اصطدام أميركي - أوروبي بشأن أوكرانيا والطريق إلى السلام

الأوروبيون يطرحون مقاربتهم ويرفضون الاعتراف سلفاً بضم القرم ورفع العقوبات عن روسيا كما تريد واشنطن

كيث كيلوغ مع زيلينسكي في كييف يوم 20 فبراير (أ.ف.ب)
كيث كيلوغ مع زيلينسكي في كييف يوم 20 فبراير (أ.ف.ب)
TT

اصطدام أميركي - أوروبي بشأن أوكرانيا والطريق إلى السلام

كيث كيلوغ مع زيلينسكي في كييف يوم 20 فبراير (أ.ف.ب)
كيث كيلوغ مع زيلينسكي في كييف يوم 20 فبراير (أ.ف.ب)

يوماً بعد يوم، تتسع الهوة الفاصلة بين المقاربة الأميركية والمقاربة الأوروبية لملف الحرب في أوكرانيا. وتفيد مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن القطيعة بين الجانبين بانت على حقيقتها، الأسبوع الماضي، بمناسبة الاجتماعات التي استضافتها باريس، والتي ضمّت وفدين أوكراني وأميركي رفيعي المستوى، وممثلين لبريطانيا وألمانيا، إلى جانب الرئيس إيمانويل ماكرون ووزير خارجيته ومستشاره السياسي. ووفق المعلومات التي توفرت عن هذا الاجتماع، يوم 17 أبريل (نيسان)، فإن ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، وإلى جانبه مبعوث الرئيس دونالد ترمب للملف الأوكراني ستيف ويتكوف، عمد إلى شرح «خطة السلام الأميركية» التي كانت الصحافة الأميركية سرّبت بعض عناصرها، إلا أنها كانت المرة الأولى التي يعمد فيها مسؤول أميركي كبير إلى عرضها بالتفصيل.

الرئيس بوتين مستقبلاً الجمعة المبعوث الأميركي الخاص للملف الأوكراني ستيف ويتكوم في الكرملين في زيارته الرابعة لموسكو (أ.ب)

وبالنظر إلى ردة الفعل التي واجهته من الجانبين الأوروبي والأوكراني، فإن روبيو لم يتردد، في اليوم التالي قبل مغادرته باريس، في توجيه «إنذار» للطرفين المذكورين بأن واشنطن يمكن أن تسحب وساطتها إذا تبين لها أن التوصل إلى اتفاق سلام بين موسكو وكييف يبدو بالغ الصعوبة. والإنذار كرّره ترمب شخصياً في اليوم التالي. وما حصل في باريس يفسر غياب ترمب وويتكوف عن اجتماع لندن يوم 23 أبريل الحالي، الذي تحوّل إلى اجتماع «تقني» رغم مجيء وفد وزاري من كييف.

اجتماع لحلفاء كييف في «الإليزيه» يوم 17 أبريل 2025 (أ.ب)

العناصر الرئيسية في الخطة الأميركية

ثمة 4 عناصر رئيسية ركّز عليها روبيو في ما سمّاه «الإطار العام» لاتفاق السلام؛ أولها الاعتراف رسمياً بسيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم التي ضمّتها رسمياً إلى الاتحاد الروسي عام 2014، وثانيها الاعتراف بسيطرة روسيا بشكل غير قانوني أو رسمي بسيطرتها على الأقاليم الأربعة التي تحتلها راهناً، بشكل غير كامل، حتى خط الجبهة كما هو كائن ميدانياً. والعنصر الثالث تخلي كييف عن السعي للانضمام للحلف الأطلسي، بمعنى إغلاق الباب أمامها نهائياً. بالمقابل، وهو العنصر الرابع، أن تعترف واشنطن لأوكرانيا بالحاجة إلى «ضمانات أمنية صلبة»، لكن لم تلتزم بتوفير «مظلة أمنية» للقوة الأوروبية، التي يمكن أن تنضم إليها وحدات من دول غير أوروبية، مثل أستراليا، التي يفترض أن تنتشر بعيداً عن خط النار.

وفائدة هذه القوة أن «تردع» موسكو عن استهداف أوكرانيا مجدداً. وعلم في اليومين الأخيرين أن واشنطن ترفض طلب موسكو خفض عدد القوات المسلحة الأوكرانية، وتحجيم صناعتها العسكرية، أو طلب إجراء انتخابات تحت إشراف دولي، وهو ما طالب به الرئيس فلاديمير بوتين. وفي ما عرضه روبيو عنصران ماليان إضافيان؛ الأول حديثه عن تعويض الخسائر التي ألمت بأوكرانيا خلال سنوات الحرب، وإعادة الإعمار، من غير تحديد مصادر التمويل، وما إذا كانت واشنطن ستساهم في ذلك. والعنصر الثاني رفع العقوبات المالية والاقتصادية المفروضة على روسيا منذ عام 2014، والتي تضاعفت منذ عام 2022. وما جاء في عرض روبيو أشار إليه ترمب أكثر من مرة، آخرها في حديث لمجلة «تايم» الأميركية، حيث أكد أن «القرم سوف تظل مع روسيا»، وأن زيلينسكي «يفهم ذلك، كما أن الجميع يفهم ذلك». وذهب ترمب، في الحديث نفسه، إلى تبني القراءة الروسية للأحداث التي أفضت إلى الحرب، وأبرزها «سعي كييف للانضمام إلى الحلف الأطلسي».

فرق إنقاذ أوكرانية تعمل في موقع هجوم صاروخي روسي في كييف (أ.ف.ب)

إزاء الطرح الأميركي عرض الطرفان الأوكراني والأوروبي مقاربةً مختلفةً تماماً عما رسمته واشنطن، وأول ما فيها التمسك بأنّ أي نظر أو اتفاق حول الأراضي «يجب أن يأتي في مرحلة لاحقة، وليس في مرحلة مسبقة»، وأن الأولوية اليوم عنوانها الالتزام بوقف كامل لإطلاق النار، بعدها تأتي مرحلة التفاوض على الأراضي، ورفض الاعتراف بأي سيطرة روسية على أراضٍ أوكرانية، بما فيها شبه جزيرة القرم. كذلك، تمسك الطرفان بحقّهم في إبرام اتفاقيات دفاعية مع كييف، يفترض أن ينصّ أحد بنودها على «الدفاع المشترك»، ما يشبه إلى حدّ بعيد البند الخامس من الاتفاقية التأسيسية للحلف الأطلسي، وبما لا يعطي لروسيا أي حقّ في النظر أو الاعتراض في نشر أي قوة على أراضيها انطلاقاً من مبدأ أنها دولة ذات سيادة. أما بالنسبة للعقوبات، فإن الأوروبيين يقترحون تليينها تدريجياً بعد التوصل لاتفاق سلام دائم، مع إمكانية العودة إلى فرضها في حال إخلال موسكو ببنودها. وأخيراً، اقترح الطرفان اللجوء إلى استخدام الأموال الروسية المجمدة في أوروبا لتعويض أوكرانيا عن خسائرها، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

فرق إنقاذ أوكرانية تعمل في موقع هجوم صاروخي روسي في كييف (أ.ف.ب)

دعم أوكرانيا أم الالتصاق بالحليف الأميركي؟

ثمة قراءتان تتواجهان جذرياً. لذا، جاءت الردود الأوروبية عنيفة على الطرح الأميركي، وبادر الرئيس ماكرون إلى الإعلان عن رفضه الاعتراف بضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا. ثم تبعه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي دافع بقوة عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، رافضاً تحميله فشل المساعي الأميركية، كما فعل الرئيس ترمب. وأيضاً رفض الخطة الأميركية بشأن شبه جزيرة القرم. وقال ستارمر لصحيفة «تلغراف»، الجمعة: «في نهاية المطاف، أضع في اعتباري دائماً أن أوكرانيا هي التي يجب أن تقرر هذه القضايا، وليس الآخرون. الأمر متروك لها... وعلى روسيا أن تجلس إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق نار غير مشروط ومستدام». رافضاً بأي شكل أن يكون «مؤقتاً». ويصرّ ستارمر على أن أوكرانيا «يجب أن تكون قادرة على تقرير شروط أي اتفاق سلام مع روسيا». وعلى عكس ترمب، أثنى على زيلينسكي «الشجاع»، قائلاً إنه ليس مسؤولاً عن الفشل في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، ورفض دعم الخطة الأميركية للاعتراف رسمياً بأن القرم روسية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل مانويل مستقبلاً في مقره الصيفي في حصن بريغونسون نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أغسطس 2019 أيام «الزمن الجميل» بينما يتهمه اليوم بـ«الكذب» في الملف الأوكراني (د.ب.أ)

يبدو أن هناك تنسيقاً بين ماكرون وترمب لجهة التركيز على رفض روسيا الاستجابة للمقترح الأميركي الشهر الماضي، القاضي بوقف إطلاق النار. وأعلن ماكرون، الخميس، بمناسبة زيارة قام بها إلى مدغشقر، أمرين؛ الأول أن المطلوب اليوم «وقف إطلاق النار غير المشروط»، الذي هو «بداية كل شيء». مضيفاً أن «جميع القضايا الأخرى أمور تندرج ضمن مفاوضات السلام التي يجب أن تتم بعد ذلك، والتي ستأخذ في الاعتبار المواقع العسكرية والقضايا الإقليمية والأمنية». وفي أي حال، رفض ماكرون مبدأ الضمّ، إذ «ليس من مسؤوليتنا أن نفعل ذلك». والأمر الثاني ذهابه إلى حدّ اتهام بوتين بـ«الكذب»، إذ من جهة، يؤكد أنه يريد السلام مع أوكرانيا، لكنه من جهة ثانية يواصل قصفها. وفي أي حال، يدعو ماكرون الرئيس الأميركي إلى صبّ غضبه على بوتين، وليس على زيلينسكي الذي يتهمه بعرقلة التوصل إلى اتفاق سلام.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

تبدو اليوم أوروبا بمواجهة حليفتها واشنطن في الملف الأوكراني. لكن مشكلتها الرئيسية أنها ستكون عاجزة وحدها عن تحمل عبء هذا الملف، إذا نفّذت واشنطن وعيدها بالانسحاب من الوساطة، وترك الأمر للأوروبيين ليتدبروه بأنفسهم، وهو ما لمّح إليه روبيو بقوله إن «الحرب تدور على الأراضي الأوروبية». فهل هم ماضون في ذلك، أم أنهم سيرون أن مصلحتهم الاستراتيجية أن يبقوا لصيقين بالحليف الأميركي، رغم التمايزات التي تفصل بين ضفتي الأطلسي؟


مقالات ذات صلة

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
TT

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

حذرت روسيا، الخميس، من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً ​لهجمات قوات موسكو في حالة نشوب صراع.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مارس (آذار)، عن خطط لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وقال إن فرنسا قد تسمح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائراتها ذات القدرات النووية في عمليات نشر مؤقتة.

وقال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت، الخميس، إن هذا جزء من «توسع غير منضبط» للقدرات النووية ‌لحلف شمال الأطلسي، مما ‌يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وشدد على ​قلق ‌موسكو إزاء ​عمليات النشر النووي الفرنسية المحتملة في دول أوروبية أخرى. وقال ماكرون إن باريس تناقش مثل هذه الترتيبات مع بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وقال غروشكو، لشبكة «روسيا اليوم» الإعلامية الحكومية: «من الواضح أن جيشنا سيضطر إلى إيلاء اهتمام بالغ لهذه المسألة في سياق تحديث قائمة الأهداف ذات الأولوية في حالة نشوب صراع كبير... ونتيجة لذلك، فبدلاً من ‌تعزيز فرنسا المعلن للدفاع ‌عن حلفائها الذين لا تقدم لهم، بالمناسبة، أي ​ضمانات قاطعة، فإن أمن هذه ‌البلدان يضعف في الواقع».

وتأتي مبادرة ماكرون في إطار حملة ‌يقودها الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم، بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف، وفي ضوء تهديداته بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي.

وأدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية للحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير (شباط) إلى خلق فراغ في مجال الحد من التسلح العالمي، في وقت يبلغ فيه التوتر الدولي أعلى مستوياته منذ عقود بسبب حربي أوكرانيا وإيران.

وقال غروشكو إن أي حوار مستقبلي حول الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك الترسانات الفرنسية والبريطانية، بالإضافة إلى الترسانة الأميركية.

وانتقد الحلف، هذا الأسبوع، روسيا والصين بسبب سياساتهما المتعلقة بالأسلحة النووية، وحثت البلدين على العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق مزيد ​من الاستقرار والشفافية في ​مؤتمر يفتتح في الأمم المتحدة بنيويورك، الأسبوع المقبل، لمراجعة سير عمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.


ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين، التي دفعتها الحرب مع إيران إلى أدنى مستوياتها منذ 70 عاماً.

وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، حين قررت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة آنذاك الانفصال عن الملك ​جورج الثالث، جد تشارلز.

وبالنسبة لتشارلز، ستكون هذه الزيارة فرصة للتفكير في كيفية توطيد العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة منذ ذلك الحين وبناء بعض من أقوى الروابط الأمنية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بينما ستكون بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة أخرى للتعبير عن حبه للعائلة الملكية البريطانية.

الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أسوأ أزمة منذ أزمة السويس

تأتي هذه الزيارة أيضاً في ظل أسوأ توتر في العلاقات بين البلدين منذ أزمة السويس عام 1956، في ظل انتقادات ترمب المتكررة لرئيس الوزراء كير ستارمر بسبب رفضه الانضمام إلى الهجوم على إيران وتقليله من شأن القدرات العسكرية البريطانية.

ورداً على سؤال من «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عما إذا كانت زيارة الملك ستساعد في إصلاح العلاقة، قال ترمب: «بالتأكيد، الإجابة هي نعم».

وقال ‌في مقابلة هاتفية ‌أجرتها معه «بي بي سي»: «أنا أعرفه جيداً، أعرفه منذ سنوات... إنه رجل شجاع، ورجل عظيم».

وعلّق ترمب على مواقف حلفاء بلاده، بما في ذلك بريطانيا، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قائلاً: «كان ينبغي أن يشاركوا»، قبل أن يضيف: «لكنني لم أكن بحاجة إليهم».

وقال ​نايجل ‌شينوالد سفير بريطانيا ​في واشنطن من 2007 إلى 2012، إن الزيارة لا يمكنها، ولا تهدف إلى، إصلاح أي خلافات حالية بين الحكومتين، لكنها ستُظهر روابط أعمق بكثير من أي أفراد.

وقال شينوالد، لوكالة «رويترز»: «هذه الزيارة تتعلق أكثر من أي زيارة أخرى بالمستقبل البعيد. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين شعبينا وبلدينا... إنها لا تتعلق بما يحدث اليوم».

وسيبدأ تشارلز، برفقة زوجته الملكة كاميلا، رحلته التي تستغرق أربعة أيام، يوم الاثنين، باحتساء الشاي على انفراد مع ترمب ثم يلقي كلمة أمام الكونغرس ويحضر مأدبة عشاء رسمية ويقوم بزيارة نيويورك وفرجينيا.

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

وأعلن قصر بكنغهام أنه لن يلتقي بأي من ضحايا الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. وكان أندرو مونتباتن-وندسور الشقيق الأصغر للملك تشارلز قد اعتقل في فبراير (شباط) للاشتباه ‌في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. ونفى الأمير أندرو السابق ارتكاب أي ‌مخالفة.

وفي بريطانيا، قال بعض السياسيين والمعلقين إنه كان يتعين إلغاء الزيارة بالنظر إلى ​بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترمب. وهناك مخاوف ‌أيضاً من أن يستغل الرئيس الأميركي، المعروف بتقلباته، هذه المناسبة لتوجيه المزيد من الانتقادات، مما قد يحرج الملك.

وقال ‌شينوالد والسفير الأميركي الحالي في لندن وارن ستيفنز إن ذلك سيكون له أثر سلبي. ويقول مستشارون للعائلة الملكية في أحاديث غير رسمية إن ترمب، الذي يصف الملك بأنه «رجل عظيم»، تصرف بشكل مثالي خلال زيارتيه الرسميتين غير المسبوقتين إلى بريطانيا في عام 2019 وفي العام الماضي.

وقال كاتب السيرة الملكية روبرت هاردمان، لوكالة «رويترز»: «إنه (ترمب) من أشد المؤيدين للملكية».

وأضاف: «لديه موقف واحد تجاه الحكومة البريطانية، ‌لكن الملكية البريطانية كيان منفصل تماماً، وهو من أشد المعجبين بها. وكان معجباً بالملكة الراحلة، وهو من أشد المعجبين بالملك. وبالنسبة له، هذه لحظة مهمة».

هل تعيد هذه الزيارة أصداء عام 1957؟

من بعض النواحي، تحمل زيارة تشارلز أصداء الزيارة التي قامت بها والدته الملكة إليزابيث في عام 1957، بعد عام من أزمة السويس التي تسببت في اضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اضطرت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية إلى إنهاء هجومها على مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة.

ونجحت زيارتها آنذاك في كسب تأييد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وتهدئة العلاقات بين الحلفاء.

دونالد وميلانيا ترمب مقابل تشارلز وكاميلا وتنسيق الإطلالتين في «قصر وندسور» (رويترز)

وقال أيزنهاور: «إن الاحترام الذي نكنه لبريطانيا يتجسد في المودة التي نكنها للعائلة الملكية، التي شرفتنا كثيراً بزيارتها لبلادنا».

وهذه ما يطلق عليها «القوة الناعمة» التي سيسعى تشارلز، الذي صقل مهاراته الدبلوماسية على مدى نصف قرن، إلى استخدامها مرة أخرى.

ويتمتع تشارلز بتأثير كبير على الرئيس لدرجة أن هاردمان قال إنه يعلم أن ترمب تراجع عن تعليقاته التي أدلى بها بشأن بقاء القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى بعيداً عن الخطوط الأمامية في أفغانستان بعد أن تلقى رسائل خاصة من الملك تفيد بأنه مخطئ.

ويقول دبلوماسيون إن تشارلز سيتمكن مرة أخرى من التحدث ​بصراحة في اجتماعهما الخاص، لكن هاردمان قال إن ​الملك لن يكون هناك «لانتقاد سياسات الرئيس ترمب».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً بينما يستمع إليه الملك تشارلز وكيت أميرة ويلز خلال مأدبة في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

وأضاف: «هذا ببساطة ليس دور الملك، وهو بالتأكيد ليس الغرض من الزيارة الرسمية... سيكون الهدف من هذه الزيارة استعراض جميع تلك الجهود المشتركة بين حليفين عظيمين والتطلع إلى الأمام».


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.