كيف انهار الجيب الأوكراني في كورسك الروسية؟

امرأة من منطقة غونتشاروفكا على مشارف سودجا (يمين) تتفاعل خلال لقاء قريبة لها في نقطة إغاثة تابعة لوزارة الطوارئ الروسية غرب كورسك الاثنين (أ.ف.ب)
امرأة من منطقة غونتشاروفكا على مشارف سودجا (يمين) تتفاعل خلال لقاء قريبة لها في نقطة إغاثة تابعة لوزارة الطوارئ الروسية غرب كورسك الاثنين (أ.ف.ب)
TT

كيف انهار الجيب الأوكراني في كورسك الروسية؟

امرأة من منطقة غونتشاروفكا على مشارف سودجا (يمين) تتفاعل خلال لقاء قريبة لها في نقطة إغاثة تابعة لوزارة الطوارئ الروسية غرب كورسك الاثنين (أ.ف.ب)
امرأة من منطقة غونتشاروفكا على مشارف سودجا (يمين) تتفاعل خلال لقاء قريبة لها في نقطة إغاثة تابعة لوزارة الطوارئ الروسية غرب كورسك الاثنين (أ.ف.ب)

انسحبت القوات الأوكرانية على نحو شبه كامل من منطقة كورسك الروسية، لتنهي بذلك هجوماً فاجأ الكرملين الصيف الماضي بسرعته وجسارته.

ووصف جنود أوكرانيون على الجبهة الانسحاب بأنه كان منظماً في بعض الأماكن وفوضوياً في أخرى، مع اختراق القوات الروسية صفوفهم، مما أجبرهم على التراجع إلى شريط ضيّق من الأرض على طول الحدود.

وبحلول الوقت الذي انسحبت فيه إحدى فصائل الهجوم الأوكرانية من موقعها قبل أقل من أسبوع، كانت جميع مركبات الجنود قد دُمّرت، وطاردتهم الطائرات المسيّرة ليل نهار، وكانت ذخيرتهم على وشك النفاد.

واعترف قائد الفصيل بأن القوات الروسية كانت تضيّق الخناق على الجيب الأوكراني من جميع الاتجاهات، «مما اضطرنا إلى الانسحاب».

وأضاف القائد الذي طلب عدم كشف اسمه سوى من خلال إشارة النداء «بورودا»، تماشياً مع البروتوكول العسكري، أن وحدته احتاجت إلى يومَيْن لقطع مسافة تزيد على 12 ميلاً سيراً على الأقدام، من مواقعها بالقرب من قرية كازاشيا لوكنيا الروسية إلى الحدود الأوكرانية. وزاد، خلال اتصال هاتفي معه، أنه بحلول ذلك الوقت «أصبحت المنطقة التي كانت تضم مواقعنا تحت الاحتلال الروسي بالفعل».

في ذروة الهجوم، سيطرت القوات الأوكرانية على نحو 500 ميل مربع من الأراضي الروسية. ومع ذلك، فإنه بحلول الأحد، كانوا يتشبثون بالكاد بمساحة 30 ميلاً مربعاً على امتداد الحدود الروسية-الأوكرانية، حسب باسي باروينين، المحلل العسكري لدى مجموعة «بلاك بيرد غروب»، ومقرها فنلندا. وأضاف عبر اتصال هاتفي: «نهاية المعركة آتية».

ولم يتسنّ التحقق بشكل مستقل من مساحة الأراضي الروسية التي لا تزال أوكرانيا تسيطر عليها في كورسك، في حين أشار الجنود إلى استمرار قتال عنيف. ومع ذلك، قال جنود أوكرانيون إن القتال بالقرب من الحدود لم يعد يهدف إلى الاحتفاظ بالأراضي الروسية، بل إلى محاولة منع القوات الروسية من التدفق إلى منطقة سومي في أوكرانيا، وفتح جبهة جديدة في الحرب. وأضاف الجنود أنهم يحاولون إقامة مواقع دفاعية قوية على طول خطوط التلال على الجانب الروسي من الحدود.

من جهته، قال «بورودا»: «نواصل التمركز على جبهة كورسك. الفرق الوحيد أن مواقعنا قد تحوّلت بشكل ملحوظ نحو الحدود».

أما أندري -وهو ضابط استخبارات أوكراني يقاتل في كورسك- فعبّر عن الأمر بصراحة أكبر قائلاً: «عملية كورسك انتهت عملياً. الآن، علينا أن نضفي استقراراً على الوضع».

وبينما نجحت القوات الأوكرانية في عرقلة تقدّم روسيا في شرق أوكرانيا، يأتي التحول داخل كورسك في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى هدنة سريعة.

ولا يمكن إيعاز تراجع حظوظ أوكرانيا في كورسك إلى عامل واحد فقط، فقد قصفت القوات الروسية خطوط الإمداد الأوكرانية وبدأت قطع طرق الهروب. أما القوات الكورية الشمالية التي استعانت بها موسكو، والتي تعثرت في البداية، فقد حسّنت قدراتها القتالية. وفي لحظة حاسمة، قرّرت واشنطن تعليق دعمها، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية.

صورة نشرتها وزارة الدفاع الروسية الاثنين تُظهر جندياً تابعاً لها يرفع علم وحدته فوق منزل في قرية ستارايا سوروتشينا بمنطقة كورسك (أ.ب)

كيف انقلبت الأمور؟

عندما زارت صحيفة «نيويورك تايمز» الحدود بين سومي وكورسك آخر مرة، في أواخر يناير (كانون الثاني)، بدت الحركة خلال النهار شبه مستحيلة، بسبب اكتظاظ السماء بطائرات مسيّرة روسية.

وكان الطريق الرئيسي من سومي إلى سودجا -بلدة روسية صغيرة تبعد قرابة 6 أميال إلى الشمال الشرقي احتلتها القوات الأوكرانية منذ أغسطس (آب)- مليئاً بالفعل بالسيارات والدبابات والمركبات المدرعة المحترقة. وأرسلت أوكرانيا بعضاً من أكثر ألويتها خبرة للمشاركة في عملية كورسك. إلا أن أشهراً من الهجمات المتواصلة من جانب القوات الروسية وآلاف الجنود الكوريين الشماليين الذين يقاتلون إلى جانبها، كانت تُلحق بها خسائر متزايدة.

بحلول منتصف فبراير (شباط)، تقدمت القوات الروسية إلى مسافة 5 أميال من طرق الإمداد الرئيسة لأوكرانيا إلى سودجا، مما سمح لها باستهداف الطرق بأسراب من الطائرات المسيّرة؛ كان الكثير منها مربوطاً بكابلات ألياف بصرية فائقة الرقة، ما يجعلها محصّنة ضد التشويش.

وذكر جنود أوكرانيون آخرون -مثل «بورودا»، الذين طلبوا تحديد هويتهم فقط باسمهم الأول أو رمز النداء، حسب البروتوكول العسكري- أن القوات الروسية نصبت كمائن باستخدام طائرات هجومية دون طيار.

وقال كاب، مقاتل في قوات العمليات الخاصة (36 عاماً) طلب تحديد هويته من خلال رمز النداء الخاص به: «كانت طائراتهم المسيّرة تهبط بالقرب من طرق الإمداد الرئيسة، وتنتظر مرور الهدف». وأفاد جنود أوكرانيون بأن طائرات روسية مسيّرة قصفت كذلك جسوراً في كورسك بمتفجرات مُعدّة مسبقاً لتدميرها، وذلك بهدف عرقلة انسحاب القوات الأوكرانية.

كما هاجمت الطائرات الحربية الروسية جسوراً، وألقت في إحدى الحالات قنبلة موجهة زنة 6 آلاف رطل لقطع أحد الشرايين الرئيسية، حسب جنود أوكرانيين ومحللين عسكريين.

وصرّح أرتيم، قائد لواء أوكراني رفيع المستوى، بأن تدمير الجسور كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت القوات الأوكرانية إلى التخلي عن مواقعها فجأةً في الأسابيع الأخيرة. وأضاف أنه لم يتمكّن الجميع من النجاة، لكن الغالبية نجت.

لحظة الاختراق الروسي

كانت سيطرة أوكرانيا على كورسك مهددة بالفعل، عندما أعلنت إدارة ترمب تعليق المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية في الثالث من مارس (آذار).

وحسب أندري، أدت خسارة المعلومات الاستخباراتية الأميركية المرتبطة بالاستهداف الدقيق، إلى تفاقم الصعوبات.

وفي الثامن من مارس، حقّقت القوات الروسية اختراقاً متسللة خلف الخطوط الأوكرانية بالسير لأميال عبر خط أنابيب غاز مهجور لشن هجوم مفاجئ. ووصفت وسائل الإعلام والمسؤولون الروس العملية بأنها عمل بطولي، في حين وصفتها مصادر أوكرانية بأنها خطوة محفوفة بالمخاطر، زعموا أنها أدت إلى وفيات كثيرة، جراء غاز الميثان المتبقي في خط الأنابيب.

وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت القوات الكورية الشمالية تساعد في قيادة هجوم اخترق الخطوط الأوكرانية، جنوب قرية كوريليفكا الصغيرة، مما زاد من تقييد قدرة أوكرانيا على إمداد قواتها.

ومع تراجع القوات الأوكرانية هناك على طول خطوط دفاعية محددة، واصلت القوات الروسية التقدم نحو سودجا، وازدادت وتيرة الهجمات.

وفي العاشر من مارس، صدر أمرٌ بانسحاب بعض الوحدات من سودجا، وفقاً لما ذكره ثلاثة جنود وقادة أوكرانيون. وقال «بورودا»: «كان الانسحاب مزيجاً من المنظم والفوضوي. وقد أثرت عوامل مختلفة في طبيعة الانسحاب، مثل: الإرهاق، والأوامر الجيدة أو الرديئة من القادة الأفراد، وسوء التواصل أو التنسيق».

ومع ذلك، ورغم ادعاءات الرئيسَيْن الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب بعكس ذلك، لم تتعرض في أي وقت أعداد كبيرة من القوات الأوكرانية للحصار، حسب محللين عسكريين يستخدمون لقطات قتالية محددة الموقع الجغرافي لرسم خريطة لتطورات ساحة المعركة، وجنود أوكرانيين يقاتلون في كورسك، وحتى بعض المدونين العسكريين الروس البارزين.

بعد ثلاثة أيام، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها استعادت السيطرة الكاملة على سودجا. وزعمت، السبت، أن قواتها استعادت قريتَيْن خارج البلدة.

في المقابل، فإنه في حين لم تتناول هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني استيلاء روسيا على سودجا مباشرةً، فقد أصدرت، الأحد، خريطة لساحة المعركة تُظهر البلدة خارج الأراضي الخاضعة لسيطرتها في كورسك، التي تقلّصت إلى شريط ضيق من الأرض.

وقد تكبّدت سودجا، البالغ عدد سكانها 5 آلاف نسمة، أضراراً جسيمة في القتال. في الواقع، ومنذ بدء عملية كورسك، يقول محللون عسكريون إن كلا الجانبين مُني بخسائر فادحة.

وبينما كانت أوكرانيا تأمل في استخدام سيطرتها على الأراضي الروسية كورقة ضغط في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، يبدو أن بوتين يستغل الآن التراجع الأوكراني لمحاولة تعزيز موقفه في المحادثات مع إدارة ترمب حول وقف القتال.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
TT

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

حذرت روسيا، الخميس، من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً ​لهجمات قوات موسكو في حالة نشوب صراع.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مارس (آذار)، عن خطط لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وقال إن فرنسا قد تسمح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائراتها ذات القدرات النووية في عمليات نشر مؤقتة.

وقال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت، الخميس، إن هذا جزء من «توسع غير منضبط» للقدرات النووية ‌لحلف شمال الأطلسي، مما ‌يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وشدد على ​قلق ‌موسكو إزاء ​عمليات النشر النووي الفرنسية المحتملة في دول أوروبية أخرى. وقال ماكرون إن باريس تناقش مثل هذه الترتيبات مع بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وقال غروشكو، لشبكة «روسيا اليوم» الإعلامية الحكومية: «من الواضح أن جيشنا سيضطر إلى إيلاء اهتمام بالغ لهذه المسألة في سياق تحديث قائمة الأهداف ذات الأولوية في حالة نشوب صراع كبير... ونتيجة لذلك، فبدلاً من ‌تعزيز فرنسا المعلن للدفاع ‌عن حلفائها الذين لا تقدم لهم، بالمناسبة، أي ​ضمانات قاطعة، فإن أمن هذه ‌البلدان يضعف في الواقع».

وتأتي مبادرة ماكرون في إطار حملة ‌يقودها الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم، بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف، وفي ضوء تهديداته بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي.

وأدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية للحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير (شباط) إلى خلق فراغ في مجال الحد من التسلح العالمي، في وقت يبلغ فيه التوتر الدولي أعلى مستوياته منذ عقود بسبب حربي أوكرانيا وإيران.

وقال غروشكو إن أي حوار مستقبلي حول الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك الترسانات الفرنسية والبريطانية، بالإضافة إلى الترسانة الأميركية.

وانتقد الحلف، هذا الأسبوع، روسيا والصين بسبب سياساتهما المتعلقة بالأسلحة النووية، وحثت البلدين على العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق مزيد ​من الاستقرار والشفافية في ​مؤتمر يفتتح في الأمم المتحدة بنيويورك، الأسبوع المقبل، لمراجعة سير عمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.


ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين، التي دفعتها الحرب مع إيران إلى أدنى مستوياتها منذ 70 عاماً.

وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، حين قررت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة آنذاك الانفصال عن الملك ​جورج الثالث، جد تشارلز.

وبالنسبة لتشارلز، ستكون هذه الزيارة فرصة للتفكير في كيفية توطيد العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة منذ ذلك الحين وبناء بعض من أقوى الروابط الأمنية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بينما ستكون بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة أخرى للتعبير عن حبه للعائلة الملكية البريطانية.

الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أسوأ أزمة منذ أزمة السويس

تأتي هذه الزيارة أيضاً في ظل أسوأ توتر في العلاقات بين البلدين منذ أزمة السويس عام 1956، في ظل انتقادات ترمب المتكررة لرئيس الوزراء كير ستارمر بسبب رفضه الانضمام إلى الهجوم على إيران وتقليله من شأن القدرات العسكرية البريطانية.

ورداً على سؤال من «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عما إذا كانت زيارة الملك ستساعد في إصلاح العلاقة، قال ترمب: «بالتأكيد، الإجابة هي نعم».

وقال ‌في مقابلة هاتفية ‌أجرتها معه «بي بي سي»: «أنا أعرفه جيداً، أعرفه منذ سنوات... إنه رجل شجاع، ورجل عظيم».

وعلّق ترمب على مواقف حلفاء بلاده، بما في ذلك بريطانيا، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قائلاً: «كان ينبغي أن يشاركوا»، قبل أن يضيف: «لكنني لم أكن بحاجة إليهم».

وقال ​نايجل ‌شينوالد سفير بريطانيا ​في واشنطن من 2007 إلى 2012، إن الزيارة لا يمكنها، ولا تهدف إلى، إصلاح أي خلافات حالية بين الحكومتين، لكنها ستُظهر روابط أعمق بكثير من أي أفراد.

وقال شينوالد، لوكالة «رويترز»: «هذه الزيارة تتعلق أكثر من أي زيارة أخرى بالمستقبل البعيد. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين شعبينا وبلدينا... إنها لا تتعلق بما يحدث اليوم».

وسيبدأ تشارلز، برفقة زوجته الملكة كاميلا، رحلته التي تستغرق أربعة أيام، يوم الاثنين، باحتساء الشاي على انفراد مع ترمب ثم يلقي كلمة أمام الكونغرس ويحضر مأدبة عشاء رسمية ويقوم بزيارة نيويورك وفرجينيا.

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

وأعلن قصر بكنغهام أنه لن يلتقي بأي من ضحايا الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. وكان أندرو مونتباتن-وندسور الشقيق الأصغر للملك تشارلز قد اعتقل في فبراير (شباط) للاشتباه ‌في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. ونفى الأمير أندرو السابق ارتكاب أي ‌مخالفة.

وفي بريطانيا، قال بعض السياسيين والمعلقين إنه كان يتعين إلغاء الزيارة بالنظر إلى ​بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترمب. وهناك مخاوف ‌أيضاً من أن يستغل الرئيس الأميركي، المعروف بتقلباته، هذه المناسبة لتوجيه المزيد من الانتقادات، مما قد يحرج الملك.

وقال ‌شينوالد والسفير الأميركي الحالي في لندن وارن ستيفنز إن ذلك سيكون له أثر سلبي. ويقول مستشارون للعائلة الملكية في أحاديث غير رسمية إن ترمب، الذي يصف الملك بأنه «رجل عظيم»، تصرف بشكل مثالي خلال زيارتيه الرسميتين غير المسبوقتين إلى بريطانيا في عام 2019 وفي العام الماضي.

وقال كاتب السيرة الملكية روبرت هاردمان، لوكالة «رويترز»: «إنه (ترمب) من أشد المؤيدين للملكية».

وأضاف: «لديه موقف واحد تجاه الحكومة البريطانية، ‌لكن الملكية البريطانية كيان منفصل تماماً، وهو من أشد المعجبين بها. وكان معجباً بالملكة الراحلة، وهو من أشد المعجبين بالملك. وبالنسبة له، هذه لحظة مهمة».

هل تعيد هذه الزيارة أصداء عام 1957؟

من بعض النواحي، تحمل زيارة تشارلز أصداء الزيارة التي قامت بها والدته الملكة إليزابيث في عام 1957، بعد عام من أزمة السويس التي تسببت في اضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اضطرت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية إلى إنهاء هجومها على مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة.

ونجحت زيارتها آنذاك في كسب تأييد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وتهدئة العلاقات بين الحلفاء.

دونالد وميلانيا ترمب مقابل تشارلز وكاميلا وتنسيق الإطلالتين في «قصر وندسور» (رويترز)

وقال أيزنهاور: «إن الاحترام الذي نكنه لبريطانيا يتجسد في المودة التي نكنها للعائلة الملكية، التي شرفتنا كثيراً بزيارتها لبلادنا».

وهذه ما يطلق عليها «القوة الناعمة» التي سيسعى تشارلز، الذي صقل مهاراته الدبلوماسية على مدى نصف قرن، إلى استخدامها مرة أخرى.

ويتمتع تشارلز بتأثير كبير على الرئيس لدرجة أن هاردمان قال إنه يعلم أن ترمب تراجع عن تعليقاته التي أدلى بها بشأن بقاء القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى بعيداً عن الخطوط الأمامية في أفغانستان بعد أن تلقى رسائل خاصة من الملك تفيد بأنه مخطئ.

ويقول دبلوماسيون إن تشارلز سيتمكن مرة أخرى من التحدث ​بصراحة في اجتماعهما الخاص، لكن هاردمان قال إن ​الملك لن يكون هناك «لانتقاد سياسات الرئيس ترمب».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً بينما يستمع إليه الملك تشارلز وكيت أميرة ويلز خلال مأدبة في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

وأضاف: «هذا ببساطة ليس دور الملك، وهو بالتأكيد ليس الغرض من الزيارة الرسمية... سيكون الهدف من هذه الزيارة استعراض جميع تلك الجهود المشتركة بين حليفين عظيمين والتطلع إلى الأمام».


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.