روسيا وأوكرانيا تتبادلان الاتهامات بـ«إرجاء» عملية تبادل أسرى الحرب

جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أ.ف.ب)
TT

روسيا وأوكرانيا تتبادلان الاتهامات بـ«إرجاء» عملية تبادل أسرى الحرب

جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أ.ف.ب)

تبادلت روسيا وأوكرانيا، اليوم (السبت)، الاتهامات بتعطيل عملية تبادل أسرى من المقرر إجراؤها نهاية هذا الأسبوع، عقب ضربات روسية واسعة النطاق طالت خصوصاً خاركيف، ثاني كبرى المدن الأوكرانية.

وقال كبير المفاوضين الروس، فلاديمير ميدينسكي، على منصات التواصل الاجتماعي: «أرجأ الجانب الأوكراني بشكل غير متوقع، ولفترة غير محددة، تسلّم الجثث وتبادل أسرى الحرب».

لكن «الهيئة الأوكرانية لتنسيق معاملة أسرى الحرب»، قالت، في بيان، إنه لم يكن هناك موعد محدد لإعادة الجثث، وإن روسيا لا تلتزم المعايير المتفق عليها لتبادل أسرى الحرب، واتهمت موسكو بممارسة «ألعاب قذرة».

واتفق وفدا موسكو وكييف على تبادل كل الجنود الجرحى، وأسرى الحرب دون سن الـ25.

وكانت هذه النتيجة الملموسة الوحيدة للمباحثات التي رفضت خلالها روسيا دعوات أوكرانيا المتكررة إلى وقف فوري لإطلاق النار.

وأوضح ميدينسكي أن روسيا جلبت جثث 1212 جندياً أوكرانياً قضوا في القتال إلى «منطقة التبادل». ويُشكِّل ذلك الدفعة الأولى من أصل 6 آلاف جثة.

وأكّدت موسكو، السبت، أنها أرسلت لأوكرانيا لائحةً قالت الأخيرة إنها «لا تتوافق» مع شروط الاتفاق.

ومن المفترض الإفراج عن ألف أسير من كل جانب، في أكبر عملية تبادل منذ بدء الحرب قبل أكثر من 3 سنوات.

وأوضح ميدينسكي: «نحث كييف على التزام الجدول الزمني بحذافيره، فضلاً عن كل الاتفاقات المبرمة، وبدء عملية التبادل فوراً».

ولم تعلق كييف فوراً على الاتهام.

بعد مباحثات إسطنبول، قال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن التبادل سيحصل خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما أكدت روسيا أنها جاهزة لأيام السبت والأحد والاثنين.

وفيما يتعلق بجثث الجنود، دعا المفاوض الروسي، فلاديمير ميدينسكي، كييف إلى «استعادة جثث 6 آلاف جندي أوكراني»، من بينها «1212 جثة موجودة في موقع التبادل». وردَّت أوكرانيا بأنه «لم يُحدَّد أي موعد بعد».

استهداف خاركيف

وتأتي تلك الاتهامات بعد ضربات روسية واسعة النطاق، ليل الجمعة السبت، في أوكرانيا، بعدما تعهَّدت موسكو بالرد على تدمير جزء من أسطولها الجوي القتالي.

وأطلقت روسيا وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيَّرة على مناطق أوكرانية عدة في وقت مبكر السبت، ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص على الأقل.

وتُواصل موسكو تعزيز تقدمها على خط الجبهة، تزامناً مع محادثات سلام في إسطنبول فشلت في التوصُّل إلى وقف لإطلاق النار في الحرب التي بدأت مع الغزو الروسي لأوكرانيا في مطلع عام 2022.

وحضَّ وزير الخارجية الأوكراني، أندري سيبيها، حلفاء بلاده الغربيين على تحميل روسيا تبعات رفضها الهدنة.

وقال: «لوضع حدٍّ للقتل والتدمير الروسيَّين، المطلوب فرض مزيد من الضغط على موسكو، ومزيد من الخطوات لتقوية أوكرانيا».

وأفادت القوات الجوية الأوكرانية بأن روسيا أطلقت، ليل الجمعة السبت، 206 طائرات مسيَّرة و9 صواريخ، مشيرة إلى أن «الهجوم الجوي تمَّ التصدي له من قبل سلاح الطيران، وقوات الدفاع الجوي الصاروخي والحرب الإلكترونية والأنظمة المسيّرة» وغيرها من الوسائل.

وطالت الهجمات الروسية، فجر السبت، خصوصاً خاركيف (شمالي شرق) ثاني كبرى مدن أوكرانيا، وخيرسون (جنوب).

وأفاد رئيس بلدية خاركيف، إيغور تيريخوف، بأن روسيا أطلقت 48 طائرة مسيَّرة وصاروخين و4 قنابل موجهة قبيل فجر السبت، مشيراً إلى أن حجم الهجوم كان غير مسبوق منذ بدء الحرب. وكتب على «تلغرام»: «تشهد خاركيف حالياً أقوى هجوم منذ بداية الحرب الشاملة».

وأفاد تيريخوف بأن القصف أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 17، متحدثاً عن دوي «ما لا يقل عن 40 انفجاراً في المدينة» خلال ساعة ونصف الساعة. وأوضح حاكم خاركيف، أوليغ سينيبوغوف، أن بين الجرحى طفلين.

وكان ما لا يقل عن 18 شخصاً بينهم 4 أطفال، أُصيبوا في ضربات على خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا، تسبَّبت باشتعال النيران في مبنى سكني.

وفي مدينة خيرسون (جنوب)، قُتل شخصان في ضربة استهدفت مبنى، بحسب ما أفاد حاكم المنطقة، أولكسندر بروكودين.

وفي منطقة دنيبرو بوسط أوكرانيا، أفاد الحاكم الإقليمي، سيرهي ليساك، بإصابة امرأتين في الـ45 والـ88 بجروح، مشيراً إلى أن القوات العسكرية اعترضت 27 طائرة مسيَّرة وصاروخين أطلقتها روسيا ليلاً.

وفي لوتسك (غرب) قرب الحدود مع بولندا، عثر عناصر الإنقاذ، السبت، على جثة ضحية ثانية قضت في قصف تعرَّضت له المدينة الجمعة. وأشارت السلطات إلى أن القتيلة شابة في العشرينات.

وبذلك، ارتفعت حصيلة الضربات التي شنّتها روسيا على مناطق أوكرانية عدة ليل الخميس الجمعة، إلى 5 قتلى.

ضربات أوكرانية

من جهتها، أفادت وزارة الدفاع الروسية، السبت، بأنها أسقطت 36 طائرة مسيَّرة أطلقتها كييف نحو مناطق عدة.

وأكدت موسكو، الجمعة، أن النزاع «قضية وجودية» بالنسبة إليها، بعدما شنَّت هجوماً ضخماً خلال الليل، أدرجته في إطار «الرد» على هجمات كييف الأخيرة.

وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، للصحافيين، الجمعة: «بالنسبة إلينا إنها قضية وجودية، قضية تتعلق بمصلحتنا الوطنية وأمننا ومستقبلنا ومستقبل أطفالنا وبلدنا».

وتعهَّد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالرد على هجوم أوكراني بطائرات مسيَرة دمَّر قاذفات قادرة على حمل رؤوس نووية، في هجوم على قواعد جوية تبعد مئات الكيلومترات من الحدود.

كذلك، اتهمت موسكو كييف، الثلاثاء، بالوقوف وراء تفجيرات طالت جسوراً في مناطق محاذية للحدود في نهاية الأسبوع الماضي، وتسببت بخروج قطار ركاب وقطار شحن وقطار مراقبة عن السكة، ما أسفر عن مقتل 7 أشخاص، عادة أن هدفها تقويض مباحثات السلام بين البلدين.

وتسعى أوكرانيا إلى التوصُّل لهدنة فورية وغير مشروطة لمدة 30 يوماً، وقدمت آخر مقترحاتها إلى موسكو خلال محادثات السلام في إسطنبول، الاثنين.

لكن روسيا رفضت مراراً الدعوات إلى وقف إطلاق النار. ومنذ بدئها الغزو، قُتل عشرات الآلاف من الأشخاص ودُمِّرت مساحات شاسعة من شرق وجنوب أوكرانيا وأُجبر الملايين على النزوح.

ويشي تصعيد المعارك بابتعاد احتمالات التهدئة بعد أكثر من 3 سنوات على بدء الغزو العسكري الروسي، رغم دعوات أوكرانيا والغرب إلى وقف فوري لإطلاق النار، وضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإجراء مفاوضات وإنهاء الحرب.

وباتت روسيا تسيطر على نحو 20 في المائة من أراضي أوكرانيا، من بينها شبه جزيرة القرم التي ضمتها في عام 2014.


مقالات ذات صلة

أوروبا شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)

احتجاز شخصين يشتبه أنهما يتجسسان لصالح روسيا في ألمانيا وإسبانيا

أعلن مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا احتجاز شخصين في إسبانيا وغرب ألمانيا للاشتباه في أنهما يتجسسان لصالح الاستخبارات الروسية.

«الشرق الأوسط» (برلين - مدريد)
أوروبا خلال لقاء رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

اتهامات للمجر بأنها «الطابور الخامس» لموسكو

معلومات صحافية تؤكد أن وزير خارجية المجر بيتير زيجارتو ، المقرّب جداً من رئيس الحكومة فيكتور أوربان، يتواصل مباشرة مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا مبنى سكني أُصيب بمسيرة روسية في مدينة دنبرو الأوكرانية الثلاثاء (رويترز)

زيلينسكي يستعد لاستمرار الحرب ثلاث سنوات إضافية

كشفت تقارير أوكرانية عن توجه الرئيس فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترة طويلة.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

«أو إم في» النمساوية: أزمة الطاقة الحالية تفوق تداعيات الحرب الأوكرانية

قال الرئيس التنفيذي لشركة «أو إم في» النمساوية ألفريد شتيرن، إن أزمة الطاقة في الشرق الأوسط أكثر خطورة من الأزمة التي نجمت عن الحرب الأوكرانية عام 2022.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
TT

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة وأعمال العنف في الضفة الغربية.

وقالت كوبر أمام لجنة برلمانية: «أنا قلقة خصوصاً في الوقت الراهن بشأن ما يحدث في الضفة الغربية. ولدي قلق بالغ حيال إبقاء عملية خطة النقاط العشرين الخاصة بغزة على المسار الصحيح، خصوصاً بسبب اتّساع نطاق النزاع في الشرق الأوسط».

وأضافت: «أعتقد أن هناك قلقاً بالغاً وحقيقياً في هذه اللحظة مما يحدث في الضفة الغربية ومستوى عنف المستوطنين».

وتتركز الجهود الدبلوماسية حالياً على جلب إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، لوضع حد لحرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، أشعل فتيلها هجوم أميركي - إسرائيلي قُتل فيه المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي.

وبينما تتواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ترد هذه بإطلاق المسيرات والصواريخ على الدولة العبرية ودول الخليج، في نزاع يؤثر بشكل كبير على اقتصاد العالم.

وقالت كوبر: «في ظروف أخرى، لكانت (قضية السلام في غزة والعنف في الضفة الغربية) استحوذت على حيّز كبير من تركيزنا جميعاً على مستوى العالم، لكن في الظروف الراهنة هناك أمور كثيرة تجري»، لافتة إلى أن ذلك ينطوي على خطر «عدم التركيز بمقدار كاف على تلك القضايا».

وتابعت: «سيكون علينا وضع رؤية أوسع نطاقاً للأمن والاستقرار الإقليميين، لا بد أن تشمل إسرائيل وفلسطين ولبنان، وكذلك مقاربة أشمل».


اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

اصطدمت سفينة شحن محمّلة بحاويات بجسر في ميناء بمدينة نويس غرب ألمانيا، ما أدى إلى سقوط حاويتين فارغتين في المياه، بينما مالت حاويات أخرى بشكل خطر، وفقاً لما أعلنته الشرطة.

وبحسب المعلومات الحالية، لم يسفر الحادث عن وقوع إصابات، فيما تم إغلاق الجسر المخصص لقطارات الميناء فقط، أمام حركة المرور لفحص الأضرار التي لحقت به، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأوضحت السلطات أن السفينة كانت علقت أسفل الجسر، مشيرة إلى أنه نظراً لكونه جسراً متحركاً (يرفع هيدروليكياً)، فقد تم رفعه بأسرع ما يمكن لتحرير السفينة، وهو ما تسبب في سقوط المزيد من الحاويات غير المستقرة في الماء.

وبعد عدة ساعات من العمل، تمكنت الفرق المختصة من تحرير السفينة بنجاح.

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

وهرعت إلى موقع الحادث عدة قوارب تابعة للشرطة وهيئة الإنقاذ المائي والإطفاء. بالإضافة إلى ذلك، قامت قوارب العمل والرافعات التابعة للميناء بتأمين الشحنة المفقودة ومنع انجرافها نحو نهر الراين.

كما استخدمت مروحية تابعة للشرطة لمراقبة ما إذا كانت الحاويات التي سقطت في الماء تسببت في أي تلوث بيئي، وأكدت التقارير أن ذلك لم يحدث. ولا تزال الشرطة تحقق في الأسباب التي أدت إلى اصطدام السفينة بالجسر.


هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
TT

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)

عندما أصابت طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» إيرانية الصنع هنغاراً في قاعدة جوية بريطانية على الساحل الجنوبي لقبرص بعد دقائق من منتصف ليل 2 مارس (آذار)، كانت صفارات الإنذار قد دوّت بالفعل داخل القاعدة لتحذير الأفراد بضرورة الاحتماء.

لكن البريطانيين لم يُبلّغوا الحكومة القبرصية، وهو ما دفع الدولة الجزيرة في شرق المتوسط إلى المطالبة بإعادة تقييم وضع القاعدتين البريطانيتين على أراضيها في أكروتيري وديكيليا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وكانت السفينة الحربية البريطانية «إتش إم إس دراغون» تتجه، يوم الثلاثاء، نحو المياه قبالة قبرص لتوفير حماية إضافية من أي هجوم محتمل.

«نحتاج إلى فتح هذا النقاش»

في الأول من مارس، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيُسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدد ومحدود» يتمثل في ضرب مواقع تخزين الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها. وقد أثار هذا الإعلان قلق السلطات القبرصية؛ إذ بدا متناقضاً مع تأكيدات بريطانية سابقة بعدم استخدام القواعد في الجزيرة. ولاحقاً، أوضح مسؤولون بريطانيون أن القواعد المقصودة تقع في إنجلترا والمحيط الهندي، وليس في قبرص.

وفي مساء اليوم التالي، وحسب مسؤولين قبرصيين رفيعين تحدثا لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويتهما لعدم تخويلهما بالتصريح علناً، لم تُصدر السلطات البريطانية أي تحذير للحكومة القبرصية بشأن طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري، ولا بشأن احتمال تعرّض قرية قريبة يسكنها ألف شخص للخطر.

ودفع هذا التطور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس إلى الدعوة لإجراء «نقاش صريح ومفتوح» مع الحكومة البريطانية حول مستقبل القواعد.

وقال خريستودوليديس خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 20 مارس: «لن أتفاوض علناً، ولن أطرح طلبي على الملأ، لكننا بحاجة إلى فتح هذا النقاش. إن القواعد البريطانية في قبرص هي نتيجة من نتائج الحقبة الاستعمارية».

من جهته، قال مكتب ستارمر في بيان إنه تحدث مع خريستودوليديس خلال عطلة نهاية الأسبوع ليؤكد له أن «أمن قبرص يمثل أولوية قصوى للمملكة المتحدة كشريكين وأصدقاء مقربين». كما قيل إن ستارمر شدد مجدداً على أن قاعدة أكروتيري لن تُستخدم في أي ضربات أميركية ضد إيران.

بقايا الحكم الاستعماري

نالت قبرص استقلالها عن الحكم البريطاني في أغسطس (آب) 1960 بعد حملة تمرد استمرت أربع سنوات، لكن ذلك جاء بثمن تمثل في احتفاظ بريطانيا بقاعدتين تمتدان على مساحة 99 ميلاً مربعاً (256 كيلومتراً مربعاً).

ويكرّس دستور قبرص وجود هاتين القاعدتين، اللتين تتمتعان بقوة شرطة ومحاكم خاصة بهما، وتُعدان من الناحية القانونية الصارمة أراضي استعمارية بريطانية، وفقاً لكوستاس كليريديس، المدعي العام السابق للجزيرة.

وبعد نحو 66 عاماً، لا يزال كثير من القبارصة - ومن بينهم خريستودوليديس - ينظرون إلى القواعد باعتبارها تذكيراً بماضيهم الاستعماري. ويعيش نحو 10 آلاف مواطن قبرصي داخل أراضي القواعد ويخضعون لسلطتها.

وقد طُرحت سابقاً دعوات لإلغاء القواعد، لا سيما عندما تُستخدم في عمليات عسكرية بالمنطقة، لكن الاحتجاجات السلمية ضد استمرار وجودها أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.

دور متوسع

ورغم أن إنشاء القواعد كان يهدف أساساً إلى مراقبة حركة الملاحة عبر قناة السويس وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط، فإن دورها توسّع كثيراً.

فلا تزال قاعدة أكروتيري تضم طائرة التجسس الشهيرة «يو-2» التي تنفذ رحلات استطلاع على ارتفاعات عالية فوق الشرق الأوسط. كما شكّلت مركزاً لوجيستياً رئيسياً للعمليات الأميركية في العراق عام 2003، واستُخدمت لاحقاً في الحملة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق. وتضم القواعد أيضاً محطة تنصّت على قمة جبل لمراقبة الاتصالات في الشرق الأوسط وخارجه.

وقالت حكومات قبرص المتعاقبة إن بريطانيا ستبلّغ السلطات بأي عمل عسكري ينطلق من القواعد، لكن يُفهم هذا الالتزام باعتباره إجراءً بروتوكولياً أكثر منه إلزاماً قانونياً.

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أمام البرلمان، يوم الاثنين: «نؤدي دوراً قيادياً، بالتعاون مع جمهورية قبرص، في تنسيق القدرات المتزايدة في شرق المتوسط، لضمان بقاء هذه القاعدة السيادية محمية قدر الإمكان في ظل الظروف الراهنة وفي مواجهة التهديد الإيراني».