موسكو تتريث حيال اقتراح الهدنة في أوكرانيا وتنتظر «تفاصيل» من الجانب الأميركي

جولة مفاوضات جديدة مع واشنطن... ولا اتفاق على موعد قمة «بوتين - ترمب»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال حضوره الاجتماعات في جدة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال حضوره الاجتماعات في جدة (أ.ف.ب)
TT

موسكو تتريث حيال اقتراح الهدنة في أوكرانيا وتنتظر «تفاصيل» من الجانب الأميركي

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال حضوره الاجتماعات في جدة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال حضوره الاجتماعات في جدة (أ.ف.ب)

تجنَّب الكرملين تحديد موقف واضح حيال الاقتراح المتعلق بإعلان هدنة مؤقتة في أوكرانيا لمدة شهر، وقال إنه يعول على مناقشة تفاصيل حول مجريات جولة المفاوضات الأميركية - الأوكرانية التي جرت في جدة الثلاثاء، قبل إعطاء تقييم لنتائجها.

وقال الناطق الرئاسي الروسي دميتري بيسكوف إن بلاده تفترض أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الأمن القومي مايك والتز: «سوف يبلغان موسكو بتفاصيل المفاوضات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا في المملكة العربية السعودية».

بوتين يسير أمام حرس الشرف خلال لقائه قائد جيش ميانمار مين أونغ هلاينغ في موسكو الثلاثاء (رويترز)

وأوضح في إفادته الصحافية اليومية أن موسكو «تنطلق من حقيقة أنه كما قيل (الثلاثاء) في جدة، فإن وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي سوف يطلعان موسكو، عبر قنوات مختلفة في الأيام المقبلة، بتفاصيل المفاوضات التي جرت والتفاهمات التي تم التوصل إليها».

وفي اليوم السابق، جرت مفاوضات بين وفدي أوكرانيا والولايات المتحدة، دعت بعدها الإدارة الأميركية إلى وقف فوري لإطلاق النار. ونشر مكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بياناً مشتركاً بين كييف وواشنطن عقب المحادثات، أشار إلى أن أوكرانيا مستعدة لمقترح الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً، يمكن تمديده بموافقة الطرفين.

بوتين مع الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف (أرشيفية - رويترز)

وتنص الوثيقة أيضاً على أن الولايات المتحدة سترفع على الفور تعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية، وسوف تستأنف الإمدادات العسكرية لأوكرانيا. وعلَّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على نتائج المفاوضات بإشارة إلى أن «كييف مستعدة لوقف إطلاق النار بشكل كامل، والآن تنتظر واشنطن رد فعل موسكو».

وكرر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، أن الولايات المتحدة ستتواصل مع روسيا بشأن توافق توصلت إليه مع أوكرانيا حول هدنة لمدة 30 يوماً وخطوات لإنهاء الحرب.

وأضاف، خلال توقف قصير في آيرلندا بعد محادثات مع أوكرانيا في السعودية: «ننتظر كلنا بترقب الرد الروسي، ونحثهم بقوة على التفكير في إنهاء كل الأعمال القتالية». وتابع: «إذا قالوا لا فسنضطر إلى دراسة كل شيء، وأن نحدد موقفنا وما هي نياتهم الحقيقية. أعتقد إذا قالوا لا فسنعرف كثيراً عن أهدافهم وطريقة تفكيرهم».

وبدوره كرر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأربعاء ما قاله في اليوم السابق إنه ينتظر إجراءات قوية من الولايات المتحدة إذا رفضت روسيا مقترح واشنطن بوقف إطلاق النار.

وصرّح زيلينسكي، في مؤتمر صحافي في كييف: «أعرف أنه يمكننا التعويل على خطوات قوية. لا أعرف التفاصيل بعد، لكننا نتحدث عن عقوبات (ضد روسيا) وتعزيز قوة أوكرانيا». وقال إن بلاده يمكنها مناقشة الضمانات الأمنية مع شركائها في حال الاتفاق على وقف إطلاق النار، مضيفاً في مؤتمر صحافي في كييف: «سنتحدث عن الضمانات الأمنية بمزيد من التفصيل في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار لمدة 30 يوماً. وتهدف هذه الأيام الثلاثون إلى تدوين... الخطوات التي اتفقنا عليها مع حلفائنا، وصيغة الضمانات الأمنية في أوكرانيا بعد انتهاء الحرب».

لكن بيسكوف ردَّ في أول تعليق للكرملين أن موسكو «لا تريد أن تستبق الأحداث بشأن قضية وقف إطلاق النار المقترح». وقال للصحافيين: «انظروا، أنتم تسبقون الأحداث قليلاً، لا نريد فعل ذلك. علينا أولاً الحصول على معلومات إضافية مفصلةً حول جوهر المحادثات التي جرت في جدة».

وكشف الناطق عن أن روسيا والولايات المتحدة تخططان لإجراء اتصالات ثنائية خلال أيام، وتتوقع موسكو أن يبحث الطرفان الخطوات اللاحقة على ضوء مخرجات لقاء جدة.

في الوقت ذاته، قال بيسكوف إن الطرفين -الروسي والأميركي- لم يتوصلا بعد إلى تفاهم محدد حول ترتيبات عقد قمة تجمع الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب. وأوضح رداً على سؤال في هذا الشأن: «لا يوجد يقين حتى الآن بشأن موعد ومكان المحادثات على المستوى الرئاسي».

بوتين على اليمين وترمب في مؤتمر صحافي مشترك في هلسنكي 16 يوليو 2018 (أرشيفية - أ.ب)

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق، على أي مقترح يتضمن إعلان هدنة مؤقتة، وقال الكرملين إن المطلوب الانتقال إلى عملية سياسية تفضي إلى تسوية نهائية تزيل الأسباب الجذرية للصراع، مضيفاً أن الأفكار حول الهدن المؤقتة لن تؤدي إلى نتائج جيدة، وسيتم استغلالها من جانب كييف وحلفائها الأوروبيين لتنظيم الصفوف، وإعادة ترتيب أولويات التسليح والإعداد. لكن خبراء في موسكو لم يستبعدوا برغم ذلك أن «يتعامل بوتين مع الاقتراحات الأميركية بشأن هدنة بشكل إيجابي، في إطار سعي الكرملين لتأكيد التزامه بدعم جهود ترمب لإيجاد تسوية سريعة للصراع».

في الوقت ذاته، رأى خبراء أن موسكو تراقب بـ«قليل من الثقة» خطوات إعادة تشغيل الدعم الاستخباراتي والتقني لكييف، ورفع التجميد المؤقت على التسليح، وأن هذا السبب الأساسي الذي يدفع موسكو إلى التريث وانتظار توضيح التفاصيل من الجانب الأميركي.

يؤكد الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، ومقره جدة، أن الرئيس الأميركي ترمب أوجد مستوى جديداً للصراع لم يكن قائماً منذ اندلاع أزمة الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو الخلاف الأميركي - الأوكراني.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «قرار تجميد الدعم العسكري والاستخباراتي والمالي لأوكرانيا لحين رضوخها للرؤية الأميركية لتسوية الصراع، ومطالب ضمان الاستثمارات في مخزون المعادن النادرة، أفرز مستوى جديداً من الصراع داخل معسكر الحلفاء الغربيين، ما زاد من تعقيد الجهود الرامية لتسوية الصراع الأساسي».

المفاوضون من الطرفين الأميركي والأوكراني (أ.ف.ب)

في غضون ذلك، جدَّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تأكيد موقف بلاده المعلن حول عدم الاستعداد للتراجع عن المناطق التي سيطرت عليها موسكو داخل الأراضي الأوكرانية، في أي عملية تفاوضية مقبلة.

وقال في مقابلة مع المدونين الأميركيين أندرو نابوليتانو ولاري جونسون وماريو نوفل إن «أوكرانيا كان بمقدورها أن تحتفظ بحدودها لعام 1991، ولكن من دون شبه جزيرة القرم وجزء من دونباس، لو تعاونت سلطاتها ونفذت المبادرات الخاصة بتسوية الأزمة في السنوات الماضية». وأوضح أنه «للمحافظة على حدودها، كان على كييف أن تلتزم باتفاقيات مينسك». وزاد لافروف: «في كل مرة يغشون، يخسرون، وهذه العملية مستمرة».

واتهم الوزير أوروبا وبريطانيا بالسعي إلى إدامة الصراع حول أوكرانيا، وقال إن الطرفين يريدان «رفع المخاطر، ويستعدان لشيء من شأنه دفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات عدوانية ضد روسيا». وشدد على موقف بلاده الرافض لوجود قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي على الأراضي الأوكرانية، في إطار أي تسوية محتملة.

وقال إن «وجود قوات أطلسية تحت أي علم، وبأي صفة، بما في ذلك قوات حفظ السلام، سيُشكل تهديداً لروسيا»، مؤكداً أن «موسكو لن تقبل بوجود دول حلف شمال الأطلسي على الأراضي الأوكرانية تحت أي ظرف من الظروف».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع مستشار الأمن القومي الأميركي مايك والتز بعد محادثات مع الفريق الأوكراني (أ.ف.ب)

وانتقد الموقف الأوروبي القائم على «تجاهل مصالح روسيا». وزاد: «لا أحد يتحدث إلينا. يرددون باستمرار أنهم لا يتحدثون عن أوكرانيا من دون أوكرانيا، لكنهم يفعلون كل شيء ضد روسيا من دون روسيا (...) لماذا علينا أن نوافق على قوة حفظ سلام أو أي مجموعة لحفظ السلام؟ يريدون أن تتكون هذه القوة من دول أعلنت بلادنا عدواً لها، ثم يأتون إلى هناك بصفة قوات حفظ سلام».

وشدد على أن بلاده لن تقدم تنازلات في الملفات الحيوية، وأنها «لن تتهاون في التعامل مع الأزمة الأوكرانية، لأن هذا الأمر الذي من شأنه أن يعرض حياة الناس للخطر (...) بالنسبة لموسكو، الأولوية هي حماية الناس الذين حرمهم نظام كييف من تاريخهم من خلال سن قوانين أحادية».

لافروف: لن نقبل بوجود «الناتو» في أوكرانيا تحت أي ظرف (أ.ف.ب)

وحول الحوار مع واشنطن، قال الوزير الروسي إن «مصالح روسيا والولايات المتحدة لن تتطابق مطلقاً؛ ولا يمكن أن تتطابق حتى بنسبة 50 بالمائة». لكنه أشاد بموقف إدارة ترمب حيال أنه «مهما كانت خلافاتنا، فينبغي لنا ألا نسمح لها بالتصاعد إلى تأجيج المواجهة. وإذا كانت هناك مصالح مشتركة، فينبغي لنا ألا نفوت فرصة تحويلها إلى شيء عملي ومفيد».

وأعرب عن استعداده لمناقشة فكرة ترمب حول عقد اجتماع بين الولايات المتحدة وروسيا والصين بشأن الأسلحة النووية، وقال إن «موسكو منفتحة على أي صيغة للحوار قائمة على الاحترام. تحتاج القوى النووية إلى التواصل، وليس الصراخ في وجه بعضها».

وشدد على متانة التحالف بين موسكو وبكين، منوهاً بأن بلاده لم يسبق لها أن حظيت بمثل هذه العلاقات الجيدة المليئة بالثقة مع الصين. وأكد لافروف أن موسكو «لن تنتهك مطلقاً التزاماتها القانونية والسياسية التي تربطها ببكين».

ورداً على سؤال يتعلّق بصعوبات جدية تواجه علاقات موسكو وبكين على الصعيدين التجاري والاستثماري، أقر لافروف بأن «المشكلات والصعوبات في العلاقات إلى حد كبير بالعقوبات، لأن الشركات الصينية تريد أن تتجنب الوقوع تحت طائلة العقوبات». وأوضح أنه «تم تأجيل بعض مشروعات اللوجيستيات والبنية التحتية الواعدة جداً في سيبيريا. لكننا لسنا في عجلة من أمرنا. الصينيون، على وجه الخصوص، لا يتعجلون مطلقاً. إنهم ينظرون دائماً إلى ما وراء الأفق. وهذه هي العقلية الوطنية، ونحن نحترمها».


مقالات ذات صلة

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.