ارتياح أوروبي «نسبي» لنتائج قمة الحلف الأطلسي في أنقرة

ترمب يطمئن حلفاءه باستمرار انخراطه في الدفاع عن القارة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في اجتماع على هامش قمة الناتو في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في اجتماع على هامش قمة الناتو في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)
TT

ارتياح أوروبي «نسبي» لنتائج قمة الحلف الأطلسي في أنقرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في اجتماع على هامش قمة الناتو في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في اجتماع على هامش قمة الناتو في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)

باستطاعة رؤساء الدول والحكومات الأوروبية، الأعضاء في الحلف الأطلسي، أن يتنفسوا الصعداء بعد انتهاء قمة النادي الأطلسي في أنقرة.

فالرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي اجتذب كل الأنظار إليه طوال يومي الثلاثاء والأربعاء أخافهم مرة أخرى بانتقاداته الحادة لرفضهم مساعدته في حربه على إيران، وإثارته مجدداً رغبته في ضم جزيرة غرينلاند. كما لم يتردد في صب جام غضبه على إسبانيا التي تنتقد بعنف مغامراته الحربية، وتمنع طائراته العسكرية من الهبوط في مطاراتها، وترفض زيادة إنفاقها الدفاعي.

إلا أن كل العنف تبخر، كما تقول مصادر أوروبية تابعت أعمال القمة من العاصمة التركية، في الاجتماع الرسمي الذي جرى بعد ظهر الأربعاء. وذهب ترمب، في حديثه للصحافة، إلى تأكيد أن الاجتماع «الرائع ما كان له أن يحصل في أجواء أفضل من تلك التي حصل فيها». وأضاف: «كان هناك كثير من المحبة والوحدة داخل قاعة الاجتماع».

ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى نقطتين: الأولى: إن ترمب بقي في أنقرة حتى آخر لحظة، وهذا الانتظام ليس من فضائله الكبرى. والثانية: إنه قبِل التوقيع على البيان الختامي للقمة الذي تضمن النقاط الرئيسة التي تمسك بها الأوروبيون، وتم التوافق عليها خلال اجتماعات سفراء الدول الأعضاء في مقر الحلف في بروكسل بإدارة أمينه العام مارك روته.

الفقرة الخامسة و«بوليصة التأمين»

تقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس إن الأوروبيين المتخوفين من عزوف ترمب عن الحلف، وخططه لتقليص انخراط بلاده عسكرياً في أوروبا، أي عملياً امتناعه، أو على الأقل تردده في الدفاع عنها بوجه أي مغامرة روسية، حصلوا رسمياً على تعهد أميركي واضح. وتجسد هذا الالتزام في الإشارة إلى الفقرة الأولى من «إعلان أنقرة» التي نصت على التزام الجميع الراسخ بالدفاع الجماعي المنصوص عليه في الفقرة الخامسة من شرعة الحلف، والقائلة إن «الهجوم على أي حليف يُعد هجوماً على جميع الحلفاء».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث إلى مجموعة من الصحافيين في طريق العودة إلى واشنطن من قمة الحلف الأطلسي في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ف.ب)

وجاء هذا التأكيد ليبدد، ولو مؤقتاً وبانتظار تصريحات مغايرة من البيت الأبيض، مخاوف الأوروبيين، وخصوصاً دول بحر البلطيق، أو القريبة من الحدود الروسية، مثل رومانيا، وبولندا. وأكثر من ذلك، أشاد الأوروبيون بموافقة ترمب، الذي تجمعه علاقة صداقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على أن ينص البند الثاني من «إعلان أنقرة» على أن روسيا «تمثل، على المدى البعيد، تهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة الأورو-أطلسية».

وبكلام أوضح، فإن واشنطن تبنت المقاربة الأوروبية التي تحذر من النوايا الروسية. وترجح المخابرات الألمانية -وأيضاً رئاسة أركان الجيوش الفرنسية، وغيرها من مراكز الأبحاث الاستراتيجية- أن روسيا قد تعمد، قبل نهاية العقد الجاري، إلى اختبار صلابة الحلف الغربي من خلال استهداف حلقة «ضعيفة»، كدول بحر البلطيق التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي قبل انفراط عقده.

صفقات مليارية للشركات الأميركية

بيد أن التزام واشنطن بالمقاربة الأوروبية لم يكن مجاناً. وثمنه، من جهة، صفقات تسلح أوروبية جديدة بقيمة 50 مليار دولار ستذهب أساساً إلى كبريات شركات السلاح الأميركية التي قال عنها ترمب: «إنها الأفضل في العالم». ومن جهة ثانية، انصاع الأوروبيون، ومعهم كندا، لطلب الرئيس الأميركي مضاعفة إنفاقهم الدفاعي الذي زاد بنحو 140 مليار دولار قياساً على العام الماضي.

جانب من لقاء مع ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)

ولأن ترمب يحب الصفقات، والأرقام، فإن مارك روته ما فتئ يشدد عليها، ويبرزها بالخرائط، والألوان. والغرض من كل ذلك سحب حجة ترمب القائلة إن الأوروبيين يتهربون من دفع ما يتوجب عليهم للحلف الأطلسي، وهي الزاوية التي يستغلها للهجوم على الحلف منذ ولايته الأولى.

منذ أشهر طويلة لا يتردد الأوروبيون في التعبير عن مخاوفهم من المسار الذي تسلكه الإدارة الأميركية إزاء الحرب في أوكرانيا. وكان همهم في أنقرة أن يعيدوا ربطها بالعربة الأوروبية من زاويتين: الأولى: دفعها للتخلي عن محدداتها السابقة للحل بين كييف وموسكو، وأولها قبول الرئيس فولوديمير زيلينسكي التخلي عن كامل منطقة دونباس لصالح روسيا لوضع حد للحرب. والثانية: إعادتها إلى الانخراط، مالياً وعسكرياً، إلى جانب أوكرانيا.

وما حصل في أنقرة أنهم أحرزوا نصف نجاح. فمن جهة، أكد الأطلسيون جماعياً «أنهم متحدون في دعمهم الثابت لأوكرانيا، التي تسهم في تعزيز الأمن عبر الأطلسي، وتدافع عن حريتها، وسيادتها، وسلامة أراضيها»، ما يدُلّ على تبدل في مزاج ترمب الذي قبل لقاء زيلينسكي، لا، بل أعلن موافقته على السماح لأوكرانيا، مبدئياً، بإنتاج صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوي. لكن ترمب يرفض العودة لتمويل وتسليح أوكرانيا، كما كان الوضع خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن.

كذلك، فإن 140 مليار دولار التي سيمنحها الحلف لكييف لعامين لن تساهم فيها واشنطن بدولار واحد، بل ستكون على عاتق الأعضاء الأوروبيين وكندا الذين سيتكفلون بدفع ثمن رخصة إنتاج «الباتريوت» في أوكرانيا.

الدفاع التقليدي والردع النووي

منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، زادت الضغوط على الأوروبيين لتحمّل عبء الدفاع عن أنفسهم من خلال الارتقاء بتسلحهم التقليدي، ربطاً بزيادة الميزانيات الدفاعية، وتحديث جيوشهم.

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو (رويترز)

وجاء في الفقرة الثالثة من «إعلان أنقرة» ما حرفيته: «نعمل على بناء المستقبل، وإقامة أوروبا أكثر قوة داخل حلف ناتو أقوى، من أجل تحالف أكثر حداثة. وتتحمل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، دوراً متزايداً في الدفاع عن الحلف». وما لم يقله البيان علناً، كشف عنه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، خلال اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل يوم 24 يونيو (حزيران) الماضي، حيث أعلن أن توجه بلاده يقوم على تحمل الأوروبيين أعباء الدفاع «التقليدي»، بينما تتكفل واشنطن مهمة الردع النووي. من هنا أشارت الفقرة إلى أن «ردع الأطلسي ودفاعه يستندان إلى مزيج من القدرات النووية، والتقليدية، والدفاع الصاروخي، مدعومة بإمكانات فضائية وسيبرانية».

بيد أن هذا التوزيع لا يريح الأوروبيين الذين لا يثقون تماماً بوعود واشنطن رغم التقارب المستجد. من هنا، فإن مفاوضات تجري بين فرنسا -الدولة النووية- مع عدد من شركائها في الاتحاد الأوروبي -كألمانيا، والسويد، وبولندا- حول كيفية مدّ المظلة النووية الأوروبية إلى بعضها، مع بقاء القرار النهائي للضغط على الزر النووي للرئيس الفرنسي.

قادة «الناتو» يستعدّون لالتقاط صورة جماعية في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)

والأمر نفسه باشرته بريطانيا. لكن هذه المسألة تبدو بالغة التعقيد، إذ إنها تتطلب مفاوضات صعبة مع الدول الشريكة، كما أن مسألة التشارك في الاستفادة من المظلة النووية الفرنسية بحجة «الدفاع عن المصالح الحيوية لفرنسا في أوروبا» تثير جدلاً واسعاً داخلها. وفي أي حال، فإن العديد من الأوروبيين لا يريدون مقايضة مظلة نووية أميركية-أطلسية موجودة بمظلة أوروبية غير جاهزة.

يبقى مصير مضيق هرمز نقطة الخلاف الرئيسة بين ضفتي الأطلسي. فمارك روته، رغم الإعراب عن تأييده للضربات الأميركية الأخيرة رداً على استهداف إيران لناقلات حاولت المرور في مضيق هرمز، لم يتردّد في القول إن «إيران تقع خارج نطاق الحلف الأطلسي... وإنه يعود للحلفاء فردياً أن يتعاملوا مع الولايات المتحدة». لكن الهدف السياسي واحد، وقد تم التعبير عنه في الفقرة الخامسة من «إعلان أنقرة». إذ نص على ما حرفيته: «يجدد الحلفاء تأكيدهم أن إيران يجب ألا تمتلك السلاح النووي أبداً، ويدعونها إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز».

ولا شك أن هذه الصياغة لا تتجاوب مع ما ترغب به واشنطن. في المقابل، فإن الإعلان الفرنسي-البريطاني الذي صدر قبل القمة، وفيه تأكيد الطرفين اللذين أطلقا في شهر أبريل (نيسان) الماضي «مبادرة مضيق هرمز» التي انضمت إليها العديد من الدول، وجاءت هذه المبادرة كإشارة لاستعداد هذه الدول لمد يد العون لترمب. لكن الشروط التي وضعتها (الحصول على موافقة واشنطن، وطهران، ومسقط، وأن تكون محايدة، وسلمية...) تجعل السير بها في الظروف الراهنة أمراً مستبعداً.


مقالات ذات صلة

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

تحليل إخباري جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً، فحرب أوكرانيا غيّرت كل شيء وخطر المواجهة الأكبر أصبح أكثر جدية.

أنطوان الحاج
أوروبا ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت» p-circle

ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت»

حسم الرئيس دونالد ترمب قراراً يسمح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ «باتريوت».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)

رئيس ليتوانيا: روسيا أصبحت «أكثر تهوراً» ويجب وقفها في أوكرانيا

حذّر رئيس ليتوانيا من أن روسيا أصبحت «أكثر تهوراً»، وأن التوغلات بطائرات مسيّرة والاستفزازات وأعمال التخريب أصبحت أمراً معتاداً على الجناح الشرقي لـ«ناتو».

«الشرق الأوسط» (ميامي)
أوروبا مدير جهاز «استخبارات الدفاع الدنماركي» (FE) توماس أهرينكيل يحضر مؤتمراً صحافياً في كوبنهاغن بالدنمارك 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

الاستخبارات الدنماركية: احتمال غزو روسيا لبلد ﺑ«ناتو» وارد لكنه غير مرجَّح

حذّرت الاستخبارات الدنماركية من تزايد خطر هجمات روسية محدودة ضد دول حلف «ناتو»، مع استبعادها غزواً شاملاً، ورجّحت أعمالاً تخريبية وهجمات سيبرانية.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
العالم منظر عام لمدينة نوك عاصمة غرينلاند (رويترز) p-circle

اتفاق غرينلاند سيُوقّع في نيويورك الثلاثاء

أعلن مكتب رئيس الوزراء الدنماركي، مساء الاثنين، أن غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة ستوقع الاتفاق بشأن الإقليم الواقع في القطب الشمالي، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
TT

لافروف: روسيا ستحقق أهدافها في أوكرانيا «مهما كانت الظروف»

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

شدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، السبت، في الأمم المتحدة على أن موسكو ستحقق أهدافها العسكرية في أوكرانيا «مهما كانت الظروف».

وقال لافروف من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة: «سيتم تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة، والقضاء على التهديد الذي يواجه الأمن الروسي، مع عودة الحياة الهادئة. وسيحدث ذلك مهما كانت الظروف».

واتهم وزير الخارجية الروسي الدول الأوروبية، السبت، بأنها «تبذل كل ما في وسعها» لعرقلة المفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع بين موسكو وكييف.

وقال: «تبذل أوروبا كل ما في وسعها لعرقلة محادثات السلام التي ترعاها إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023 (رويترز)

كما دعا لافروف الولايات المتحدة إلى رفع «الحصار» المفروض على كوبا، وكذلك القيود المفروضة على التجارة مع أكبر جزيرة في منطقة البحر الكاريبي.

وقال لافروف إن على الولايات المتحدة رفع اسم كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وشنت الولايات المتحدة حملة ضغوط على كوبا أدت إلى حد كبير لمنع وصول النفط إلى الجزيرة، مما تسبب في انقطاع الكهرباء على نطاق واسع.

فاديفول يلتقي لافروف

إلى ذلك، دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول خلال لقائه نظيره الروسي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، السبت، موسكو إلى «التخلّي عن نهج التصعيد الخطير» الذي تتبنّاه، وفق ما أفاد به دبلوماسي ألماني.

وجرت المحادثات، وهي الأولى من نوعها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، على وقع تصاعد التوتر بين برلين وموسكو في الأسابيع الأخيرة، إذ حمّلت ألمانيا روسيا مسؤولية محاولة هجوم بطائرة مسيّرة استهدفت مطار لايبزيغ. وعلى الأثر، أمر كل من البلدين بإغلاق قنصلية البلد الآخر.

وقال الدبلوماسي الألماني إن فاديفول «دعا روسيا الاتحادية إلى التخلّي عن نهجها الخطير المتمثّل في التصعيد تجاه ألمانيا وأوروبا وحلف شمال الأطلسي».

وأوضح فاديفول، بحسب ما نقل عنه الدبلوماسي، أن «حوادث مثل محاولة الهجوم الأخيرة في لايبزيغ أو غيرها من الهجمات المتعدّدة الوسائل لن تزعزع عزم ألمانيا على دعم أوكرانيا التي تتعرّض لهجوم».

وتُعد ألمانيا من أبرز داعمي أوكرانيا، فيما اتهمها لافروف أخيراً بأنها «تريد الحرب مجدداً»، رافضاً اتهامات برلين لموسكو بالمسؤولية عن هجوم مطار لايبزيغ الشهر الماضي.


البابا ليو يحشد 700 ألف شخص في قلب باريس

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
TT

البابا ليو يحشد 700 ألف شخص في قلب باريس

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)
حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

عبَر البابا ليو الرابع عشر جادة الشانزليزيه، السبت، على وقع هتافات حشود غفيرة، قبل أن يترأس قداساً ضخماً هو أبرز فعاليات اليوم الثاني من زيارته لفرنسا. وعلى متن سيارته «بابا موبيلي»، حيَّا الحبر الأعظم مبتسماً الأطفال ورحَّب بحشود المصلِّين الذين وصل كثير منهم قبل ساعات لرؤيته وهو يتَّجه نحو ساحة الكونكورد؛ حيث أُقيم مذبح أبيض يعلوه صليب بارتفاع عدة أمتار.

وبدأ القداس بُعَيد الساعة الثالثة عصراً بالتوقيت المحلي، مع اصطفاف نحو 700 ألف شخص -حسب الفاتيكان- على امتداد أكثر من كيلومترين وصولاً إلى شارع الجيش الكبير، خلف قوس النصر؛ حيث أمكنهم متابعة القداس الذي استمر ساعة ونصف ساعة عبر شاشات عملاقة.

وقالت ماري هيلين، التي قدمت من ضواحي باريس: «قد لا أرى شيئاً، ولكن لا يهم، المهم هو وجودنا بهذا العدد الكبير، ومشاركتنا في القداس».

شعبية واسعة

وفي ساحة الكونكورد؛ حيث كان الواصلون ينتظرون بصبر ويتناولون طعامهم، صرَّحت فيرجيني كورتو الآتية من نانتير مع عائلتها، والبالغة 51 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بأن «البابا هو النجم!». وأضافت: «إنه يخاطب جمهوراً يتجاوز الديانة الكاثوليكية، إنه البابا الذي نحتاج إليه في هذا العصر، البابا الذي يُضفي عمقاً وتأملاً».

وفي الشوارع المجاورة للشانزليزيه، ومع إغلاق عشرات محطات المترو، حملت عشرات الحافلات المصلِّين من مناطق عدة طوال الصباح، وغالباً ما كانت مجهزة بمقاعد قابلة للطي، استعداداً لانتظار وصول البابا.

حشود مجتمعة في جادة الشانزليزيه لاستقبال البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

وأوردت أبرشية باريس أن كثيراً من السياسيين حضروا للمشاركة في القداس؛ بينهم المرشحون للرئاسة: إدوارد فيليب، وغابرييل أتال، ومارين لوبان التي رافقها رئيس حزبها «التجمع الوطني» جوردان بارديلا، بالإضافة إلى رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، والرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيسَي مجلسَي البرلمان، يائيل براون بيفيت، وجيرار لارشيه.

وغاب الرئيس إيمانويل ماكرون الذي استقبل البابا ليو الجمعة لدى وصوله إلى المطار، ثم في قصر الإليزيه، ومثَّلته زوجته بريجيت.

وتحاط هذه الزيارة البابوية الأولى منذ زيارة بنديكتوس السادس عشر عام 2008، والتي تنتهي الاثنين في ميتز، بعد محطة في لورد بدءاً من مساء السبت، بتدابير أمنية بالغة الشدة. وتشهد تعبئة 17 ألف متطوع، و15 ألف عنصر من الشرطة والدرك، و2500 صحافي معتمَد، وخُصصت لها ميزانية هائلة قدرها 27 مليون يورو.

«كرامة وسلام»

وبدأ ليو الرابع عشر -وهو نفسه ابن مهاجرين- يومه الثاني في فرنسا بزيارة «دار باخيتا» وهي جمعية أبرشية لاستقبال المهاجرين أسسها البابا فرنسيس عام 2017، وتحمل اسم القديسة جوزفين باخيتا، وهي راهبة سودانية عانت من العبودية في صغرها قبل أن تتحرر وتصبح رمزاً عالمياً لمكافحة الاتجار بالبشر.

وشدد البابا خلال لقائه عدداً من المغتربين والمهاجرين المسلمين والمسيحيين من جنسيات مختلفة، على أهمية «الالتقاء والعيش معاً بكرامة وسلام». وقال إن «تاريخ الكنيسة والبشرية... لم يكتبه الذين يعطون الانطباع بالانتصار من خلال فرض أنفسهم واحتلال المساحة؛ بل الذين يُفسحون المجال لغيرهم، ويُوجدون آليات سلام، ويبعثون الثقة، ويشجعون الحياة». ودعا إلى «الإقرار بدور النساء الجوهري في بناء حضارة تقوم على المحبة».

البابا ليو الرابع عشر يحيي الحشود في جادة الشانزليزيه يوم 26 سبتمبر (أ.ف.ب)

وتبعث هذه الزيارة للدار -حسب مسؤوليها- «رسالة» قبل أشهر من انتخابات رئاسية في فرنسا، يتوقع أن تعود فيها مسألة الهجرة إلى الواجهة. ودعا البابا على الدوام منذ انتخابه في مايو (أيار) 2025 إلى الحفاظ على كرامة المهاجرين واللاجئين. ولم يتردد البابا الأميركي في انتقاد سياسة الرئيس دونالد ترمب بهذا الصدد.

وزار البابا بعد ذلك المعهد الكاثوليكي في باريس؛ حيث التقى بمُعَمَّدين جدد ومقبلين، ما يشهد على حيوية الكنيسة لدى شريحة من الشباب. وقال البابا خلال اللقاء في المقر التاريخي للمعهد: «قد يبدو من المستغرب أن نشهد هذه الظاهرة في إطار مجتمع كالمجتمع الفرنسي (...) مطبوع بثقافة شديدة العلمانية». وكان قد تطرق الجمعة إلى العلمانية في كلمته بقصر الإليزيه، معتبراً أن «العلمانية السليمة لا تعني استبعاد الدين من الفضاء العام».

وتلقى زيارة البابا اهتماماً شعبياً لافتاً منذ يومها الأول؛ إذ اصطف 300 ألف شخص -حسب الفاتيكان- الجمعة للترحيب به لدى عبوره في السيارة البابوية بوسط باريس، قبل أن يستقبله 80 ألف شاب استقبال النجوم مساء الجمعة، في ملعب «استاد دو فرنس».


ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
TT

ألمانيا تقترح قوة تدخل سريع أوروبية للتعامل مع أزمات الهجرة

قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)
قارب يتبع وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية (حساب فرونتكس عبر منصة إكس)

دعت ألمانيا إلى تشكيل قوة تدخل سريع تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود (فرونتكس)، لمساعدة الدول في حال حدوث «ضغط» مفاجئ للهجرة عند الحدود الخارجية للاتحاد، على غرار ما حدث في جيب سبتة الإسباني هذا الصيف.

وصرّح وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، خلال مؤتمر صحافي السبت في ميونيخ، بأن على أوروبا إرساء «آلية دعم جديدة للبلدان التي تواجه ضغطاً كهذا عند حدودها الخارجية».

وأضاف الوزير المحافظ قبيل اجتماع مع 16 من نظرائه في الاتحاد الأوروبي والمفوض الأوروبي ماغنوس برينر لمناقشة ملفات الهجرة، قائلاً: «بعبارة أخرى، قوة تدخل سريع تابعة لوكالة (فرونتكس)، تكون قادرة على تقديم الدعم اللازم للدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في غضون 24 ساعة».

قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)

من جهته، أشار برينر إلى أن المفوضية الأوروبية ستقدم «في المستقبل القريب» تفويضاً «معزّزاً» لوكالة «فرونتكس»، لتكون قادرة على «التحرك بسرعة، ومرونة أكبر، قبل أن تتحول الأحداث إلى أزمات حقيقية».

وأكد دوبريندت أن الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس التي جعلت من تشديد سياسة الهجرة أولوية لكبح صعود اليمين المتطرف «على قناعة بإمكان الاستعانة بشكل أكبر بوكالة (فرونتكس) في إجراءات إعادة المهاجرين»، ولا سيما عبر الدول الثالثة التي يمرون بها، وكذلك في إطار «اتفاقية دبلن» داخل الاتحاد الأوروبي التي تحدد الدولة المسؤولة عن البتّ في طلب اللجوء.

واعتبر المفوض برينر أن على وكالة «فرونتكس» أن تؤدي «دوراً أكثر أهمية وكثافة في عمليات الإعادة».

تعمل ألمانيا حالياً، بالتعاون مع الدنمارك وهولندا والنمسا واليونان، على إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين (مراكز ترحيل) في دولة خارج الاتحاد الأوروبي، بهدف إعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم.

وتمسّك دوبريندت بالهدف الذي أعلنته هذه الدول الخمس، والمتمثل في تقديم اتفاقات أولية مع دول من خارج التكتل «بحلول نهاية العام».

من جانبها، نددت لجنة الإنقاذ الدولية، الخميس، بمراكز الإعادة، واصفة إياها بأنها «نهج قاسٍ، ومكلف، ويجرّد الأشخاص من كرامتهم، وحقوقهم الأساسية».