قمة «المجموعة السياسية الأوروبية» السادسة الجمعة في ألبانيا... ولا مقررات مرتقبة

أوكرانيا على رأس جدول الأعمال... والحرب الإسرائيلية ضد غزة مهمشة بسبب انقسامات الأعضاء

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مشاركته باجتماع وزراء خارجية «حلف الأطلسي» في أنطاليا بتركيا الخميس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مشاركته باجتماع وزراء خارجية «حلف الأطلسي» في أنطاليا بتركيا الخميس (أ.ف.ب)
TT

قمة «المجموعة السياسية الأوروبية» السادسة الجمعة في ألبانيا... ولا مقررات مرتقبة

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مشاركته باجتماع وزراء خارجية «حلف الأطلسي» في أنطاليا بتركيا الخميس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال مشاركته باجتماع وزراء خارجية «حلف الأطلسي» في أنطاليا بتركيا الخميس (أ.ف.ب)

تحت شعار «من أجل أوروبا جديدة في عالم جديد: الوحدة والتعاون والعمل المشترك»، تلتئم في تيرانا، عاصمة ألبانيا، الجمعة، القمة السادسة لـ«المجموعة السياسية الأوروبية»، التي أطلقها «الاتحاد الأوروبي» في عام 2022 بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وتضم المجموعة الدول كافة (47 دولة) باستثناء روسيا وبيلاروسيا؛ بسبب الحرب التي أطلقتها الأولى ضد أوكرانيا في فبراير (شباط) عام 2022.

وتتوقع أوساط الرئاسة الأوروبية أن تشهد القمة مشاركة عالية المستوى، بالنظر إلى الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها أوروبا والصورة الداكنة التي رسمها رئيس «المجلس الأوروبي»، أنطونيو كوستا، في رسالة الدعوة التي وجهها إلى القادة الأوروبيين.

رئيس الوزراء الألباني إيدي راما (إ.ب.أ)

جاء في رسالة كوستا: «تواجه أوروبا لحظة تاريخية تتسم بتحديات متعددة الأوجه ومعقدة. فمع استمرار الحرب العدوانية الروسية ضد أوكرانيا، تمتد عواقبها إلى ما وراء حدود أوكرانيا؛ مما يرهق أمننا ويختبر قدرتنا الجماعية على الصمود. وفي الوقت نفسه، تواجه اقتصاداتنا مخاطر متجددة من التشرذم؛ مما يقوض النماذج الاقتصادية الراسخة ويختبر قدرتنا في الحفاظ على النمو والمرونة والقدرة التنافسية. كذلك، لا تزال الهجرة غير النظامية واستغلالها أداة ضغط، تشكل تحدياً مهماً؛ مما يعقد الجهود الرامية إلى ضمان التنقل الآمن والمنظم والتعامل مع نقص العمالة» في أوروبا. وتضيف الرسالة: «استناداً إلى التقدم المحرز في القمم السابقة، ستوفر قمة تيرانا منصة حاسمة لتعزيز الحوار وتعميق التعاون. نحن بحاجة إلى تحويل التحديات المشتركة إلى فرص للنهوض بأهدافنا المشتركة... ومن الناحية الإجرائية، فستنطلق القمة بجلسة عامة تركز على الأمن ورؤيتنا المشتركة لمستقبل أوروبا. تليها 3 ورشات عمل؛ أولاها: أمن أوروبا وتعزيز الديمقراطية (وتتضمن الحرب في أوكرانيا). والثانية: الأمن الاقتصادي والقدرة التنافسية لأوروبا، ومن بين ملفاتها أمن الطاقة. والثالثة: أوروبا مفتوحة بحدود آمنة وترجمة ذلك بالتصدي لتحديات الهجرات غير النظامية باتجاه أوروبا».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مصافحاً وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في قصر «الإليزيه» يوم 17 أبريل الماضي... ويبدو في الوسط المبعوث الأميركي للملف الأوكراني ستيف ويتكوف (أ.ب)

وبما أن «القمة» تُعقد مرتين في العام، فإن الدنمارك سوف تستقبل نسختها السابعة في النصف الثاني من العام الحالي. وسيعمد القادة إلى إنشاء «سكرتارية» لمتابعة الملفات والمساعدة على التحضير للقمم وكي تلعب «دور ذاكرتها». ومن المعروف أن «المجموعة» لا تصدر بيانات أو توصيات، ولا تتخذ قرارات، ولا تلتئم إلا على مستوى القادة.

منذ انطلاقتها، تعمل «المجموعة» على تحقيق هدفين متصلين: تعزيز الحوار السياسي والتنسيق والتعاون بين الدول الأوروبية كافة، وتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي. بيد أن «المجموعة»، رغم وتيرة قممها، ليست «منظمة» بالمعنى التقليدي المتعارف عليه؛ بل هي أقرب إلى أن تكون «منصة» للحوار والتبادل، وتجمع ما يزيد على 600 مليون مواطن. بيد أنها، إلى جانب الحرب الأوكرانية التي ستكون كما في القمم السابقة المادة الرئيسية للحوار، تعاني من توترات ونزاعات داخلية. ولائحتها طويلة: فأرمينيا وأذربيجان كانتا، حتى وقت قريبة، في حالة حرب. وثمة توترات قوية بين بلغاريا وجمهورية شمال مقدونيا، والأمر نفسه ينطبق على كوسوفو وصربيا.

وتقول مصادر رئاسية فرنسية إن فائدة «المجموعة» أنها «تضم الجميع، وتوفر للأطراف المتنازعة فرصة لحوار عالي المستوى». وبذلك، فإنها تلعب دور «صمام أمان» على المستوى الأوروبي. وفي السياق الأمني، سيولي المسؤولون اهتماماً خاصاً لمولدوفيا التي يعدّون أمنها واستقرارها وخياراتها الديمقراطية «مهددة» بسب الممارسات الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حقيقة الأمر أن كثيراً من الدول الأوروبية تقف منتظرة على باب «الاتحاد الأوروبي»؛ ومنها تركيا، منذ عشرات السنوات. لذا، يُنظر إلى «المجموعة» على أنها «غرفة الانتظار» حتى يقرر الأوروبيون فتح بابهم مجدداً، علماً بأن حرب أوكرانيا دفعت بهم إلى تعجيل قبول عضويتها وعضوية مولدوفا بوصف ذلك ورقة تحصن وضعها ويمكن أن تمنحها شيئاً من «المناعة» في وجه مخططات موسكو.

في معرض تقديمها «القمة»، عدّت مصادر «الإليزيه» أن حرب أوكرانيا ستكون ملفاً رئيسياً بالنسبة إلى القادة الأوروبيين. وما زالت باريس ومعها برلين ولندن ووارسو تكرر المواقف التي جرى التعبير عنها بعد زيارة قادتها الأربعة كييف السبت الماضي، والتي يمكن تلخيصها بالإصرار على وقف إطلاق النار قبل أي محادثات روسية ــ أوكرانية، وعَدِّ امتناع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن التوجه إلى إسطنبول «تهرباً من المواجهة»، وأنه «يختبئ» فيما الرئيس الأوكراني زيلينسكي «مستعد للمواجهة». وذكرت هذه المصادر أن رفض موسكو وضع حد للمعارك لمدة شهر سيستدعي فرض عقوبات مؤلمة؛ «لأنها ستستهدف تجفيف واردات روسيا من مبيعات النفط».

ومن الواضح أن الأوروبيين في وادٍ والآخرين في وادٍ آخر. وقال وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، الخميس، لدى وصوله إلى اجتماع «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» في أنطاليا بتركيا: «علينا تجنب الوقوع مجدداً في الأخطاء التي تسببت في فشل المحادثات السابقة بإسطنبول عام 2022، وأولها التفاوض من دون وقف لإطلاق النار. وثانيها القبول بـ(نزع سلاح أوكرانيا)؛ مما سيحرمها مسبقاً من الضمانات الأمنية التي ستحتاج إليها في حال التوصل إلى اتفاق سلام».

وفي السياق عينه، نبه نظيره يوهان فادفول، وزيرُ الخارجية الألماني، إلى أن روسيا «لا تريد مفاوضات جادة في هذه المرحلة»، مضيفاً: «ستكون لذلك عواقب؛ إذ إن أوروبا عازمة على اتخاذ قرار بشأن فرض عقوبات جديدة» على موسكو. وإذا كانت دول أوروبا الغربية والبلطيق تتبنى مواقف متشددة إزاء موسكو، فإن دولاً عدة، مثل صربيا وسلوفينيا والمجر، لا تتبنى المقاربة نفسها، وتتمسك بعلاقات جيدة مع روسيا.

يذكر أن الأوروبيين أعدوا الرزمة الـ17 من العقوبات؛ التي تستهدف بالدرجة الأولى ناقلات النفط «الشبحية» وعددها نحو 200، التي تلجأ إليها روسيا لتهريب نفطها.

يبقى أن الحرب الإسرائيلية على غزة سوف تُثار خلال القمة من زاويتين؛ الأولى: الضرورة المطلقة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع التي حُرم منها منذ بداية شهر مارس (آذار) الماضي بالتوازي مع وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية. والثانية: مصير الطلب الذي تقدمت به هولندا لتجميد اتفاقية الشراكة القائمة بين «الاتحاد الأوروبي» وإسرائيل. بيد أن فرنسا، التي وصف رئيسها، مؤخراً، ما تقوم به إسرائيل في غزة بـ«غير المقبول» وبـ«العار»، لا تبدو متفائلة، رغم أن بارو عدّ طلب أمستردام «مشروعاً»؛ وذلك بسبب الخلافات الأوروبية الداخلية، وبسبب اعتماد «مبدأ الإجماع» بشأن سياسة «الاتحاد» الخارجية.


مقالات ذات صلة

أوروبا مهددة بالفشل في تأمين مخزونات الغاز للشتاء بسبب الحرب

الاقتصاد وحدات تخزين النفط والغاز والوقود بمحطة نافيغيتور في غرايز ببريطانيا (إ.ب.أ)

أوروبا مهددة بالفشل في تأمين مخزونات الغاز للشتاء بسبب الحرب

قالت وكالة تنظيم الطاقة الأوروبية يوم الخميس، إن دول الاتحاد الأوروبي ستعجز عن الوفاء بمتطلبات ملء مخزونات الغاز بنسبة 90 في المائة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا المنفي وتيتيه خلال لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

ليبيا: «الرئاسي» و«الدولة» يرفضان «حواراً مصغراً» برعاية أممية

استبق محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي بتوجيه رسالة وصفها بأنها «شديدة اللهجة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
الاقتصاد عابرو سبيل يسيرون عبر ساحة عامة في منطقة الأعمال بورتا نوفا محاطين بمباني مكاتب حديثة في ميلانو (رويترز)

عجز موازنة إيطاليا عند 3.1 % يبدد آمالها في الخروج من «الإجراءات» الأوروبية

أعلن المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء (إستات) يوم الأربعاء، أن إيطاليا سجَّلت عجزاً في الموازنة بلغ 3.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (روما)

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».