الجواسيس الصينيون يثيرون قلق روسيا

بوتين يؤكد أن صداقة بلاده المتنامية مع بكين لا تتزعزع... لكن استخباراته لا تثق كثيراً بنيات بكين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يحضران عرضاً عسكرياً في يوم النصر، إحياءً للذكرى الثمانين للانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، في الساحة الحمراء، وسط موسكو، روسيا 9 مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يحضران عرضاً عسكرياً في يوم النصر، إحياءً للذكرى الثمانين للانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، في الساحة الحمراء، وسط موسكو، روسيا 9 مايو 2025 (رويترز)
TT

الجواسيس الصينيون يثيرون قلق روسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يحضران عرضاً عسكرياً في يوم النصر، إحياءً للذكرى الثمانين للانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، في الساحة الحمراء، وسط موسكو، روسيا 9 مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يحضران عرضاً عسكرياً في يوم النصر، إحياءً للذكرى الثمانين للانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، في الساحة الحمراء، وسط موسكو، روسيا 9 مايو 2025 (رويترز)

في العلن، يقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن صداقة بلاده المتنامية مع الصين لا تتزعزع، وهي صداقة استراتيجية عسكرية واقتصادية دخلت عصرها الذهبي.

ولكن في أروقة «لوبيانكا»، مقر وكالة الأمن الداخلي الروسية، المعروفة باسم جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، تشير وحدة استخبارات سرية إلى الصينيين على أنهم «العدو».

وقد حذرت هذه الوحدة، التي لم يتم الكشف عنها من قبل، من أن الصين تشكل تهديداً خطيراً للأمن الروسي. ويقول ضباطها إن بكين تحاول بشكل متزايد تجنيد جواسيس روس ووضع يدها على التكنولوجيا العسكرية الحساسة، وأحياناً عن طريق إغراء العلماء الروس الساخطين.

ويقول ضباط المخابرات إن الصين تتجسس على عمليات الجيش الروسي في أوكرانيا للتعرف على الأسلحة والحرب الغربية. وهم يخشون من أن الأكاديميين الصينيين يمهدون الطريق لتقديم مطالبات تتعلق بالأراضي الروسية. وقد حذروا من أن عملاء الاستخبارات الصينية يقومون بالتجسس في القطب الشمالي مستخدمين شركات التعدين ومراكز الأبحاث الجامعية كغطاء.

وقد وردت هذه التهديدات في وثيقة تخطيط داخلية لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي من ثماني صفحات، حصلت عليها صحيفة نيويورك تايمز، والتي تحدد أولويات صد التجسس الصيني. الوثيقة غير مؤرخة، مما يثير احتمال أن تكون مسودة، على الرغم من أنه يبدو من سياقها أنها كُتبت في أواخر عام 2023 أو أوائل عام 2024.

أعضاء من الوفدين الصيني والروسي يحضرون حفل الترحيب قبل محادثات الرئيس فلاديمير بوتين وشي جينبينغ في الكرملين، مايو الماضي (رويترز)

وقد حصلت مجموعة آريس ليكس، وهي مجموعة قرصنة إلكترونية، على الوثيقة لكنها لم تذكر كيف فعلت ذلك. وهذا يجعل المصادقة النهائية على صحتها مستحيلة، لكن نيويورك تايمز شاركت التقرير مع ست وكالات استخبارات غربية أجمعت في تقويمها على أنها أصلية. تقدم الوثيقة أكثر عرض تفصيلي من وراء الكواليس حتى الآن لتفكير الاستخبارات الروسية في ما يتعلق بالصين. فمنذ غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، أدى ارتباط موسكو الجديد مع بكين إلى تغيير ميزان القوى العالمي. وتعد هذه الشراكة سريعة التوسع واحدة من أكثر العلاقات أهمية وغموضاً في الجغرافيا السياسية الحديثة.

لقد نجت روسيا من سنوات من العقوبات المالية الغربية التي أعقبت الغزو، وأثبتت خطأ العديد من السياسيين والخبراء الذين توقعوا انهيار اقتصاد البلاد. ويعود الفضل في هذا الصمود إلى حد كبير إلى الصين.

فالصين هي أكبر زبون للنفط الروسي وتوفر رقائق الكمبيوتر الأساسية والبرمجيات والمكونات العسكرية. وعندما هربت الشركات الغربية من روسيا، تدخلت العلامات التجارية الصينية لتحل محلها. ويقول البلدان إنهما يريدان التعاون في عدد كبير من المجالات، بما في ذلك صناعة الأفلام وبناء قاعدة على سطح القمر.

ويسعى الرئيس فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جينبينغ بإصرار إلى ما يسمونه شراكة «بلا حدود». لكن المذكرة السرية للغاية الصادرة عن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي تُظهر أن هناك في الواقع حدوداً.

قال أندريه سولداتوف، الخبير في أجهزة الاستخبارات الروسية الذي يعيش في المنفى في بريطانيا والذي راجع الوثيقة بناءً على طلب نيويورك تايمز: «لديك القيادة السياسية، وهؤلاء الرجال جميعهم مع التقارب مع الصين». لكنه أضاف: «(في المقابل) لديك أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية، وهي جميعها متشككة للغاية (في ما يخص الصين)».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته روسيا لسفينة حربية خلال تدريبات مع البحرية الصينية في 14 أكتوبر 2024 (وزارة الدفاع الروسية - رويترز)

ورفض المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، التعليق. ولم ترد وزارة الخارجية الصينية على طلبات التعليق على الوثيقة.

وتصف الوثيقة الروسية معركة استخباراتية «متوترة ومتطورة بشكل ديناميكي» في الظل بين البلدين الصديقين ظاهرياً.

وتكشف الوثيقة أنه قبل ثلاثة أيام من غزو أوكرانيا في عام 2022، وافق جهاز الأمن الفيدرالي الروسي على برنامج جديد لمكافحة التجسس يسمى «Entente-4». هذا الإسم الرمزي، وهو إشارة ساخرة على ما يبدو إلى صداقة موسكو المتنامية مع بكين، يكذّب الهدف الحقيقي للمبادرة: منع الجواسيس الصينيين من تقويض المصالح الروسية.

ومن شبه المؤكد أن التوقيت لم يكن من قبيل الصدفة. كانت روسيا تحوّل جميع مواردها العسكرية والتجسسية تقريباً إلى أوكرانيا، على بعد أكثر من 4000 ميل من حدودها مع الصين، وعلى الأرجح أنها كانت قلقة من أن بكين قد تحاول الاستفادة من هذا الإلهاء.

ومنذ ذلك الحين، وفقاً للوثيقة، لاحظ جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أن الصين تفعل ذلك بالضبط. وتقول الوثيقة إن عملاء الاستخبارات الصينية كثّفوا جهودهم لتجنيد مسؤولين وخبراء وصحافيين ورجال أعمال روس مقربين من السلطة في موسكو.

ولمواجهة ذلك، أصدر جهاز الأمن الفيدرالي الروسي تعليمات لضباطه باعتراض «التهديد» و«منع نقل المعلومات الاستراتيجية المهمة إلى الصينيين». وأُمر الضباط بإجراء لقاءات شخصية مع المواطنين الروس الذين يعملون بشكل وثيق مع الصين وتحذيرهم من أن بكين تحاول الاستفادة من روسيا والحصول على أبحاث علمية متقدمة، وفق ما جاء في الوثيقة.

حرائق مشتعلة في كييف نتيجة قصف روسي الثلاثاء (أ.ب)

أمر جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بـ «التجميع المستمر للمعلومات عن المستخدمين» على تطبيق المراسلة الصيني وي تشات WeChat. وشمل ذلك اختراق هواتف أهداف التجسس وتحليل البيانات في أداة برمجية خاصة تحتفظ بها وحدة تابعة لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، كما تقول الوثيقة.

وقد أثار التوافق المحتمل على المدى الطويل بين حكومتين يبلغ عدد سكانهما مجتمعين حوالي 1.6 مليار نسمة ومسلحتين بحوالي 6000 رأس نووي، قلقاً عميقاً في واشنطن.

ويعتقد بعض أعضاء إدارة ترمب أنه من خلال التواصل مع بوتين، يمكن لواشنطن أن تبدأ في إبعاد روسيا عن الصين وتجنب ما أسماه وزير الخارجية ماركو روبيو «قوتين نوويتين مصطفتين ضد الولايات المتحدة».

قال دونالد ترمب قبل فترة وجيزة من انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني): «عليّ أن أفكّ تحالفهما، وأعتقد أنني أستطيع فعل ذلك أيضاً». أضاف: «يجب أن أقوم بفك وحدتهما».

اختبارات لكشف الجواسيس والعملاء

عند قراءة وثيقة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي من ناحية، تضفي الوثيقة مصداقية على النظرية القائلة بأنه يمكن، مع اتباع النهج الصحيح، شق روسيا بعيداً عن الصين. تصف الوثيقة انعدام الثقة والشكوك على جانبي العلاقة بين الجانبين. تقول الوثيقة إن الصين تجري اختبارات كشف الكذب على عملائها بمجرد عودتهم إلى الوطن، وتشدد التدقيق على الطلاب الروس في الصين البالغ عددهم 20 ألف طالب روسي، وتحاول تجنيد الروس الذين لديهم أزواج صينيين كجواسيس محتملين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (سبوتنيك/أ.ب)

ولكن قراءة أخرى للوثيقة تؤدي إلى استنتاج معاكس. فحقيقة أن بوتين يدرك جيداً على ما يبدو مخاطر توثيق العلاقة مع الصين وقرر المضي قدماً على أي حال، قد تشير إلى أن فرصة الولايات المتحدة في حمل روسيا على تغيير مسارها ضئيلة.

وقال ألكسندر جابويف، مدير مركز كارنيغي روسيا أوراسيا، الذي راجع الوثيقة بناء على طلب من صحيفة نيويورك تايمز: «يعتقد بوتين أنه يستطيع التعمق أكثر في هذا الاحتضان الصيني، وهذا ليس بلا مخاطر، لكنه يستحق ذلك». أضاف: «لكننا نرى أيضاً أن هناك أشخاصاً داخل النظام يشككون في هذا النهج».

روسيا تتجنب ذكر الاستخبارات الصينية كعدو محتمل

لقد تودد بوتين إلى شي لسنوات، في أكثر من 40 اجتماعاً شخصياً، وعزز شراكة أعمق بكثير مع الصين منذ غزو أوكرانيا. فبين البلدين تآزر اقتصادي طبيعي، فروسيا هي أحد أكبر منتجي الطاقة في العالم والصين أكبر مستهلك للطاقة في العالم.

وهذا يشكل تحدياً دقيقاً لعملاء مكافحة التجسس الروس. وتظهر الوثيقة أنهم يحاولون احتواء المخاطر التي تشكلها الاستخبارات الصينية دون التسبب في «عواقب سلبية على العلاقات الثنائية«. وتم تحذير الضباط بتجنب أي «ذكر علني لأجهزة الاستخبارات الصينية كعدو محتمل».

يقدم التوجيه الذي كُتب على الأرجح لتعميمه على المكاتب الميدانية لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، لمحة نادرة عن العالم الداخلي لأحد أقوى أجزاء مؤسسة الاستخبارات الروسية: إدارة عمليات مكافحة التجسس التابعة لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، والمعروفة باسم DKRO. كُتبت الوثيقة من قبل الدائرة السابعة في إدارة عمليات مكافحة التجسس التابعة لجهاز الاستخبارات الروسية، وهي المسؤولة عن مكافحة التجسس من الصين وأجزاء أخرى من آسيا.

ويهيمن على المذكرة القلق بشأن قابلية روسيا للتأثر ببكين المتزايدة القوة. ولكن من غير الواضح مدى شيوع هذه المخاوف في المؤسسة الروسية، بما يتجاوز وحدة مكافحة التجسس. حتى الدول الحليفة تتجسس بانتظام على بعضها البعض.

النيران تتصاعد عقب غارة روسية على العاصمة الأوكرانية يوم 10 يونيو الجاري (رويترز)

يقول بول كولبي، وهو زميل بارز في مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية في جامعة هارفارد، والذي عمل لمدة 25 عاماً في إدارة العمليات في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، بما في ذلك في روسيا: «بالعودة إلى القول المأثور القديم، لا يوجد شيء اسمه خدمات استخبارات صديقة». تابع: «ليس عليك أن تنبش بعمق في أي مسؤول عسكري أو استخباراتي روسي لتحصل على شكوك عميقة تجاه الصين. وعلى المدى الطويل، فإن الصين، على الرغم من الشراكة غير المحدودة ومدى فائدتها، تشكل تهديداً محتملاً أيضاً».

الصين تستهدف أسرار روسيا الحربية وعلماءها

بعد فترة وجيزة من اندفاع القوات الروسية عبر الحدود إلى أوكرانيا، بدأ مسؤولون من شركات الدفاع الصينية والمعاهد المرتبطة بالمخابرات الصينية بالتدفق إلى روسيا. وكان هدفهم، وفقاً لوثيقة جهاز الأمن الفيدرالي، هو فهم الحرب بشكل أفضل.

تمتلك الصين علماء على مستوى عالمي، لكن جيشها لم يخض حرباً منذ صراع دام شهراً مع فيتنام عام 1979. والنتيجة هي القلق في الصين حول كيفية أداء جيشها في مواجهة الأسلحة الغربية في صراع على تايوان أو بحر الصين الجنوبي. يتوق مسؤولو الاستخبارات الصينية إلى فهم قتال روسيا ضد جيش مدعوم من الغرب.

وتقول وثيقة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي: «من الأمور التي تهم بكين بشكل خاص المعلومات حول أساليب القتال باستخدام الطائرات بدون طيار، وتحديث برمجياتها وأساليب مواجهة الأنواع الجديدة من الأسلحة الغربية». وتعتقد بكين أن الحرب في أوكرانيا ستصبح طويلة الأمد. لقد أحدث الصراع ثورة في تكنولوجيا وتكتيكات الحرب.

تخلفت الصين منذ فترة طويلة عن روسيا في خبرتها في مجال الطيران، وتقول الوثيقة إن بكين جعلت ذلك هدفاً ذا أولوية. وتستهدف الصين الطيارين العسكريين والباحثين في مجال الديناميكا الهوائية (aerohydrodynamics) وأنظمة التحكم والمرونة الهوائية. كما يجري البحث أيضاً، وفقاً للوثيقة، عن المتخصصين الروس الذين عملوا على طائرة إيكرانوبلان التي توقفت عن العمل، وهي سفينة حربية من نوع الحوامات التي نشرها الاتحاد السوفياتي للمرة الأولى.

يقول التقرير: «تعطى الأولوية في التوظيف للموظفين السابقين في مصانع الطائرات ومعاهد البحوث، وكذلك الموظفين الحاليين غير الراضين عن إغلاق برنامج تطوير إيكرانوبلان من قبل وزارة الدفاع الروسية أو الذين يعانون من صعوبات مالية».

ولا يتضح من الوثيقة ما إذا كانت جهود التجنيد هذه تقتصر على توظيف المتخصصين الروس في المشاريع الصينية أم أنها تمتد أيضاً إلى تجنيدهم كجواسيس.

وتظهر الوثيقة أيضاً أن روسيا قلقة للغاية بشأن نظرة الصين للحرب في أوكرانيا وتحاول تغذية جواسيس بكين بمعلومات إيجابية عن العمليات الروسية. وهي تأمر عملاء مكافحة التجسس الروس بإعداد تقرير للكرملين حول أي تغييرات محتملة في سياسة بكين.

وقد اتهم القادة الغربيون الصين بتزويد روسيا بمكونات أسلحة أساسية والعمل على إخفائها. وتؤيد وثيقة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي هذا الادعاء، حيث تشير إلى أن بكين اقترحت إنشاء سلاسل توريد لموسكو تتحايل على العقوبات الغربية وعرضت المشاركة في إنتاج طائرات بدون طيار وغيرها من المعدات العسكرية عالية التقنية غير المحددة. ولا تذكر الوثيقة ما إذا كانت هذه المقترحات قد تم تنفيذها، على الرغم من أن الصين زودت روسيا بطائرات بدون طيار.

صورة وزعها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في مالي (أ.ب)

اهتمام صيني بمجموعة فاغنر

وتلمح مذكرة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أيضاً إلى اهتمام الصين بمجموعة مرتزقة فاغنر، وهي مجموعة شبه عسكرية مدعومة من روسيا دعمت الحكومات في أفريقيا لسنوات وقاتلت إلى جانب القوات الروسية في أوكرانيا.

وتقول المذكرة: «يخطط الصينيون لاستخدام خبرة مقاتلي فاغنر في قواتهم المسلحة والشركات العسكرية الخاصة العاملة في دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية».

ولا تشير صياغة التقرير إلى ما إذا كان جهاز الأمن الفيدرالي الروسي يعتقد أن الصين تريد تجنيد مقاتلين سابقين من فاغنر في تشكيلاتها الخاصة أو أنها تريد ببساطة التعلم من خبراتهم.

روسيا قلقة من توسع الصين نحو أراضيها

تشعر موسكو بالقلق من أن بكين تحاول التعدي على أراضيها.

لطالما خشيت روسيا من تعدي الصين على طول حدودهما المشتركة التي يبلغ طولها 2615 ميلاً. وقد اعترض القوميون الصينيون لسنوات على معاهدات القرن التاسع عشر التي ضمت فيها روسيا أجزاء كبيرة من الأراضي، بما في ذلك فلاديفوستوك الحالية.

وتشكل هذه القضية الآن مصدر قلق رئيسي، حيث أضعفت روسيا بسبب الحرب والعقوبات الاقتصادية وأصبحت أقل قدرة من أي وقت مضى على التصدي لبكين. ويثير تقرير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي مخاوف من أن بعض الأكاديميين في الصين يروجون لمطالبات إقليمية ضد روسيا.

وتقول الوثيقة إن الصين تبحث عن آثار «الشعوب الصينية القديمة» في الشرق الأقصى الروسي، ربما للتأثير على الرأي العام المحلي المؤيد للمطالبات الصينية. في عام 2023، نشرت الصين خريطة رسمية تضمنت أسماء صينية تاريخية لمدن ومناطق داخل روسيا.

وأمر جهاز الأمن الفيدرالي الروسي ضباطه بفضح مثل هذه الأنشطة «الإحيائية»، بالإضافة إلى محاولات الصين استخدام العلماء الروس وأموال الأرشيف الروسي في أبحاث تهدف إلى ربط الانتماء التاريخي بالأراضي الحدودية.

وأمرت المذكرة بـ«القيام بأعمال وقائية فيما يتعلق بالمواطنين الروس المتورطين في الأنشطة المذكورة».

الصين تثير قلق روسيا في آسيا الوسطى والقطب الشمالي.

لا تقتصر المخاوف بشأن توسيع الصين لنطاق نفوذها على المناطق الحدودية الروسية في الشرق الأقصى.

فقد استجابت دول آسيا الوسطى لموسكو خلال الحقبة السوفياتية. واليوم، وفقاً لتقارير جهاز الأمن الفيدرالي، طورت بكين «استراتيجية جديدة» لتعزيز القوة الناعمة الصينية في المنطقة.

وقد بدأت الصين في تطبيق هذه الاستراتيجية في أوزبكستان، وفقاً للوثيقة. ولا تتضمن الوثيقة تفاصيل الاستراتيجية سوى القول إنها تنطوي على التبادل الإنساني. وتعتبر أوزبكستان والدول المجاورة مهمة بالنسبة لبوتين، الذي يرى أن استعادة منطقة النفوذ السوفياتي جزء من إرثه.

كما يسلط التقرير الضوء على اهتمام الصين بالأراضي الروسية الشاسعة في القطب الشمالي والطريق البحري الشمالي الذي يعانق الساحل الشمالي لروسيا. ومن الناحية التاريخية، كانت تلك المياه جليدية للغاية بالنسبة للشحن البحري الموثوق به، ولكن من المتوقع أن تصبح مشغولة بشكل متزايد بسبب تغير المناخ.

يقلل الطريق من وقت الشحن بين آسيا وأوروبا. ومن شأن تطوير هذا الطريق أن يسهل على الصين بيع بضائعها.

حاولت روسيا تاريخياً فرض رقابة صارمة على النشاط الصيني في القطب الشمالي. لكن بكين تعتقد أن العقوبات الغربية ستجبر روسيا على اللجوء إلى الصين للحفاظ على «بنيتها التحتية المتقادمة في القطب الشمالي»، وفق وثيقة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وبالفعل، اعتمدت شركة الغاز الروسية العملاقة نوفاتيك على الصين لإنقاذ مشروعها للغاز الطبيعي المسال في القطب الشمالي، بعد أن كانت تستعين في السابق بشركة بيكر هيوز الأميركية للخدمات النفطية.

ويؤكد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أن الجواسيس الصينيين ينشطون في القطب الشمالي أيضاً. ويقول التقرير إن الاستخبارات الصينية تحاول الحصول على معلومات حول تطوير روسيا للقطب الشمالي، مستخدمةً مؤسسات التعليم العالي وشركات التعدين على وجه الخصوص.

ولكن على الرغم من كل هذه الثغرات، يوضح تقرير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أن تعريض دعم الصين للخطر سيكون أسوأ. وتحذر الوثيقة الضباط بشكل مباشر من ضرورة حصولهم على موافقة من أعلى المستويات في المؤسسة الأمنية الروسية قبل اتخاذ أي إجراء حساس على الإطلاق.

* خدمة نيويورك تايمز

https://www.nytimes.com/2025/06/07/world/europe/china-russia-spies-documents-putin-war.html


مقالات ذات صلة

قادة السبع يسعون لحل في أوكرانيا بحضور زيلينسكي

العالم قادة دول مجموعة السبع ورئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي خلال عشاء عمل في قمة مجموعة السبع بمديمة إيفيان شرق فرنسا (إ.ب.أ)

قادة السبع يسعون لحل في أوكرانيا بحضور زيلينسكي

يعقد قادة مجموعة السبع، الثلاثاء، محادثات مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي، في وقت صرّح فيه الرئيس الأميركي ترمب بأنه «ربما يمكننا فعل شيء» بخصوص الحرب.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (د.ب.أ)

بريطانيا ستزوِّد أوكرانيا بيورانيوم مُخصَّب وتُشدِّد العقوبات على روسيا

أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بريطانيا ستزوّد أوكرانيا بيورانيوم مخصب لمحطاتها النووية، وستفرض عقوبات جديدة على روسيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلام الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا ترفرف خارج مبنى البرلمان الأوروبي في بروكسل ببلجيكا يوم 28 فبراير 2022 (رويترز)

بدء المرحلة الأولى من محادثات عضوية أوكرانيا للاتحاد الأوروبي

بدأ الاتحاد الأوروبي رسمياً، الاثنين، المرحلة الأولى من مفاوضات انضمام أوكرانيا إلى عضويته، لينهي بذلك تأخيراً استمر عامين بسبب اعتراض المجر.

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)
العالم رمز مجموع الدول السبع الكبرى في العالم في بلدة إيفيان الفرنسية الأثنين (د. ب. أ)

قمة «مجموعة السبع»... محاولة جديدة للتفاهم مع ترمب

بدأ قادة دول «مجموعة السبع» الكبرى في العالم، الاثنين، قمة في فرنسا تستمر حتى الأربعاء، وسط تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة بالنظام العالمي.

«الشرق الأوسط» (إبفيان)
أوروبا رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق اندلع جراء هجوم روسي على مدينة خاركيف الاثنين (إ.ب.أ)

موسكو تحذر أوروبا من استخدام لغة «الإنذارات» معها

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الاثنين، إن «الحكومات الأوروبية مخطئة في اعتقادها أنها تستطيع توجيه إنذارات نهائية إلى روسيا».

رائد جبر (موسكو)

الأوروبيون يختبرون موقف ترمب من مخاطر اتفاق إيران خلال «قمة السبع»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال جلسة عمل على هامش قمة «مجموعة السبع» في مدينة إيفيان لي بان الفرنسية (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال جلسة عمل على هامش قمة «مجموعة السبع» في مدينة إيفيان لي بان الفرنسية (إ.ب.أ)
TT

الأوروبيون يختبرون موقف ترمب من مخاطر اتفاق إيران خلال «قمة السبع»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال جلسة عمل على هامش قمة «مجموعة السبع» في مدينة إيفيان لي بان الفرنسية (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال جلسة عمل على هامش قمة «مجموعة السبع» في مدينة إيفيان لي بان الفرنسية (إ.ب.أ)

سيحذّر القادة الأوروبيون الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قمة «مجموعة السبع»، اليوم (الثلاثاء)، من أن اتفاقاً مؤقتاً سطحياً مع إيران ربما يرسّخ برنامج طهران النووي وبرنامجها للصواريخ الباليستية، وسيضغطون عليه أيضاً لإعادة النظر في استراتيجيته المتعلقة بأوكرانيا.

ويجمع الاجتماع المنعقد من 15 إلى 17 يونيو (حزيران) في إيفيان-ليه-بان، على ضفاف بحيرة جنيف، قادة ‌فرنسا وبريطانيا وكندا ‌وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة، إلى ​جانب ‌الاتحاد ⁠الأوروبي.

ووصل ترمب ​إلى ⁠فرنسا، مساء أمس، مدفوعاً بالثقة بعد أن توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق مبدئي لإنهاء الصراع الأوسع، مع استهداف توقيع رسمي يوم الجمعة.

وقال ترمب بعد وقت قصير من وصوله إلى إيفيان-ليه-بان: «اتفاق إيران سيحقق نجاحاً كبيراً».

الحاجة إلى اتفاق نووي قوي

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الأولوية تتمثّل في ضمان وجود «اتفاق قوي وجاد ⁠مستكمل».

وقال إن جلسة الغداء اليوم ستركز على ‌الفتح الآمن لمضيق هرمز، بما في ‌ذلك مهمة بحرية محتملة بقيادة فرنسية-​بريطانية، وتحديد مسارات بديلة للطاقة تتجاوز ‌الممر المائي. وقال ترمب إن المضيق سيكون «مفتوحاً بالكامل» يوم الجمعة.

وسيحضر ‌قادة من الإمارات وقطر ومصر محادثات اليوم. وقال دبلوماسيون إن من غير المتوقع أن يدخلوا في مناقشات مفصلة بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكنهم ربما يحددون توقعاتهم.

ومن شأن الاتفاق المؤقت أن يتيح مهلة مدتها ‌60 يوماً لإجراء مفاوضات فنية معقّدة تشمل مصير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب ورفع العقوبات.

غير أن الحلفاء ⁠الأوروبيين يخشون ⁠أن يفشل فريق التفاوض الأميركي قليل الخبرة في التوصل إلى اتفاق نووي قوي أو التعامل مع برنامج إيران للصواريخ الباليستية في المرحلة التالية، مما ينذر بإطالة أمد المواجهة.

وتريد فرنسا وبريطانيا وألمانيا دوراً في صياغة المحادثات المقبلة بعد تهميشها في الأشهر القليلة الماضية.

وكانت الدول الثلاث تواصلت لأول مرة مع إيران بشأن برنامجها النووي في 2003، وعملت لاحقاً مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما للتوصل إلى اتفاق في 2015 مقابل تخفيف العقوبات. وانتقد ترمب ذلك الاتفاق، وسحب الولايات المتحدة منه خلال ولايته الرئاسية الأولى.

وقال ​ترمب عن اتفاقه قبل ​الدخول في اجتماع ثنائي مع ماكرون: «إنه ليس مثل وثيقة أوباما... كانت تلك وثيقة سيئة للغاية».


برمجيات خبيثة وتلاعب رقمي... كيف يهدد «أسطول الظل» الأمن والبيئة عالمياً؟

ناقلة تابعة لأسطول الظل الروسي احتجزتها بلجيكا مارس الماضي بعد الاشتباه في إبحارها بعَلَم مزيف ووثائق مزورة (أ.ف.ب)
ناقلة تابعة لأسطول الظل الروسي احتجزتها بلجيكا مارس الماضي بعد الاشتباه في إبحارها بعَلَم مزيف ووثائق مزورة (أ.ف.ب)
TT

برمجيات خبيثة وتلاعب رقمي... كيف يهدد «أسطول الظل» الأمن والبيئة عالمياً؟

ناقلة تابعة لأسطول الظل الروسي احتجزتها بلجيكا مارس الماضي بعد الاشتباه في إبحارها بعَلَم مزيف ووثائق مزورة (أ.ف.ب)
ناقلة تابعة لأسطول الظل الروسي احتجزتها بلجيكا مارس الماضي بعد الاشتباه في إبحارها بعَلَم مزيف ووثائق مزورة (أ.ف.ب)

كشفت فرق الأمن السيبراني التابعة لخفر السواحل الأميركي عن مخاطر تقنية وأمنية على متن ناقلات النفط التابعة لما يُعرف بـ«أسطول الظل». الذي يُستخدم في نقل النفط الخاضع للعقوبات من روسيا وإيران، محذّرة من أن هذه السفن قد تتحول مصدراً لكوارث بيئية وأمنية واسعة النطاق؛ بسبب ضعف إجراءات السلامة واعتمادها على أنظمة رقمية قابلة للاختراق.

وحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، فقد توصلت الفرق الأميركية إلى هذه النتائج خلال عمليات تفتيش أعقبت سيطرة قوات خاصة أميركية على عدد من الناقلات، حيث جرى فحص البنية الرقمية للسفن، واكتشفت الفرق بعض الممارسات التي تجعل الناقلات عُرضةً لهجمات جهات خبيثة قد تستغل الثغرات للتسبب في انفجار أو تسرب نفطي.

أنظمة تحكم عن بُعد

وأظهر التقرير أن مالكي السفن يعتمدون على أنظمة اتصال متطورة باهظة الثمن وعالية السرعة تُبقيها متصلة بالإنترنت باستمرار، إلى جانب برامج للتحكم عن بُعد تسمح بإدارة السفن والتلاعب بأنظمتها من خارجها.

ووفقاً للتقرير، اكتشف خفر السواحل أن هذه البرامج «مثبتة بشكل دائم»، وأن «الوصول إليها دون رقابة مسموح به؛ ما يعني إمكانية إنشاء اتصالات عن بُعد دون وجود شخص في محطة العمل».

وقد حاول مسؤولون عن إحدى السفن حذف بيانات رقمية عن بُعد فور بدء عملية التفتيش الأميركية.

وقال قائد القيادة السيبرانية في خفر السواحل الأميركي، الأميرال جيسون تاما: «كنا نعلم منذ سنوات أن أسطول الظل يشكل مخاطر مادية كبيرة؛ لأنه يعتمد على سفن قديمة لا تحظى بالصيانة المناسبة، لكننا لم نكن نعرف نوع المخاطر السيبرانية الموجودة على متن هذه السفن إلا بعد عمليات التفتيش».

برمجيات مقرصنة وبرامج خبيثة

كما اكتشفت الفِرق الأميركية أن بعض السفن تُشغّل برامج مقرصنة لإدارة الأعمال والملاحة، مُحمّلة ببرمجيات خبيثة.

ويقول المسؤولون إن أجهزة الكمبيوتر المُصابة بالبرمجيات الخبيثة تُشكّل خطراً مُتأصلاً عند اتصالها بأنظمة التشغيل والملاحة الحيوية.

وحذر تاما من أن «السفن التي تحمل عشرات الملايين من الغالونات من النفط الخام تواجه دائماً مخاطر الحرائق والانفجارات والتسربات النفطية إذا تعرضت أنظمتها لأي خلل أو تلاعب».

الخداع الرقمي وتزوير الهوية والموقع

عثرت فرق الأمن السيبراني أيضاً على أدلة على التلاعب الرقمي على متن السفن.

فقد احتوت بعض ناقلات النفط على أجهزة متعددة يستخدمها طاقم الأسطول الخفي لتزوير هويات السفن.

في إحدى الحالات، عثر فريق الأمن السيبراني على زر تبديل كان البحارة يستخدمونه لتغيير أسماء السفن إلكترونياً - وهو ما يُعادل رقمياً طلاء اسم السفينة الحقيقي على هيكلها.

وأوضح نائب قائد العمليات والسياسات والقدرات في خفر السواحل الأميركي، الأدميرال ديفيد باراتا، أن بعض مالكي هذه السفن يستغلون أسماء سفن خرجت من الخدمة، قائلاً: «تماماً كما يبحث شخص عن اسم متوفى وينتحله، فإن مالكي أسطول الظل يبحثون عن سفن خرجت من الخدمة ويستخدمون أسماءها حتى يبدو وكأن تلك السفن ما زالت موجودة».

كما اكتشف المحققون على متن بعض السفن أدلة إرشادية تشرح طرق التلاعب ببيانات تحديد المواقع، لتزييف وإخفاء الموقع الحقيقي للسفينة.

وقال باراتا: «هذه السفن تحاول الاختباء في وضح النهار. إحدى السفن كانت تُظهر أنها موجودة بالقرب من إحدى جزر البحر الكاريبي، بينما كانت في الحقيقة قبالة سواحل فنزويلا تنقل النفط هناك».

أدلة على نشاط منظم ومتعمد

ويرى خبراء الاستخبارات البحرية أن ما تم اكتشافه يؤكد أن هذه السفن لا تنخرط في تجارة النفط الخاضع للعقوبات بالصدفة، بل جرى تجهيزها عمداً لممارسة أنشطة غير مشروعة.

وقالت المحللة المتخصصة في الاستخبارات البحرية ميشيل فيزه بوكمان: «إذا كانت هذه هي المعلومات التي كشفوها للرأي العام، فلا أستطيع أن أتخيل حجم ما عثروا عليه ولم يُعلن عنه».

وأضافت: «هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها هذا النوع من المعلومات يُنشر علناً».

ويأمل مسؤولو خفر السواحل، أن تدفع هذه المعلومات مزيداً من الدول إلى تشديد الرقابة على ناقلات «أسطول الظل»، خصوصاً مع تزايد المخاوف من وقوع كارثة بيئية أو أمنية بسبب تدهور أوضاع تلك السفن واستمرار استخدامها في نقل النفط بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.


تقرير: تنامي تجنيد الشبان عبر الإنترنت لتنفيذ هجمات مرتبطة بروسيا وإيران

ضابط شرطة يقف في شارع تم تطويقه عقب اندلاع حريق في منزل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في شمال لندن يوم 12 مايو 2025 (رويترز)
ضابط شرطة يقف في شارع تم تطويقه عقب اندلاع حريق في منزل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في شمال لندن يوم 12 مايو 2025 (رويترز)
TT

تقرير: تنامي تجنيد الشبان عبر الإنترنت لتنفيذ هجمات مرتبطة بروسيا وإيران

ضابط شرطة يقف في شارع تم تطويقه عقب اندلاع حريق في منزل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في شمال لندن يوم 12 مايو 2025 (رويترز)
ضابط شرطة يقف في شارع تم تطويقه عقب اندلاع حريق في منزل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في شمال لندن يوم 12 مايو 2025 (رويترز)

بعد منتصف ليل 13 مايو (أيار) 2025 بقليل، أرسل الأوكراني رومان لافرينوفيتش رسالة إلى شخص يعرفه باسم «إي إل ماني»، وهو شخص غامض أمره بتنفيذ 3 هجمات حرق متعمد على ممتلكات مرتبطة برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. وقال في رسالة نصية: «آمل أن تتاح لي فرصة مصافحتك قريباً... ابق على اتصال».

وبعد ساعة، داهم أفراد من قوات مكافحة الإرهاب منزله في لندن، ووجهت إليه تهمة ارتكاب جريمة الحرق العمد بنية تعريض الأرواح للخطر.

وبإدانته أمس الاثنين، ينضم لافرينوفيتش (22 عاماً) إلى قائمة متزايدة تضم في الغالب شباناً، تم إغراؤهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأدينوا في بريطانيا بارتكاب أعمال إجرامية خطيرة لحساب شخصيات غامضة على الإنترنت مقابل أموال لم يتسلموها في أغلب الأحيان، بحسب وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت هيلين فلاناغان، قائدة شرطة مكافحة الإرهاب في لندن، في مقابلة مع وسائل الإعلام البريطانية: «من الواضح أن المهمة (التعليمات) كانت ترهيب رئيس الوزراء... ومهاجمة المملكة المتحدة».

وأضافت: «لا توجد أدلة تشير إلى أنهم كانوا يعرفون من يستهدفون أو لماذا؟ كان الأمر في الحقيقة مجرد اندفاع سريع وراء المال».

تزايد استخدام «وكلاء»

كان استخدام الدول الأجنبية لأفراد لا يعول عليهم وغير مدربين، معظمهم قاصرون، لتنفيذ مثل هذه المهام أمراً غير مألوف قبل بضع سنوات، لكن سلسلة من الوقائع في بريطانيا وأنحاء أوروبا سلطت الضوء على هذه الاستراتيجية.

وتقول السلطات إن الهدف هو إثارة الاضطرابات، والانقسامات، مع السماح للحكومات المعادية بإنكار أي ضلوع في الأمر.

وتستخدم روسيا تكتيك الاستعانة «بوكلاء» على نطاق واسع في أوكرانيا. وتقول أجهزة الأمن الأوكرانية إنه منذ الغزو الروسي الشامل للبلاد في عام 2022، كان هناك قاصر تقريباً من كل خمسة من الأوكرانيين الذين وجهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم الحرق العمد، أو الإرهاب أو التخريب، والذين يتجاوز عددهم 1100 أوكراني.

وتقول السلطات البريطانية إن القيام بذلك في البلاد أصبح ضرورياً بعد طرد أكثر من 600 روسي، بينهم أكثر من 400 جاسوس، عقب تسميم الجاسوس الروسي المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في سالزبري جنوب إنجلترا عام 2018. وخلص تحقيق بريطاني العام الماضي إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا بد أنه أمر بذلك الهجوم الذي نفذته عناصر من المخابرات العسكرية الروسية. وتوصل تحقيق في مقتل الضابط السابق بجهاز المخابرات السوفياتي (كيه جي بي) ألكسندر ليتفينينكو باستخدام البولونيوم المشع في لندن عام 2006 إلى نتيجة مماثلة.

ووجهت اتهامات الآن إلى إيران باستخدام نفس الاستراتيجية. وترفض كل من موسكو وطهران هذه الاتهامات، وتقولان إنها دعاية غربية.

ويقول مسؤولو الأمن البريطانيون إن من يقفون وراء هذه الأنشطة ربما يتحركون دون تعليمات مباشرة من الكرملين، أو أي جهة أخرى، وقد يكونون عملاء مستقلين، أو حتى عصابات إجرامية بهدف جني المال، أو السعي للحصول على خدمات من أصحاب السلطة.

على سبيل المثال، أخبر لافرينوفيتش الشرطة أنه لم يكن يعرف حتى من هو ستارمر، لكن «إي إل ماني» أخبره بأنه «هاجم منزل شخص رفيع المستوى للغاية».

وسجن «وكلاء» مثله بتهم شن هجمات حرق عمد على مستودعات في لندن مرتبطة بالدعم البريطاني لأوكرانيا، وجمع معلومات عن قناة «إيران إنترناشونال» التي تنتقد طهران. وفي هذا الشهر، أدين رومانيان بطعن صحافي يعمل في القناة.

موجة هجمات منذ اندلاع حرب إيران

منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في فبراير (شباط)، حدثت أيضاً وقائع عديدة في لندن استهدفت مواقع مرتبطة باليهود، أو المعارضين الإيرانيين.

ورغم أن السلطات البريطانية لم تتهم الحكومة الإيرانية بالمسؤولية مباشرة، فقد أوضحت أنها ترى في طهران مصدراً محتملاً لمعظم الهجمات.

وأعلنت جماعة «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» الموالية لإيران مسؤوليتها عن بعض الوقائع.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، وجهت الولايات المتحدة الاتهام إلى المواطن العراقي محمد باقر سعد داود بالضلوع في هجمات عديدة على المصالح الأميركية والإسرائيلية في أوروبا، بما في ذلك هجمات على يهود في لندن.

وينفي داود توجيه أشخاص لتنفيذ هجمات نيابة عن «حركة أصحاب اليمين الإسلامية». ويقول ممثلو الادعاء العام الأميركي إن داود عمل بشكل وثيق مع القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، الذي قتل بواسطة طائرة أميركية مسيرة في عام 2020.

وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن الذين تم اتهامهم أو إدانتهم في بريطانيا ليست لهم صلة تذكر بإيران. وقال لافرينوفيتش إنه كان يعمل في موقع بناء، وتواصل معه «إي إل ماني» لأول مرة عبر محادثة على تطبيق «تلغرام» يستخدمها الأوكرانيون للبحث عن وظائف.

وأخبر الشرطة أنه شعر بتهديد دفعه لتنفيذ أوامره، وكان قلقاً على جدته التي يعيش معها.

الأوكراني رومان لافرينوفيتش (د.ب.أ)

وقال لمحكمة أولد بيلي في لندن: «كنت بحاجة إلى بعض المال. لم أكن أعرف من أين اتصل بي».

ويقول مسؤولو الشرطة والأمن البريطانيون إن استخدام مثل هؤلاء الوكلاء يمثل مصدر قلق متزايد.

وقالت فلاناجان، قائدة شركة «مكافحة الإرهاب»: «من المرجح أنه قبل بهذه المهمة من أجل المال، ولم يكن لديه دافع آيديولوجي، أو إدراك لمن يستهدفه».

وعُرضت مبالغ صغيرة نسبياً على العديد من المتهمين، لكن النمساوي ماغوميد-حسين دوفتاييف، الذي أدين بتتبع موظفي قناة «إيران إنترناشونال»، قال إنه تلقى عرضاً بالحصول على 50 ألف يورو (57655 دولاراً).

وقال دوفتاييف، الذي سافر من فيينا إلى لندن في عام 2023 لتنفيذ المراقبة، في جلسة استماع أمام لجنة للإفراج المشروط في أبريل (نيسان) إنه وجد فرصة لكسب «مال سهل».

وأظهرت الرسائل المستخرجة من هاتف لافرينوفيتش أن العلاقة بينه وبين «إي إل ماني» تطورت على مدى سبعة أشهر، وأنه تلقى منه أموالاً في السابق مقابل وضع ملصقات في أنحاء لندن.

وأخبر الشرطة أنه عرض عليه مبلغ 1500 جنيه إسترليني (نحو ألفي دولار) لتفقد عنوانين. وعرض عليه «إي إل ماني» الدفع عبر باي بال، أو بعملة مشفرة، لكن المال لم يصل قط.