انقسامات أوروبية عميقة بشأن الاستحواذ على الأصول الروسية المودعة في بروكسل

حماية أمنية مشددة لمؤسسة «أوروكلير» المالية المحتفظة بالمليارات الروسية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الخميس متحدثا للصحافة الخميس عن نتائج الاجتماع الأميركي ـ الأوكراني  في جدة - 12 مارس (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الخميس متحدثا للصحافة الخميس عن نتائج الاجتماع الأميركي ـ الأوكراني في جدة - 12 مارس (إ.ب.أ)
TT

انقسامات أوروبية عميقة بشأن الاستحواذ على الأصول الروسية المودعة في بروكسل

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الخميس متحدثا للصحافة الخميس عن نتائج الاجتماع الأميركي ـ الأوكراني  في جدة - 12 مارس (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الخميس متحدثا للصحافة الخميس عن نتائج الاجتماع الأميركي ـ الأوكراني في جدة - 12 مارس (إ.ب.أ)

على بُعد أقل من كيلومترين شرق بروكسل، تقع ضاحية سان جوس تن نود. وفي بداية جادتها الرئيسية التي تحمل اسم الملك «ألبير الثاني»، تشغل «مؤسسة أوروكلير المالية» أحد أبنيتها التي تخضع لحماية أمنية مشددة توفرها الشركة الأمنية الفرنسية «أمارانت». والسبب أن «أوروكلير» تدير الأصول الروسية المودعة لديها منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية قبل 3 أعوام.

ووفق المجلس الأوروبي، فإن القيمة الإجمالية لهذه الأصول تجاوز 235 مليار يورو (255 مليار دولار أميركي)، منها 210 مليارات عائدة للبنك المركزي الروسي، و24.9 مليار يورو من الأصول الخاصة العائدة لمؤسسات أو أفراد متهمين بمساندة حرب الرئيس فلاديمير بوتين على أوكرانيا. ومنذ عام 2022، عمد الاتحاد الأوروبي، في إطار سياسته الهادفة إلى ممارسة أعلى الضغوط الاقتصادية والمالية على روسيا، إلى تجميد هذه الأصول. ولأن دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً يستهلك الكثير من القدرات المالية الأوروبية، فقد عمد الأوروبيون، في مايو (أيار) الماضي، إلى اتّخاذ قرار يتيح لهم الاستحواذ على الفوائد التي توفرها هذه الأصول، البالغة سنوياً ما بين 2.5 و3 مليارات يورو.

وبما أن مجموعة السبع الاقتصادية قررت، العام الماضي، منح أوكرانيا قرضاً مالياً بقيمة 50 مليار دولار لمشترياتها من السلاح، فإن عوائد الأصول الروسية تُستخدم لتسديد القرض الكبير تدريجياً، خصوصاً حصة الأوروبيين. بيد أن هؤلاء لم يتوقفوا عند هذا الحد. وما يتم تداوله منذ عدة أشهر يقوم على الاستحواذ مباشرة على الأصول الروسية، وليس فقط على الفوائد التي تنتجها، من أجل مواصلة دعم أوكرانيا ولاستخدام الأموال الروسية، لاحقاً، في عملية إعادة الإعمار بأوكرانيا.

عين الأوروبيين على المليارات الروسية

جاءت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وسياسته الغامضة والمتأرجحة إزاء مواصلة دعم كييف، ومطالبته باستعادة الأموال التي خصصتها بلاده لدعمها، لتثير مخاوف الأوروبيين لجهة أن مساندة أوكرانيا ستقع على عاتقهم وحدهم. من هنا، بدأ البحث عن مصادر جديدة.

واتّجهت الأنظار فوراً إلى الأصول الروسية، وبرزت الانقسامات بين من يدفع باتجاه الإقدام على هذه الخطوة، ومن يعارض ويحذر من نتائجها العكسية. تعارض موسكو الاستحواذ على أصولها، وتتّهم الغربيين بممارسة السرقة واللصوصية.

كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في كندا بمناسبة اجتماع لوزراء خارجية مجموعة السبع (أ.ف.ب)

وبيّن تحقيق أجرته مجموعة صحف، مثل «لو موند» الفرنسية و«دي مورغن» و«هومو» البلجيكيتين، وموقع «أوبسورفير» الأوروبي، أن كبار مسؤولي «أوروكلير» يخضعون لحماية مشددة منذ عدة أشهر توفرها الشركة الأمنية الفرنسية «أمارانت». وتشمل الحماية، بشكل خاص، فاليري أوربان، رئيسة «أوروكلير» ومديرتها العامة والأعضاء السبعة للجنتها التنفيذية وآخرين. وثمة معلومات تم تداولها مؤخراً تتحدث عن مُسيّرة مجهولة الهوية حلّقت مؤخراً فوق مقر «أوروكلير» في بروكسل، ما ضاعف المخاوف من تعرّضها لعملية انتقامية، ونظر إليها البعض الآخر على أن غرضها تحذير القائمين على هذه المؤسسة المالية من خطط الاستحواذ على الأصول الروسية.

خلال السنوات الثلاث الماضية، قدّم الأوروبيون مساعدات لأوكرانيا بلغت قيمتها الإجمالية 132.6 مليار يورو (144 مليار دولار أميركي)؛ 67.3 مليار مساعدات مدنية، 48.3 مساعدات عسكرية و17 ملياراً لمساعدة ملايين الأوكرانيين خارج بلادهم. وتبين نظرة سريعة أن الاستحواذ على الأصول الروسية يمكن أن يريح الأوروبيين مالياً لعدة سنوات. بيد أن ما يعيق إقدامهم على تدبير من هذا النوع انقساماتهم، من جهة، ومن جهة أخرى المخاوف المترتبة على سمعة السوق المالية الأوروبية واستقرارها.

خلافات فرنسية

وبرز ذلك بقوة خلال الجلسة التي خصّصها البرلمان الفرنسي للنظر في مقترح قانون لدعم أوكرانيا، يتضمّن بنداً يدعو «الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى الاستحواذ على الأصول الروسية المجمَّدة من أجل تمويل الدعم العسكري لأوكرانيا وعملية إعادة الإعمار». وبنتيجة التصويت الذي حصل ليل الأربعاء، فإن 288 نائباً أقرّوا المقترح، فيما عارضه 54 نائباً، وامتنع الآخرون عن التصويت.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكوين وعقيلته مع رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرزييوف مساء الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

ورغم أنّ ما حصل غير مُلزِم للحكومة، فإن الانقسامات بدت على أشدّها. والمثير في هذه المسألة أن الحكومة الفرنسية تعارض السيطرة على الأموال الروسية، فيما تؤيدها غالبية النواب الداعمة لها في البرلمان، إضافة إلى النواب الاشتراكيين والخضر. وجاءت المعارضة من حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، ومن نواب حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف. وسبق للرئيس إيمانويل ماكرون أن رسم الخط البياني للحكومة خلال زيارته الأخيرة لواشنطن يوم 24 فبراير (شباط) الماضي، إذ اعتبر أنه «من الجائز استخدام عوائد الأصول الروسية، لكننا لا نستطيع الاستيلاء على هذه الأصول». وعبّر أريك لومبار، وزير الاقتصاد، عن موقف بلاده الرسمي بقوله إن الأصول الروسية «تعود بشكل رئيسي إلى البنك المركزي الروسي، وبالتالي هي أصول سيادية ومن الصعب السيطرة عليها، لأن ذلك يخالف الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها فرنسا وكذلك دول أوروبا».

انقسامات أوروبية

ما شهده البرلمان الفرنسي شهد مثله، وفي اليوم نفسه، البرلمان الأوروبي. ثمة مجموعة أوروبية يتزعمها دونالد تاسك، رئيس الوزراء البولندي، تريد وضع اليد بسرعة على الأموال الروسية. ويقول الأخير: «ماذا ننتظر؟ لنقدم على هذه الخطوة فوراً». ويحظى تاسك بدعم الدول التي تستشعر أكثر من غيرها الخطر الروسي، مثل دول بحر البلطيق والدول الإسكندنافية ورومانيا وغيرها، فيما تمثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا، فضلاً عن المجر وسلوفاكيا الجبهة المعارضة.

رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك {يسار} خلال مؤتمر صحفي الخميس مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة (إ.ب.أ)

وبلغ الانقسام المفوضية الأوروبية نفسها؛ إذ إن مسؤولة السياسة الخارجية والأمن فيها، الإستونية كايا كالاس، من أشدّ مناصري عملية الاستيلاء التي كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أول الداعين إليها. بالمقابل، فإن رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين امتنعت، حتى اليوم، عن الخوض في هذا النقاش. وسبق للقادة الأوروبيين أن تناولوا هذا الملف في قمتهم يوم 6 مارس (آذار)، ولكن من غير التوصل إلى اتفاق. وفي أي حال، فإن الأوروبيين يعملون وفق مبدأ الإجماع؛ ما يمنع أي دولة من التصرف انفرادياً.

وبيّنت مناقشات البرلمان الأوروبي، بشكل جلي، الانقسامات المستندة إلى حجج متضاربة. فإضافة إلى سيادية الأصول الروسية، يتخوف كثيرون من إجراء من شأنه أن يضعف العملة الأوروبية (اليورو)، وينسف سمعة السوق المالية الأوروبية، ويضرب استقرارها وسلامتها، ويبعد عنها الدول الراغبة في توطين أصولها المالية في العواصم الأوروبية. فـ«السابقة» الروسية ستخيف الآخرين، وتجعلهم يبحثون عن أسواق مالية بديلة لأصولهم.

ونقلت قناة «يورو نيوز» عن عضو البرلمان الأوروبي الفنلندي، فيل نينيستو، قوله: «يجب أن يكون أي قرار راسخاً في القانون الدولي، وما دام تمّ احترامه في المصادرة، فيمكن القيام بذلك. أما سوق اليورو فأمر موثوق به للغاية لأي شخص يريد الاستثمار».

وكشف النائب ساندرو غوزي أن «بعض الحكومات تعمل بشكل خاص على الاستحواذ بالتعاون مع البنك المركزي الأوروبي ومؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى، وهي تنظر في الإمكانيات القانونية والمالية لذلك. وفي حال عدم وجود مخاطر قانونية وسوقية، فسندفع باتجاه الاستحواذ دون تأخير».

حقيقة الأمر أن الأوروبيين يبحثون عن مخارج قانونية لم يعثروا عليها بعد. وبعضهم يرى أن أحد الحلول يكمن في استخدام هذه الأصول ورقة للتفاوض المستقبلي مع الجانب الروسي لوضع حد للحرب، وإرغام موسكو على دفع ثمن الدمار الذي أحدثته في أوكرانيا. بيد أن ذلك كلّه، بما فيه مصير العقوبات التي يتعين على الأوروبيين النظر بها في 31 يوليو (تموز) كحد أقصى، مرهون بما سيحصل على جبهة المفاوضات، وما يمكن أن تفضي إليه الوساطة الأميركية.

وفي حال التوصل إلى اتفاق، فإن المؤكد أن روسيا ستصر على رفع العقوبات المفروضة عليها وعلى أصولها. وفي أي حال، على الأوروبيين أن يتخذوا قرار قبل 31 يوليو المقبل لجهة تمديد العقوبات أم وقفها، وذلك كله مرهون بتطورات الحرب أو السلام الموعود.


مقالات ذات صلة

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.