قمة باريس أخفقت في إيجاد إجماع على تشكيل قوة أوروبية ترسَل إلى أوكرانيا بعد التوصل لسلام

ماكرون وستارمر يقودان المعسكر المتشدد... وألمانيا وإيطاليا تتحفظان

صورة جماعية لـ«تحالف الراغبين» بقصر الإليزيه في قمة باريس الخميس (أ.ف.ب)
صورة جماعية لـ«تحالف الراغبين» بقصر الإليزيه في قمة باريس الخميس (أ.ف.ب)
TT

قمة باريس أخفقت في إيجاد إجماع على تشكيل قوة أوروبية ترسَل إلى أوكرانيا بعد التوصل لسلام

صورة جماعية لـ«تحالف الراغبين» بقصر الإليزيه في قمة باريس الخميس (أ.ف.ب)
صورة جماعية لـ«تحالف الراغبين» بقصر الإليزيه في قمة باريس الخميس (أ.ف.ب)

نجح الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني في جمع أكبر عدد من القادة الأوروبيين والأطلسيين في قمة شارك فيها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، غرضها توفير الدعم لأوكرانيا، والسير في الضمانات الأمنية التي تريدها كييف لتجنب اعتداء روسي جديد بعد التوصل إلى اتفاق سلام بينها وبين موسكو. وكما في الاجتماعات السابقة التي استضافتها باريس ولندن، غابت الولايات المتحدة عن «قمة» الخميس رغم أنها طرف حاسم ليس فقط في ملف المفاوضات غير المباشرة التي تقودها بين الروس والأوكرانيين، ولكن أيضاً لأن الغربيين بحاجة لها للسير في الضمانات التي يسعون للتوافق بشأنها، وعلى رأسها إرسال قوة أوروبية تكون «ضامنة» لأي اتفاق سلام مستقبلي بين الطرفين.

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر يقودان الجهود الأوروبية لدعم أوكرانيا بما في ذلك إرسال قوة عسكرية ترابط على أراضيها (أ.ف.ب)

إشكالية تشكيل قوة أوروبية

كان هذا الملف رئيسياً في مناقشات القادة الغربيين. ومثلما كان متوقعاً، لم يلقَ الإجماع الذي كان إيمانويل ماكرون وكير ستارمر يسعيان إليه لجهة تشكيل قوة أوروبية يتم نشرها على الأراضي الأوكرانية وليس في الخطوط الأمامية، من أجل «ثني» أو «ردع» روسيا عن القيام بمغامرة عسكرية جديدة مستقبلاً. وفي المؤتمر الصحافي المطول الذي عقده ماكرون عقب الاجتماع، اعترف بأنه «ليس هناك إجماع» حول تشكيل وإرسال القوة المذكورة. بيد أنه سارع إلى القول: «لسنا بحاجة إلى الإجماع لتحقيق ذلك»، مضيفاً أن فرنسا وبريطانيا «ستتوليان إدارة هذه المسألة»، والعمل على تشكيل ما سماه «قوة طمأنة» لكييف بمساهمة عدد من الدول الراغبة التي لم يسمها.

ويوماً بعد يوم، تبرز باريس ولندن كمشغل للمحرك الأوروبي في الملف الأوكراني. وبحسب مصدر كبير في قصر الإليزيه، فإن كل دولة أوروبية وأطلسية تستطيع المساهمة بما هي قادرة عليه في موضوع دعم أوكرانيا على المديين القريب والبعيد، وإن اجتماع الخميس كان غرضه الانتقال إلى البحث «العملياتي» في ما ينوي كل طرف تقديمه. وتعتبر مصادر أخرى في باريس أن ريادة فرنسا وبريطانيا في الملف الأوكراني «طبيعية»؛ لكونهما القوتين النوويتين في أوروبا، ولأن الملف الأوكراني يتجاوز أمن هذا البلد ليشمل أمن القارة الأوروبية بأكملها. وفي هذا السياق، قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إنه من الضروري أن يستهدف اجتماع باريس تعزيز أمن أوكرانيا وأوروبا بأسرها؛ لأن تمكين كييف من الدفاع عن نفسها يشكل نقطة البداية على طريق دعم الأمن الأوروبي.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) يتحدث مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

ورغم تأكيدات الرئيس ماكرون لجهة أن «قوة الطمأنة» لن تُنشر على خطوط التماس بل في مواقع خلفية، وأنها ليست قوة «مقاتلة»، فإن عدة دول أوروبية لا تبدو راغبة في خوض مغامرة كهذه. أما أسبابها فعديدة؛ وأولها الرفض القطعي الروسي؛ إذ سبق للمسؤولين في موسكو رفض أي قوة أوروبية أو أطلسية، ولو جاءت بصفة فردية وليس تحت راية الحلف أو الاتحاد الأوروبي. وثاني العوائق تمسكها بتوافر «غطاء» أو «شبكة أمان» أميركية للقوة الأوروبية، بحيث تطمئن دولها لانخراط واشنطن في حمايتها في حال تعرض القوات الروسية لها. والحال أن إدارة الرئيس ترمب لم تقل مرة واحدة وبوضوح إنها جاهزة لتوفير الضمانات المطلوبة. وثالثة الصعوبات «ضبابية» المهمة التي ستناط بالقوة المرتقبة، والفترة الزمنية التي ستعمل خلالها، وهرميتها وقيادتها... يضاف إلى ما سبق أن العديد من الدول الأوروبية قد قلصت من أعداد قواتها، كما أن بعضها يفتقر للإمكانات المادية للمساهمة في القوة. وكل ما سبق يشكل أسئلة لا تتوافر لها، في الوقت الحاضر، الأجوبة الوافية. وأفاد قصر الإليزيه بأن ماكرون اتصل بالرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل انطلاق الاجتماع. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن باريس تعمل دوماً بالتشاور مع واشنطن. لكن لم يُفهم منها ما إذا بدت علامات تغيّر في الموقف الأميركي من ملف ضمان انتشار القوة الأوروبية.

رفض رفع العقوبات عن روسيا

إذا كان الأوروبيون يرحبون بما تم تحقيقه في المملكة السعودية من اتفاقات (وقف استهداف مواقع الطاقة في الجانبين وحماية الملاحة في البحر الأسود)، إلا أنهم، من جهة، يشددون على الحاجة لاتفاق شامل، ومن جهة مقابلة، يشككون بالنيات الروسية، وينددون بعدم التزام موسكو بالاتفاقين اللذين تحققا في السعودية؛ ما يدفعهم إلى رفض رفع العقوبات التي يطالب بها الطرف الروسي وبتفهم أميركي لاحترام اتفاق البحر الأحمر.

ورأى أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، الخميس، أن استمرار العمل بالعقوبات المفروضة على روسيا ضروري لدعم أوكرانيا والتوصل إلى سلام دائم. ومن جانبه، اعتبر زيلينسكي أن تواصل الهجمات الروسية دليل آخر على أن الولايات المتحدة وأوروبا يجب ألا تخفف العقوبات على موسكو، وجدّد المطالبة بمصادرة الأصول الروسية الموجودة في أوروبا واستخدامها لتسليح بلاده، والتي تبلغ قيمتها التقديرية 235 مليار يورو، إلا أن دولاً رئيسية منها فرنسا وألمانيا ترفض هذا التوجه، وتعتبره مساً بمصداقية السوق المالية الأوروبية. وبرز إجماع في قمة الخميس قوامه التشكيك في رغبة روسيا الحقيقية في التوصل إلى اتفاق سلام. وقال ماكرون إن روسيا «بيّنت رغبتها في (مواصلة) الحرب»، في حين اعتبر آخرون أنها تسعى لكسب الوقت. واتهم زيلينسكي الرئيس الروسي بأنه «يسعى لتقسيم أوروبا والولايات المتحدة»؛ بمعنى إيجاد هوة بين مواقف الطرفين. أما كير ستارمر فقد نشر بياناً الخميس جاء فيه أن بوتين «على عكس زيلينسكي، أظهر أنه ليس جاداً في محادثات السلام هذه. وعوده فارغة».

قوة سلام أم قوة مقاتلة؟

قد تكون التصريحات التي أدلى بها الرئيس ماكرون عشية القمة عقب اجتماع بنظيره زيلينسكي في قصر الإليزيه، أحد الأسباب التي تبرر تردد دول أوروبية؛ فقد أعلن ما حرفيته: «إذا حصل، مرة أخرى، عدوان معمم على الأراضي الأوكرانية، فإن هذه القوة ستكون في الواقع تتعرض لهجوم، وعندها سيكون إطارنا المعتاد للاشتباك». وأضاف ماكرون: «إن جنودنا عندما يكونون في حالة اشتباك وانتشار، يكونون هناك للرد والاستجابة لقرارات القائد الأعلى، وإذا كانوا في حالة صراع، فإنهم يكونون هناك للرد عليه؛ لذا فنحن لسنا في الخطوط الأمامية، ولا نذهب للقتال، بل نحن هناك لضمان سلام دائم». لكن الرئيس الفرنسي لم يشر إلى ما سيكون عليه تصرف القوة الأوروبية إذا استهدف الروس المواقع الأوكرانية فقط، فهل ستتدخل القوة الأوروبية عند ذلك أو تترك الرد للقوات الأوكرانية وحدها؟ كذلك لم يشر ماكرون إلى المدى الذي قد تذهب إليه المواجهات مع القوات الروسية.

المستشار الألماني شولتس والرئيس القبرصي كريستودوليديس ورئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين في قصر الإليزيه بمناسبة القمة (أ.ب)

ومرة أخرى، عبّر المستشار الألماني عن تحفظ بلاده إزاء الطرح الفرنسي - البريطاني. وقال بعد الاجتماع إنه ليس من الواضح ما إذا كانت ستوجد مثل هذه القوة وبأي شكل. وأضاف أولاف شولتس أن بلاده «تركز على ما هو واضح»؛ أي تعزيز القوات الأوكرانية؛ مذكّراً بأن برلين «كانت رائدة في هذا المجال في أوروبا، وستبقى على هذا المنوال». بيد أن شولتس على أهبة ترك منصبه، وهو يقود، راهناً، حكومة تصريف أعمال. ولا يُستبعد أن تتغير السياسة الألمانية بعد تسلم فريدريتش ميرتس منصبه مستشاراً جديداً في ألمانيا. وكما ألمانيا، فإن إيطاليا تعارض إرسال قوة أوروبية، في حين تتمسك دولة رئيسية مثل بولندا بشبكة الأمان الأميركية حتى تقبل المشاركة.



بريطانيا: سنطور صاروخاً باليستياً جديداً لدعم أوكرانيا

جنود أوكرانيون يجهّزون نظام الصواريخ المضاد للدبابات جافلين خلال تدريب قرب خطوط الجبهة في منطقة زابوريجيا (أ.ب)
جنود أوكرانيون يجهّزون نظام الصواريخ المضاد للدبابات جافلين خلال تدريب قرب خطوط الجبهة في منطقة زابوريجيا (أ.ب)
TT

بريطانيا: سنطور صاروخاً باليستياً جديداً لدعم أوكرانيا

جنود أوكرانيون يجهّزون نظام الصواريخ المضاد للدبابات جافلين خلال تدريب قرب خطوط الجبهة في منطقة زابوريجيا (أ.ب)
جنود أوكرانيون يجهّزون نظام الصواريخ المضاد للدبابات جافلين خلال تدريب قرب خطوط الجبهة في منطقة زابوريجيا (أ.ب)

قالت الحكومة البريطانية، اليوم (الأحد)، إنها ستطوّر صاروخاً ‌باليستياً ‌جديداً ‌لمساعدة ⁠أوكرانيا ​في جهودها ‌الحربية ضد روسيا.

وفي إطار المشروع الذي يحمل اسم «نايتفول»، ‌قالت الحكومة البريطانية ‍إنها ‍أطلقت مسابقة ‍لتطوير صواريخ باليستية تُطلق من الأرض ​ويمكنها حمل رأس حربي ⁠يزن 200 كيلوغرام، وقطع مسافة تزيد على 500 كيلومتر.


دول أوروبية تناقش نشر قوات من «الناتو» في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

دول أوروبية تناقش نشر قوات من «الناتو» في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

ذكرت وكالة «بلومبرغ»، اليوم (​الأحد)، أن مجموعة من الدول الأوروبية بقيادة بريطانيا وألمانيا تناقش خططاً لتعزيز وجودها العسكري ‌في غرينلاند، ‌لتظهر للرئيس ‌الأميركي ⁠دونالد ​ترمب ‌أن القارة جادة بشأن أمن القطب الشمالي.

وأضافت الوكالة نقلاً عن مصادر مطلعة أن ⁠ألمانيا ستقترح تشكيل بعثة ‌مشتركة من «حلف ‍شمال الأطلسي» (ناتو) لحماية ‍منطقة القطب الشمالي.

وقال ترمب يوم الجمعة إن الولايات المتحدة ​بحاجة إلى امتلاك غرينلاند لمنع روسيا أو ⁠الصين من احتلالها في المستقبل. وذكر مراراً أن سفناً روسية وصينية تعمل بالقرب من غرينلاند، وهو أمر رفضته دول الشمال الأوروبي.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض خلال اجتماعه مع مسؤولين تنفيذيين لشركات نفط: «سنفعل شيئاً بشأن غرينلاند سواء أعجبهم أو لا؛ لأننا إذا لم نفعل ذلك، فسوف تستولي روسيا أو ‌الصين على غرينلاند، ولن تكون ‌روسيا أو الصين ‌جارتنا».

وقال ⁠ترمب ​إن ‌الولايات المتحدة يجب أن تستحوذ على غرينلاند، على الرغم من أن لديها بالفعل وجوداً عسكرياً في الجزيرة بموجب اتفاقية عام 1951؛ لأن مثل هذه الاتفاقيات ليست كافية لضمان الدفاع عن غرينلاند. وتعد الجزيرة إقليماً تابعاً لمملكة الدنمارك.

وأضاف: «يجب الدفاع عن الملكية. لا عن عقود الإيجار. ‍وعلينا أن ندافع عن غرينلاند. وإذا لم ‍نفعل ذلك، فإن الصين أو روسيا ستفعل ذلك».

وأبدى قادة في الدنمارك وعموم أوروبا استياء شديداً في الأيام الأخيرة من تصريحات ترمب ومسؤولين آخرين في البيت الأبيض أكدوا حقهم في غرينلاند. والولايات المتحدة والدنمارك عضوتان في «حلف شمال الأطلسي»، وتربطهما اتفاقية دفاع مشترك.


مفوض الدفاع الأوروبي: نحتاج «مجلس أمن» خاصاً وجيشاً موحداً

مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس (إ.ب.أ)
مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس (إ.ب.أ)
TT

مفوض الدفاع الأوروبي: نحتاج «مجلس أمن» خاصاً وجيشاً موحداً

مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس (إ.ب.أ)
مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس (إ.ب.أ)

أكّد مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس، اليوم (الأحد)، أن أوروبا تحتاج لأن تكون أكثر استقلالية، وأن يكون لديها جيش أوروبي موحد، مشيراً إلى أن هناك حاجة ماسّة لتشكيل «مجلس أمن أوروبي» في ظل حالة عدم اليقين التي تخيم على مستقبل الشراكة عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة.

وقال المسؤول الأوروبي، في بيان، إن أوروبا تواجه ضغوطاً هائلة، ما يستدعي «تغييراً جذرياً في استراتيجيتنا الدفاعية»، مضيفاً أن جاهزية أوروبا الدفاعية تقوم على كيفية الدفاع عن نفسها، إذا انسحبت الولايات المتحدة من القارة.

وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، استبعد كوبيليوس وجود أي مؤشرات على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى للسلام، وقال إن بوتين سيستمر في نهج اقتصاد الحرب.

وحلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تأسس عام 1949 لمواجهة التهديد، الذي شكّله الاتحاد السوفياتي على الأمن الأوروبي خلال الحرب الباردة، يركّز عادةً على أخطار مثل روسيا أو الجماعات الإرهابية الدولية، ولا يمكن أن يعمل من دون القيادة والقوة النارية للولايات المتحدة.

ويقوم الحلف على تعهّد بأن أي هجوم على أحد أعضائه يُقابَل بردّ جماعي من الجميع. هذا الضمان الأمني، المكرّس في المادة الخامسة من معاهدة تأسيس الحلف، أبقى روسيا بعيداً عن أراضي الدول الحليفة لعقود.

ويهدد اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بغرينلاند بزعزعة استقرار الحلف، في لحظة تدخل فيها الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في أوكرانيا مرحلة حاسمة، ما قد يشتت أعضاءه عن دعم كييف وتقديم ضمانات أمنية لها.