان خلال الأسبوع الماضي أديا إلى مقتل 23 شخصاً على الأقل في أوكرانيا. وتستهدف حزمة العقوبات الأخيرة الكثير من الشركات الروسية التي تعمل على إصلاح وتطوير وتصنيع الأسلحة، بما في ذلك صاروخ كروز «كاليبر». لكن من أجل تضييق الخناق على روسيا، يؤكد المحللون أن الشركات الغربية بحاجة إلى التفكير مرتين قبل بيع التكنولوجيا الحيوية إلى البلدان المعروفة بأن لديها سوق إعادة بيع جيدة مع روسيا.
جديّة أكبر
وقال مدير مركز الجرائم المالية والدراسات الأمنية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن توم كيتنغ: «نحن بحاجة إلى العمل بجدية أكبر مع الشركات في بلداننا للتأكد من أنها لا تغذي سوق إعادة التصدير». وحاولت تركيا تحقيق التوازن في علاقاتها الوثيقة مع كل من روسيا وأوكرانيا، حيث قدمت نفسها كوسيط. وتعتمد تركيا بشكل كبير على الطاقة والسياحة الروسيتين. لكن في العام الماضي، علقت المصارف الحكومية التركية المعاملات من خلال نظام الدفع الروسي، المعروف باسم «مير»، بسبب التهديدات الأميركية بفرض عقوبات.
وتقول وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة استهدفت حتى الآن نحو 3000 شركة وشخص منذ غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وقال وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن في بيان إن الولايات المتحدة وحلفاءها وشركاءها متحدون في دعم أوكرانيا في مواجهة حرب روسيا غير المبررة وغير القانونية، مضيفاً: «سنقف إلى جانب أوكرانيا مهما استغرق الأمر».
كما فرضت وزارة الخارجية عقوبات على مواطن روسي لارتباطه بمجموعة «فاغنر» للمرتزقة وتسهيل شحن الأسلحة من كوريا الشمالية إلى روسيا. واستهدفت رجل أعمال روسياً لأن «لديه علاقات شخصية مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو والجريمة المنظمة»، بالإضافة إلى ضابط في المخابرات الروسية ورجل أعمال جورجي - روسي. وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي عمل للتأثير على المجتمع والسياسة الجورجيين لصالح روسيا.
روسيا تطرد دبلوماسيين أميركيين
في سياق متصل أعلنت روسيا الخميس طرد دبلوماسيين أميركيين متهمين بأنهما كانا عميلي «اتصال» لدى موظف روسي سابق اعتقل مطلع العام ويشتبه في قيامه بنقل معلومات حول النزاع في أوكرانيا إلى الولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية الروسية، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الدبلوماسيين اللذين عدّا «شخصين غير مرغوب فيهما» هما السكرتير الأول والثاني في السفارة الأميركية في موسكو جيفري سيلين وديفيد بيرنستين. وأضافت: «يجب أن يغادرا الأراضي الروسية خلال سبعة أيام». واستدعت الوزارة السفيرة الأميركية في موسكو لين تريسي إلى مقرها لإبلاغها بالقرار.
وأضافت الوزارة أن هذين الدبلوماسيين كانا على اتصال مع المخبر الأميركي والموظف السابق بالقنصلية الأميركية روبرت شونوف. وتابعت: «نفذ الشخصان المذكوران أنشطة غير قانونية، وحافظا على اتصال مع المواطن الروسي، ر. شونوف، المتهم بالتخابر مع دولة أجنبية، والذي تم تكليفه مقابل تعويضات مالية بمهام هادفة إلى إلحاق أضرار بالأمن القومي الروسي».









